ثقافة شعبية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

استذكارات .. حصان رشيد
 

عمران السعيدي

يخرج الوالد من بين خيط الصفصاف الكثيف وغابة الغرب الخضراء حاملاً بلطته الحادة ومنجله المسقي حديثاً بعد اكماله، جمع حزم الحطب الكبيرة استعداداً للشتاء البارد والذي اصبح على الابواب، نادى على ولده الاوسط (رشيد) كي يهيئ حصانه الاشقر للذهاب به الى (الولاية) ويقصد بغداد كي يسقوا المناجل ويغيّروا حدوة الحصان التي اكلتها حصاة سكة قطار البصرة وقير شارع الحلة الطويل حين يسير هذا (الفلو) المتباهي بصدره العالي وسيقانه الرفيعة وهو يسحب خلفه عربة (الجت) بين حقول وبساتين الكرادة ودور مربي الجاموس (المعدان) في منطقة الدورة المطلة على شاطئ دجلة الغربي والمواجه لجزيرة (ام الخنازير) الجميلة.
يستعد الفتى (رشيد) فرحاً وحصانه في الذهاب الى (الولاية) لان زيارة بغداد في تلك الفترة نادرة جداً وخاصة بالنسبة لابناء القرى والفلاحين خاصة حيث يكبر الطفل ولا يحظى بزيارة بغداد الا نادراً. يصل الاب وابنه بعد مسيرة طويلة الى منطقة (علاوي الحلة) حيث الاسواق الواسعة ودكاكين الحدادين عند (ركبة الجسر) وهو جسر الشهداء ومحال الاقمشة والتبغ خاصة (تتن ابن الجيلاوي) المعروف في خمسينيات القرن الماضي ومطاعم الكباب الشهيّة.
يترك الاب المناجل لدى الحداد (لسقيها) ويأخذ الحصان الى محل (النعلبند) كي يستبدل حدواته المتآكلة. يترك الحصان عند الحداد ويأخذ ولده الى مطعم كباب مجاور. يتناول الاثنان وجبة شهيّة ويأخذان كؤوساً من الشاي من المقهى المجاور فالوالد يشرب الشاي كثيراً فترى (برّاد) الشاي يرافقه في تنقلاته داخل حقله وغابة الطرفة والغرب حيث يملأه من ماء دجلة حتى وان كان خابطاً ويهدره على نار حطب التوت القوية... ويبقى معه طوال النهار.
انتهت وجبة الغداء مع الشاي الطيب وعاد الاب وابنه الى حداد المناجل و(النعلبند) لتسلم المناجل والحصان وهكذا كان.. وتبدأ رحلة العودة عبر معسكر الوشاش والحارثية ومزارع الكرادة الى ان يصل الركب حقل والد رشيد. ينتبه الفتى الذكي لحصانه وخطواته الغريبة حيث راح (يعرج) في لحظة وصوله الى الحقل. تبين الوالد سبب هذا (العرج) في خطوات حصانه فادرك ان الحدوة في حافره الايمن اصغر من حجم الحافر وهناك بعض الشقوق في وجه الحافر القوي اما باقي الحوافر الثلاثة فكانت حدواتها سليمة. لم يهتم (رشيد) بحدوة حصانه الصغيرة وراح يسوقه نحو دور (المعدان) بعربته المليئة بحاصل (الجت) يومياً. يزداد (العرج) لدى هذا الحصان الوديع ولا يشكو لصاحبه سوى ببعض حمحمات بسيطة اثناء تقديم الماء او العلف له. لم ينتبه رشيد لحافر حصانه وجروحه التي اخذت تتوسع بين يوم وآخر حتى وصلت الجروح الى اللحم زاحفة خلال المنطقة القوية. يتورم الحافر ويلتهب المرفق ويزداد (العرج) في خطوات حصان (رشيد) الجميل ويصعد الالم الى الساق. تصعد حرارة جسمه عالية.. يضعف تناول العلف لديه ويبدأ لعابه بالنزول من شفتيه ومنخريه.. والدمع ينزل كثيراً من عينيه. يزداد الالم في الساق ويمتنع عن الوقوف بهدوء بين (عدّة) العربة ويتوقف عن العمل وتناول العلف معاً.
لم يكن هناك من طبيب بيطري كي يعرضوا عليه هذا الحصان الجميل. يبادر الاب ورشيد الى استشارة من له بعض علم بعلاج الحيوان في تلك القرية.
ويكون احد الادوية هو الدخان فيبادر رشيد الى وضع كومة حطب رطبة امام منخري الحصان واشعالها لتبعث الدخان الكثيف في وجه حصانه.. وهذا العلاج عادة ما يستعمل لمداواة الحيوان الخامل والقليل الحركة.. ويسمى الحيوان وخاصة الخيول والحمير في هذا الحال بـ (المسقّو) أي بطيء الحركة فتتم عملية تدخينه كي يستعيد نشاطه.
لم ينفع هذا العلاج مع حصان (رشيد) وتزداد حاله سوءاً ويرقد فوق كومة الدمن عند باب الدار ويمتنع عن تناول ما يقدم له من علف تماماً. يحاول معه رشيد والذي مرض لمرض حصانه الحبيب، يحاول معه بكل الطرق كي يدفعه لتناول وجبته من العلف ولكن هيهات فالحصان مريض.. يصعد الورم الى صدره.. ويمد رقبته على طول كومة الدمن دون شفاء يرتجى.. يبكيه رشيد بمرارة.. ويمرض معه ويأخذه الهزال ايضاً لان الاكل قلّ عنده ايضاً.. صار فراش رشيد جنب حصانه يراقب زفيره وانينه المؤلم.. ويمسح شفتيه بكل ود.. ومحبة. يموت حصان رشيد.. اخيراً ويبكيه هذا الفتى كثيراً.. ويأخذه الهزال لابتعاده عن الاكل ايضاً...
بالتعاون مع ابناء القرية يسحب رشيد حصانه الى اطراف مقبرة الدورة ويواريه التراب كأي عزيز من الاهل.. وينبت عند قبره العشب الاخضر والحرمل والشوّيل وشتلة زاهية من نبات الكُبر (الشفلّح).. بقي يرتادها رشيد لزمن طويل ويجمع منها زهرها الابيض وثمرة (الشفلّح) وحبات الحرمل اكراماً لحصانه.


كتب المذكرات والثقافة الشعبية

باسم عبد الحميد حمودي

عمد الكثير من الساسة والشخصيات الاجتماعية والعلمية الى كتابة ونشر مذكراتهم في الاحداث الى عاصروها او كان لهم دور في رسمها او حضورها ومن هذه الكتب مذكرات الشيخ عبود الهيمص ومذكرات اللواء احمد الراوي ومذكرات الدكتورة سانحة امين زكي ومذكرات توفيق السويدي وكامل الجادرجي وسلام عادل والجواهري الكبير وسواهم.
وتكشف هذه المذكرات عن تفاصيل اجتماعية وسياسية وثقافية كثيرة كما تكشف عن جوانب من العادات والتقاليد القديمة وصراعات القيم، وتكشف عن حقائق العلاقات بين العوائل والاسر واخلاقيات الحياة السالفة.
وبقدر ما تضيء هذه المذكرات جوانب من حياة الشخصيات التي دونتها او روتها تكشف عن صور من العادات والتقاليد الاجتماعية مثل وجود الخدم داخل البيوت وطرق عمل المواد الغذائية داخل البيوت وتفاصيل دورة الحياة وبناء الاماكن الترفيهية على الشواطئ وطرق النقل واسماء ومعاني اسماء المدن والقرى، وانت تجد تفاصيل اكثر من ذلك في مذكرات الدكتور كمال السامرائي ومذكرات الاميرة بديعة بل ان كتاباً موسوعياً مثل تاريخ الوزارات العراقية يمكن فحصه على مستوى الثقافة الشعبية في موضوعات البلدانيات والفيضانات والاسرار والمعارك الاجتماعية اضافة الى ما يعطيه كتاب (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق المعاصر) للعلامة د. علي الوردي يمكن استخلاص الكثير من تفاصيل الثقافة الشعبية منه فهل ينصرف بعض كتابنا الى هذا الامر الحيوي والمفيد معاً؟


فولكلوريات عراقية

اعداد/ ثقافة شعبية

الحلاقة الشعبية.. انواع وفنون
في عام 1590، امر والي بغداد جغاله زاده سنان بتشييد اول محل للحلاقة في مقهى خان الكمرك وكان الحلاقون الشعبيون قبل ذلك يطوفون في الازقة والاسواق حاملين عُدة الحلاقة ليحلقوا لمن يشاء، وظل الحلاقون الدوّارة حتى يومنا هذا يدورون في الاسواق ليحلقوا لمن يريد اضافة الى انتشار محال الحلاقة النظيفة والانيقة في المحال والاسواق وكان الحلاق الشعبي مزيناً وطبيباً في نفس الوقت فهو يعالج الجروح ويقلع الاسنان وقد يكون الحلاق ختّاناً كذلك يقوم بختن الاولاد في الوقت الذي يختاره الآباء وتتم عملية الحلاقة في الطريق العام بان يجلس الزبون على كرسي او صفيحة ويشرع الحلاق بمسك الموسى وتمريره على القايش حتى يكون حاداً ثم يبدأ بحلق شعر الرأس وكلما حدث جرح في الرأس دلك الجرح بالشب رغم الم صاحب الشعر المحلوق الذي يبقى في العادة صابراً حتى يتم الحلاق عمله، فاذا اراد حلق لحيته ايضاً وضع الحلاق اللكن بين يديه وبدأ بحلاقة اللحية فاذا اتمها غسل وجه الرجل ونشفه وقال للزبون: "نعيماً" إيذاناً بانتهاء العمل فيعطيه الزبون اجرته التي لا تتجاوز العشرين فلساً في اربعينيات القرن العشرين فيما يتسلم صبي الحلاق منه اربعة فلوس وهو يضع العطور على الوجه الحليق، والعشرون فلساً كانت تسمى (اقران) اما الاربعة فلوس فكانت تسمى (عانة) وهي عملة معدنية بيضاء ابدلت الى الخمسة فلوس بعد ذلك في زمن الزعيم عبد الكريم قاسم. اليوم ازدهرت محال الحلاقة وباتت تتبارى في التجميل والاناقة وفي اختراع اشكال متعددة لحلاقة الرأس وخصوصاً حلاقة الشبان والافندية ولكل زمان حلاقون ورؤوس.
طعامكم دواؤكم
استخدم الاطباء القدامى الاغذية والنباتات لعلاج مختلف الامراض التي تصيب الانسان وقال الطبيب امين رويحة في كتابه (النباتيون ومنهجهم الغذائي): "طعامكم دواؤكم" وقبله بالف عام قال الرئيس ابن سينا: "اعدلوا عن الدواء الى الغذاء" ووصف الكثير من الاطباء القدامى والمحدثين العديد من الاطعمة لمعالجة الامراض فقد نصحوا بتناول الخضراوات الطازجة والفواكه مثل اللهانة والجزر والعنب والشلغم والسبانخ والقرنابيط لمعالجة اضطرابات الدورة الدموية والصداع والشعور بالتعب، ونصح الاطباء القدامى والعشابون بتناول المشمش والبزاليا واللبن لعلاج سقوط الشعر، وفي معالجة حساسية الجلد والحكة بتناول الخيار والليمون وعلاج تسوس الاسنان بتناول المشمش واللبن وجفاف الجلد بتناول الخوخ والعنب والفجل والجرجير والتهابات الحنجرة باكل الكراث وعالجوا الشهقة او الفواق باكل النعناع وطنين الاذن وآلامها بتناول الثوم والبصل والربو بتناول الحليب والالبان والسعال بتناول الكراث.
وعالج الاطباء المسلمون امراض القلب واضطرابات وضغط الدم العالي بتناول البرتقال والليمون وقشورهما واكل الخوخ والحلبة والزبيب والعنب والثوم والعرموط وعالجوا تصلب الشرايين بنصحهم المريض بتناول الثوم والجزر والكراث والنعناع والنخالة والتهابات الكلية وضيق التبول بتناول الرشاد والبصل والكراث والعنب واللوبيا والتكي.
وهكذا عالج الاطباء القدامى معظم الامراض المعروفة آنذاك بتحسين نوعية الاغذية وتناول الاغذية الطازجة خصوصاً والتقليل من تناول اللحوم الحمراء.
من طرائف الشعر الشعبي
من طرائف الشعر الشعبي القديم قول احدى الحسناوات وكانت حزينة تبكي وتدق على صدرها، قالت:
خالاتي دكن حيل    
    ها، خالة وياي
موش ابني هذا المات    الميت اهواي
وقد حق لها هذا الحزن القديم، ومن فن التوشيح قول الشاعر عبد الحسين صبرة:
جيت انفخ الدلال عود اجلي الغبار
        لنها بكايه الروح تتوجر النار
ومن التوشيح الشعري الشعبي قول الشاعرة غيده في النقمة على كلبها عند زيارة حبيبها (حمد) لها في غفلة من الرقباء، قالت:
لابو اليذبلك زاد    
    لابو اليلفيك
لا تنبح اعلى هواي    
    جم دوب اوصيك
ومن شعر التجليبة قولهم:
لجلبنك ياليلي الف تجليبة
تنام اهل الهوى وتكول مدري به
تنام اهل الهوى اوليلي فلا نامه
        اعاين للنجم والعب لعب دامه
ويلاه على كلبي الزادن آلامه
        بلش بيه الهوة وثكل مخاليبه
وفي ذلك قال الشاعر عبد الحسين الحياوي:
لجلبنك ياليلي ولوياي وياي
    على الوادي بجيت وحرميت الماي
انه امن احجي يخوتي شاهدي وياي
        جسوا اجروح كلبي او شوفوا صواويبه
اغاني الباعة في كربلاء القديمة
اشتهر باعة الخضر والفواكه والمنتجات الاخرى المعروضة في الاسواق الشعبية بمناداتهم على بضائعهم لدفع الناس الى الشراء، وقد كتب كثيرون في اغاني الباعة التي تعتبر نوعاً من الاعلان الدعائي عن البضاعة، وهو امر مشروع تستعمله اليوم الفضائيات على الشاشة الفضية للاعلان بواسطة الصوت والصورة المغناة والملونة عن مختلف انواع البضائع، وقد جمع الباحث التراثي الاستاذ على الفتّال الكثير من اغاني الباعة في كربلاء عن مختلف البضائع والمحاصيل ومنها ترنيمتهم عن التمر اذ ينشد البائع:
هذا التمر خستاوي        
والياكلة متغاوي
ويقول عن التمر المبروم
مبروم التمر جبناه من شفاثه        
والما ياكله ينكسر محراثة
وشفاثة هي عين التمر وهي قضاء قريب من كربلاء يشتهر بتمره الشهي المذاق.
ومن اغاني باعة الشوندر قولهم:
شوندرنه كله شكر        
مابي دغش معروف
يطفي الحرارة من القهر     
ويطيب الملهوف
وعن التين قولهم:
حلو حلو هذا التين        
بي مغرمة السلاطين
واكل الخواتين التين    
يا تين يا وزيري
والخاتون سيدة المنزل والمنشد هنا يمدح التين بانه محبوب السلاطين والتين ايضاً وزيري أي محبوب الوزراء ولفظ وزيري يا تين نداء موجود في معظم المدن العراقية لان التين نوع من الفواكه الغالية الثمن السريعة الخروج من السوق فمدة عرضه محدودة كما هو معروف.
ومن اغانيهم عن العنب قولهم:
عنب عنب بكّوري        
عدنه عنب بلّوري
وقولهم ايضاً:
هذا عنب بلداوي        
اسود ومية راوي
والاشارة هنا الى مدينة بلد وان عنبها اسود راوي أي كثير العصير.
وفي الرمان ينشد الباعة:
شارب مية كربلة        
وحبايته متهيلة
وهم يرغبون الشارين بالرمان الآتي من بساتين ديالى فينشدون:
هذا رمان ديالى        
ومرافج الخيالة
ومن اناشيدهم المرحة قولهم:
مَيّك شكر يا رمان        
وكشرك دوة للجربان
ولهم اغان في التفاح والليمون والمشمش وسائر الفواكه وهم في كربلاء ينشد باعتهم عن الباقلاء:
ام العلم بالحلة        
مزروعة بطين الدهلة
وعلاقة الباقلاء بالحلة علاقة معروفة ففيها تطيب زراعتها وسلقها ومن جمال اغانيهم في الطماطة قولهم:
بهيدة امشي يا ولد        
عدنه الطماطة خطار
تفاح جنها محيلله        
وخدودها تجدح نار
والطماطة هنا عروس جميلة لا غذاء لذيذ الطعم والشكل فقط.
وللباعة في كربلاء اغان اخرى جميلة خاصة بالفجل والسمك والقيمر وبيض الدجاج واللحوم والحلويات والمرطبات ومن الجميل نداؤهم عن الازبري قولهم:
بالعربانه جابوك يلزبري        الناس تصعد ليفوك وانته كري
وتلفظ ايضاً (وآنه كري) أي انك تسير الى الخلف.
ونختم حوارنا مع دراسة الباحث علي الفتال التي وردت عن اغاني الباعة في كربلاء قولهم في الزلابية والبقلاوة:
زلابية وبقلاوة        
كلبي احترك بالطاوة
متطفي ناري وحركتي    
الا بحيرة ساوة
والاشارة هنا واضحة الى تلك البحيرة البعيدة عن كربلاء القريبة من السماوة والتي هي بحيرة كثيرة المياه جميلة المنظر.


مكتبة: معجم الامثال الحلية

احمد زكي الانباري
التراث الشعبي يمثل الروح الجمعي للشعوب، وخزين وعيها، ومنهج تفكيرها، وحلقة الوصل التي تربط اجيالها، والذي يمدها بنسغ حياتها، من هنا جاء اهتمام الدكتور صباح نوري المرزوك بتراث مدينة الحلة/الفيحاء، خالدة الذكر والحياة، فأخذ على نفسه متابعة تراثها الشعبي، مدفوعاً بولع خاص بكل ما يمت اليه بصلة، فتراه دائم الاهتمام بتراثها الشعبي والادبي، وله في ذلك كتابات مبكرة، نشرت على صفحات مجلة التراث الشعبي الغراء منها (صناعة الدبس في الحلة) و(عادات وتقاليد المرأة الحلية في العظم والولادة) و(معجم البيوتات الحلية) و(مؤلفات الحليين المخطوطة وكذلك المطبوعة) و(النباتات في الامثال الحلية) و(النبات وما اليه في الالغاز الشعبية الحلية) و(نصوص فلكلورية)، وغيرها من الدراسات الادبية واللغوية والببلوغرافية القيمة، وكان آخر ما وهب الحلة من جهد هو كتابه الموسوم (معجم الامثال الحلية، مجموعة الامثال المسموعة في مدينة الحلة).
حدد المؤلف الفاضل دوافعه في تبنيه التراث الحلي الشعبي واهتمامه فيه، بان مدينة الحلة، مدينة تاريخية عريقة (ولدت في رحم بابل الحضارة والمجد) وان ما كتب عنها قليل اذا ما قيس بمدن عراقية اخرى، لذلك يرى لزاماً على ابنائها الذين لهم اهتمام وثقافة في مجال توثيق التراث الشعبي والثقافي للمدينة (ان يبادروا بالكتابة عن تراثها، لاسيما ان هناك محاولات قد تمت في اتجاه جمع ذلك التراث واخراجه بكتاب، وقد فشلت مشيراً الى (ندوة الحلة في التراث التي اقيمت في الحلة، 1995) وكذلك فشل مشروع احياء الذكرى المئوية التاسعة لتأسيس مدينة الحلة، الذي كان من المفروض ان يقام في المحافظة في 26/10/2001م (معزياً ذلك الفشل الى عدم الاكتراث)، وكذلك فشل مشروع جامعة بابل بالكتابة عن موسوعة الحلة الحضارية، رغم انجاز القسم الاكبر من البحوث. لذلك بادر هو في نشر ما توفر له من تراث مدينته التي احبها بصدق. وهو في كتابه مواد بحثنا هذا والذي كانت بدايته مقالاً بعنوان (النبات في الامثال الحلية) نشره عام 1972م في مجلة التراث الشعبي، والذي اصبح الآن جزءاً من كتابه هذا الذي نتناوله الآن بعد ان توسع فيه ليشمل شتى مناحي الحياة، جامعاً فيه معظم الامثال المتداولة على السنة اهل الحلة وسجلها من مصادرها الرئيسة مبتدئاً بجدته لأمه المولودة عام 1914م ووالدته وابناء الحلة، لاسيما المعمرين منهم. ومستفيداً في الوقت نفسه، منهجاً واسلوباً ممن سبقوه في الكتابة والبحث في هذا الجانب التراثي المهم، كالشيخ جلال الحنفي، وكتابه (الامثال البغدادية) والعميد المتقاعد عبد الرحمن التكريتي في (جمهرة الامثال البغدادية)، وعطا رفعت في (امثال الريف والبادية) وكذلك معجمات اللغة العامية، والابحاث المنشورة عنها.
ان كتاب (معجم الامثال الحلية) قام في بنيته على الترتيب الهجائي للامثال التي بلغ مجموعها في هذا الكتاب (1438) مثلاً وهذا العمل سوف يسد فراغاً مهماً في المكتبة التراثية الحلية/العراقية، لاسيما انه من المواضيع المحببة للنفوس، ومع ذلك فقد لمسنا معاناة المؤلف الفاضل وصعوبة التدقيق والتحقيق.
وبما ان المثل قام في بيئته الاساسية على البديهية وسرعة الخاطرة، وهو ابن الموقف واللحظة الزمنية التي قيل فيها. كما ان للمثل خصيصة اخرى، هي ان لكل مثل قصة/حادثة، وقد تكون تلك القصة/الحادثة، قد نسيت بتقادم الزمن، وظل المثل حياً في الوعي الجمعي للناس، والذي يساعد على ذلك طبيعة المثل الذي هو عبارة عن جملة قصيرة ذات ايقاع تعتمد السجع في معظم الاحيان، بلغة سهلة واضحة، مما يسهل عملية حفظها وبقائها في الذاكرة، لذلك ترى الناس يكررون المثل في كل موقف يعتقدون بأنه ينطبق عليه، وقد يعمدون الى اجراء عملية انزياح على المثل ليوافق موقفاً جديداً، اقتضى مثلاً، بالرغم من ان الاول قال: (المثل يضرب ولا يقاس عليه).
عند قراءتي هذا العمل الجيد تبدّت لي بعض الملاحظات التي لا تعدو ان تكون مساهمة في دعم هذا العمل، والاعتراف بفضل مؤلفه، وتثميناً لجهده، وهي بالتالي لا تخرج عن اطاره المنهجي، وارى انها ستساهم في استكمال صورة المثل الشعبي ورؤيته، فمن هذه الملاحظات:
ورود عبارات عدها المؤلف الفاضل امثالاً، وهي في حقيقتها عبارات، كان المراد منها ان تكون عبارات حكيمة او وعظية اخلاقية او وصفية، وهي بصورتها التي وردت فيها تبتعد بهذا القدر او ذاك عن شروط المثل، اذا ما علمنا بان (المثل تمثيل شيء بشيء سوّي به وقت تقديره) كما عرفه الزمخشري في (اساس البلاغة) في مادة (م ت ل) او كما قال سلم بن معبد الوالبي:
جزى الله الموالي فيك نصفا    
    وكلُّ صحابةٍ لهم جزاءُ
بفعلهم فان خيراً فخيراً        
وان شراً كما مثل الحذاء
ومن هذه العبارات التي اوردها المؤلف: (اذا ظهر السبب بطل العجب)، فهذه عبارة حكمية، و(اشتغل بباره وحاسب البطاله) فهي عبارة وعظية تفيد الحث على العمل، و(النوم سلطان) فهي عبارة تقريرية و(بعين الحسود عود) عبارة حكمية دعائية، و(بنيادم عينه ما تنكسر) وهذه عبارة وعظية زجرية و(طبيعة البلبدن ما يغيره الجفن) فهي عباة حكمية وعظية.. الخ.
وملاحظة اخرى تتفق مع ما قرره المؤلف الفاضل في مقدمته (ان من الامثال ما هو مشترك بنصه، مع مدن عراقية وعربية، او ما هو مختلف بكلمة تكون زيادة او نقصاناً، او تغييراً في بنية الكلمة او ابدالها ومن امثلة ذلك:
فقد اورد المؤلف (النفس خضرة) وقد وردت ايضاً (الروح خضرة)، وقد ضمن هذا القول احد شعراء الاغنية الشعبية بقوله (الروح خضرة او تشتهي اوصيباط عنبك عالي)، واورد (الياكله العنز يطلعه الدباغ) فقد ورد ايضاً (الياكله العنز يستوفيه الدباغ)، واورد (اهل الاول ما خلو شي ما كالوه) فقد ورد ايضاً (ابو المثل ما خله شي ما كاله) وقد اورد (مثل خبز الذرة ماكول مذموم) وقد ورد ايضاً (مثل السمج ماكول مذموم)، واورد (الغركان يجلب بالحشيش) واورد ايضاً (الغركان يجلب بسباحة).
ومن الملاحظ ايضاً انه قد كرر بعض الامثال، ففي ص 20 تكرر المثل (بالك ليخرب الكدر)، تكرر هذا المثل في نفس الصفحة، غير ان معناه في الاول كان (للتهكم بأنيق) ومرة اخرى (الاستهزاء). وفي ص 54 اورد (لو جان النوم ينفع جان نفع اهل الكبور) حيث تكرر في ص 55 مع بعض التقديم والتأخير، حيث جاء مرة اخرى بصيغة (لو نفع النوم جان نفع اهل الكبور).
رغم هذه الملاحظات، يبقى عمل المؤلف الفاضل رائداً في مدينة الحلة وجهداً طيباً، ساهم مساهمة فعالة نحن بأمس الحاجة اليها لحفظ تراثنا وديمومته.
وقبل ان اختتم قراءتي لهذا البحث الممتع رأيت ان اشير الى ان الكثير من الامثال التي اوردها المؤلف منقولة عن اصول فصيحة، سواء اكانت نثراً ام شعراً ومن هذه الامثال:
- (التمني رأس مال المفلسين) وهذا المثل نقل من قول الشاعر:
(اتمنى في الثريا مجلسي    
والتمني رأس مال المفلسِ)
- (الجمل يشيل ذهب وياكل عاكول)، هذا المثل نقل عن قول الشاعر:
(كالعيس في البيداء يقتلها الظما    
والماء فوق ظهورها محمول)
- (المبلل ميخاف من المطر)، هذا المثل نقل عن قول الشاعر:
(الهجرُ اقتل بي مما الاقيه    
انا الغريقُ فما خوفي من البللِ)
- (تذبل الوردة او ريحته بيهه) نقل هذا المثل عن قول الشاعر:
(الورد يذبل والشذا ذاك الشذا)
- (رجعت حليمة على عادتهه القديمة)، هذا المثل نقله الشاعر المعاصر وقال:
(عادت حليمة للميدانِ ثانية    
تجرّ اذيال بغي حيك من درن)
- (طبيعة بالبدن ما يغيرهه غير الكفن)، هذا المثل نقل عن قول الشاعر:
(الطبع والروح ممزوجان في بدنٍ    
لن ينتهي الطبع ما تخرج الروح)

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة