الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

تموز السيادة: الرمز والمصير

د.ميثم الجنابي

 

سواء كانت كلمة السيادة من السيد أو السؤدد، فان مضمونها الفعلي يفترض في حدوده الدنيا تزاوج الاثنين بالشكل الذي يجعل من المرء والمجتمع والدولة كيانا متجانسا لا عبودية فيه. وهي حالة لا يمكن تأمينها بغير سيادة القانون الحق والعدالة الاجتماعية. وإذا كان العراق يقف الآن أمامها كما لو انها إشكاليته الكبرى وامتحانه العسير، فأن مفارقتها تقوم في كونها (تمتهن) و(تمتحن) في المكان، الذي جرى فيه للمرة الاولى في التاريخ العالمي، اختيار واختبار مضمونها في الموقف من الحياة والموت والوجود ككل. بمعنى اختيار واختبار ضرورة الاحتكام إلى قانون ينبغي معرفته والتمسك به، بوصفه مصدر (الحكمة الخالدة) و(القانون الأبدي). وليس اعتباطا أن يكون حمورابي هو الذي نفخ في جلجامش مساعي البحث عن الخلود. فصيرورة الدولة والثقافة المتمكنة من صنع رؤيتهما الخاصة عن الكون والوجود والحق، اللتين أشركتا الآلهة في مشاورة مريرة من اجل ترتيب معنى العقاب والثواب كما وجدت تعبيرها في مسلة حمورابي، هي الإشارة الرمزية على أن الخلود الممكن يقوم في إدراك الحكمة القائمة وراء ما هو عرضة للزوال. وليس مصادفة أن تتوصل ملحمة البحث عن الخلود إلى حكم نهائي ومثير للحيرة والاندهاش المميزين للبحث عن يقين في عالم متغير. بينما اليقين هو الثبات. وهو خطاب وضعته الملحمة بسؤال وجيز يقول، إلى متى تطوف يا جلجامش بحثا عن الحياة الأبدية؟! وقدمت له جواب بليغ، هو مصدر ومضمون الحكمة الخالدة نفسها، عن أن ما يسعى إليه في طوافه وترحاله هو مجرد بحث لا طائل تحته، وذلك لان الآلهة حالما خلقوا الإنسان، جعلوا الموت مصيره المحتوم، وانه لا خلود لغيرهم. وبالتالي ليس أمام الإنسان الا أن يأكل ويشرب ويمرح ويفرح ويلاعب أطفاله ويداعب أزواجه. فهو الحد النهائي لوجوده! وهي حكمة لا معنى للاعتراض عليها ما زالت هي التي تعطي للآلهة معنى السمو والعظمة والاستمرار. بمعنى افتراضها المبطن لضرورة الإنسان وفعله ومساعيه للبحث عن الخلود. إذ لا معنى للخلود بدون من يتأمل ذلك ويراقبه ويسعى إليه أو إلى محاكاته.

ويقف العراق اليوم أيضا يتأمل مساعي أقوامه ليبشروه بمن هو مستعد للسعي المخلص من اجل الأبدية. ولا يعني ذلك في الواقع سوى العمل من اجل تحقيق الحد الأدنى لها الا وهو المزاوجة المعقولة والمقبولة للسيد والسؤدد فيه. وهي مهمة ممكنة التحقيق في حال إدراك الحكمة القائمة وراء ما هو عرضة للزوال في وجوده المعاصر. بمعنى إدراك أن (السيادة) عرضة للزوال، لأنها (هدية). وهو الأمر الذي يجعل من الضروري التأسيس لإمكانية إلغائها التام من خلال البرهنة العملية على أن الحكمة الخالدة في العراق تقوم بالإخلاص التام له. فهي (الهدية) الوحيدة (الخالدة) التي حصل عليها جلجامش من بين البشر! لقد قض مضجعه وعذب روحه رؤية الموت في وجه من احب. من هنا لم يكن بحثه عن الخلود سوى الصيغة الفردية والمبطنة للبحث عن خلود الرافدين فيه بوصفهما مصدر الحياة والموت، أي مصدر الحركة الدائمة والدائبة لأحزانه وأفراحه، لبطولاته وتضحياته، لبساطته الظاهرة وأعماقه السحيقة. لقد أراد أن يرى أسياده أسيادا لا تموت، وأن يرى الحياة (تتكرر) في وجوه من احب، لا أن يكون مصيرهم مجرد أكل وشرب ولعب ولهو وبنات وبنين. لقد أراد أن يرى فيما حوله وجوها بشرة حية فرحة مرحة قادرة على الإبداع بعد كل طوفان مهما كان عنيفا. ووجد ذلك في العراق بعد أن فقده في انكيدو. فالوجد من الفقد كما تقول المتصوفة. وهو حدس يمكن الإمساك به في ألواح العراق المتناثرة بعد طوفان التوتاليتارية والدكتاتورية. ففي مجموعها ترمز إلى وجه العراق، وفي حقيقتها ترمز إلى انه لا يمثل العراق في العراق غير العراق، بمعنى أن يرى في وجهه كل الأحوال الممكنة بوصفها الدورة الدائمة للتلوين والتمكين في الحقائق. بمعنى الاستعداد لرؤية التغير في ملامحه وأحواله والثبات في مكوناته وحقائقه التي تضعنا أمام نفس القضية المحيرة والمثيرة لاندهاش العقل والوجدان في بحثهما عن اليقين والأبدية في عالم متغير.

وليس هناك من حقائق كبرى في العراق غير تاريخه الكلي، أي تاريخ الانتماء الصادق إليه، والمبني على أساس أن العراق ليس تجمع أعراق، وانه هوية ثقافية سياسية، وانه غير معقول ولا مقبول خارج وحدة مكوناته الرافدية والعربية والإسلامية، وان حقائق هذه المكونات هي جواهر ثقافية، وان الهوية الثقافية المفترضة للعراق والعراقية هي الاستعراق، وان الاستعراق هو الحد الأقصى للقومية والدين فيه، وبالتالي فأن الخروج على الاستعراق هو خروج على منطق الهوية الثقافية للعراق وعلى مكونات وجوده الجوهرية، ومن ثم فهو خروج على الحكمة الثقافية والسياسية لتاريخه الكلي، وبالتالي فهو خروج على القانون أيضا.

فالتجربة التاريخية لفقدان (السيادة) واسترجاعها في العراق تبرهن على انها مجرد نتاج طبيعي للعملية التي رافقت مد (الطوفان) وانحساره، أي النتيجة الملازمة لابتعاده عن مكوناته وحقائقه الكبرى، أي عن مرجعياته المتسامية، التي تتمثل فكرة الاستعراق مضمونها الفعلي. ومن ثم ليس (استرداد السيادة) سوى البداية الأولية لمواجهة الإشكاليات الفعلية والأكثر تعقيدا لإيجاد النسبة الواقعية والعقلانية للتحرر من العبودية أيا كان شكلها ومضمونها. ولعل أهمها الآن هي أولوية التحرر من ثقل التاريخ المعاصر وإشكالياته السياسية والأيديولوجية، التي تراكمت في تاريخنا المعاصر. بمعنى ضرورة التحرر من تاريخ الملكية والجمهوريات الأربع من خلال إرساء أسس جديدة للدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة.

فإذا كانت المفارقة التاريخية لفقدان السيادة واستردادها تتزامن في بداية (تموز)، فان ذلك يعني من الناحية الرمزية أيضا، بان العراق استكمل تجربته التاريخية ضمن (تموز). فقد جرب منتصفه (الرابع عشر عام 1958) ونهايته (الثلاثين عام 1968). أما بدايته اليوم (الاول من تموز عام 2004)، فأنها تشير إلى انه قطع الدورة الكاملة في تمثل وتمثيل المعاني المريرة في شخصية آلهته القديمة. ومن ثم حان له الوقت للرجوع إلى تاريخه الواقعي. فالعراق اليوم ليس محكوما بتموز، بل بمواجهة ذاته الفعلية بوصفه ارض الشريعة والدولة والمدنية. انه ليس محكوما بمواجهة تموز الابدي كما لو انه مصيره المحتوم. وألا لكان ذلك يعني بأننا ملزمون على بمواجهته كما لو انه إلهنا الوحيد في تحسس وإدراك معنى التحدي الفعلي لكل انعطاف محتمل في وجودنا التاريخي. ومن ثم الإقرار بان تموز هو الإله الذي يرافق لهيب الذاكرة العراقية وبرودة صداها التاريخي، بينما المهمة تقوم الآن في تحويله إلى مجرد رمز من رموز مصيرنا لا غير. بمعنى إدراك مغزاه على انه مجرد أحد الرموز الكبرى التي تحتوي على قدر تاريخي من تجاربنا، أو أحد أقدارنا المريرة. وهو إدراك يجعل من الضروري فك الارتباط الوجداني به من خلال جعله مؤشرا على ما يمكن دعوته بفورة الراديكالية العراقية واضمحلالها.

فمن الناحية الظاهرية نقف أمام ظاهرة تشير إلى ارتباط تاريخي ورمزي ووجداني بين العراق وتموز. وهو ارتباط له مغزى سياسيا وفكريا يقوم في كونه التعبير (النموذجي) عن امتزاج الهامشية الاجتماعية بالراديكالية السياسية التي أنتجت مختلف أشكال التوتاليتارية المتخلفة والدكتاتوريات الفجة والابتذال السافر لكل القيم والمفاهيم النبيلة. وهو امتزاج جعل من ملاك الثورة شيطانا متقلب الأهواء. وبغض النظر عن كل الأوصاف الأدبية الممكنة بهذا الصدد، فان مضمونها لا يتعدى في نهاية المطاف الإقرار، بان تاريخنا المعاصر من فقدان السيادة حتى مواجهة استحقاقاتها الحالية والمستقبلية يقوم في أننا نقف أمام راديكالية همجية لا أسلوب لتذليلها غير رمي مكوناتها من صيرورتنا الحالية. بعبارة أخرى أننا بحاجة إلى التخلص من صراع (الآلهة) و(الشياطين)، لكي لا يتبارى أحدهم في إغواء البشر وثانيهما في شحذ مدية العقاب. وهو امر يترتب عليه نقل فكرة الوعد والوعيد إلى ميدان الحياة الاجتماعية والسياسية من خلال تذليل نفسية وذهنية الراديكالية السياسية. وهي مهمة ممكنة التحقيق في حال ملئ العلاقة التاريخية والرمزية والوجدانية بين العراق وتموز بمكونها العقلاني، أي من خلال تأسيس الصيغة الواقعية والعقلانية لتموز المعاصرة.

فقد جرّب العراق منتصف تموز ونهايته، وجرب في سيمائه ومحياه من كثرة ما واجهه من تحولات مفاجئة لا يحكمها غير جاهلية الابتعاد عن حقائق تاريخه الكلي وقيم الاعتدال والعقلانية التي لا يمكن بدونها بناء الدولة العصرية وتنظيم مؤسساتها، والمجتمع المدني وتفعيل خلاياه، والثقافة وتوجيه أشعتها لإضاءة الوجود المادي والروحي للفرد والجماعة. وإلا فإننا سوف نعاود الكرة بعد كل مائة عام للتحسر أمام كيفية تأمل وتأويل الفكرة الإسلامية التي جرى صياغتها منذ عهود طويلة، عن (الله يبعث لهذه الامة كل مائة سنة من يجدد لها هذا الدين)، وان يجري مزجها بتكملة الحديث القائل، بان (الإسلام بدأ غريبا فطوبى للغرباء)! ومفارقة الظاهرة تقوم في أن من (يجدد) لهذه الامة هو (الغريب) الأمريكي!

لقد خرج العراق في بداية الحرب الأوربية (العالمية) الأولى من تحت أقدام الانتداب البريطاني، وها هو يخرج الآن من تحت أقدام الاحتلال الأمريكي للحصول على سيادته (الكاملة). فبعد كل مائة عام يظهر له من يجدد له (دين) الاستقلال مرة و(دين) الديمقراطية مرة أخرى. وفي كلتا الحالتين يبدو هؤلاء (الغرباء) (محررون) و(مصلحون). وهي (رسالة) لها غرابتها وقيمتها التاريخية. فقد حرر الإنكليز العراق فعلا من شبح العثمانية الثقيل، كما حرر الأمريكيون العراق من همجية التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وأعطى ويعطي كل منهما (السيادة) للعراق. وما زال العراق بين السيادة الأولى والثانية يراوح في نفس المكان. إذ لا يعني الحصول على (السيادة الكاملة) الآن سوى بدايته من (الصفر) في تحسس وإدراك وتحقيق معنى كونه سيد نفسه ومستعدا للاتصاف بصفة السؤدد. وهي حالة فعلية لا تزويق فيها. فقد استعبدت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية العراق، وجعلت منه عبدا ذليلا وكسرت إرادته بطريقة ليس لها مثيل في تاريخه العريق. وكشفت عن إمكانية إزالته من الوجود! وبرهنت على أن احتمال اشتقاق اسمه من العرق ليست ضمانة لعدم اقتلاعه من جذوره الفعلية. وهو الأمر الذي يجعل من الغزو الأمريكي، الذي كان بمعنى ما النتيجة الطبيعية لاقتلاع العراق من عروقه، تحريرا بالمعنى التاريخي، قد يكون الأكثر رمزية ودلالة في وجوده المعاصر. وهو واقع يعطي لفكرة السيادة الحالية مغزاها المتميز ويجعل منها إشكالية متعددة المستويات بالنسبة للعراق وقواه السياسية والاجتماعية والفكرية. كما يجعل منها إشكالية متعددة الأوجه. والقضية لا تقوم فقط في ماهية ومستوى السيادة التي تمتع بها العراق في تاريخه المعاصر، بل وبحقيقة هذه السيادة بعد قرن من الوجود (المستقل). وفيما اذا وجد العراق ما كان يبحث عنه؟ أما الأجوبة فإنها جلية ولا تحتاج إلى شئ غير تقرير واقع. بمعنى انه لم يتمتع بسيادة فعلية، وانه يراوح في مكانه بعد قرن من الزمن، وانه لم يجد ما كان يبحث عنه. بل يمكننا القول، بأنه لم يتواجد، لأنه لم يفقد شيئا. والآن فقط يشعر للمرة الأولى بمرارة الفقدان. وهو الشرط الضروري لبناء الوجدان. بمعنى إمكانية وجدان فقدانه لكينونة الذاتية. إذ ليست حقيقة السيادة سوى تحسس وإدراك حقيقة الأنا والعمل بمعاييرها.

فقد ظهرت الدولة العراقية المعاصرة في بداية القرن العشرين من تحت أقدام الاحتلال الإنجليزي، ونقف أمام نفس الظاهرة في بداية القرن الحادي والعشرين. فهل يعني ذلك أن العراق بحاجة إلى قرن إضافي كامل من اجل البرهنة على أن الثبات فيه لا يحده شئ غير الموت؟! ففي حكاية تروي عن الشيخ الجنيد كيف انه كان يسير يوما مع مريديه في أطراف بغداد فرأى رجلا مصلوبا مقطع اليدين والرجلين. فاستغرب ثم تسائل عن سبب قتله، فقيل له (انه كان يسرق). فبعد سرقته الأولى قطعت يده اليسرى، لكنه استمر فقطعوا الثانية. ثم استمر يسرق برجليه فقطعوا الأولى ثم الثانية. فاستمر بالسرقة بفمه. لهذا لم يجدوا بدا من قتله. حينذاك اقترب الجنيد من الجثة وقبلها. فهاج المريدون صائحين: (أيها الشيخ! كيف تقبل لصا مصلوبا؟!)  فأجابهم: (إني اقبله لثباته)!

غير أن العالم المعاصر لا يحتوي على جنيد كوني قادر على تثمين  قيمة الثبات في سرقة العراق لذاته! لاسيما وأنها السرقة التي لا يمكنها أن تكون مثالا للأمم! وذلك لان الثبات المعقول والمقبول للعراق من اجل أن يكون (قدوة) يقوم في امتلاك سيادته الفعلية، بوصفها تحسسا وإدراكا وفعلا قوميا بمعاييره الخاصة. بمعنى الرجوع إلى مكوناته الذاتية بوصفة كينونة ثقافية سياسية لها تاريخها العريق. وهو رجوع ممكن فقط في حال تأسيس الثبات الجديد بوصفه تأسيسا لفكرة البدائل الثقافية والعمل من اجل تحقيقها. وهو فعل يفترض نفي التاريخ الملكي والجمهوري بتاريخ جديد يذلل نماذج الدولة والسلطة والمجتمع والثقافة السابقة، من خلال إرساء أسس الدولة الشرعية والنظام البرلماني الجمهوري والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. فهو البديل الوحيد القادر على تذليل (النزوع الإمبراطوري) و(الضعف التاريخي) للعراق. إذ ليس الحصول على السيادة اليوم سوى الصيغة الرمزية للمنعطف التاريخي الكبير الذي يواجهه العراق في تحسس وإدراك ذاته. وهو تحسس وإدراك يفترض الارتقاء بالإرادة الاجتماعية والسياسية إلى مصاف الرؤية الوطنية الحرة. والمقصود بذلك الإرادة المدركة لحقيقة الهوية العراقية وكيفية الانتماء لها، والقادرة في نفس الوقت على تحقيق معاصرة المستقبل، أي إرادة الحرية الساعية للرد على الإهانة التاريخية التي تعرض لها. فهي الإرادة الوحيدة القادرة على (تبرير) قربان تضحياته الهائلة.

فللسيادة قربان أيضا! ولا شئ (يبرر) حجم القربان التاريخي للسيادة في العراق الآن اكثر من بناء سيادة حقيقية، أي كينونة عراقية للدولة والمجتمع والثقافة. فالسيادة الفعلية هي تحسس وإدراك حقيقة الأنا والعمل بمعاييرها. وليست الأنا العراقية الآن من حيث الضرورة والفائدة والواجب سوى الاستعراق، أي الهوية التي تنظر إلى العراق على انه هوية ثقافية سياسية وليس تجمع أعراق، وانه غير معقول وغير مقبول خارج وحدة مكوناته الرافدية العربية الإسلامية، وانه في مكوناته جميعا جوهر ثقافي، ومن ثم فان الاستعراق هي ضمانة البقاء ضمن الهوية التاريخية الثقافية للنفس، مما يجعل الخروج عليها خروجا على الحكمة الثقافية والسياسية لتاريخ العراق الكلي والجزئي. أما البقاء ضمن معاييرها الواجبة والعمل بموجبها، فانه يفترض أولا وقبل كل شئ نفي نفسية وتاريخ الفكرة القائلة (كيفما تكونوا يول عليكم)، وان (الناس على دين ملوكهم). بمعنى إيصال فكرة الإرادة الحرة إلى مداها السياسي والاجتماعي المعاصر من خلال نفي فكرة الولاية والولاة والملوكية ونفسية الارتباط العبودي بالسلطة أيا كان شكلها ومضمونها. ولا يعني ذلك سوى التحرر من أية عبودية كانت. وهي غاية ممكنة التنفيذ من خلال إنجاز مهمة ولاية النفس، أي سيادة النظام الشرعي وحكم القانون. وهو المضمون الفعلي الوحيد (للقربان التاريخي) الذي قدمه العراق في تاريخه المعاصر من اجل السيادة.

ولا يمكن (تعويض) القربان التاريخي للسيادة في ظروف العراق الحالية والمستقبلية دون التحرر من (تاريخ) التوتاليتارية والدكتاتورية وبقاياها في كل ما قامت به. بمعنى نفي (شرعية) كل ما قامت به داخليا وخارجيا. إذ لا يمكن بناء معاصرة المستقبل في العراق من دون تذليل كامل ارث التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، بوصفها النقيض والنفي السافر لماهية وحقيقة القانون والشرعية والحق. بعبارة أخرى، إننا بحاجة إلى (تطهير) التاريخ السياسي للسلطة في العراق المعاصر من كل أفعالها الداخلية والخارجية، وما (أبرمته) من معاهدات واتفاقات، بما في ذلك ما جرى بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. إذ لم يعرف العراق المعاصر تاريخا شرعيا سوى تاريخ الملكية، رغم فسادها الهائل. وهو فساد له مقدماته الخاصة بكيفية نشوء الدولة العراقية الحديثة. لكنه يبقى مع ذلك (التاريخ الشرعي) الوحيد، بسبب إرساءه أسس الدولة المعاصرة، وليس الاستحواذ عليها من خلال انقلابات ومؤامرات ومغامرات للعسكر والحثالات الاجتماعية والهامشية السياسية. فهو الأسلوب الفعلي للبرهنة على أن العراق الجديد ليس استمرار لما مضى بل نفي حقوقي شامل له، كما انه الأسلوب الوحيد القادر على معاصرة المستقبل فيه. وفيه فقط يمكن تحسس وإدراك وتذوق عذاب الحرية ولذة السيادة.

والسؤال الذي يجول في الخاطر والعقل والضمير الآن هو: هل ظهرت في وجه القوى السياسية والفكرية والأدبية العراقية حمرة الخجل أم صفرة الوجل مما جرى؟ وهل يقف العراق اليوم متحيرا مندهشا، في حال يصعب معرفة ما إذا كان هو مجرد مقام بلا أحوال؟ وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بصورة جازمة، وذلك لاحتمالات التأويل السياسي والأيديولوجي غير المتناهي. الا أن الإجابة الفعلية عليه تقوم في أن العراق قد تعرض إلى إهانة تاريخية ووطنية بالاحتلال المباشر لأراضيه. لكن الوجه الآخر لهذه الإهانة يقوم في إشارتها إلى أن الحرية وفقدانها هي من صنع الشعوب أنفسها. بهذا المعنى كان الاحتلال أمرا ظاهره عذاب وباطنه رحمة.

فللسيادة لذة لا يمكن تذوقها دون تضحية! والسيادة هي ليست مقولة جغرافية، بل معيار على مستوى ولاية النفس والعمل بمعايير الشرعية والحق ومتطلبات الواجب الوطني، أي بمرجعيات الاستعراق. ومن ثم ليس الحصول على (السيادة) الآن سوى البداية التي ينبغي أن تضع مضمون الكلمة ضمن سياق معناها الأولي، أي توحيد السيد والسؤدد في الفرد والجماعة والدولة. فمما لا شك فيه أن البلاء للقلب هو كاللهب للذهب! وقد اكتوى القلب العراقي بلهيب التوتاليتارية والدكتاتورية والاحتلال بما فيه الكفاية! مما يضع أمامنا مهمة الحصول على ذهب يعادل في أوزانه نقاء الحرية والعدالة والسيادة. وليس هناك ذهب من هذا النوع بالنسبة للعراق سوى حقيقة السيادة المنقاة على لهيب الحرية وتأسيسها المعتدل في كافة نواحي الحياة وميادينها، أي سيادة النفس المقيدة بالقانون والشرعية والحق. وهو حال يفترض ظهور حمرة الخجل مما جرى، وصفرة الوجل من مجرد تخيل ما جرى لكي لا يتكرر التاريخ ويصبح مجرد اجترار للزمن! وهو حال يفترض بحدوده الدنيا ثورة الروح. 

وإذا كان من البديهي القول، بان شكل الثورة على قدر ما في الأعماق من عنفوان، ومحتواها على قدر ما تسعى إليه، فان حقيقتها تتوقف على كيفية تجسيد شعاراتها المعلنة. وليس المقصود بالثورة هنا سوى التحول المؤسس على مبادئ واضحة ومنظمة للبدائل تقرن الواقعية بالعقلانية من اجل بناء الدولة الشرعية والنظام الديموقراطي والمجتمع المدني. من هنا لا تعني ثورة الروح سوى البديل الواقعي والعقلاني للروح العراقي من اجل بناء سيادته الفعلية. فقد حطمت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية مكونات الروح الوطني، وهشمت أسسه الضرورية، وجعلت منه مجرد أهواء خربة وذرات متناثرة في انتماءات تقليدية وتحزب لا عقلاني، شعارها زعيق وخطابها نعيق، وكلامها تحريض وصمتها تعريض، وتفكيرها تخريف وتأويلها تسويف، وسلامها إعلان وحربها خذلان، وبهجتها تخريب وحزنها تسريب للأسى المقتول، أي لكل ما لا ينتج روحا قادرا على التحدي والمواجهة من اجل الحق والعدالة والسيادة. وهو الأمر الذي يجعل من الضروري دفع الحرية إلى أقصى مدى لها بحيث تحاذي الفوضوية من اجل كسر كل القيود الخربة المتغلغلة في خلايا ومسام القوى الاجتماعية والسياسية العراقية. بعبارة أخرى إننا بحاجة إلى حرية بلا حدود، وحدود منبثقة من فكرة الحق والعدل والواجب فقط. وهي حرية لا يمكن تحقيقها بدون ما أسميته بثورة الروح، أي بدون العمل من اجل صنع روح معاصرة المستقبل في العراق. فهو الروح القادر على تحصين المجتمع من إمكانية السقوط ثانية في أوحال الدكتاتورية والاستبداد، والعامل على خوض غمار تجارب المشاريع المتنوعة وصياغة البدائل الواقعية لتطوير المجتمع والدولة والثقافة في كافة الميادين بوتيرة سريعة ومتجانسة. وهو روح ممكن بناءه على ثلاث أفكار كبرى وهي فكرة الاستعراق وفكرة الاعتدال العقلاني وفكرة المرجعية الثقافية. فهي الأفكار القادرة على صنع وحدة معقولة ومقبولة للعراق من خلال نفي التجزئة العميقة في الهوية الوطنية والذهنية الراديكالية ومختلف أصنام المرجعيات، واستبدالها بمكونات الهوية العراقية وتقاليد الدولة الشرعية والديمقراطية الاجتماعية والثقافة الحرة.

ذلك يعني أن ثورة الروح هي أولا وقبل كل شئ أسلوب تحقيق التنقية الذاتية وتطهير النفس من خلال تخليصها من شوائب الرذيلة العالقة بها. فالنفس العراقية الحالية مليئة بالشوائب، بل لا تخلو حتى فضائلها من رذيلة. وهو تناقض يعبر عن مستوى الفضيحة الفعلية في مفارقة التاريخ السياسي والثقافي العراقي المعاصر، الذي جعل من الأطراف مركزا للدولة، ومن الحثالة الاجتماعية بؤرة للمجتمع، مما افرغ الأشياء جميعا من روابط وجودها الطبيعي، ومن ثم قلب القيم والمفاهيم والأعراف رأسا على عقب. بحيث أدى في نهاية المطاف إلى نفي حدود الأشياء. مع ما يترتب على ذلك من تمييع للقيم والمفاهيم والأحكام والمواقف. أما (السيادة) فلم تعد اكثر من امتداد جغرافي مرهون بحكم السيطرة والقهر. فكل ما لا يخضع لعبودية السلطة واستبدادها يصبح خارجا عن (السيادة). مما أدى إلى أن تكون السيادة سجنا كبيرا لا وظيفة له غير الإهانة الشاملة لكل موجود فيه. من هنا كانت إهانة الاحتلال النتيجة الطبيعية لواقع هو مجرد سيادة حدود لا حدود للسيادة فيها. بمعنى واقع لا يسوده غير الاستبداد والقهر، بينما حقيقة السيادة هي السؤدد والحرية. وهو الأمر الذي يجعل من مهمة التنقية الذاتية وتطهير النفس العراقية الحالية إحدى المهمات الكبرى للانتقال من الجغرافيا إلى المجتمع، ومنه إلى الروح الاجتماعي والسياسي. وهو انتقال يعادل في المفهوم السياسي فكرة الانتقال من سيادة الحدود إلى سيادة القانون، بمعنى أن تكون حقيقة السيادة هي سيادة القانون المدني. وفي هذا الانتقال يمكن للروح العراقي التمتع الفعلي بما يمكن دعوته بسيادة الأمل الدائم. وهي سيادة تفترض على الدوام العيش حسب قواعد الفلسفة العقلانية لمواجهة النفس، وتأمل التاريخ الذاتي، وتأسيس البدائل الواقعية للإشكاليات التي يواجهها العراق. وآنذاك فقط يمكن لتموز والسيادة أن يلتقيا ويتداخلا بوصفهما مصيرا في ضمير العراقيين وعقولهم وأفئدتهم، ورمزا عن وحدة الحرية والسؤدد في العراق.

 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة