المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

عن محمود البريكان

صلاح نيازي

يعتبر محمود البريكان من الرعيل الأول من كتاب الشعر الحر في العراق ، وهو أثراهم موضوعا ، وأخطرهم اسلوباً وجرساً. بيد أنه اقلهم شهرة وتداولاً، وهذا تقصير من قبل الحركات الأدبية العربية، ومن النقاد خصوصاً.
وراء البريكان ثقافة تاريخية واعية، وثقافة قانونية، وثقافة فلسفية أجنبية، مع هوس بالموسيقى الكلاسيكية الغربية. من جراء ذلك تفرّد شعره نوعا وتنوعاً. وهو يختلف عن كل أبناء جيله من الشعراء بتمكنه من كتابة نثر دقيق علمي مقتصد. وهذه ميزة لا تكتسب إلا بالقراءات النثرية المتعمقة، بالمقارنة والمجاهدة، بين النصوص، بحيث يصبح الكاتب لا مجرد وعاء خازن ، بل جهازَ تفاعلاتٍ كيمياوية. هكذا باختصار، الكاتب الحقيقي مختبر، أهميته من تجاربه. والمعروف أن نثر كتاب الشعر الحر في العراق يتحضض في بعض الأحيان الى مستويات لا يمكن إساغتها بحال.
إذا صح الآفتراض أعلاه ، أن الكاتب الحقيقي مختبر فلا شك في أن كتاباته ستتخذ شكل البرود العلمي والتجرد والتواضع قبل وحتى بعد إجراء التجارب. هكذا شعر البريكان، جادّ بلا تحمس، وفيه صفات النهر العميق، لا الغيمة المتنقلة، صفة الكلوروفيل والنتح والنسغ ، لا التغني الساذج بالعنقود .على هذا يمكن اعتبار قصائد البريكان- لولا بعض غنائيتها الموروثة
بداية الشعر المثقف Intellectual Poetry في القصائد العربية .
وحتى نفهم مكانة البريكان أكثر فلابد من الإقرار بأن الشعر العربي عموما شعر آنتشاري ينتقل فيه الشاعر من نقطة، ثم يتفرع ويتفرع . فالريشة مثلا، تقود الى الطير، والطير إلى الطيران والترحال والهجرة، والهجرة إلى أماكن غريبة وهكذا
…. بهذا المعيار يمكن القول ، إن البريكان من الشعراء القلائل الذين غيروا المعادلة الشعرية القديمة فجهدوا إلى جمع العالم في نقطة، أي انه أصبح عدسة محدّبة لامّة . وهذا تطور، حبذا لو توقف عنده النقاد لأنه بداية لكتابة قصيدة عضوية متواشجة متلاحمة.
في أواسط الخمسينيات نبه السياب الى أهمية شعر البريكان وذكر شيئاً من قبيل أعظم أو أفضل شاعر في العراق، أو بهذا المعنى فسرناه، المهم أنه لم يذكر شاعرا غيره. منذ ذلك الحين، باتت متابعة نشاطات البريكان الأدبية، وكذلك الشخصية من فضولنا الأدبي.
رغم أن البريكان أكثر أبناء جيله نضجاً، وأعمقهم فكراً وأجدّهم موضوعا ، ألا أنه
على العموم_ لا يمكن عزله عنهم. عُني جيل الخمسينيات فيما عنيَ به _ بالعدالة الآجتماعية، والحرية، بالموت والعقم . لا يفوتنا أن الشعراء العراقيين منذ العشرينيات من القرن الماضي، طرقوا وبالحاح، الموضوعات الآجتماعية، من فقرٍ ويتْم وطلاقٍ وسرقة وجريمة . أفرغوها في قوالب حكائية سردية تميزت بالميوعة وبمزيد من الميوعة، وبلغت نضجها عند الرصافي في " اليتيم في العيد" و" الأرملة المرضعة" و " المطلقة". رمى الشاعر من وراء قصائد كتلك الى آستثارة الشفقة مباشرة. على أية حال، كان الشاعر في كل الأحوال يصف الضحية ولا يتقمّصها . بكلمات أخرى لم يجعل الضحية تتحدث عن نفسها. حصيلة شعرية كهذه ، كانت أمام الشاعر الخمسيني، منها غرف، ومنها استلهم. أضف إلى ذلك ما قرأه السياب وربما البريكان من قصائد حكائية في الشعر الإنكليزي بلغته الأصلية. فالمومس العمياء امتداد للشعر العراقي العشريني والثلاثيني، من حيث أنها في نهاية المطاف تستدر العطف وتستثير الشفقة خاصة أن المومس (وعمياء ايضا ) لا تنطق بالضد ، لا تعي زرايتها، وان نطقت فلأن حظها في المهنة منكود.
في قصيدة البريكان " ارتسام " منحى لا يختلف كثيرا وان كانت اكثر حدة واقتصادا :
" في المطعم الصاخبْ
أطل من خلف الزجاج عابر صغيرْ
بوجهه الشاحبْ
أطل لحظتينْ
أسقط قطرتينْ .."
تتمسرح القصيدة بكلمة : خلف. أي أن الراوية كان إمّا مترصداً فقط داخل المطعم، أو أنه أحد الزبائن. وبتراكم كلمات مثل : عابر صغير / وجه شاحب / زجاج بارد قاس / نظرتين نهمتين، يكون الراوية قد أكمل عُدّة ًلا بأس بها في استدرار العطف والشفقة، وحين ذكر الراوية : "لكن أعين الناس / همّت به فغاب " فإنما كان يصور قساوة المجتمع ليس إلاّ. قصائد من هذا النوع وهي تفتقر للمبادرة والموقف، لا تثير الإعجاب بل الشفقة على الموصوف. إذا أردنا للأعمال الأدبية الموضوعية أن تأخذ أبعادا إنسانية أكبر من بيئتها، فلابدّ من المبادرة
العمل، كمبادرة كلكامش في الكشف عن سرّ الموت ولهاثه وراء الخلود. خيبته المأساوية عنصر حاسم في الإثارة لأنها تحثنا على المزيد من المغامرات الفكرية والعضلية. ومن أمثلة المبادرة- العمل ، مقامات بديع الزمان الهمذاني، وشهرزاد التي استطاعت بضعفها وحكمتها أن تجعل شهريار تَلْعابة ، بكل ما فيه من بطش وتوحش وأنانية.
وأقرب الأمثلة الى ذلك في الاوبرا ( فيديليو ) لبتهوفن. وهي آمراة تنكرت بصورة فتى، وعملت في السجن لإنقاذ معشوقها، وأنقذته . وكذلك اوبرا ( توسكا) لبوتشيني التي قايضها ( سكابيا ) رئيس شرطة روما المتغطرس جسدها مقابل خلاص حبيبها الرسام من حبل المشنقة. رضخت عن مقت ، وحين أحاطها بذراعيه التقطت سكينة من على الطاولة ودفنتها في ظهره وغنّت :
" هل دمك يخنقك
متْ عليك اللعنة
متْ ، متْ
إنه ميت. أهذا الذي
كانت كل روما ترتجف ذعراً منه "
شاعت القصائد الحكائية في الشعر المصري الحديث، وخاصة لدى صلاح عبد الصبور. إنها على العموم سردية، مملة لأنها كدّست الزمن والحوادث بتراكم، آخذا بعضها برقاب بعض. المعروف أن الشعر الحكائي لحظات منتقاة ، والزمن فيها لا يتسلط عليها من الخارج بل ينبع من داخلها، لذا فالشعر الحكائي يتميز باختزال شديد يقرب من التجريد، وبآقتصاد في التعبير يقرب من البرقيات، وغموض كلما تمعّنتَ فيه تضاعفت معانيه. أهم من ذلك، يجب أن تتخلل الشعر الحكائي وقفات صمت يملؤها القارئ بأحاسيسه هو فيتبناها ، وكأنه يشارك في تركيب النص ونموه، كالذي نجده في الشعر الصيني والياباني و في شعر دي لامير ووالس ستيفنس وروبرت فروست.
الثيمة الأخرى التي احتلت مكانة الصدارة في الشعر الخمسيني ، هي الحرية . حيث ارتبطت بكل معانيها بالتحرر الوطني ، ولكن بعد الاستقلال الفعلي 1958 توقف هذا النوع من الشعر أو كاد، ولكن كما يبدو لم يتوسع شاعر عراقي في مفهوم الحرية، وخاصة الحرية الفردية كمحمود البريكان. من دلائل ذلك رفضه ( للتماثل الكامل ) في قصيدة عن الحرية :
" لا أشتهي عينا زجاجيهْ
فماً من المطاطْ
لا أبتغي إزالة الفرق ولا أريدْ
سعادة التماثل الكاملْ
شكراً لكم دعوه يبقى ذلك الفاصلْ
أليس عبداً في الصميم سيد العبيدْ "
كما رفض محمود البريكان الذوبان في أية مؤسسة أياً كانت واجهاتها ، كما في قصيدته : " السقوط الجماعي " و " انتماءات ". ولاشك في أنه طوّر موضوع الحرية الفردية ، - الأنا ، إلى موضوع الحرية الفردية
الأنت ، وهذا عين ما فعله الشاعر الإنكليزي ملتن .
رغم أن موضوعات البريكان الشعرية طريفة غاية الطرافة، وأصيلة ومتطورة ولكن ما يشوقك فيه أكثر، طريقته في معالجة تلك الموضوعات سواء من حيث التوزيع الموسيقي أو صياغة العبارة المتقنة الصنع، وهي التي تجعله أخطر شعراء جيله وأكثرهم شاعرية . وهو بلا شك أعمقهم وأشملهم . أما تقنياته فأكثر تميزا ، يجد فيها الشعر كرامته .
محمود البريكان ، باختصار ، شاعر أكبر من بيئته .


قصة .. عـنــدمــا يـنـكـســر الـغـصـــن

جورج لويس بورخيس
ترجمة عادل العامل
رأى ولد صغير ذات يوم دمية في نافذة متجر من المتاجر، فالتمس من والديه ان يشتريا الدمية له، لكن الامر كان فوق امكانياتهما البسيطة. فراح في كل مساء يحلم بالدمية، وفي كل يوم يلتمس من والديه شراء الهدية، وفي كل يوم يقولان له (لا).
واستمر الامر عدة ايام وفي آخر الامر، توقف الصبي عن طلب الدمية، اذ كانت احلامه بالدمية قد اصبحت تعويضا مناسبا عنها. فحلم بالمغامرات الرائعة الكثيرة التي لديه مع الدمية المبجلة، وبالبهجة التي جلبتها على حياته. وتأمل كل تفصيل دقيق.
وعندما استيقظ ذات صباح وجد الدمية جالسة عند اسفل سريره، فاندفع تغمره البهجة، الى والديه ليعبر لهما عن امتنانه. فاصابت والديه الحيرة، لانهما لم يكونا قد اشتريا الدمية، وسألا الطفل من اين حصل عليها، فانسحب الى غرفته، وراح يفكر بالدمية ومصدرها، وقد اكتشف ان الدمية قد جاءت من احلامه، ابدعها عقله هو.
فكان في كل ليلة يحلم بدمية مختلفة، وفي كل صباح تظهر دمية جديدة عند اسفل سريره ومتى ما رغب في شيء راح ببساطة يحلم به، فيظهر لديه في الصباح التالي.
وبعد عدة ايام من تكرار الحادثة اكتشف الطفل ان موهبته كانت تعمل خارج احلامه ايضا.
فمتى ما اراد شيئا، فكر به ببساطة، فكان يظهر له بطريقة سحرية، ومتى ما اراد لحدث ان يحدث فكر به فيحدث.
وذات مساء، راح عدة اولاد اكبر منه يهددونه. فحلم الصبي بأنه لم يكن هناك، فبدأت جدران الواقع من حوله تنهار، واخذته معها.

The Garden
Of Jorge luis Borges


من اوراق اسبوع المدى  ..  عـودة الـمــنـفـى الــى الـجــــــذور: تمزقات ثقافية في عالم متغير

شاكر الأنباري
المكان ينمو نمو البشر. تتغير ملامح الطبيعة، وتتآكل البنايات. وتقوم واجهات جديدة.
فالزمن له وقع ثقيل على الانسان والجمادات. ان الانقطاع عن المكان الأول يحدث فجوة في الروح، وهذا ما أحسست به ما ان عدت الى القرية، بعد اكثر من عشرين سنة من المنفى. القرية التي ولدت فيها، وعرفت خباياها ونباتاتها وطيورها وغبارها ونخيلها، لم اتعرف عليها في البدء، تضاريسها الأولى انمحت وزالت، ومن ذلك مقبرتها الصغيرة النائمة على طرف صحراء الجزيرة. تغير المكان بقوة لكنه ظل ملونا بحكاياته القديمة، حكايات سنوات سابقة من طفولة مهملة.

الابتعاد عن المكان ينحت فجوة في صخور الكائنات، روحية قبل ان تكون ملموسة. تغيب ملامح وتولد اخرى. ظل المكان الأول صورة مسجلة في الذهن، الا انه زال واندثر، مع ناسه وحكاياتهم، مع ان قسما كثيرا من اولئك الناس بقوا احياء. تلك الحقائق تجلب الحزن الى روح العائد الى وطنه، وعلى كاهله عقود من الاغتراب، والسفر، والسياحة في العالم الخارجي. هذا الشعور ربما يهضم وينظر به حين يحدث مع الجمادات، مع الشوارع والأنهار والأبنية والحدائق والنخيل، لكنه حين يحدث مع البشر فهو يملأ النفس بالحزن والخيبة والخواء. التفسير الوحيد الذي اقنعني هو ان الأمر يكمن في داخلي انا، وليس في المكان او اصحاب المكان. انا الذي تغيرت بعد هذه السنوات. انا الذي امتلأت دواخله بالماضي والأمكنة البعيدة. لقد غيرتني علاقات عشتها، ومدن رأيتها، وبلدان زرتها، ومياه سبحت فيها وشربت منها، وثلوج تختلف.
في قريتي لم تسقط ثلوج على الاطلاق. رأينا البرد فقط، ولعبنا مع حباته والتهمناه، لكن لم نر ثلوجا. انا من تغير وليس المكان فقط. الوشائج الداخلية التي كانت تترابط مع مؤثرات المكان الأول زالت. تخلّقت مراكز حسية جديدة نتيجة هواء آخر ووجوه أخرى ولغات ذات محمولات رمزية ثانية. قاموس الأصوات مخالف، وكذلك قاموس الروائح والمبصورات والمسموعات. هذه تجارب داخلية يصعب الاحساس بها لمن لم يعشها ويخضع لمفاعيلها. طوال سنة من عودتي لم التق اي وجه أعرفه صدفة في الشارع او المطعم او محل العمل. عرفت كثيرا من الأشخاص خلال دراستي في الجامعة واثناء خدمتي العسكرية وسفراتي داخل الوطن. ربما كنت التقيهم لكنني لم اتعرف عليهم. احيانا كانت تمر عليّ وجوه احس انني اعرفها او عرفتها حين كانت شابة ذات يوم، الا ان ملامحها ظلت ثابتة في رأسي. زمنها غير زمني. الصورة المختزنة لا تشبه الصورة التي امامي. ربما بعض من الملامح فقط. حين وصلت القرية في اليوم الأول جاء رجال ونساء للسلام علي، كنت اعرفهم جيدا. تربيت معهم وعاشرتهم، وصورهم ظلت في ذاكرتي حين كنت أطوف بين البلدان. لكل اسم قصة وحديث. كنت اتطلع في الملامح واشخّص بعضها لكنني نسيت اسماءها. فاضطررت الى الاعتماد على اخي الأصغر كي يذكرني بهم. بالمناسبة لم اتعرف على اخوتي ايضا، فقد كبروا وشابوا وقست ملامحهم وبانت عليهم شخصياتهم الداخلية فأفرزت لكل واحد صفة. المفاتيح التي كنت أحملها لاخوتي لم تعد صالحة للدخول الى أرواحهم. الزمن غيّر الأقفال والمفاتيح. الا ينطبق هذا على الأمكنة ايضا؟ تظن انك تعرف مفاتيح مدينة ما، ثم تغادرها سنوات وتعود، لتجد ان مفاتيحك لم تعد ملائمة. المفاتيح تتجدد بتجدد المكان وكذلك البشر، يتجددون ويتغيرون بتغير الزمن والتجارب والأحداث.
الحياة مصنوعة من احداث تجري في الزمن، ولكل مكان احداثه. التجارب المعيشة تظهر في التعابير. تعيش عشر سنوات في فرنسا، تتكلم لغتها، وتأكل طعامها، وتقرأ صحفها، فاذا بك تحمل شيئا منها. تصبح فرنسيا بنسبة ما، حتى لو كانت النسبة ضئيلة. هل هذا امر جيد ام سيئ ؟ يصعب الجواب. هل المسؤول هو أنت ام الظروف المحيطة بك؟ وتلك اشكالية الهويات التي كرس لها امين معلوف كتابا كاملا، وكذلك كتب عنها الطاهر بن جلون وميلان كونديرا وادوارد سعيد وسواهم. انها على ما يبدو اصبحت اشكالية كونية، لا تخص المثقفين والمبدعين والمفكرين بل عامة الناس في هذه الحقبة المحكومة بالهجرات والتحولات واللجوء والانزياحات الحضارية. الملايين من الهنود الذين يعيشون في بريطانيا، هل بقوا هنودا حقا ام اصبحوا انكليزاً، ام بين بين؟ مرة اخرى هي اشكالية الهوية والانتماء والعولمة والاندماح الحضاري الجاري بشكل كوني. احيانا اعطي الحق لبعض الأصوات العراقية التي تعيب على القادمين من الخارج اليوم بأنهم لم يعودوا عراقيين، واغتربوا طويلا عن المعاناة.
هذا صحيح في وجه من الوجوه.
عشرات السنين من الاختلاط بحضارات اخرى ينبغي عليها ان تغير الانسان.
وفي الوقت ذاته افكر في ان العراق الذي نرغب فيه يجب ان يكون هكذا: عراقا حضاريا غير منغلق، منفتحا على العالم وحركاته وأفكاره وتقنياته وصرعاته. نحن لا نستطيع ان نكون جزيرة منعزلة في المحيط الضاج من حولنا. وربما هي ليست اشكالية عراقية فحسب بل هي تخص الثقافة العربية، او المجتمعات العربية برمتها. يجب ان تفتح الباب على مصراعيه امام ما يجري في الخارج. يجب ان تجرب التلاقح في الأفكار والعادات والمآكل والأفكار والصناعات. هذا هو الطريق الصحيح لتفادي الانغلاق والتطرف والأصولية، ولاحقا الانتحار الحضاري. أتذكر حينها الروائي الترينيدادي من اصل هندي، نايبول الحائز على جائزة نوبل، فأجد انه خير من عبر عن هكذا لحظات او تمزقات في الحضارة المعاصرة.
كانت معظم شخوص نايبول تعيش هذه الازدواجية: ازدواجية الحضارات والهويات والأزمنة. ابطاله كونيين صاروا، وبات عليهم تقبل حقيقة انهم لم يعودوا مواطنين اصلاء لأي بلد. ليسوا تابعين لأي دين او عقيدة او مكان. هل تتجه البشرية الى خلق انسان من هذا النمط؟ افكر بالأوربي الذي يعيش في البرازيل خبيرا في احدى الشركات، ويقضي هناك عشرات السنين. وأفكر بالباكستاني الذي استوطن جنوب افريقيا وصار يعيش من بقاليته في احد الشوارع الفرعية في الضاحية النائية من جوهانسبيرغ. وافكر في اللبناني الذي هاجر الى شيلي وراح يتكلم الاسبانية ويحتفل بأعياد الشعوب ما قبل الكولومبية. جميعهم ادركوا ما هم عليه، وتقبلوا مصيرهم، مصير اشخاص يعيشون في عصر جديد، عصر العولمة او اندماج الحضارات نحو بلوغ المواطنة العالمية التي لا تعد فرصة بل واقعاًً مفروضاً. العاب الطفولة اندثرت، التماس مع الطبيعة خلّف وراءه ذلك العالم السحري الذي نسميه بالتلفاز والأنترنيت. وجد حتى الطفل نفسه في خضم عالم واسع، بعاداته المتنوعه وألعابه الالكترونية وأفلامه وأحداثه المصورة التي تجري على مدار الساعة. العالم القديم ما عاد سوى حكايات تروى في قيلولات الظهيرة، اما الحاضر فهو الكون كله. جزء كبير مما يجري في عراق اليوم له علاقة بهذه الحقيقة. عراق قديم منغلق على المحلية المتخلفة، المنتمية الى التقاليد المتكلسة المترسبة منذ العهود العثمانية، وعراق جديد يتلمس خطواته في خضم المعاصرة، التواصل مع الخارج، القفز على حواجز الوطنية المنتفخة والتدين المنافق والعشائرية المتلبسة برداء التقاليد الأصيلة والحنين الى ماض غاب ولن يعود.
الغاء العقل وسيلة المهزومين، حين يواجهون خطرا اضخم من ان يقفوا في وجهه.
التمزق الحضاري موجود لدى الغالبية هنا، رغم ان قسما منهم لم يخرج من العراق.
وتلك مفارقة أخرى.
هم يعانون ذلك التمزق كونهم يعيشون زمنين في الوقت ذاته، لكل زمن بواعثه ومواصفاته وهواجسه وسماته. ففي حقبة التحولات الكبرى تتناثر الكتل الصلبة للبشر وتتشظى. يضيع المرء بين وجوه متعددة للحقيقة، أو الواقع. الرسو الى جانب ما يتطلب زمنا وتفاعلات ومقارنات بين هذا وذاك.
وعلى مر الزمن تنحت ثانية هوية أخرى. تغيب الهوية القديمة وتحل محلها هوية الحاضر، المنفتح على الجهات. العراق الجديد يختلف كليا عن عراق ذلك الزمن الذي خرجت فيه الى أرض الله الواسعة. الجدة لم تأت بسبب التطور فقط، انما نتجت عن تفاعلات سياسية واقتصادية واجتماعية، حرّكت مياهها الساكنة هزات وزلازل حدثت في العشر سنوات الأخيرة من حياة العراقيين.
اعتقد ان ذلك الاختلال في الروح العراقية سيستمر فترة من الزمن، الى أن يأتي جيل جديد متناسق مع الظروف، لا يعيش حالة التمزق الحضاري التي عاشها جيلنا. جيل ابنائنا حين ينمو في ظل بيئة حضارية منسجمة مع ايقاعات العصر، ومنفتحة على الآخر، وعارية من قشور الغيبيات والأوهام التي غذتها السلطة السياسية بكامل مؤسساتها، على امتداد عشرات السنين.
يسهل الحديث عن فرد وتجربة بذاتها، لكن الحديث عن شعب بأكمله يتطلب عدة اخرى.
عدة الفكر البشري المحصن بنظريات حديثة، ومغامرات عقلية، وخبرات.
ذلك الفكرهو الذي وصل الى الحافات القصوى من حريته.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة