المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

من اوراق اسبوع (المدى) : علاقــــــة الثقافي - السياسي
 

فيصل لعيبي

لقد كانت الثقافة الوطنية سابقاً مشاركة فعالة في النضال ضد الإستعمار ومن أجل التحرر والإستقلال ولها خصائص محلية وهي تمّيز بين التقدم والتبعية وهو ما جعلها قريبة من النضال السياسي الرفيع المستوى، مما ساهم في خلق العلاقة الطبيعية بين ما هو ثقافي وما هو سياسي مع إستقلالية كل منهماعن الآخر، فكان المجتمع حاضراً دائماً عند الطرفين.
لكن ثقافة الإنفتاح، تطالبنا بالخضوع لمركز واحد وحيد وتزّيف المعنى الحقيقي للعالمية أو العولمة الإنسانية،محولة التاريخ إلى زمن ثابت محدد باللحظة الرأسمالية فقط. إنها ثقافة (النعجة دولي)، إذا أحسنا التعبير، ثقافة الإستنساخ والأرباح والسيطرة، حيث تنعدم مفاهيم مثل: التضامن، الحرية، المساواة بمعانيها العميقة.
في هذه الظروف أصبح حتى النضال خاضعاً "للشرعية الدولية" والتي تعني عملياًالخضوع لأمريكا ووفق مصالحها أيضاً.
فالمثقف الحالي عموماً أصبح في حاجة إلى مرجعية وهو مثقف مرجعيات بالذات، ويعتمد على جهة، حزب، دين، قومية، دولة، عشيرة، ثقافة الآخر الخ..
نادراً ما نجد في مجتمعاتنا العربية، المثقف المستقل والحر والعضوي في نفس الوقت، إن المثقف عندنا هو (موظف
تابع) ٌ، يوظف الثقافة لجهة ما أو مرجعية ما وبهذا فهو يتنازل طوعاً على الأغلب عن الثقافة لصالح سلطةٍ ما،وتتحول الثقافة هنا إلى وعيٍ زائف ٍ.
منذ الستينيات بات على المثقف أن يثبت ولاءه للسلطة وصار الولاء قيمة معرفية ودليلاً على الوطنية والإخلاص وعكسه نجد تهمة الخيانة والعمالة للأجنبي وإذا أضفنا السلطة الدينية كسلطة إضافية أو مرجعية أخرى فإن الكفر والألحاد هو من نصيب المارقين طبعاً.
يأتي بعد إرهاب الدولة العربية المنفلت وعادات التخلف والجمود والأنغلاق، إرهاب سلطة المال كشكل مستتر ضد الثقافة والمثقفين، ومنذ الستينيات أيضاً لاحظنا جميعا ًكيف أصبح شراء المثقف من خلال التوظيف في المؤسسات الإعلامية البترولية قد قيد تحركه وأغلق فمه بسبب إعتماده في رزقه على مثل هذه المؤسسات، مثال العراق في عهد صدام وليبيا حالياٍ ومعظم دول الخليج التي تنعدم فيها حرية الرأي والتعبير عنه.
إن ثقافة البترودولار، حقيقة موضوعية لاتحتاج إلى براهين لمعرفتها،إذ أصبح المثقف العربي في هذه الأماكن عبارة عن كاتب،غير قادر على قول الحقيقة بعد أن طوحت به انظمته القمعية وأرعبته وأقدمت حتى على إغتياله وتعذيبه ورميه في معتقلاتها الوحشية ومرغت كرامته بالوحل وقضت على ذاته المستقلة وجوهرها الإنساني - التقدمي والتنويري.
ولكي ينهض المثقف والسياسي من هذا المستنقع، أي نهوض الثقافة والسياسة معاً من إنحطاطهما على أسس جديدة،أجد أن طرح بعض المقترحات ذات فائدة هنا مثل: -
1-محاربة الهزيمة بمعناها العام (ثقافياً، سياسياً) وذلك بجعل الثقافة قادرة على إستخدام أدواتها الخاصة بها وشروطها المميزة لها، أي فصلها عن السلطة (أي سلطة) وعدم حصرها بتكنوقراطيي الثقافة فقط،أو عزلها عن محيطها التي تتنفس منه أي المجتمع.
2-مواجهة التخلف العام يتطلب منا مواجهة تخلفنا الخاص بالدرجة الأولى.
3-محاربة ثقافة السوق بمعناها اللاإنساني، يفرض علينا أيضاً محاربة الثقافة الظلامية القادمة لنا من كهوف الماضي السحيق، لأن الموقف المعرفي لايقبل التقسيم
4-لامعنى للثقافة إذا لم تملك مشروعها الخاص، الذي ينتمي إلى مجتمعها ويحمل في نفس الوقت نقداً جذريا ًلمعوقات التقدم والتجديد،وهي ثقافة ناقدة للسياسة والأخلاق والتقاليد البائدة والمتخلفة والمعادية لما هو إنساني، إن الثقافة من هذا المنظور تعني مرجع المرجعيات جميعها، وهو الموقع الحقيقي لكل ثقافة أصيلة
5-الإبتعاد عن الفكر الوثوقي والحتمي بمعناه الرياضي والأنتباه إلى ثقافة الدحض أو النفي والنظر إلى مبدأ الإحتمال كمبدأ مهم من مبادئ النظرة الجديدة للثقافة والتقدم البشري أو الإرتداد ربما، والتخلص من الشعارات والأماني البعيدة عن الواقع المعيش ووضع أفكار قابلة للتطبيق.
6-ممارسة الثقافة والسياسة ممارسة نظرية وعملية معاً، وجعل الثقافة والسياسة كنشاط مدني وحضاري يتميز بالإبداع، أي النظر إلى الثقافة كنشاط سياسي والنظر للسياسة كنشاط ثقافي، بسبب من حاجة الاثنين لبعضهما لأن الثقافة في حاجة إلى الحرية كما أن السياسة في حاجة إلى ما هو جديد في عالم المعرفة و موقف واع من الأحداث
7- أن الدولة العربية الحديثة لدينا هي التي خلقت المجتمع وهي دولة شمولية مهيمنة على مقدرات المجتمع وبالتالي فهي في غنى عنه حيث المجتمع عالة على الدولة، وعلينا كمثقفين إعادة العلاقة إلى شكلها الطبيعي أي جعل الدولة خاضعة للمجتمع ومسيرة من قبله وإعادة مقدرات البلاد إلى المجتمع نفسه بحيث يصبح قادراً على تحديد شكل الدولة وطبيعتها أيضاً.


حين يموت كتّاب العرائض .. كتابه عن جنوح القلم وتاريخ الشكايات

خضير فليح الزيدي

1- بك و قوبيا العرائض:
بعد طلوع الشمس بقليل يجتمع الكتبة الأوائل ذوو الشعور البيض في مطعم شحيح الضياء يكنى بمطعم الأمل ، يتلذذون بقراءة وجبة الإفطار من حساء العدس يتساءل أكثرهم ابيضاضا في الشعر- الشارب الابري الأبيض
وبقايا شعر الرأس الأبيض والحاجب الأبيض وشعر الأذن والأنف ابيض قان قال: ترى أين يزرع العدس؟ ولماذا يعشق الفقراء؟ وكيف السبيل لهضمه في ثلاث وجبات يومية؟ وهل فيه سعرات حرارية تكفي للمضي لاخر الشوط؟ لا جواب.
ثم يتوجهون معا إلى مقهى النجمة الآفلة يستمعون إلى إذاعة البي بي سي في أولى نشراتها الصباحية..
كان المقهى قريبا من دار العدالة قبل الانتشار على مقاعدهم الصفيحية قرب دار العدالة او محكمة الاستئناف او دائرة السفر و الجنسية ، أصغرهم قد أحيل إلى التقاعد العسكري قبل حفنة سنين، وقد تمرّس على ديباجة المقدمات والمرويات الصغرى المختزلة في أقلام الوحدات العسكرية التي عاش فيها بقلم من قوبيا أو من النوع الجاف ماركة بك الشهيرة .. كان حريصا على أيجاد صياغات في مجلس التحقيق وكشف الموقف اليومي والشهري وجرودات الوحدة المتهيكلة..وكانت عدته قلم الجاف نوع بك أو القوبيا ودبابيس تنبت بشكل خفي تحت ياقة بذلة السفاري.. يرطن بلغة الدعوى واصول الطلبات وحافظا لواجبات الأركان حين يخط بقلمه الدعوى الأولى .. مستهلا إياها بالمعروض بعد الاحترام، تزلفا للسيد القاضي، وواضعا أسس المخاطبات وآدابها تحت جنحة قلمه الذي ينزهه بين غابة البياض، ومحترما لاصول التنقيط والتفريز وعروض الإدراك واصول الصياغات والديباجات الاستهلالية بلغة العسكر التي تدرب عليها بأصولها.
كانت عدتهم متناهية في الزهد والبساطة.. صفيحة زيت فارغة ماركة الراعي حين يعزف لقطيعه بنايه المعطوب معزوفة خرساء عن امتزاج تربة المراعي بالنشاطات الإشعاعية الصغرى.. كانت الصفيحة مقلوبة ومقعد من الخرق والأسمال، ومنضدة صغيرة وملفات تحتوي على نماذج الوكالات الخاصة والعامة والمطلقة والجزائية وأخرى للكفالات الخاصة والمطلقة وثاقبة الورقة وماسكة الأوراق وورقة كاربون لاستنساخ ما يتوجب، ثم مظلة قشية تقيه من ظروق الطيور العابرة أو المهاجرة .. قلم جاف نوع (بك) يكفي لاتمام مهمة اليوم الكتابية، وربما لاتعني التحولات الكبرى شيئا في حياتهم حتى الأعاصير وأخبار الحروب الكبرى والمؤامرات والفضائح العالمية والتي يسطرها المذيع محمد الأزرق عادت لا تثير اهتمامهم بقدر دعوى سرقة قنينة الغاز والتي يرفعها أحدهم هذا الصباح إلى السيد القاضي.. حتى بناء مجمع دار كتاب العرائض قريبا من محكمة الاستئناف الرئاسية لاتعني تحولا كبيرا يختلف عن ظل شجرة السدر التي تظلل هاماتهم.
إن مقطعا عرضيا لواحد من هؤلاء، تجد إن البؤس والفاقة وعصامية الصمت الأسمنتي قد منحتهم القدرة العجيبة على هضم كل ما يؤدي إلى الجنون أو الانفجار في اقل حالاته.. لم تستطع كل تلك التحولات أن تشغلهم عن نحت الكلمات أو الاعتناء بمولديها الجدد في باب العدالة.. هم يصغون إلى إذاعة البي بي سي دون إبداء الرأي أو الانزعاج.. انهم من صياغة متفردة وعسيرة الهضم، قد أعطتهم المؤسسة العسكرية الرهيبة درسا في قدسية الصمت الحجري كمعادل موضوعي لسلامة الرقبة، حتى في سني التقاعد فقد فضلوا السير بجوار الجدار، وعدتهم في ذلك قلم من الحبر الجاف يدعى (بك).. إنها رحلة مضنية تؤشر خللا ما في مصائر أولئك أصحاب قلم القوبيا والذي تطور بفعل التحديث القسري إلى البك ..
السيد هاني "نائب ضابط" تمكن من حرفية قلمه من استمكانات المعايشة القسرية في قلم الوحدة وحفظه واجبات الأركان عن ظهر قلب ممزق، وللمعاشرة الطويلة مع قلم البك سمي بصاحب القلم، لذلك قد فضل الإفادة من قلمه إلى الرمق الأخير، والاستمتاع بالكتابة عن هموم الناس وزيجاتهم وطلاقهم ووكالاتهم وكفالاتهم وشجارهم وسرقاتهم، كانت كل تلك الهموم تمر من تحت مداد قلمه ألبك ويختمها في بصمة المدّعي أو توقيعه ثم يتوجها بإلصاق طابع صغير يسقطه بتاريخ الأيام المتلاحقة في باب العدالة..
يعاني السيد هاني من الآم الظهر وسقوط أسنان المقدمة وخراب عام..ومع ذلك عزف البعض عن تدبيج طلباتهم إلى السيد القاضي دون المرور من تحت مظلته، حتى إن محاولات السيد السند المحامي بتدبيج الطلب وتهميشه محاولة فاشلة لإقصاء كاتب العرائض..
وفيما تكون خطوطهم مائلة نحو المبالغة في رسم حروف كبيرة نسبيا، ضاغطة بالقلم بكل قوة على الورقة، بوصفه مفرغ الشحنة المتراكمة والوحيد لما يختزن من غضب مرمري.. وغالبا ما يشق قلمه طريقه إلى نسخة الكاربون أو الورقة المستنسخة، غير مبال كثيرا بحداثة اللغة المستخدمة.. المعروض بعد الاحترام، تبدو لديه مقدسة بعد تحديدها من الأسفل بخطين وتجد مكانتها لدى القاضي، وكذلك فهو ينهي مقدمته البكائية تلك والتي دلت كثيرا على توسلاته وإذلال صاحب الطلب، إلا انه يمنّي نفسه بالفوز بالموافقة على مضمون الطلب، إن اللغة هي المتوارث المدبج في كلائش أعدت مسبقا وقد تركت فراغ الاسم الثلاثي والمهنة خاليا لتتم عملية الإملاء للمشتكي أو صاحب الطلب.
كأن الحمام يبيض على هاماتهم لفرط الخواء وسكينة الأيام في آخر الأسبوع، لا أحد يتشاجر مع جاره، ولا مسافر إلى بلاد الغربة، ولا وكالة لورثة المتوفى، ولا قسّام يدعي الشرعية في تفاصيل العائلة المتشظية، ولا.. ولا، غير إن بيع طابع أو طابعين يغنيان عن جوع الكاتب الذي راح يتسلى لتمضية ما تبقى من الوقت في عد من ماتوا ومن مكثوا في صفحة أحزان جريدة قد اصطدمت عنوة في مكتبه.
2- لغة الكلائش الجاهزة :
السيد قاضي التحقيق المحترم:
المعروض بعد الاحترام:
أني المدعي --------- في يومه وتاريخه قد قام المدعو ----------- بالاعتداء علىّ أمام المقهى مما سبب لي ضررا بالغا في عيني حسب تقرير الطبيب المرفق طيا.. أروم رفع الحيف واتقدم بالشكوى ضده.
ولكم الأمر مع التقدير.
المدعي المدعى عليه
---------- ------------
يسكن محلة -----
هوية الأحوال المدنية المرقمة-----
في / / 19
لم ترق آلة الطابعة اليدوية ماركة الممتازة أم اولفتي للسادة كتاب العرائض، بل عدوها بطرا يضر بنعمتهم، ثم إن اذرع الحروف وهي تنقر في مجالها تولد لديهم حالة من خوف الهروب الجماعي للحروف او تشابكها معا.. معتمدين الصياغة المتوارثة في يدوية الكتابة وطقسها الخاص وقدرتها على استباحة المقصود في رسم حروف الشكوى.. ان لغة التوسل تارة وأخرى إظهار اللياقة والكياسة وحسن التعبير وبلاغة مختزلة في لغة العريضة .. حين يبالغون في رسم بطة الألف المربوطة أو مزج رأس الألف مع اللام في بداية كل كلمة معرفة نكاية بالطابعة الممتازة.. ولم تكن العريضة مجرد ورقة مدبجة بخط كاتبها بعد ترسيمها بطابع فئة (10) فلوس متدرجا بزيادة السعر إلى الألف ومختوم بفلساته الضاحكة، لتستمر تلك الورقة التي يسميها الموظف الرسمي طلبا ويسميها كاتب العرائض او المواطنون العريضة.. وتلك تصعد ثم تهبط وتأخذ رقما واردا وختما وتهميشات المحقق العدلي ثم إلى السيد القاضي ليعلن قراره في قبول طلب القضية.
غير إن كاتب العريضة غادر المكان بعد أن اقفل على كلماته المحنطة وتسوق لبيته ما جمعه من بدل التدبيج وأسلبة روح القضية.. (بائع الكلم ومنغمه يعتاش على ما ينفق من جهد ذلك الكلم )..
3- قراءة في لغة العرائض ومقترب التخطي او التحديث في لغتها:
ولكن روح الجماعة وطقوسها السرية، هي الحكاية
العجيبة في جوقة كتاب العرائض، فهم جوقة تعشق الظلال، تعيش على طرف الحياة القصي.. السادة نواب الضباط المتقاعدون، حلقة الوصل لدى الجيوش، والذين شابت رؤوسهم وقلعت أسنانهم الأمامية وتقوست ظهورهم، بعد أداء الخدمة الحسنة حينا والممتازة في أحايين كثيرة، لم ترق لهم حياة الكسل والتقاعد والكبر، وهم على حد أقوالهم - أصحاب قلم(باشط) - لا يعرف الرحمة، ارتدوا جميعا بذلة السفاري وحملوا صفائح الزيت إلى حيث المحاكم ليبيعوا كلاما يروق للجميع وبلغة عمودها قلم الوحدات العسكرية.. انهم مبكرون في العمل وذلك ما أملته عليهم المؤسسة ألام المؤسسة العسكرية ثم يعودون مبكرين أيضا.. الحزن يتلبد في عيونهم الذابلة.. في أقلامهم البك الآيلة للجفاف.. في لغة الشكوى أحزان لاتعد ولا تحصى.. وكان الحصار الفيصل في لجة ذلك الحزن الأبدي. ففي سني الحصار الثقيلة لم تعد دراهم الكلمات المدبجة تكفي لتغطية النفقات، هنا يقول السيد هاني بمقطعه الطولي لديباجة الطلب المذيل بحرف الهاء.. إن الكتابة هي إدمان مثل التدخين، فتلك أقلامنا لا تفارقنا مثل السجائر بيد المدخنين، ولكن لكل منا خطه في رسم الحروف، غير إن الأسلوب متشابه في العرائض.
ويوم أخذت الأقلام الشابة واللغة الجديدة المحدثة تكتسح جوقة كتاب العرائض الكلاسيكيين.. إذ دخلت الكلائش الجاهزة والمطبوعة بجهاز الحاسوب، وجوقات طلاب الكليات والموظفين المتقاعدين والمفصولين سياسيا تجتاح ساحة الكتبة، بأقلامهم الجديدة ماركة سوفت أو الباركر او الشيفر، وتعبث فيها تحديثا مزق قلوبهم وركنهم بعيدا عن ساحة دار العدالة.. يعدّون فوضى التحديث على أصابعهم المتورمة من أقلام البك العمياء.. الحزن يتلبد في سمائهم وقدور بيوتهم تطهو الماء الفائر لينام الأطفال بعد خراب ساحة القلم الباشط وجنوحه.


عالمنا في صورة .. محاولة نقدية سينمائية تتخطى حدود المشاهدة الساكنة
 

عدنان الفضلي

مثلها مثل باقي الفنون السمعية والبصرية، تطورت السينما كثيراً وتغيرت أنماطها واختلفت مضامينها بحسب التغييرات التي طرأت على العالم وهذا يعني أن للسينما خاصية هضم المتغيرات المتسارعة التي تتناسب طردياً مع تقدم العالم حضارياً وتكنولوجياً وإنسانياً. فمنذ تجربة الأفلام الصامتة وحتى آخر التطورات الحاصلة اليوم، كانت للفن السابع محطات إبداعية عديدة مرت بها أجيال وساهمت بها أخرى، فتركت بصماتها الواضحة تاركة للأجيال اللاحقة متابعة الرحلة من أجل إيصال الرسالة الإنسانية لهذا الفن النبيل، ولو أردنا استرجاع الذاكرة والعودة إلى مراحل تطور السينما، لابد لنا من التوقف عند بعض الأفلام التي بقيت راسخة في أذهان جمهور المتلقين مثيرة جدلاً واسعاً في مضامينها ومستواها الفني، ذلك للوقوف على ثراء وتنوع اتجاهات السينما المعاصرة ورؤى مخرجيها، وهذا ما فعله الناقد السينمائي (أحمد ثامر جهاد) في كتابه الجديد (عالمنا في صورة) والصادر مؤخراً عن دار الشؤون الثقافية، لكن بالتركيز على سينما اليوم. في هذا الكتاب الذي يتكون من 176 صفحة والمتضمن قراءات لبعض الأفلام الشهيرة والمهمة في السينما الأمريكية، استطاع الناقد أن يمنحنا أدوات تذوق سينمائي وآليات تلقي فاعلة نستطيع من خلالها التعمق في قراءة الخطاب السينمائي المتفرد والمذيل بتواقيع مخرجين متميزين.
وعن فيلم (بيردي) للمخرج الشهير ألان باركر تحدث الناقد قائلاً: لا يتكلم "آلان باركر" عن حرب بعينها، بالرغم من أن خلفية أحداثه كانت "حرب فيتنام" إنما يضع الحرب صفة نوعية طاغية تنال من كل ما هو جميل وإنساني في عالمنا الراهن، وثيمة الحرب تبدو إلى حد بعيد لازمة موضوعية متغيرة في معظم أعمال (باركر) تشير بحضورها إلى مجمل متغيرات عالمنا الواقعي المضطرب سياسياً وأخلاقياً.
ويستمر الناقد في قراءاته المتنوعة للعديد من الأفلام التي قدمها كعينات تتمتع بدقة الاختيار ووظفها عبر اشتغال نقدي متمكن. تطالعنا عبر القسم الثاني من كتابه قراءات متنوعة عن تجارب عديدة تناولتها السينما العالمية في فترات مختلفة، حيث نجده وقد ابتدأ بموضوع (عن السينما والحرب والخطاب الأيديولوجي) وفيه يستشهد بفيلم المخرج ستيفن سبيلبرغ المعروف (إنقاذ الجندي رايان) الحائز على خمس جوائز أوسكار من ضمنها جائز أفضل مخرج. ويأخذ الناقد ببعض أسباب نجاح ذلك الفيلم من خلال استعراض بعض مشاهده وخصائصه. لتتواصل الموضوعات والقراءات، حتى نكون بمواجهة الحديث عن الإيقاع والتشويق في الفيلم السينمائي، وجاء فيه (أن المشاهد ومنذ البداية هو الرقيب والحكم على تتالي المشاهد وتصاعدها، لكنه يفاجأ على الدوام باستلاب قدراته على التصديق المنطقي، متأثراً إلى أقصى حد ومستسلماً لوهم الاكتشاف الذي يبث فيه بوصفه مشاهداً عالماً بكل شيء بالقياس للشخصيات الضائعة في متاهة الفيلم). وفي قراءة محاورة أخرى يتناول الناقد صورة (البطل الأمريكي) وفي نيته إيضاح مسالة مهمة عبرت عنها السينما الأمريكية عبر اشتغالات عديدة في أفلام هوليوودية انتجت خصيصاً للتعبير عن اتجاهات سياسية وأيدلوجية معينة. حيث يقول الناقد (من جهته ضحى الفيلم الأمريكي
نوعاً من الأفلام بالفن والحقيقة والإنسان، محتفظاً بهيمنة أيديولوجية تسمح بالتطابق معها بوصفها اللافت، اللا تأويل). كما احتوى القسم الثاني من الكتاب على دراسات وقراءات أخرى امتازت بذات التنوع والجاذبية في سعيها لتأكيد مقولة أن السينما ليست متعة عابرة كما يتصور البعض.
أخيراً نستطيع القول إن ما احتواه الكتاب من قراءات ودراسات يعد وجبة غنية تمزج بدراية واضحة وأسلوبية هادئة الخطاب السينمائي بالثقافي وتمنح المشاهد فرصة تطوير آليات استقباله وتأويله للنص السينمائي بسحره وهيمنته.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة