اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مع اصدقاء كهؤلاء

-العنوان: اكثف من النفط: العلاقة الامريكية المتقلقلة مع العربية السعودية
-تأليف :
راشيل برونسون
*
عرض: ستيف كول
-ترجمة:
زهير رضوان

عن: الواشنطن بوست

*ستيف كول: مدير التحرير السابق في الواشنطن بوست، ومؤلف كتاب "حروب شبحية" الذي حاز على جائزة بولتزر.

ثماني نعاج و42 شخصاً من الحاشية الملكية اتبعوا الملك عبد العزيز بن سعود في الصعود الى البارجة الامريكية كوينسي، العائمة في البحر الاحمر في شباط من عام 1945، لملاقاة الرئيس فرانكلين روزفلت. الحرب في اوروبا تقترب من نهايتها، وعصر النفط قد حان.
في طريق عودته من قمة مالطا مع ستالين وتشرشل، قابل روزفلت الملك السعودي من اجل ضمان حقوق الرسو على اراضي الجزيرة العربية ليتمكن من نقل التجهيزات الحربية الى الجبهة الآسيوية.
وببعد نظر كبير، اراد ايضاً بناء تحالف يعقب الحرب، يستند إلى انتاج النفط ومشاطرة الكراهية تجاه الشيوعيين السوفيت. ما حدث على متن كوينسي في تلك الايام الشتوية سوف يحدد شروط
وسوء التفاهمات ايضاً الشراكة الامريكية مع العربية السعودية طوال العقود الخمسة الماضية وحتى احداث الحادي عشر من ايلول. كان روزفلت ساحراً.. وعاطفياً، هو وهذا الملك البدوي المحارب الذي كان يعرج من المرض ومن جروح معارك سابقة، انخرطا على الفور في حديث حول اعاجيب الكرسي المدولب. اما في المسائل الرئيسية: "النفط، الله، والعقارات" كما تقول راشيل برونسون في كتابها الجديد حول تاريخ العلاقات الامريكية السعودية، فقد اتفق الجانبان ايضاً على اتفاقية سهلة ومريحة.
وعلى نحو حاسم، كما يقول الملك عبد العزيز، اظهر روزفلت تعاطفاً مع معارضة عبد العزيز قيام دولة يهودية في فلسطين الواقعة حينها تحت الانتداب البريطاني. وعلى متن كوينسي، وعد روزفلت بانه قبل ان تقوم الولايات المتحدة بتغيير سياستها بشأن فلسطين، فانها ستقوم باستشارة جميع الفرقاء، واضاف روزفلت بان امريكا لن تفعل ابداً أي شيء معادٍ للعرب. لكن الرئيس هاري ترومان، بالطبع احتضن اسرائيل منذ قيامها بعد ذلك بثلاث سنوات، مما اثار عبد العزيز.
مع ذلك فقد كان الملك العجوز عملياً جداً في فصله ذلك عن روابطه مع الولايات المتحدة التي كانت تضخ له نفطه وتمطره بالذهب، ولذلك مضى بتحالفه مع الولايات المتحدة بكثير من التجهم وعدم الثقة.
النمط ذاته في العلاقة احتذاه، وان بدرجات متفاوتة، ابناؤه وخلفاؤه.
المصالح الذاتية البراغماتية ومعاداة الشيوعية هي التي ربطت بين الولايات المتحدة والعربية السعودية خلال فترة الحرب الباردة، لكن الخلافات المتواصلة المثيرة للعاطفة
خاصة فيما يتعلق باسرائيل، والتي عادة ما تم التنفيس عنها سراً غلفت التحالف بالضغينة والريبة.
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، افترقت الحكومتان حتى حلت صدمة الحادي عشر من ايلول: الحقيقة ان خمسة عشر من الخاطفين التسعة عشر كانوا سعوديين وفرضوا حسابات جديدة ابعد من ان تسوى.
هذا هو السرد الذي تقدمه راشيل برونسون، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، والذي يتجلى للعيان على نحو ذكي ومحكم، وان مع بعض جفاف في كتابها " اكثف من النفط". يؤكد عنوان الكتاب ان هنالك الكثير من الشراكة بين الطرفين، تتجاوز الرسوم الكاريكاتيرية التي يُسمح بها، فالرسوم الامريكية تصور العربية السعودية بانها محطة للبترول مكتفية ذاتياً، بينما الرسوم السعودية تصور امريكا وكانها امة حربية من سيارات الهمفي. الفصول الافضل في كتابها، البحثي على نحو مؤثر، تشرح تعقيد وطموح المشاريع الاميركية السعودية ضد الحكومات الشيوعية وحركات التحرر إبان الحرب الباردة
ليس فقط في افغانستان، حيث عملت الحكومتان في الثمانينيات على دعم قتال "المجاهدين" الافغان ضد السوفيت، بل ايضاً في الشرق الاوسط وافريقيا وامريكا الوسطى.
تبغي برونسون ان يقرأ كتابها كمقابل متوازن ورصين لكتب حديثة تناولت العلاقة من اجل تغذية الغضب الشعبي اكثر منها تحقيقاً جدياً. وتورد المؤلفة قائمة من الكتب التي تصدرت المبيعات، والتي وصفتها بانها استفزازية، مثل كتاب روبرت بير "النوم مع الشيطان" وكتاب كريغ أنغر "منزل بوش، منزل سعود"، الذي اتهم واشنطن بانها باعت روحها مقابل النفط. كلا المؤلفين اغلظا في الكلام ضد الجشع الفردي والعقود المريبة التي يجادلان بانها شكلت العلاقات الامريكية السعودية في مستوياتها العليا قبل احداث الحادي عشر من ايلول.
هل هذان الكاتبان مخطئان تماماً؟ من الصعب القول بماذا تعتقد برونسون بشأن الاسئلة الجوهرية، مثل ان كانت المعاهدة الامريكية في "الطاقة مقابل الامن" مع السعودية هي معاهدة فاسدة ام مُفسدة، ما هي القيم التي نشاطرها مع المملكة التطهيرية، وما هي البدائل التي كانت امام عائلة آل سعود. توجه الكاتبة صفعتها لهذه الكتب لكنها لا تحاجج ابداً الانتقادات التي تعرضها هذه الكتب.
مع ان توصياتها السياسية، التي هي عبارة عن قائمة من التوصيات العسكرية، واضحة جداً، حيث تجادل بضرورة التفاهم المتبادل والعلاقة البراغماتية، الا ان بروتسون غير مهتمة في الابقاء على الحالة الراهنة، ولم تتحر الملابسات المتضمنة اقرار الرئيس بوش بان امريكا "مدمنة" على نحو غير صحي على استيراد النفط.
مع ذلك، فان برونسون تكتب مع بعض توقد للقريحة عن شكوكها بشأن الدعم المالي الذي تقدمه السعودية للجماعات الاسلامية الراديكالية
وهي المسألة الرئيسية المهيجة للعلاقات منذ عام 2001. مع كل ذلك. فانها اخرجت لنا كتاباً جديراً بالثقة وكفياً، وسيجده السياسيون والمحللون مفيداً.
ان العلاقات الامريكية السعودية اليوم تصطبغ بالازدراء المتبادل بالاضافة الى الاتكالية المتبادلة.
ان الامريكيين العاديين والسعوديين العاديين يدركون بان التحالف الذي ابرمه روزفلت مع عبد العزيز على متن كوينسي يعتريه الاضطراب الجدي. فالسعوديون مستشيطون غضباً بشأن غوانتنامو واسرائيل وغزو العراق؟ الامريكيون مستشيطون غضباً من التمويل الفردي السعودي لتنظيم القاعدة ومن الانتحاريين السعوديين الذين يواصلون مهاجمة القوات الامريكية في شوارع بغداد. ان حكومتي البلدين تكرهان الاعتراف بتدهور المشاعر الشعبية علناً، وعليهما اكتشاف بديل معقول لاتحادهما الطويل. البارجة القديمة بدأت تحيد وتتمايل.. وركابها بدأوا يشعرون بالغثيان..


صعود الحماسيين
 

-العنوان:حماس، السياسة والاعمال الخيرية والارهاب في خدمة الجهاد
-تأليف :
ماثيو ليفيت
-
عرض: ايزابيل كيرشنر
-ترجمة:
زينب محمد
عن: الواشنطن بوست

التقيتُ موسى زيادة الصبي ذي العينين اللوزيتين الواسعتين وهو في عامه الخامس عشر في مدينة غزة في ربيع عام 1995 وبدا ان (حماس) قد جندته في صفوفها لتنفيذ عملية انتحارية في اسرائيل وهي عملية احبطها في اللحظة الاخيرة عم زيادة اليقظ وهو ضابط استخبارات في قوات الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية، ومنذ عامه العاشر كان زيادة منجذباً الى الجامع القريب من منزله واعتبر اشبه بالصبي الاعجوبة في الدراسات القرآنية، كما انه كان يلعب كرة القدم في فريق جامع حماس الذي كان يرفض ارتداء السراويل القصيرة، واغري زيادة في مقابل استشهاده بوعود بان ثوابه سيكون سبعين عذراء في الجنة، ودخول سبعين من اقاربه واصدقائه الجنة، في تلك الايام كانت السلطة الفلسطينية تحمل على حماس المتلهفة لكي تبرهن لاسرائيل بانها كانت تحارب الارهاب، ولكن بعد انتصار الاسلاميين المفاجئ في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في كانون الثاني عام (2006) صارت حماس السلطة الفلسطينية وهو تطور جعل دراسة ماثيو ليفيت المثيرة للدهشة وثيقة الصلة بالموضوع بشكل لا يصدق ومتأخرة في الوقت ذاته، وبرز زيادة بشكل غير متوقع في كتاب ليفيت (الذي يقوم على تقارير اخبارية حول الصبي المجاهد الاعجوبة) كمثال واحد على نزوع حماس نحو الاستغلال وقصد ليفيت ان حماس تستخدم الدين والرفاه الاجتماعي والبنى الثقافية والسياسية ليس من اجل التأييد الشعبي بين الفلسطينيين فقط بل ايضاً لكي تنشر اجندتها الميتة واحياناً لتقديم دعم لوجستي ومالي لما يسميه اعلى اداة للارهاب في حماس.
ولذلك يجادل ليفين، المحلل السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي ويعمل الآن على قضايا تمويل الارهاب في وزارة المالية: انه لا يمكن التمييز بين اجنحة حماس المختلفة، فالذراع السياسي والخيري في هذه المنظمة مجرد جبهات لقاذفات القنابل.. ولأولئك العلماء والناقدين والاكاديميين والمصلحين المثاليين اوصنّاع السياسة الذين لا يزالون يترددون بشأن كيفية التعامل (انتبهوا فالتفاصيل مثيرة احياناً، واحياناً تفقد الصواب، او متكررة) وتقارير وسائل الاعلام، ودراسات اكاديمية ومقابلات اجراها الكاتب ومعظمها مع مصادر امنية مجهولة، بدلاً من عناصر من شرطة حماس انفسهم، ويبرز ويوضح بعض الاخبار المثيرة ومنها مثلاً ان ثلاثة اعضاء من الخلية المسؤولة عن قصف (البارك هوتيل) في ناتانيا في عشية عيد الفصح عام 2002 كانوا يعودون الى فرقة غنائية كانت تجول في الضفة الغربية وهي تمجد عمليات حماس، وكما اضاف: فان احدى القذائف سقطت باردة في اللحظة الاخيرة.
لقد كتب الكثير عن حماس، عندما كان ليفيت يعمل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى، وكانت هناك توصيات سياسية حول كيفية تحييد حماس، مثل وقف كل التمويل المقدم لهذه المنظمة وتقديم المزيد من المساعدات الدولية عبر عناصر فلسطينية معتدلة او مدنيين، كما اشار ليفيت الى العقلية المخادعة التي يعمل بموجبها صناع السياسة الأميركيون، ان رغبة حماس في المحافظة على شبكتها في التمويل داخل الولايات المتحدة الامريكية ساعد كثيراً جداً على ردع المنظمة من الهجوم المباشر على الاهداف الامريكية، ان اتخاذ اجراءات امريكية صارمة على التمويل الامريكي للمجموعة يمكن ان يسهم في تقليل القيود على حماس، وعند هذه النقطة يبدأ الكتاب بعملية التأريخ، فالاجراءات الصارمة على تمويل حماس ربما كانت تساعد عندما كانت المجموعة تسد الفجوة بين الادارة الفلسطينية التي كانت تسيطر عليها فتح وهي ادارة تتسم بالفساد لكن الآن وقد استولت حماس على الحكومة فان الثوابت قد تغيرت فصعود حماس الى السلطة جاء بسلسلة من المشاكل المربكة الجديدة، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس مثلاً، رئيس فصائل فتح عقد صفقة مع منافسه حماس في العام الماضي ووعدهم بدور سياسي في نظامه في مقابل وقف اطلاق النار، ولكن شكك الطرفان بهذا الاتفاق. ولكن اذا جاعت حماس نتيجة المقاطعة الاقتصادية الدولية فيمكن ان نشهد المزيد من عمليات (البارك هوتيل)، والاكثر من ذلك، ان المشاعر المناهضة للغرب سوف تزداد بين الفلسطينيين الافقر اذا طرد العالم، الاسلاميين من الحكم، لان هناك فخراً داخلياً في العملية الديمقراطية التي جاءت بحماس الى رأس السلطة. لا ادري ما الذي حصل لـ(موسى زيادة) وعودة الى عام 1995 لم يفجر زيادة نفسه وسط اكبر عدد ممكن من الاسرائيليين واخبرني برغبته في ان يصبح طبيباً وخلال ذلك الوقت انتقل مسؤولو زيادة السابقون في حماس من ادارة المستشفيات المجانية في قطاع غزة الى تولي وزارة الصحة الفلسطينية ومن التدريب على الاستشهاد في رياض الاطفال الى ادارة وزارة التعليم، ولا تأخذ دراسة ليفيت الغنية بنظر الاعتبار ذلك الصعود المروع الى القوة، ولذلك لا تقدم حلولاً عملية له، وبالطبع من الصعب القاء اللوم عليه بسبب ذلك، وبكل الاعتبارات صدمت حماس بنجاحها في صناديق الانتخابات كما صدم الجميع، وعلى الرغم من يأسها من تلقي المساعدات الدولية، فانها عازمة على عدم القاء اسلحتها، وتبدو حماس انها لم تفكر حتى في امكانية ذلك.


علم الفراسة والانثروبولوجيا
 

-العنوان:علم الفراسة والانثروبولوجيا
-تأليف :
جان جاك كورتين وكلودين هاروش
-
عرض:رورجر شارتييه
-ترجمة:
المدى
 

في مقدمة كتاب علم الفراسة والانثروبولوجيا الذي وضعه كل من جان جاك كورتين وكلودين هاروش طرحا السؤال التالي: كيف كان الاعتقاد السائد في القرنين السابع عشر والثامن عشر حول العلاقة القائمة بين ما يعكسه الوجه وحقيقة مشاعر الفرد الداخلية؟ فعلم الفراسة من العلوم الشائعة التي مارسها الانسان قديماً على نطاق واسع واستثنائي وهو العلم الذي يقوم على الانتباه الشديد للملامح التشكيلية (المورفولوجية) للوجه والتي تحسب من الملامح المرئية التي يعتمد عليها حتى في تحديد ابراج وطالع الافراد، وفي ذلك الحين انقسمت الاجوبة بين رأيين مختلفين بل متناقضين، فالتقليديون كما يقول المؤلفان يرون ان المظاهر الفيزيائية للوجه ليست الا (ترجمة طبيعية ووافية للمشاعر)، وفي اطار هذا الرأي كتب مارين كيرو في مجلة (فن معرفة الانسان) في عام 1659 يقول: لم تعط الطبيعة الانسان الصوت واللسان حسب ليستخدمها وسيلة للتعبير عن افكاره ومشاعره ومكنونات نفسه، بل استنطقت حتى جبهته وعينيه لك تكذبانه اذا حاول الغش بصوته ولسانه وبعبارة اخرى ابرزت الطبيعة دواخل الفرد الى السطح فلم تعد هناك حاجة لنافذة نرى من خلالها حركاته وعاداته وميوله واهواءه لان كل هذه الصفات تظهر على الوجه على شكل تعابير مرئية واضحة جداً. وظل التقليديون كما يقول المؤلفان يؤكدون على ان المشاعر هي النافذة التي نرى من خلالها الروح وان فن التقنع او التخفي يستخدمه كل انسان بشكل يكاد يكون مطلقاً لان من يعلن عن شؤونه الخاصة يجازف بخسارته، لكن كيف نستدل من العلامات الفيزيائية الخارجية للوجه على حقيقة المشاعر الكامنة في اعماق الانسان لكي ندرك معاني البحوث القديمة في علم الفراسة؟ في الجزء الاول من مؤلف جان جاك كورتين وكلودين هاروش وهو الجزء الذي قُوّم على اساس تحاليله التفصيلية وليس على اساس بنائه العام، يصف المؤلفان مسار هذا العلم واطلقا عليه (علم الوجه) الذي يزعم انه يكشف عن الروح من خلال الترجمة الصحيحة للملامح والنظرات ومن خلال دراسة حركات الوجه وسحنته وهي مجموعة مترابطة من العلامات الفيزيائية التي تجعل انعكاسات المشاعر مرئية. وبعد عام 1670 عقدت عدة مؤتمرات كان محورها موضوعة التعبير عن المشاعر وقال عنها لرسام شارل لوبرون انها كانت ذروة سيميولوجية الوجه لكنها تظل بدون آفاق مستقبلية واضحة. اما التيار الثاني فلم يؤمن بصحة ما ذهب اليه التقليديون حسبما جاء في كتاب المؤلفين، وحاول اتباع هذا التيار اسقاط المصداقية عن علم الفراسة والسخرية منه، وكانت حجتهم ان علم قراءة الوجه حتى في اكثر اشكاله قوة يكون عاجزاً امام التستر الحاذق الذي تقتضيه الضرورة والحاجة في المحاكم على سبيل المثال، وان حل رموز سلوكات الآخر تتطلب المعرفة بالعلوم والمعارف الاخرى كنظرية اللعبة ونظرية علم السلوكيات وبعد قرن انتعش هذا الفن او هذا العلم من جديد وتطور (فن معرفة الاشخاص من ملامح وجهه) مع ظهور لافاستر لكنه برز هذه المرة بشكل مختلف تماماً، وكان الغرض من ظهوره هو ربطه بعلم التشريح الذي يعنى بعلم دراسة الجمجمة لاستنباط الصلة الموضوعية بين الانسان العضوي (كونه مجموعة من الاعضاء) والانسان التعبيري (التعبير بواسطة تلك الاعضاء). واصبحت تعابير الوجه تواجه في الحقيقة عقبة جديدة وهي كيف نسخّر علم التصنيف المورفولوجي للكشف عن الحركات المميزة لجوهر الذات البشرية لان اهتمام هذا العلم يقوم على صعيد آخر مختلف. ان بحث لافاستر المعنون (تأريخ الوجه) يتوقف عند الفصل بين علم الجمال الانثروبومتري والانثروبولوجي من جهة، و الاستكشاف الخيالي لعلوم النفس من جهة اخرى.
وحدثت المصادفة المحضة عندما ظهر كتاب آخر مماثل للاول خصصه (ايف وينكن) للحديث عن (ايرفنغ غوفمان) وهو مقاربة مفعمة بالمعاني والدلالات لانه يعنى بالعلاقات بين الافراد. تلك العلاقات التي تحكمها لعبة التقنع والمراوغة، وحلل ايف وينكن بدقة ماهرة الرسالة التي تقدم بها غوفمان الى جامعة شيكاغو في عام 1953 واشار في تحليله الى ان غوفمان خلص بعد ان تساءل عن الأبعاد الاجتماعية والثقافية للسلوك التعبيري الى القول ان بالامكان تغيير هذا التعبير عن الذات تكتيكياً لتضليل المقابل الذي يمكن ان يتصرف بطريقة مماثلة عندما تصله المعاني شبحية او مرموزة، وهكذا يصبح التفاعل بين الطرفين لعبة مستمرة من التخفي والتحري. ولم تتناول رسالة غوفمان المجتمع المعاصر حسب، بل اخذت بنظر الاعتبار وعلى نحو وافٍ المبادئ التي تحرك السلوكيات في المجتمع القديم. وفي مقدمة تحليله تناول وينكن عدة نصوص لمؤلفات كتبها غوفمان شخصت مساره الفكري من عام 1953 وحتى عام 1982 وركزت مقالته التي نشرت تحت عنوان ايرفنغ غوفمان. صورة العالم الاجتماعي الشاب، على التكوين الفكري لغوفمان وعلى كتاباته الاولية وتعد هذه الدراسة افضل المداخل لاعمال غوفمان ولتيارات علم الاجتماع الامريكي لفترة ما بعد الحرب والدراسة عبارة عن سيرة ذاتية فكرية نموذجية عن حياة غوفمان ونتاجاته.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة