اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الـــدولة في القــــلب ..  قراءة في كتاب (عشية أفول الإمبراطورية) لكريم مروة
 

جاد الكريم الجباعي

"الدولة في القلب"، ومرض مجتمعاتنا في الرأس، والرأس هو الدولة؛ ذلكم هو أحد أهم الهواجس التي تشغل الأستاذ كريم مروة، في كتابه "عشية أفول الإمبراطورية"، وبهذا الهاجس يستعيد الأستاذ مروة مفهوم الدولة الوطنية، بما هي تعبير عن كلية المجتمع وتجريد عموميته، وبما هي حقل سياسي مشترك بين جميع مواطنيها المتساوين في الحقوق؛ هذا الحقل الذي هجره الفكر السياسي العربي ردحاً طويلاً من الزمن بفراره من الدولة التي كانت قائمة هنا وهناك في البلاد العربية، وعصفت ببعضها رياح "الثورة" وببعضها الآخر رياح أعتى وأدهى، إلى اللادولة الاشتراكية أو اللادولة القومية أو اللادولة الإسلامية، ويفتح أفقاً جديداً لمشروع نهضوي ينطلق من الواقع إلى الهدف.

في كل تجربة سياسية لشعب من الشعوب أو لأمة من الأمم عناصر عامة يمكن أن تتكرر، بل لا بد أن تتكرر في تجارب أمم وشعوب أخرى متخذة صيغاً جديدة وأشكالاً جديدة، بحسب الخصائص الوطنية أو القومية لكل من هذه الأمم والشعوب، كالماء يتلون بلون الإناء الذي يسكب فيه، وهو أحد وجوه ما يسمى "وحدة التاريخ البشري"، لذلك ظلت تجربة انهيار الإمبراطورية السوفييتية والأنظمة الشمولية في شرقي أوربا ماثلة في ذهن الكاتب، تكشف عواملها الرئيسة عن أسباب "مرض الرأس" الذي أصاب مجتمعاتنا فشل طاقاتها الإنتاجية على جميع الصعد، المادية والروحية. وتقابلها بالضرورة تجارب الأمم المتقدمة التي نمَّت قواها الإنتاجية وأنجزت ثورتها الديمقراطية وبنت دولها الوطنية، وأسهمت إسهاماً إيجابياً في الحضارة الحديثة وطبعتها بطابعها. مبادئ هذه المنجزات الحضارية الكبرى مبادئ كونية يمكن إعادة إنتاجها وبسطها وإنمائها في غير مكان من العالم، ولا سيما في بلداننا التي تعاني التأخر والاستبداد وضروب الهيمنة الخارجية أو الاحتلال المباشر. إخفاق هنا ونجاح هناك، لا بد من رؤية الأمور كما هي، ولكن الإخفاق والنجاح كليهما يستحقان النقد، لا بدلالة القيم الإنسانية التي تواضعت عليها البشرية فحسب، بل بدلالة التقدم الممكن والواجب أيضاً، وانطلاقاً من اعتبار الحقيقة مبدأ ومسعى وغاية يرى الأستاذ مروة أن "بدعة الحزب الواحد، التي تسود في معظم بلداننا، منذ زمن طويل، داخل الأنظمة الشمولية، والسلطة الواحدة التي لا تتبدل ولا تتغير، والعقائد والأيديولوجيات الدينية والعلمانية التي تدعي احتكار الحقيقة وترفض الاعتراف بالآخر، جميعها تتحمل المسؤولية عن الظاهرات المرضية التي تعج بها مجتمعاتنا العربية اليوم والتي تشكل عائقاً حقيقياً أمام تحرر بلداننا وتقدمها. ومن دون الإقرار بذلك، بأقصى الجرأة وبأعلى قدر من المسؤولية، وعلى قاعدة المراجعة العميقة للتجارب السابقة، لن يكون بإمكان بلداننا أن تشق طريقها إلى مستقبلها وتتحرر من أزماتها المزمنة" (مروة، 2003، ص 81).
ينطوي هذا الكتاب الذي يفتح الشهية للحوار على نوع من مساءلة الذات، أو نقد الذات، المقدمة الضرورية لنقد الواقع؛ فحين يعمل الناس قصارى ما يستطيعون في سبيل تحقيق أهدافهم، ويضحون من أجل ذلك بالغالي والنفيس، ثم ينتهون إلى مثل ما انتهينا إليه تكون المشكلة في وعيهم لواقعهم، لا في الواقع ذاته، تكون المشكلة في رؤيتهم إلى العالم، لا في العالم ذاته، ولا سيما حين تكون هذه الرؤية ناجزة ونهائية ويقينية كالعقيدة الدينية، وإن أطلق عليها أصحابها اسم "الماركسية" أو "الماركسية اللينينية" أو "الاشتراكية العلمية"، أو "الإسلام القويم"، وكدت أقول: أو الرؤية القومية، فألح على السؤال: ماذا يتبقى من الرؤية القومية العربية إذا جردناها من عناصر الرؤيتين الإسلامية والاشتراكية؟.
لقد عانت مجتمعاتنا ما عانته، ودفعت أثماناً باهظة من أجل لا شيء، ثم انتكست إلى أسوأ ما في تاريخها، بسبب مرضها المزمن في الرأس. لذلك كان الكاتب حازما وصارماً في نقد الذات "الثورية"، بلا تهويل أو تهوين، بل راح ببراعة وأناة يعيد بناء العلاقة الضرورية منطقياً وتاريخياً بين الثورة والحداثة، مبتكراً لغة جديدة يستهجنها الليبراليون الجدد وكثير من رفاقه الشيوعيبن وأصدقائه القوميين.
لم يتنصل الكاتب من مفهوم الثورة، كما فعل كثيرون من اليساريين، بل نراه يستعيد الدعوة إلى الثورة كما لو أنه عاد إلى شبابه أو عاد إليه شبابه من جديد. بيد أن دعوته إلى الثورة ليست هذه المرة باسم الشعار القديم ذاته ولا باللغة ذاتها، ولا "بالفكر الذي كانت اللغة القديمة تعلنه أو تخفيه في موضوع المصطلح وفي مضمونه ودلالاته". ويمكن القول إنه يعيد بناء مفهوم الثورة في ضوء حاجات الواقع وممكناته من جهة، وفي ضوء قيم الحداثة ومناهجها ومنجزاتها، ولا سيما الإنسية والعقلانية والعلمانية والديمقراطية والدولة الوطنية، من جهة أخرى، ويمارس عليه نقداً صريحاً حيناً وضمنياً أحياناً أخرى؛ ونقد المفاهيم والأفكار والتصورات والتجارب، لا إهمالها أو التنصل منها، على مألوف الخطاب السياسي العربي، التي هي من أهم سمات الأصالة الفكرية التي عرف بها كريم مروة، كما عرف بها الشيوعيون اللبنانيون. إعادة بناء العلاقة بين مفهوم الثورة وقيم الحداثة ومناهجها ومنجزاتها تجعلنا نرى عمليات الإصلاح وسيرورات النهوض في جميع مجالات الحياة الاجتماعية على أنها ثورة ديمقراطية لا تزال على جدول أعمال التاريخ في بلادنا.
ما القضايا التي تدعو إلى الثورة؟ يذكر الكاتب ست قضايا متزامنة ومترابطة ومثيرة للجدل والقلق، أولاها تتعلق بلبنان الذي ضمر فيه الشعور بالانتماء إلى وطن حقيقي وإلى دولة وطنية. وإذا كان ضعف الشعور بالانتماء إلى الوطن يقع في دائرة الذاتية، فإن معادله الموضوعي هو ضعف الشعور بالمسؤولية الوطنية في جميع المستويات، حتى ليغدو الوطن أقرب ما يكون إلى "حارة كل مين إيدو إلو". وما يزيد هذا الشعور عمقاً وحدة "الصيغة الراهنة للوجود السوري الأمني والسياسي والاقتصادي في لبنان، وهي صيغة تتخذ صفة ووظيفة الوصاية التي طال أمدها من دون مبرر حقيقي وطني وقومي وإنساني من أي نوع" (مروة 2003، ص49). وهي صيغة تغدو معها القوى المحلية إما استطالات لهذا الوجود أو لغيره، وإما ردود فعل على هذا وذاك. ومن ثم فإن الثورة المطلوبة في لبنان هي بناء الدولة الوطنية، ولا تخفى العلاقة الضرورية بين الوطن والدولة الوطنية الحديثة، الدولة العلمانية التي يتساوى فيها جميع المواطنين أمام القانون، إذ تحيل العلمانية هنا على الاندماج الوطني الذي قوامه تساوي الأفراد في الإنسانية وتساوي المواطنين في المواطنة وحياد الدولة الإيجابي إزاء الأديان والمذاهب والأيديولوجيات والأفكار السياسية. والثانية تتعلق بفلسطين وشعبها، في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وما يعانيه شعب فلسطين من عدوانية عنصرية منفلتة من عقالها ومعززة بالدعم الأمريكي المطلق. وأعجب كيف لم ير الأستاذ مروة في الانتفاضة الفلسطينية الثانية حرباً إسرائيلية ويأساً فلسطينياً، قياساً بالانتفاضة الأولى، وكيف لم ير في مواقف منظمة حماس خاصة وأساليبها ما يشبه مواقف حزب الله في لبنان وأساليبه، وصيرورته دولة داخل الدولة. والثالثة تتعلق بالاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، وهو احتلال تسبب به الطغيان والاستبداد الذي دمر العراق وشعبه وثرواته على امتداد أربعة عقود. والرابعة "تتعلق بالاستبداد في بلداننا بصيغه المتعددة". والخامسة تتعلق بالجانب المتوحش من عولمة رأس المال، الجانب الذي يشوه التطور الموضوعي نحو وحدة العالم ووحدة الجنس البشري. وهنا يأخذ الكاتب على حركة مناهضة العولمة عدم تفريقها بين هذا الجانب المتوحش والجوانب الإيجابية الأخرى التي تدفع نحو وحدة العالم وتعميم قيم الحرية والمساواة والعدالة. والقضية السادسة تتعلق بقوى التغيير في بلادنا وفي العالم، وقد بدأت تفقد علاقتها بتاريخها وأفكارها وبالمهمات التي كانت في أساس قيامها، وتفقد من ثم مبرر وجودها.
لبنان، الوطن المشتهى، والدولة الوطنية الحديثة، والنظام الديمقراطي الذي يليق بالكرامة الإنسانية، لبنان بصفاته هذه هو المنطلق والغاية. يقول الكاتب: "لبنان بلدي الذي لا أستطيع الذهاب إلى أي مكان إلا منه، ولا يوجد مكان عندي للعودة إلا إليه". لبنان هذا، ألا يستحق أن يكون أكثر من مكان؟ ألا يستحق أن يكون وطناً حراً ومستقلاً لجميع أبنائه، ودولة وطنية لجميع مواطنيها؟ تحية لك يا كريم مروة أيها المفكر والمناضل الأممي الحق، الإنساني الحق، هكذا يكون الانطلاق من الواقع مأخوذاً ببعديه الزماني والمكاني، التاريخي والعالمي، وما عدا ذلك شعارات جوفاء لم تثمر سوى الاستبداد وإباحة البلاد والعباد لكل طامع. أيهما أكثر فائدة وجدوى للوحدة العربية، مثلاً، لبنان الطوائف المتحاجزة والعصابات النهابة والولاءات الموزعة بين تأخر الداخل وفساده واستبداده وغطرسة الخارج واستعلائه، أم لبنان السيد الحر المستقل والمجتمع المتدامج والدولة الديمقراطية؟ وأيهما أكثر جدارة وقدرة على مواكبة العصر والإسهام في التقدم العالمي؟ ثم أيهما أكثر واقعية وعقلانية وثورية في المجتمعات المتأخرة والتابعة التي تعاني من استبداد تاريخي مضعف: سياسي وديني، الثورة الديمقراطية التي تندرج رؤية كريم مروة في سياقها أم الثورة الاشتراكية والأممية البروليتارية؟
بخلاف ما درج عليه الخطاب السياسي العربي، يقارب كريم مروة مسالة الدولة الحديثة على نحو شديد الوضوح والإقناع، ويكشف النقاب عن شقاء الوعي السياسي الذي كان ولا يزال يهرب ويتهرب من الدولة الوطنية الممكنة إلى اللادولة القومية أو الاشتراكية أو الإسلامية المتخيلة. الفكر السياسي العربي يعكس الهوة السحيقة بين "الدولة" القائمة بالفعل، على ما أصابها من تآكل وفساد في ماهيتها وبنيتها ووظيفتها، وبين يوتوبيا الدولة القومية، (دولة الأمة العربية) أو الإسلامية، (دولة الأمة الإسلامية)، أو الاشتراكية (دولة الطبقة العاملة التي تصير هي الأمة، بتعبير ماركس في البيان الشيوعي) ، بين الدولة القائمة والدولة الفاضلة، الدولة غير الشرعية والدولة الشرعية. ويمكن القول إن العربي ينتمي ثقافياً وروحياً إلى دولة متخيلة، أما الدولة القائمة بالفعل فلا تعني له سوى كونها عقبة في طريق الدولة المنشودة، تجب إزالتها، ولذلك لم يمنحها أي نوع من الشرعية حتى اليوم، سوى شرعية الأمر الواقع. حتى الذين يتحدثون اليوم عن دولة ديمقراطية، بمفهوم الدولة الحديثة، العلمانية، يعيشون نوعاً من طوبى الدولة. و"حينما نقابل وصف الواقع التاريخي بتطلعات الطوبى ندرك تجربة الفرد العربي في مجال السياسة ".
يتحدث كثيرون اليوم عن نهاية "الدولة الوطنية" أو الدولة القومية، مع نمو العولمة الرأسمالية وتقدمها؛ ولكن لم يتحدث أحد بعد ماركس ومن نسبوا أنفسهم إلى الماركسية عن نهاية الدولة ونهاية المجتمع المدني معاً، بل إن ماركس تحدث، كما أزعم، عن نهاية الدولة السياسية، الليبرالية، أو انتفائها جدلياً، بما هي شكل سياسي غير مطابق لمضمونه، وعارضها بالدولة الديمقراطية، التي هي وحدة الشكل والمضمون، أي وحدة المجتمع والدولة. ولم يقل أحد بعد ما هي الدولة التي ستنجم عن تعمق العولمة، وما مصير الدول التي تتآكل سيادتها باطراد في البلدان المتأخرة. وسؤال الدولة هو نفسه سؤال المجتمع المدني. المسألة تتعلق، على ما يبدو لي، بصفة الدولة أو صفاتها وتحديداتها المختلفة، لا باختلاف العلوم الوضعية التي تناولتها، كعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم القانون والأنثروبولوجيا، واختلاف مناهجها، فحسب، بل باختلاف المنظومات الفكرية، من ليبرالية وماركسية ووجودية وبنيوية وفوضوية، والمنظومات الأيديولوجية من قومية واشتراكية ودينية، ولا سيما الإسلامية منها. وكل صفة هي حد وفرق يضع تعارضاً، وينشئ جدلاً، ويثير جدالاً. والجدال، لا الجدل، أي الديالكتيك، هو السمة الغالبة على الفكر السياسي العربي في موضوع الدولة، وهو جدال حول الصفات، فحسب، لا حول الموصوف الذي قلما يعبأ به المتجادلون والمتساجلون. ولا بد أن نلاحظ أن الصفة عندنا تأكل الموصوف أو تستنفده، بخلاف منطق لغتنا العربية. والجدال حول الصفات يحيل على الطابع الأيديولوجي للخطاب السياسي من جهة، وعلى عجزه عن تجاوز حدود الوضعية الإيجابية التي تحولت لديه، بحكم الطابع الأيديولوجي ذاته إلى مذهب وضعوي.
الدولة القومية والدولة الاشتراكية والدولة الإسلامية هي شعارات الفكر السياسي العربي، وشعارات الحركة الشعبية، بعد الحرب العالمية الثانية خاصة، والقومية العربية والاشتراكية والإسلام، على ما بينها من تداخل واختلاط، هي مضامينه. السياسة، بما هي فاعلية المجتمع وعلم الدولة، وبما هي معطى مدني، خارج اهتماماته. حضور السلطة الوحشية (الطبيعية) المباشر والكثيف في جميع مجالات الحياة الاجتماعية وفي تفاصيل الحياة الشخصية للفرد وحجب فكرة الدولة المبهمة والمعقدة. تحويل المجتمع إلى أرقام إحصائية وإلى قطعان، وتحويل الأفراد إلى كائنات توتاليتارية وحجب فكرة الدولة. إدماج جميع مجالات الحياة الاجتماعية في مجال واحد هو مجال السلطة الشمولية التي لا يخرج من دائرتها شيء أنتج تطابقاً وتماهياً بين السلطة والدولة. جميع أفراد الشعب متساوون في كونهم لا شيء؛ إذن، ليس هنالك دولة وليس هنالك أمة وليس هنالك شعب. لذلك كله، ولأسباب أخرى كثيرة، ليس أقلها اختفاء الدولة في العراق مع اختفاء صدام حسين واحتمال اختفائها في بلدان عربية أخرى، بات واجباً علينا أن نهتم بفكرة الدولة قبل أي صفة أخرى من صفاتها. لكي نعيد تعريف السياسة بأنها شأن عام وفاعلية مجتمعية، وعلاقة مزدوجة ذات اتجاهين: من الأدنى إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأدنى. الدولة أولاً وأساساً، وجميع صفاتها الأخرى تابعة. أعتقد أنني أقترب من نَفَس كريم مروة ومن نفسه، وأرجو أن يكون الأمر كذلك، وإلا أكون قد غلَّبت هواي. وما يرجح الاحتمال الأول أن الدولة عند كريم مروة "بعكس ما ينظِّر له عتاة الرأسمال المعولم، هي حاجة موضوعية لتأمين الانتظام الاجتماعي، لكن بشرط أن تتحول بصورة كاملة إلى دولة ديمقراطية حديثة، دولة مؤسسات وقوانين، لكي تكون مؤهلة للتعامل مع المجتمع في تحقيق تلك المهمات المشار إليها. ولن يتم ذلك في بلداننا على النحو الصحيح إلا بفصل الدين عن الدولة" (مروة 2003، ص 44)
ولكن، قبل الدولة الديمقراطية التي يلح عيها الكاتب هنالك الدولة السياسية، يتعبير ماركس، أو الدولة الحديثة، في معارضة الدولة القديمة التي يذكرها الكاتب في عدة مواضع، هنالك دولة الحق والقانون، دولة جميع المواطنين؛ هنالك الدولة بما هي تجريد العمومية والتي تتجسد في مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية لكل منها استقلالها النسبي المؤسس على تمايز مجالات الحياة الاجتماعية واستقلالها، ولكل منها وظائفها التي تؤلف مجتمعة "وظائف الدولة". الديمقراطية في بلادنا ليست في أمر اليوم، لأننا لم ننجز بعد مقدماتها الضرورية، وفي مقدمها الدولة السياسية بما هي تجريد العمومية وتحديد ذاتي للشعب. فلا يمكن إلغاء الطائفية السياسية من دون علمنة المجتمع وفصل الدين عن السياسة وإعادة بناء العلاقات السياسية على مبدأ المواطنة وتساوي جميع المواطنين في الحقوق. المواطن، بما هو فرد مجرد من جميع صفاته ومحمولاته غير السياسية، هو أساس الدولة، والفرد الطبيعي بجميع صفاته ومحمولاته هو أساس المجتمع. تعريف الدولة بأنها تجريد العمومية هو ما يؤكد علمانيتها وعقلانيتها وكونها وطناً سياسياً لجميع مواطنيها، بغض النظر عن خصائصهم الفردية وانتماءاتهم المختلفة ومحمولاتهم المتباينة. وهذا في اعتقادي من أهم الملفات التي يفتحها الأستاذ مروة ويقتضي كل منها حواراً فكرياً وسياسياً يستعيد قيم الحداثة المغدورة وأفكارها ومبادئها ومناهجها، وأهمها الديالكتيك، ذروة العقلانية.
هل يؤدي إصلاح الدولة القائمة بالفعل وجعلها دولة وطنية حديثة، وفق النموذج السائد عالمياً، إلى تعزيز "القطرية" وإعاقة المشروع الوحدوي أم العكس؟ وهل في ذلك مخرج من الاستبداد الذي تعانيه مجتمعاتنا منذ قرون؟ وهل في إطلاق فاعلية هذه المجتمعات الإنتاجية والإبداعية على جميع الصعد الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية ما يحصن هذه المجتمعات ويستأصل منها جذور "القابلية للاستعمار" التي لا تنمو إلا في تربة الاستبداد؟ أليست الدولة الوطنية الممكنة واقعياً، هي من تحقق مصالح جميع الفئات والشرائح الاجتماعية، وإن بنسب متفاوتة، إذ تمثل مخرجاً وحيداً من المحاصصة الطائفية، أو من الاستئثار والاحتكار وتحكم الطغم والمافيات والسلطات الشمولية؟ هذه الأسئلة وغيرها يطرحها كريم مروة صراحة أو ضمناً، ويجيب عن بعضها إجابات لا تستنفد أياً منها، ولكن الأسئلة تظل مشرعة ومفتوحة.

* - كريم مروة، عشية أفول الإمبراطورية، أسئلة حول موقعنا في عالم الغد، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2003

1 الفساد هو المعادل الأخلاقي للاستبداد، تكف معه الدولة أو تكاد تكف عن كونها كائناً أخلاقياً. واللافت للنظر أنه لم يفكر أحد في بلادنا بعد بالإصلاح الأخلاقي. ولم يدرجه أحد بعد في سلم الأولويات. مع أن الجميع يلاحظون العلاقة الطرية بين نمو الفساد وانحطاط الأخلاق. ولم يقترح أحد بعد تدريس مادة التربية الأخلاقية بدلاً من التربية القومية الاشتراكية مثلاً في جميع مراحل التعليم.
2 يلاحظ هنا أن الأمة هي القاسم المشترك بين هذه الشعارات، وهو ما يطرح ضرورة تفكيك مفهوم الأمة ونقده وإعادة تعريف الأمة بدلالة قيم الحداثة وأفكارها ومناهجها ومنجزاتها.
3 عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، ص90


حكومة " قوس قزح "

يوسف ابو الفوز

قبل عقد من الزمان، حللت في فنلندا لاجئا سياسيا، بعد رحلة شاقة في البحث عن سقف امن دائم، ومن الايام الاولى، ومن اجل متابعة ما يجري في البلاد والتعرف عليها عن قرب، اجريت الكثير من اللقاءات والحوارات مع مثقفين وسياسيين من اهل البلاد، ومن مختلف "الالوان". ففي فنلندا تستخدم وسائل الاعلام الواناً محددة لمختلف الاحزاب والمنظمات، وتعرف بها وتكون سائدة في شعاراتها ونشاطاتها. ولاجل اشراك الاخرين معي في ما رحت اتعرف اليه، كتبت سلسلة مقالات لمجلة " رسالة العراق "، الصادرة في لندن حينها، وتحت عنوان موحد "السياسة والحياة عند القطب " للتعريف بتاريخ وحياة وتجربة هذه البلاد في بناء دولة ديمقراطية، مثالا لدولة الرفاه الاجتماعي ودولة القانون والمجتمع المدني، وكان في بالي دائما التأكيد على تلك الدروس التي تنفع بلادنا فيما لو تمت الاطاحة بالنظام الدكتاتوري. ومن الايام الاولى واجهني في الحياة السياسية الفنلندية مصطلح " حكومة قوس قزح "، الذي تستخدمه وسائل الاعلام نقلا عن الشارع الفنلندي، حيث يستخدمه المواطن الفنلندي في وصف الحكومة المنشودة، حكومة الوحدة الوطنية. لم يكن صعبا فهم المقصود بذلك، لكني وفي لقاء السيدة ساتو هاسي (شاعرة وروائية ومؤلفة كتب دراسية في علم الفيزياء) زعيمة حزب الخضر الفنلندي، ووزيرة البيئة لفترة لاحقة، وفي كافتريا البرلمان الفنلندي، ولانجاز اللقاء الصحفي (نشر اللقاء في رسالة العراق العدد 42 حزيران 1998) سألتها عن " قوس قزح " هذا: الا تجدون في التسمية شيئاً من سخرية او استهانة بالعمل السياسي؟ كانت الحكومة ايامها مكونة من خمسة احزاب من الاحزاب الفنلندية الستة الكبار، وراحت السيدة تشرح لي، وبلغة اختلطت فيها مصطلحات العلم بالشعر، اعتزازها بهذه التسمية، لانها تجدها تعبيراً موفقاً عن حكومة الوحدة الوطنية، التي تدير سياسة البلاد وتسعى لتحقيق طموحات واحلام المواطن الناخب، فكل الاحزاب السياسية، ومن مختلف الالوان الفكرية، من اليمين واليسار، تجلس الى طاولة واحدة وتشترك في حكومة واحدة، شكلت وفقا للدستور، وراعت الاستحقاق الانتخابي ومصلحة الوطن. كانت فنلندا ايامها في سنوات حاسمة لتأخذ دورها وحجمها المناسبين في مؤسسات الاتحاد الاوربي وتحديدا للتصويت حول الدخول في وحدة النقد الاوربي، فاكدت السيدة ساتو هاسي: ان قرارات مصيرية بهذا الحجم ترسم مستقبل البلاد لا يمكن للون واحد ان يتفرد برسمها، لابد من ان يكون هناك اجماع وطني من كل الالوان.
اليوم، في العراق الجديد، وبعد سقوط النظام الديكتاتوري، وبعد ان تشكلت الوزارة العراقية الرابعة برئاسة السيد نوري المالكي، بعد وزارات: مجلس الحكم، والمؤقتة، والانتقالية، ها هي الوزارة الدائمية تلاقى بالترحيب من قبل الكثيرين، على الساحة الوطنية الداخلية، والخارجية، ودعك من عصابات فلول النظام الديكتاتوري المقبور، وحلفائهم من الارهابيين التكفيريين، الذين لهم مشروعهم الظلامي الدموي.
الحكومة الدائمية، ستواجه ملفات اساسية، ومهمات كبيرة وخطرة، في فترة حاسمة ومصيرية في تاريخ وحياة شعبنا، فهل يمكنها الخروج بقرارات حاسمة لخلاص شعبنا مما يعيشه من ازمات وكوارث والاخذ بالبلاد الى نهارات الامان والاستقرار؟
العديد من ممثلي الاقليات، وفي مجلس النواب، لا يعتبرون الحكومة الحالية حكومة وحدة وطنية بل يعتبرونها حكومة توافقية هشة مبنية على المحاصصة الطائفية، ويشيرون الى غياب ممثلي القومية التركمانية، والكلدواشوريين، والايزيدين والصابئة، والعديد من المنظمات النسوية ايضا قدمت انتقادات حول نسب تمثيل المرأة وتهميشها في الحكومة الحالية.
وبالرغم من اشتراك غالبية القوائم الانتخابية في تشكيل الحكومة الحالية، الا ان غياب الوان معينة عن تشكيلة الحكومة، سيضر بالتاكيد بكمال الوان قوس قزح لتتحد مختلف الترددات لكل لون مع بعضها لتشكل لونا وطنيا واحدا ساطعا وبهيا.
لا يزال من الممكن معالجة ذلك، بأكثر من طريقة وشكل وبروح الحكمة والحرص على مستقبل البلاد. وتفعيل مجلس الوزراء واحد من الاجراءات الاساسية والمهمة امام الحكومة الحالية لتقترب من روح الكمال، بحيث يستطيع كل وزير في الحكومة، ومهما كان حجم كتلته الانتخابية ان يوصل صوت الناس ومن يمثلهم وفي مختلف الشؤون السياسية والاجتماعية. من دون ثقة ودعم كل فئات ومكونات الشعب العراقي، فلن تستطيع اي حكومة ان تنجز ما وعدت به، وستبقى الوانها نشازا، بعيدة تماما عن امكانية تحقيق الانسجام المطلوب لرسم صورة مشرقة لغد افضل منشود.


مجــزرة القيــم بين الأمس واليوم
 

حسن حاتم المذكور

من اجل ان نميز بين الأمم والمجتمعات من حيث درجة رقيها وتقدمها او انحطاطها وما هي عليه في واقع الحال، علينا ان ننظر الى مقدار وطبيعة القيم التي تتميز بها.
فالقيم هي منظومة اخلاقية وفكرية ومعرفية وحضارية، وتراكم عادات وتقاليد وسجايا تتطبع عليها المجتمعات وتعبر عن نفسها لا ارادياً عبر تصرفات وممارسات ومواقف الأفراد والأسرة والجماعة، وتنظم العلاقات بين مكونات المجتمع الواحد باتجاه مبادىء السلم والتعايش والبناء المشترك، او عكس ذلك، وعلى هذا الأساس تتشكل ايضاً طبيعة علاقة المجتمعات (الأمم) مع بعضها، فأما ان تكون مبنية على السلم وحسن الجوار وتبادل المنافع وقبول الآخر، واما ان تكون مصدراً لنزاعات غبية وسبباً للعدوان والتدمير المتبادل.
لناخذ مثلاً المجتمع العراقي ورصيده من القيم، طبيعتها وتطوراتها ايجاباً او سلباً وحجم الانتكاسة التي تعرضت لها في العقود الأربعة الآخيرة.
يذكر لنا الجيل الذي سبقنا كماً هائلاً من القيم النبيلة التي اكتسبها العراقيون على امتداد الآف السنين، فالتحضر والتقاليد الحميدة وحالة الانسجام والتعايش واجواء المودة والتعاون بين الأعراق والطوائف والاثنيات واشتراك الجميع في بناء الصرح الحضاري والانساني للشخصية العراقية برغم التشويهات التي فرضها الدخلاء في مراحل معينة، ويوردوا لنا امثلة حية من الماضي القريب بهذا الخصوص..
بعد ثورة 14 / تموز / 58 كان الكثير من الكوادر العلمية والفكرية والسياسية الذين تم تعيينهم ودعوتهم من قبل الثورة كوزراء ومسؤولين كبار تقديراً لتاريخهم الوطني والانساني مثل الدكتور ابراهيم كبه د. فيصل السامر و د. محمد حسن سلمان وغيرهم، وبعد قرارهم العودة والمشاركة في بناء الوطن، كان بعضهم لا يملك اجرة العودة فأضطر للاستعانة بالأصدقاء والمعارف، وهذا يدل على ان تلك الكوادر تحملت ضنك العيش وقسوة الحياة من دون ان تطلب المساعدة من الدول التي تقيم فيها حتى لا تصبح صيداً سهلاً لشروطها. وعندما خرجوا من السلطة كانوا لا يملكون سوى راتبهم التقاعدي المتواضع مع انهم كانوا وزراء ومسؤولين كباراً، وقبلهم رجالات العهد الملكي، كانوا يخجلون من تهمة الرشوة او العمالة او ينكرونها في الأقل، وكانت مفردة (الواشر) تهمة يتندر بها العراقيون على افراد الشرطة انذاك، والموظف في الدوائر الرسمية يعتبر الرشوة اهانة لشخصيته قد تؤدي به للثأر لكرامته وتكون مصدراً للعراك او رفع الدعوى.
مثال آخر عاشه جيلنا، الكفاءة والنزاهة والاستقامة والخلق الوطني ونكران الذات وحب الشعب التي تميز بها قادة ثورة 14 / تموز / 58 الوطنية، حيث بعد اغتيال الثورة واستشهاد قادتها فوجىء المتآمرون عندما وجدوا ان ما تملكه تلك النخب الوطنية هو اقل مما كانوا يملكونه قبل تسلمهم السلطة، مثال ذلك الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم وفاضل عباس المهداوي وماجد امين ووصفي طاهر وكذلك الكثير من قادة الحركة الوطنية، وتلك جمالية ظلت معلقة في ذاكرة الناس يعتدون بها ويقيسون على اساسها سلوك وممارسة الآخرين، وحتى الذين سقطوا في مستنقع التآمر على الثورة وخذلوا قيادتها الوطنية، ظلوا بعيدين عن الاصابة بأمراض الرشوة والاختلاس وسرقة اموال الدولة والمجتمع.
شاهدت بنفسي وبالتأكيد قد شاهد غيري بعضاً من السياسيين الوطنيين واصحاب المبادىء الديموقراطية والمثل الثورية وبشكل خاص بعض قادة الحزب الشيوعي العراقي والشخصيات الوطنية المستقلة انذاك يتحملون الطرد من الوظيفة والحرمان والتشرد، فمنهم من كان محامياً او مهندساً او استاذاً جامعياً او سياسياً لامعاً اذا ما وصل به الأمر ان يحدد موقفاً بين قناعاته الفكرية والسياسية او الانتهازية والوصولية، وكانوا يختارون الطريق الأول والأصعب ويدفعون ثمن ذلك فينحدروا إلى ممارسة الأعمال الشعبية كباعة متجولين على الأرصفة مع الشعور بالفخر، وتلك مثالية في غاية الروعة، انه تعبير عن الوعي الوطني وشرف افتداء الشعب.
بعد الأنقلاب الفاشي الاسود في 8 / شباط / 1963 وتسلط الأراذل الذين جلبهم القطار الأمريكي من مزابل العنصرية والشوفينية والطائفية لدول الجوار العروبي الاسلامي، ابتدأت الصورة تتغير جذرياً، فاضافة الى المجزرة الجسدية والفكرية والسياسية، اعتمد الدخلاء ووكلاؤهم المحليون نهج تدمير القيم المجيدة داخل المجتمع العراقي، وقد ابتدأت تلك الهجمة الشرسة على القيم والأخلاق ومنظومة التقاليد والأعراف والسجايا الحميدة داخل المجتمع العراقي مع تسلم الزمر الأكثر سقوطاً وتفاهة ووحشية وسفالة وسادية وخيانة في حزب البعث بقيادة صدام حسين وعائلته وافراد عصابته، وعلى امتداد اكثر من (35) عاماً، وقد ساعد التدفق الهائل للثروات النفطية على تنفيذ برنامج الهجوم على الثقافة الوطنية والقيم الاجتماعية والارث الانساني الرائع للمجتمع العراقي، وعبر التصفيات والابادة الجماعية واثارة الحروب والفتن الداخلية والعدوان على دول الجوار والافراط في الوحشية. استطاع النظام البعثي ان يخلق حالة من الرعب والخوف والفوضى كانت كفيلة بأن تلحق اضراراً جسيمة بقيم واخلاق المجتمع العراقي وتدمير العلاقات الانسانية التي تربط بين مكوناته واطيافه، اضافة لتلك العوامل نشط الاعلام المحلي والخارجي بعد رشوته في تكريس تقاليد ومظاهر الفساد والاختلاس والمحسوبية والمنسوبية وثقافة (الفرهود) على نطاق واسع.
في حالة من الوعيد والترغيب وتشجيع مظاهر الانحطاط الانتهازي الى جانب ضغط الأوضاع كالبطالة والحصارات اضطر قسم من شرائح المجتمع العراقي على ممارسة سلوكية متدنية في النفاق والتزلف والوصولية وخذلان المجتمع وانحسار الشعور بالمسؤولية والروادع الوطنية، وكان قمة الهجوم المدمر للجوانب الايجابية المورثة هي عملية التبعيث الالزامي ودفع الناس اجبارياً للسقوط في المستنقع الآسن لحزب البعث والتلوث بفساد عقائده ورداءة اخلاقه وممارساته واساليبه المنحطة.
بعد التغيير الذي حصل في 9 / نيسان /2003 كان مفروضاً او مأمولاً في الأقل ان يتم وبسرعة لا تقبل التأجيل البدء بمعالجة العيوب القاتلة داخل المجتمع العراقي عبر اجتثاث ما تركه النظام البعثي الساقط من كوارث اجتماعية واعادة ما دمره على صعد القيم والأخلاق والمظاهر الآخرى للتحضر، يرافقها استرجاع الثروات العراقية المنهوبة وتحسين مصادر انتاجها بغية انعاش البنية التحتية للاقتصاد العراقي وإعادة اعمار الوطن والانسان في آن واحد، وقبر آفات وبيئة الفقر والجهل والمرض، داخل المجتمع، لكن ماحصل مع الأسف امر ما كان محسوسباً ومتوقعاً على الأطلاق. فاضافة الى ابقاء كوادر الجريمة و العناصر الملوثة لحزب البعث منتشرة في مفاصل الدولة والمجتمع، وسد الأبواب بوجه الكوادر الوطنية في الداخل والخارج، حاول الاحتلال ان يفرض على المجتمع العراقي والعملية السياسية التي فصلها طبقة من السياسيين مهيأة ومنتقاة عرقياً وطائفياً ثم وعلى سبيل الموازنة فتح الأبواب امام تدفق ارادات دول الجوار وما خلف الجوار فتشكلت حالة من الولاءات (التبعية) لمصادرواطماع خارجية تلوثت بها اغلب احزاب ونخب العملية السياسية واصابت منها مقتلاً في الارتباط الوطني والالتزام امام الشعب.
ان نهج المحاصصات والتوافقات وانتشار ثقافة الفرهود قد خلقت وكرست اجواء موبوءة وحالات من الفساد اصبحت في الواقع امتداداً لما تركه النظام البعثي من تقاليد ذميمة في الرشوة والاختلاس وسرقة وتهريب الثروات الوطنية وانتشار المحسوبية والمنسوبية وتصدر عديمي الكفاءة والنزاهة من ابناء العائلة و الحزب والعشيرة والطائفة الى جانب تطويق الكوادر الكفوءة والنزيهة المخلصة والجادة في خدمة الوطن وابنائه خارج جدار العملية السياسية وكواليسها داخل المنطقة الخضراء، حيث كل شيء يتعلق بمصير الشعب وامنه واستقراره وازدهاره او الكوارث التي تنتظره محصور هناك في غاية السرية والتمويه، وترك الشعب اعزل، ومستباحاً ومطارداً من قبل عصابات واجهزة النظالم البعثي الساقط وواجهاتها من تكفيريين ومفخخين ومفجرين وبهائم انتحارية، ومن جديد يعاد التخطيط لزرع الفوضى والخوف والرعب بغية ارهاب الناس واذلالهم ثم استسلامهم لشروط الأمر الواقع.
ان مشكلة العراق الراهنة: هي كارثة تدهور القيم والأخلاق وسقوطها عند النخب السياسية وتعميم آفة الفساد التي ابتدأت تتدفق باتجاهات واسعة بين الكثير من مفاصل المجتمع والدولة.
ان نهج المحاصصات والتوافقات العرقية والطائفية والفئوية الضيقة هي المقتل الذي اصاب العملية السياسية ومنها بشكل خاص التجربة الديموقراطية، وان الطريقة التي تم بموجبها تشكيل مجلس الحكم الموقت وحكومتي اياد علاوي وابراهيم الجعفري وطريقة التصويت على الدستور ونفوذ الفورة الطائفية والعرقية وتأثيرها على العمليتين الانتخابيتين هي السكين التي تم بواسطتها تقطيع الهوية الوطنية المشتركة وتمزيق اللحمة التاريخية للمجتمع وتفريخ التدهورات الراهنة للأوضاع.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة