اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الهوية الوطنية: محاولة في التعريف الوظيفي
 

باقر جاسم محمد*

*ناقد أدبي وباحث عراقي

يثير التباس مفهوم الهوية الوطنية وعدم وضوح حدوده في بقاع أخرى كثيرة من بلاد العالم، ومنها العراق، أسئلة أكثر من الإجابات نظراً لكونه من أكثر المفاهيم إثارة للخلاف بين المتحاورين والكتاب والفرقاء السياسيين. ويستعر أوار الخلاف حوله أكثر فأكثر في أزمنة الأزمة التي تضع كثيراً من المسلمات التي سادت لفترة ما موضع الشك. ولعل الحال في العراق يمثل تجسيداً ملموساً لهذه الحقيقة. إذ على الرغم مِنْ أن مَنْ يتحاورون حول ماهية مفهوم الهوية الوطنية وحدوده يتفقون جميعاً على أهميته الجوهرية في إرساء الوحدة الوطنية على أسس راسخة، إلا أنهم نادراً ما يتفقون حول ماهية هذه وأبعادها الثقافية والفكرية والسياسية.

والواقع أنه يمكن استعمال المفهوم على أنه شعار سياسي ذو بعد استراتيجي لهذا الطرف السياسي أو ذاك، أو أن يُصاغ على وفق الرؤيا الأيديولوجية لهذه الجهة أو تلك. بيد أن مثل هذه الممارسات ستنتج تصورات كثيرة في عددها ومتباينة في أُسسها النظرية وفي أهدافها. وهو ما يغيب البعدين الموضوعي والمعرفي للمفهوم ويقلل من قيمته الفكرية ومن فاعليته الإجرائية على أرض الواقع فيجعل منه دافعاً نحو الفرقة والتناحر داخل المجتمع بدلاً من أن يكون حافزاً للتوحيد والتعاضد. ولعل من نافلة القول أن تحديد طبيعة المفاهيم الاجتماعية والسياسية العامة، ومفهوم الهوية الوطنية من أهمها، هو بحث في ماهيات مؤسسة على وجود متحقق وعيني. إن الفرد يوجد في مجتمع ما أولاً ثم يكتسب هويته أو ماهيته لاحقاً. بمعنى أن الهوية ليست معطى مقدساً وثابتاً ونهائياً، وإنما هي معطى تاريخي في حالة صيرورة وحركة دائمين. ولذلك فهو عرضة للمراجعة والنقد والتقويم لجعله أكثر فاعلية في أداء وظائفه الأساسية في توحيد المجتمع وتحديد من ينتسبون إليه وتمييزهم عمن سواهم. فنحن نتفق تماماً مع من يقول أن "... ليس لهوية قيمة في ذاتها أو فيما تخلقه من شعور بالخصوصية، وإنما تنبع قيمتها مما يقدمه الإطار الذي تخلقه من فرص حقيقية للتقدم وتوسيع هامش المبادرة التاريخية للشعوب والجماعات التي تنطوي تحت شعارها"(برهان غليون، حوارات من عصر الحروب الأهلية: 312-313). وهذا يعني ضرورة البحث في ماهية مقومات الهوية وصولاً إلى تحديد ما يفرضه الواقع الراهن في العراق من وظائف على الهوية الوطنية أن تؤديها لكي تجعل أبناء العراق يستعيدون لحمتهم الوطنية التي توشك أن تفكك عراها؛ ويستعيدون مبادرتهم التاريخية وفرص تقدمهم في المستقبل.
ولسوف يشكل ذلك حافزاً لكاتب هذه السطور، بوصفه عراقياً مستقلاً، لكي يقدم رؤياه الفكرية بخصوص مفهوم الهوية الوطنية إسهاماً منه في إغناء الحوار حوله. وهو يقرُّ بأنه لن يكون بمنجاة من تأثيرات فكرية بعينها؛ ولكنه سيسعى، قدر المستطاع، للحد من تأثيرها على ما سيقول. ولكي يجعل أطروحته أكثر موضوعية، وبالتالي أكثر موثوقية، فإن الكاتب سيخضع قراءته هذه لإجراءين منهجيين: أولهما تحديد المنظور المعتمد في هذه الأطروحة، وثانيهما الالتزام بمنهجية صارمة تلتزم الحياد في عرض الآراء المختلفة وتحليلها ومناقشتها وبناء الاستنتاجات المترتبة عليها.
ولعل من المناسب بداية أن نقرر مبادئ عامة نحتكم إليها في مسعانا لتحديد مقومات الهوية الوطنية. و هي المبادئ التي يمكن حصرها بالآتي:
1- أن تكون الهوية منسجمة مع معطيات الفكر السياسي والقانوني الحديث الذي يستند إلى قاعدة المواطنة بوصفها معياراً جوهرياً ومبدأ قانونياً في تأمين المساواة في الحقوق والواجبات لجميع أبناء الشعب ممن يحملون هذه الهوية.
2- أن تكون الهوية معبرة عن الواقع الراهن للشعب العراقي بوصفه كلاً غير قابل للتجزئة. بمعنى أنها لن تكون انعكاساً لتصور فئة ما دون غيرها. وهذا يجعلها هويةً وطنيةً بحق وليست تعبيراً عن موقف سياسي ضيق.
3- أن تكون الهوية عامل توحيد وتقوية وتفعيل للحراك السياسي الاجتماعي والاقتصادي في البلاد على الأسس الواردة في المبدأين أعلاه، وأساساً راسخاً لتعزيز الكيان السياسي الموحد للدولة واستكمال بناء مؤسساتها المعبرة عن وحدتها من جهة واستعادة سيادة البلاد ومواصلة دورها الإقليمي والدولي من جهة أخرى.
في مشكلة مقومات الهوية
لعل مسألة تحديد مقومات الهوية من أكثر القضايا صعوبة وحساسية لأنها تنطوي بالضرورة على إغراءات أيديولوجية قد تطيح بالبعد المنهجي والموضوعي للبحث في تحديد هذه المقومات. فقد طرحت الأيديولوجية الماركسية مفهوماً أُممياً للهوية تجسد في شعار" يا عمال العالم اتحدوا" الذي يدعو إلى وحدة عمال بلاد العالم كافة على أساس طبقي. ولكنه في الوقت نفسه ينطوي ضمناً على وحدة من نوع آخر هي وحدة الرأسماليين على أساس طبقي أيضاً. وبذلك ظهرت أولى ملامح الهوية الطبقية التي تتجاوز الحدود والمقومات القومية والدينية. لكن المفهوم الطبقي هذا كان فضفاضاً وطوباوياً. ومنذئذ بقيت مسألة الهوية وعناصرها التكوينية مطروحة للجدل والسجال الفكري والأيديولوجي. فما الهوية؟ وما العناصر أو المقومات التي يجب أن تدخل ضمن مكوناتها؟ وهل ينحصر تعريفها على الدين والقومية فحسب؟ وما خيارات الهوية المتاحة الآن أمام العراقيين؟ وليس القصد من التوكيد على الآنية في السؤال قبل الأخير الزعم بآنية الهوية المرجوة؛ وإنما هو فقط للإشارة إلى الوضع المتفاقم لأزمة الهوية في العراق في هذه المرحلة بالذات. وهو وضع يتطلب، وبإلحاح، إجابة تتوافر لها عناصر تاريخية ملموسة ومقومات حقيقية على أرض الواقع فضلاً عن تطلعات مستقبلية مشروعة من جهة وممكنة من جهة أخرى. وسوف نبدأ بالإجابة على السؤال الأخير لأن الإجابات على بقية الأسئلة ستحدد وتجد إجاباته أثناء التوسع في الإجابة عليه.
إذا استبعدنا الخيار الطبقي لأنه فضفاضً وطوباوي، ولأنه لم ينجح تاريخياً في البلاد المتقدمة التي توجد فيها طبقة عاملة ناضجة، وتأملنا في خيارات الهوية المتاحة أمام العراقيين لرأينا أنها تتلخص في ثلاثة خيارات متمايزة جوهرياً هي:
1. الهوية الدينية: وتستند هذه الهوية إلى الدين الإسلامي. وهي ذات بعد تاريخي يستحضر بالضرورة تاريخ الدولة الإسلامية التي قامت بالإسلام وعلى الإسلام. تلك الدولة التي كانت لها إنجازات حضارية عظيمة. وكانت لها، في الوقت نفسه، أخطاء جسيمة على المستوى السياسي. وليس الغرض من هذا الكلام نقد الدين الإسلامي الذي نرجو أن يحظى باحترام يبعده عن الاستعمال في الصراعات السياسية والاجتماعية. إنما هو نقد لتجربة الحكم والحاكمين باسمه. وهؤلاء الحاكمون من البشر. ويمثل حلم استعادة الدولة الإسلامية مجدداً الركن الأساس في مثل هذه الهوية والبعد المستقبلي لها أيضاً. لكن هذه الهوية الحلم تبتعد كثيراً عن أرض الواقع وما يحفل به من حقائق وقضايا ساخنة ليرسم حدود هوية فضفاضة وطوباوية تتجاوز حقائق التاريخ في الماضي ومتغيرات الواقع الاجتماعي في الوقت الراهن؛ وذلك لكونها تتجاهل ذلك التنوع الهائل عرقياً ولغوياً وثقافياً بين الشعوب الإسلامية في عصرنا. وتتجاهل تمدد تلك الشعوب وانتشارها على جغرافية شاسعة تشكل في نهاية المطاف حاجزاً يحول تماماً دون حلم الدولة الإسلامية الواحدة. فلهذه الشعوب سياقات تطور اجتماعي واقتصادي وسياسي شديدة الاختلاف، فضلاً عن كون الهوية الإسلامية المفترضة تتجاهل أيضاً الاختلافات الفقهية. فالدين ليس نصوصاً فحسب، وإنما هو نصوص وتفسيرات مختلفة لها. بمعنى أن مثل هذه الهوية ستدخلنا في مشكلة تاريخية مزمنة وتجعلنا جزءاً من كل غير موحد من حيث طبيعة المشكلات الاجتماعية التي تعانيها أو الثقافة التي تتبناها أو الأهداف التي تتوخى تحقيقها.(أنظر يوسف سلامة: ص 6-7) وهذا سوف ينعكس سلبياً على الوضع في العراق. وهو البلد الذي يعيش في وضع مترد ٍ ومأزوم أصلاً. ويمكن أن نضيف أيضاً بأن مثل هذه الهوية ستكون بالضرورة ذات طابع شمولي لأمرين: أولهما كون الإسلام، كباقي الأديان، ديناً شمولياً، وثانيهما أن هدفاً بهذه الجسامة، وهو هدف يمكن أن يوصف بالاستحالة أيضاً، لا يمكن السعي لتحقيقه دونما فلسفة في الحكم ذات طابع شمولي. لذلك فإن الهوية الإسلامية تتجاهل وجود مواطنين يعتنقون أدياناً أخرى في العراق(وفي باقي أجزاء البلاد الإسلامية). وهؤلاء يأملون بهوية لا تعطى لهم كمنحة دالة على تسامح الأكثرية المسلمة بقدر ما هي حق طبيعي لهم غير منازع. وهذا الأمر يمثل أهم نقاط الضعف في فلسفة الهوية الإسلامية. وهو لا ينطبق على العراق فحسب، بل ينطبق أيضاً على مصر والسنغال ولبنان وتركيا وإيران وكثير من البلاد الإسلامية الأخرى في آسيا وأفريقيا وأوروبا.
2. الهوية القومية: للوهلة الأولى، تبدو الهوية القومية أكثر قرباً من الواقع بالمقارنة مع الهوية الدينية. فهي ترتكز على العروبة متخذة منها منطلقاً في تحديد الهوية القومية للشعوب التي تعيش في البلدان التي يصطلح عليها بالوطن العربي. وبذلك يصح القول أن هذه الهوية ترتبط بواقع مجزأ فعلياً من جهة، وبتطورات سياسية واجتماعية قد تحصل، أو قد لا تحصل، في هذه المنطقة في المستقبل من جهة أخرى. بمعنى أنها هوية معرفة بواقع سياسي مجزأ لا يغري هو كون البلدان العربية مقسمة إلى أقطار. وهي معلقة على شروط مستقبلية غير متحققة على أرض الواقع مثل تحول هذه الكيانات القطرية إلى التعاون الحقيقي البناء ونضج الشروط الذاتية والموضوعية المناسبة لتحول هذا التعاون المأمول إلى شكل من أشكال التوحيد للبلاد العربية. وهذا مما يجعلها غير مناسبة إجرائياً في حل مشكلة أزمة الهوية التي يعيشها الشعب العراقي حالياً وحتى زمن مستقبلي غير منظور. كما إن هذه الهوية لا أساس تاريخي لها إذ لم يسبق أن تكونت دولة في هذه البلاد الموصوفة بالعربية على أسس قومية عربية محضة. فالإسلام هو الذي وحَّدَ العرب الذين كانوا قبله قبائل متناحرة ووحَّدَ كثيراً من الأمم الأخرى في دولة واحدة. وقد يقول قائل: أليس هذا إقرار منك بقدرة الهوية الدينية، وهي التي سبق لك أن رفضتها، على توحيد المختلفين والمتفرقين سواء أكانوا عرباً أم من أُمم أخرى؟ فأقول أن التوحيد الإسلامي قد جرى على مراحل استغرقت أكثر من القرن. وحدث ذلك في مرحلة تاريخية مواتية داخلياً من حيث زخم الانطلاق الأول لحضارة ناهضة تواجه حضارات آيلة للتفكك الوشيك. أعني أن التوحيد حدث في ظرف تاريخي فريد من جميع النواحي. وهو وضع لم ولن يتكرر على النحو نفسه مطلقاً. إذ نعرف من تاريخنا العربي الإسلامي نفسه أن التوحيد في دولة واحدة، وهو الذي أستمر حتى قيام الدولة العباسية ونشوء مركزين للحكم وفي بلاد الأندلس، سرعان ما انحسر ليحل مكانه التفتيت التدريجي الذي استغرق حوالي ثلاثة عشر قرناً. وفي أثناء ذلك، دارت حروب بينية داخلية دموية في دول أو دويلات الإسلام. وهذا يجعلنا ندرك أن تعريف الهوية على أساس الإسلام ضرب من البناء على أسس مشتقة من خيال ورغبات وتوق إلى تاريخ ٍ انتهى ولم يعد له وجود. واستناداً إلى ذلك نقول أن لا حظ لهذه الهوية من النجاح مرة أخرى. وأما بالنسبة للهوية القومية العروبية، فالحقيقة هي أنها تستند، تاريخياً، إلى نموذج الدولة- الأمة التي ظهرت في أوروبا؛ ثم تجسدت بأجلى صورها في التوحيد الإيطالي والألماني في القرن التاسع عشر. وما أعقب ذلك من تفكك الإمبراطوريتين العثمانية (الإسلامية) والنمسا والمجر إلى مكوناتهما الأساسية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. والهوية القومية تشترك مع الهوية الدينية الإسلامية في كونها تحاول إعادة تجربة حدثت في ظرف تاريخي متفرد ولا يمكن تكراره؛ ولكنها تختلف عن الهوية الإسلامية في كونها تحاول تكرار تجربة لم تحدث في الشرق العربي الإسلامي، وإنما حدثت في بعض بلدان أوروبا. وهي تجربة أدت إلى حروب طاحنة بين تلك البلدان. ولعل من المناسب أن نذكر بأن أوروبا تسعى حالياً لتجاوز تجربة الدولة القومية بعد أن استنفدت أغراضها. فهل يراد لنا أن نجرب نموذجاً مستهلكاً للهوية؟ ويستند الفكر القومي العربي أيضاً في كثير من أطروحته النظرية، وإن كان منظروه ينكرون ذلك، على كتابات الفيلسوف الألماني فيخته (1762-1814 م) وخصوصاً ما جاء في خطاباته إلى الأمة الألمانية. ويمكن أن يبنى نقد هذه الهوية أيضاً على تجاهلها لحقائق الدولة القطرية على الأرض التي صارت الآن، كما يقول محمد عابد الجابري، وهو أحد القائلين بالهوية القومية،
حقيقة نفسية فضلاً عن كونها واقعاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ودولياً. ‘(الجابري: 14). كما أن من شأن التوكيد على مثل هذه الهوية القومية "العربية" أن يحفز الأكراد إلى العمل على مشروعهم القومي الخاص بهم. ويحفز التركمان إلى المطالبة بالعودة إلى حضن دولة مجاورة. كما أنه سيحرك دول الجوار على رسم مشروعات تقسيم للبلاد بدعاوى حماية المتماثلين قومياً معها مما يقوض أسس بناء الدولة ووحدتها. كما أنه، من الناحية المنطقية والقانونية، ليس من حق المطالبين بجعل العروبة أساساً للهوية أن يقصروا ذلك على قومية بعينها دون القوميات الأخرى في البلاد. بمعنى أن التوكيد على العروبة شرطً أساسي لتحديد ملامح الهوية سيؤدي لا محالة، وبصرف النظر عن نوايا القائلين بذلك، إلى تقسيم العراق عاجلاً أم آجلاً.
3. الهوية الوطنية العراقية: تركز أغلب الدراسات والبحوث التي أطلعنا عليها على البعدين الديني أو القومي عند تناولها لمسألة الهوية وأزمتها. وتغفل كلياً عن البحث في إمكان تعريف الهوية استناداً إلى مقومات وطنية أو قطرية وذلك اعتقاداً منهم أن الإقرار بالخصائص الوطنية للهوية يتعارض أو يتنافى أو يلغي الخصائص الدينية أو القومية أو كلاهما معاً. ولكن ذلك اعتقاد لا يقوم على أسس حقيقية، وإنما هو مستمد من مخاوف من أن تكون الهوية الوطنية بديلاً أبدياً من الهوية القومية" العربية "، أو أن يقعد ذلك الشعوب العربية عن السعي نحو الوحدة. والحقيقة الناصعة هي أننا أصبحنا، وبعد تجربة سياسية مريرة لأكثر من نصف قرن من الزمان، بعيدين عن حلم الوحدة بفضل أفعال وسياسات الأحزاب والحكومات التي نادت بالوحدة. تلك الأحزاب والحكومات التي رفضت أي بحث في إمكانية تعريف الهوية استناداً إلى الواقع الراهن معتبرة إياه نوعاً من الهرطقة كما حصل مع رفض الهوية الفرعونية في مصر والهوية الفينيقية في سوريا ولبنان. ونعتقد أنه، وبعد تجربة طويلة من الهزائم والاخفاقات، فإن من حقنا أن نشك في جدوى ذلك الإقصاء المبرم للبحث في تعريف الهوية الوطنية فنسأل: هل كان تحقيق الهوية القومية في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأيرلندا.. إلخ، حائلاً دون تحقيق هوية أوسع هي الهوية الأوربية؟ وإذا كان الجواب بالسلب، فإن من حقنا أن نقرر بأن تحقيق الهوية الوطنية المرتبطة بكيان سياسي واجتماعي واقعي شرط لا بد منه لتحقيق أية هوية أخرى أوسع منها. كما أن الخيار بين الهوية الشاملة ممثلة بالدين أو القومية والهوية الوطنية غير متاح الآن على نحو يجعل اختيار إحداهما نفياً ونقضاً للأخرى. والصحيح أن نقول أن الخيار الوحيد الممكن هو خيار الهوية الوطنية لأنه يعبر عن حاجة ملحة ولا يتعارض بالضرورة مع الخيارات الأخرى، بل يمكن أن يتكامل معها مستقبلاً. وفي الحالة العراقية، تتميز هذه الهوية بكونها تستند إلى وجود تاريخي موغل في القدم هو تاريخ بلاد ما بين النهرين. كما أن العراقيين كانوا مميزين في زمن الدولتين العباسية والأموية. إذ يشير كثير من المؤلفين العرب والمسلمين في كتب الأدب والرحلات والتاريخ العربية إلى العراقيين، وكذلك يفعلون بالنسبة للمصريين والشاميين، بوصفهم جماعة مميزة تقطن بلاد ما بين النهرين دون أن يتهم أحد القائلين بذلك على أنهم يسعون إلى نسف أسس الدولة الإسلامية القائمة آنذاك. وتستند الهوية العراقية أيضاً إلى التاريخ الحديث الذي بدأ مع تكوين الدولة العراقية في العام 1921م. وهو التاريخ الذي أستمر إلى الآن بالرغم من تفكك الدولة في العام 2003م وانهيارها الشامل نتيجة الغزو الأمريكي. ويجب أن تستوعب الهوية الوطنية العراقية، بحكم التعريف، كل ما يميزها عن الهويتين الدينية والقومية دون أن تتناقض معهما بالضرورة أو أن تلغي إمكانية التكامل مع ما يتحقق منهما فعلياً. كما يجب أن تكون الهوية الوطنية العراقية هي الوحيدة التي يتجمع العراقيون تحتها. أما الصفات الأخرى العرقية والدينية والمذهبية فهي ليست مما يرقى إلى مستوى الهوية مطلقاً. أي أنها ليست هويات بديلة أو رديفة، ولكنها بالتأكيد من مقومات الهوية الوطنية العراقية. إنها خصوصيات تحظى بالاحترام وليس لها أن تكون على تناقض مع الهوية الوطنية العراقية مطلقاً. فإذا اتفقنا على أن أهم وظائف الهوية أن تحدد وتفرز وتميز على أسس واقعية وملموسة وليس في فراغ نظري مشتق من الرغبات والأمنيات، وإذا اتفقنا مع برهان غليون في أنه
لا تطرح مشكلة الهوية الحقيقية إلا داخل نظام موحد‘ (برهان غليون، نفسه: 309)، واختزلنا معنى النظام الموحد إلى ما هو محلي وعراقي تحديداً، وذلك لأسباب جوهرية يفرضها واقع العراق السكاني المعقد أصلاً وما يشهده الآن من اضطرابات وصراع يكاد يطيح بوحدة البلاد، فسيكون من المنطقي أن تتضمن الهوية الوطنية العراقية كذلك كل ما يميز العراقيين عن جيرانهم، سواء أكانوا من العرب أم من المسلمين. وأن تتضمن أيضاً كل ما يشكل أساساً راسخاً لوحدتهم من مقومات إيجابية يمكن أجمالها بالآتي: المقوم الأول هو مقوم النظام السياسي الموحد ضمن دولة واحدة وعلى أرض واحدة. وإذا كان القول بوجود النظام الموحد والدولة الواحدة يثير مسألة حساسة هي طبيعة نظام الحكم في الأرض الواحدة،. تلك الأرض التي تستمد وحدتها من وحدة الإرادة السياسية لمكونات الشعب العراقي كافة؛ ذلك أن وحدة الشعب على أسس موضوعية من أهمها الهوية الوطنية هي الضامن الوحيد لوحدة الأرض والدولة. على أن ذلك يدعونا إلى القول بأن المفاضلة بين أن يكون النظام السياسي في العراق الجديد مركزياً أو اتحادياً، على أهميتها، لا ينبغي أن تحول دون الأخذ بنظر الاعتبار ذلك التنوع الكبير في مكونات الشعب العراقي، وكذلك ذكريات الماضي القريب وما خلفته من مخاوف وشكوك. فهذه أمور تجعل اختيار النظام الاتحادي أمراً مرغوباً فيه شرط أن لا يكون ذلك تمهيداً لتقسيم وشيك للعراق. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن النظام الاتحادي يؤمن مرونة أداء إدارية وسياسية عالية إذا ما أحسن التخطيط له وسياسته واستثماره. والمقوم الثاني هو الإقرار بالتنوع العرقي للشعب العراقي (عرب، كرد، تركمان، وأية أقليات صغرى أخرى). والمقوم الثالث هو الإقرار بالتنوع الديني والمذهبي(مسلمون، مسيحيون، إيزيديين، صابئة). وهنا سيكون التسامح القومي والديني سمة جوهرية من سمات الهوية العراقية حين لا يكون هناك مجال لأية نزعة استعلائية من أية جهة كانت إزاء المجموعات الأخرى. والمقوم الرابع هو الإقرار بالتنوع الثقافي واللغوي بما يخلق قاعدة أساسية من الشعور والممارسة لحرية تحقيق السمات الثقافية الخاصة بكل جماعة من المكونات دون تناقض مع سمات الآخرين الثقافية الخاصة. أما المقوم الخامس الذي يعد نتيجة لكل المقومات السابقة فهو الإقرار بالتنوع الفكري والسياسي الذي يسمح لكل الأفكار والآراء أن تزدهر بحرية ودونما وصاية أو منة من أحد. والشرط الوحيد لهذا المقوم الأخير هو أن لا ينطوي التنوع السياسي على أي تحريض، صراحة أو ضمناً، للاحتراب الداخلي أو ينسف أحد أسس الهوية الوطنية العراقية. وذلك استناداً إلى أن من أهم وظائف الهوية أن تحمي الكيان السياسي والاجتماعي والاقتصادي من أية محاولة لتدميرها. وحتى لا يتناقض هذا المقوم مع حرية الرأي إذ قد يغلق الباب أمام أي اجتهاد أو تغييراً مما قد يراه بعض المفكرين ضرورياً، ونظراً لأن الحرية تعني المسؤولية، فإن بالإمكان أن يكون شرط التعبير عن أية آراء مناقضة لما ورد أعلاه هو أن يكون بصيغة دعوة سلمية ومن خلال المؤسسات الدستورية. وأن يوكل البت في أية تهمة من هذا القبيل إلى القضاء النزيه والمستقل.
وأخيراً يمكن أن نقرر، ونحن ندعو الآخرين من كل الجهات إلى مناقشة ما طرحناه هنا بروح الحوار الإيجابي البناء، أن خيار الهوية الوطنية العراقية هو الأكثر تعبيراً عن تاريخ العراق البعيد والقريب، وهو الأكثر التزاماً بحقائق الواقع الاجتماعي والسياسي الراهنة في العراق، كما أن من المأمول أن يكون هذا الخيار هو الأكثر ضماناً لمستقبل عراق موحد مزدهر يسوده السلم الأهلي، ويعيش فيه مواطنون عراقيون أحرار وأسوياء ومتساوون في الحقوق والواجبات. وهو عراق يفخر أبناؤه بالانتساب إليه ويفخر هو بهم. كما إنه خيار هوية ذات مضمون سياسي وطني سيغلق باب الدكتاتوريات إلى الأبد. ويحظى فيه من تعرضوا للظلم بالإنصاف والعدل، دون أن تسمح مثل هذه الهوية بخلق مظالم جديدة لأية جهة كانت.
وفي تقديري أن العراق المعافى وذا الهوية الحقيقية والبناءة التي أوضحنا مقوماتها في أعلاه سيكون عنصراً إيجابياً في أية جهود تبذلها دول الجوار أو المنطقة للتعاون الإقليمي السلمي والبناء وغير الموجه لعزل هذه الدولة أو تلك. كل ذلك سيكون ممكناً عندما تنضج الظروف الموضوعية المناسبة وتتمكن هذه الدول كافة من الخروج من دائرة الكيد والتناحر السياسي الضيقة إلى فضاء التعاون والعمل السياسي الخلاق. وبذلك أيضاً لن تكون أرض العراق منطلقاً للعدوان على أي من دول الجوار.
ولكي يتحقق هذا الحلم النبيل، حلم الهوية الوطنية العراقية، فإن ذلك يتطلب حواراً معمقاً ومتواصلاً بين المثقفين والباحثين والساسة وأعضاء مجلس النواب (وعسى أن يكرسوا جلسات خاصة لهذا الموضوع الحيوي) من أجل صوغ مفهوم للهوية الوطنية العراقية التي تحفظ للعراق وحدته وتفتح أمام أبنائه كافة سبل العمل الحقيقي المثمر. وهو المفهوم الذي سيجد كل مكون من مكونات الشعب العراقي نفسه فيه دون إلغاء وتهميش للآخرين. كما أن من شأن مثل هذا المفهوم أن يتحول، من خلال الممارسة، إلى نسق فكري شامل ومعبر عن أهم ما يتميز به العراقيون. ولعل من المناسب أيضاً أن ندعو إلى مشاركة فعالة لوسائل الإعلام ولمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والبحثية. كما ندعو إلى أن يكون هذا الموضوع على رأس أولويات مؤتمر المصالحة الوطنية الذي سيعقد في بغداد في شهر حزيران القادم. ذلك أنه حين يتوصل المتحاورون إلى اتفاق على أسس هذه الهوية، سيكون ذلك مقدمة أساسية تسهل عليهم أن يتوصلوا إلى صوغ أسس المصالحة الوطنية. كما إن على الأحزاب والمواطنين والمثقفين والساسة وكل من له اهتمام بالشأن العام أن يتبنوا هذه الهوية عن قناعة ورغبة، وأن يعملوا على تجسيد إيمانهم بهوية العراق الوطنية في السر والعلن، ومن خلال الخطاب والممارسة معاً، وليس عبر الشعارات فقط.
المصادر
الجابري، محمد عابد " مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب"، مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. 1996.
سلامة، يوسف "الإسلام والتفكير الطوباوي"، دار كنعان للدراسات والنشر. دمشق.
غليون، برهان " حوارات من عصر الحروب الأهلية "، المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. 1995 .


بعد توجيه الإتهام في قضية المتهم صدام

زهير كاظم عبود*

*كاتب وقاضٍ عراقي مقيم في السويد

من خلال سير الاجراءات القانونية في قضية الدجيل المنظورة من قبل المحكمة الجنائية الاولى وجهت المحكمة التهمة للمتهم الاول صدام حسين وبقية المتهمين المحالين عليها في قضية الدجيل استنادا للفقرة (د) من المادة (181) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 باعتبارهم فاعلين اصليين وبالاشتراك في اعمال الابادة الجماعية بقصد قتل افراد من اهالي الدجيل والحاق الاضرار الجسدية بهم واخضاعهم عمدا إلى احوال معيشية يقصد بها اهلاكهم الفعلي كليا او جزئيا اضافة إلى افعال الجرائم ضد الانسانية بما فيها القتل العمد وابعاد السكان والسجن والحرمان الشديد على اي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الاساسية للقانون الدولي. وفقا للفقرات التي اشارت لها ورقة الاتهام.
مع ماذكرته من الاستناد على نص الفقرة اولا وثالثا من المادة 15 من قانون المحكمة بصدد المسؤولية الجنائية الشخصية، وعدم الاعتداد بالصفة الرسمية التي يحملها المتهم كسبب معفي من العقاب سواء كان هذا المتهم رئيسا سابقا للدولة، او عضوا في مجلس قيادة الثورة المنحل او في مجلس الوزراء او في قيادة حزب البعث البائد، ولايجوز وفق هذا الاحتجاج بالحصانة للتخلص من المسؤولية عن الجرائم التي وردت في ورقة الاتهام.
ومما تجدر الاشارة اليه انه اذا نسب إلى متهم جرائم متعددة فتتخذ بحقه الاجراءات المنصوص عليها في متن المادة 132 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، غير ان الفقرة ب من القاعدة 32 من قواعد الاجراءات وجمع الادلة الخاصة بالمحكمة الجنائية العراقية العليا اشارت إلى جواز احالة ومعاقبة المتهم الذي نسب اليه اكثر من جريمة بقضية واحدة اذا كانت تلك الجرائم معاقبا عليها بمادة واحدة من قانون واحد.
وكان محامي الدفاع عن المتهم طه الجزراوي المحامي المصري امين ديب الذي انضم إلى هيئة الدفاع عن صدام والشهير بقدرته على الصراخ بصوت عال في قاعة المحكمة ثم العودة لتقمص شكل الحمل الوديع البالغ الالتزام بتوجيهات المحكمة بعد حين، قد اقر صراحة وعلنا بصحة التهمة الموجهة للمتهم صدام حين وبهذا فقد اسقط جميع الذرائع والحجج التي يحاول زملاؤه والمتهم صدام تقديمها مع ان المحامي المذكور غير مكلف قانونا بالدفاع عن المتهم صدام حسين، الا انه ولفرط اعجابه بالمتهم وطمعا من التقرب اليه حتى وهو متهم في قضايا خطرة املا في شهرة اعلامية كان يفتقدها وبحاجة ماسة اليها اعتقادا منه انها سترفع من شانه، قال امام المحكمة مبررا ارتكاب المتهم صدام للافعال التي يحاكم من اجلها:
(انه لايجد في القضية اي اركان للجريمة لان الرئيس السابق استخدم حقه الدستوري في معاقبة ناس حاولوا قتله والقيام بانقلاب ضد نظامه مشددا على انه لايجد اي جريمة او اي اركان لجريمة....).
واركان الجريمة هي الركن المادي ويعني السلوك الاجرامي بارتكاب فعل جرمه القانون او الامتناع عن فعل امر به القانون، والركن المعنوي ويعني توجيه الفاعل ارادته لارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفا تحقيق النتيجة التي وقعت او اية نتيجة جرمية اخرى.
وهذا الاقرار من المحامي يفند جميع الشهادات التي ارادت ابعاد التهمة عن المتهم صدام، فانه يحاول ان يجد تبريرا لموت العديد من العراقيين الابرياء في تحقيات المخابرات، وكما يحاول ايضا ان يجد تبريرا لاعدام القاصرين او من تم اعدامهم عن طريق الخطا، ولم يستطع ان يجد تبريرا لحجز عشرات العوائل في الصحارى غير الماهولة سوى ان المتهم قام فعلا بكل تلك الافعال باعتباره محميا بنصوص من الدستور الملغى.
كما افاد وكيل المتهم صدام ان من بين من تم الحكم عليهم بالاعدام وتم تنفيذه لم يزل حيا في الدجيل او في منطقة اخرى، وهذا الاقرار على فرض صحته يزيد القرائن والاثبات من قيام المتهم عواد البندر باصدار قرارات حكم شكلية دون محاكمة ودون تدقيق لاسماء وافعال الشهود، بالاضافة إلى قيام المتهمين صدام وبرزان بالمساهمة في اعدام هؤلاء الابرياء من العراقيين دون معرفة افعالهم والتهم المحالين بها وما اذا كانوا غير المعنيين بالمحاكمة والاعدام، كما ان اقوال محامي الدفاع يفندها اقرار المتهم عواد البندر من كونه اجرى محاكمة لعدد 148 متهما في قضية الدجيل واصدر قراره بمدة 16 يوما كما يزعم، وحيث تبين وجود عدد من الاحياء فان الامر يوحي للمحكمة الجنائية كون المتهم عواد البندر اصدر قراره بالاعدام دون ان يجري محاكمة، كما ان المتهم صدام اصدر مرسوما بالاعدام على 148 مواطنا عراقيا دون ان تتم محاكمتهم او ادانتهم او وجودهم الفعلي، بالاضافة إلى دور المتهم برزان في القضاء على 48 مواطناً منهم اثناء التحقيق في جهازه المرعب (جهاز المخابرات).
وقد فشل فريق الدفاع عن المتهمين في ايجاد اية قرينة او سند يفيد دفع التهمة عن موكليهم واستمروا بوسائل اشغال المحكمة بالخطابات السياسية وباتباع وسائل بعيدة عن الطريق القانوني وسلوك المحامي، ومحاولة خلق حالة من عرقلة سير الاجراءات القضائية واطالة امد جلسات المحاكمة، بمقاطعات متفق عليها سلفا يؤدي بموجبها كل دوره بالتتابع ووفق الدور المرسوم، ودون ان تكون لتلك الطريقة اية فائدة مرجوة للمتهم، بالاضافة إلى تقديم شهود دفاع جميعهم لم يتحدث عن القضية المتهم بها موكلوهم وانما احضروا لاطلاق صفات وقصائد واحاديث لاتمت للقضية بصلة، بل العديد منهم تحدث عن محاولة التصدي للمتهم الاول صدام افادوا بها على السماع او كان منهم طرف في حمايته او في جهاز مخابراته او في فرق الاعدام، لكن احدا منهم لم يتطرق لقضية اعدام 148 عراقيا ولم يتطرق لاعدام القاصرين ولم يتطرق لاعدام عراقيين عن طريق الخطا، كما تطرق العديد منهم وجلهم من جهاز المخابرات اعجابهم بشخصية المتهمين وانبهارهم بطريقة الحكم في الزمن الصدامي دون ان يكون لتلك المشاعر اي اثر في القضية ودون ان تنتج اثرا في قرار الحكم، ولم يتطرق احدهم لمحاكمة صورية تمت من قبل المتهم عواد البندرفي محكمة الثورة المنحلة تمت دون محام للدفاع عن المتهمين ودون ان تقوم المحكمة بانتداب محام يوجب القانون ان يكون في القضية، ودون تدقيق قضائي ودون تمييز ودون حضور المتهمين اصلا امام هذه المحكمة بدليل ان قسماً منهم تم اعدامه بالخطا، ولم يتطرق لتهجير عدد كبير من عوائل الدجيل وحجزهم لسنوات طويلة في سجن (ابو غريب) دون حكم قضائي، ولم يتطرق احدهم لتهجير عشرات العوائل العراقية إلى صحراء (ليه) في البادية الجنوبية دون ذنب ارتكبوه او اقترفه اي منهم، بالاضافة إلى تعريض عدد منهم للموت في التحقيق وعدد من الاطفال للموت بنتيجة الحجز الطويل.
فقد وقع جميع شهود الدفاع في وهم انهم يدافعون عن شخص المتهم الاول شخصيا باعتباره رئيسهم ضمن الاجهزة الامنية التي كان يديرها، وليس عن فعله الذي تتم محاكمته بسببه، وانهم لم يقدموا بالتالي اي دفع منتج او يفيد القضية.
واذا كانت التهمة تصلح للتوجيه بحق المتهمين صدام حسين وبرزان ابراهيم وعواد حمد البندر وطه ياسين رمضان، باعتبارهم ممن يتهمون بارتكاب الجرائم ضد الانسانية، فان هذه التهمة لاتصلح على بقية المتهمين الاربعة المذكورين، الذين لم يثبت اشتراكهم وارتكابهم اعمال القتل والابادة الجماعية وانتهاكات حقوق الانسان، وباعتبار ان هذه المحكمة مختصة، فانها تتحدد في النص الذي جعل ولايتها للنظر ضمن جرائم محددة نصت عليها الفقرة ثانيا من المادة الاولى من قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا تتمثل في:
1- جرائم الابادة الجماعية
2- الجرائم ضد الإنسانية
3- جرائم الحرب
4- انتهاكات القوانين العراقية المنصوص عليها في المادة 14 من قانون المحكمة.
وان التهم التي وردت في التحقيق وسير الاجراءات في المحكمة لم ترتق لمستوى اثبات اشتراك اي من المتهمين عبد الله كاظم رويد وولده مزهر وعلي دايح ومحمد عزاوي في هذه الافعال، وانما تحددت اتهاماتهم بين تقديم التقرير والدلالة على بيوت الشهداء والعوائل المتضررة من المجني عليها وهي من مهمات المختارين والوكلاء، وكون قسم منهم من المنتمين إلى حزب البعث البائد بدرجات حزبية متفاوتة، ولذا فان هذه الافعال ان صحت فانها لاتشكل فعلا يستوجب الاتهام والادانة ويخرج اصلا عن دائرة اختصاص المحكمة الجنائية.
ان المحكمة تتكون قناعتها من خلال الادلة المقدمة في دور التحقيق او المحاكمة ومن خلال الاقرارات التي وردت على لسان المتهمين وشهادة الشهود ومحاضر التحقيق والكشوف الرسمية والمحاضر والكتب وتقارير الخبراء المرفقة وبقية الادلة الاخرى المقررة قانونا، وتطبق المحكمة قواعد الاثبات المنصوص عليها في قانون اصول المحاكمات الجزائية، وعند عدم وجود نص قانوني فللمحكمة تطبيق قواعد الاثبات الاكثر ملاءمة لتقرير العدالة والمنسجمة مع روح القانون ومباديء القانون العامة.
كما ان للمحكمة سلطة تقديرية في موازنة الادلة التي توفرت ووضع معيارها القاضي من كون هذه الادلة تكفي للادانة من عدمها، فان اقتنعت المحكمة بان المتهم لم يرتكب مااتهم به او ان الادلة لاتكفي للادانة فتصدر حكمها بالغاء التهمة والافراج عن المتهم، اما اذا اقتنعت المحكمة بان المتهم ارتكب ما اتهم به فتصدر حينذاك حكمها بالادانة وتفرض عليه العقوبة المتناسبة مع جسامة الفعل.
وحيث استمعت المحكمة إلى شهادات دفاع المتهمين مما يقتضي الفراغ منها وعدم السماح لتاخير حسم القضية اكثر من هذه الفترة.
ولم يتبق امام المحكمة سوى ان تستمع لدفاع المدعين بالحق الشخصي والمشتكين والادعاء العام ووكلاء المتهمين الذين يوجب القانون ان يقدموا دفاعهم معاً، لتنتهي المحكمة من ختام اجراءاتها القانونية بعد ان تستمع لاخر اقوال المتهمين وتصدر بعدها قرار الحكم في نفس الجلسة او في جلسة يتم تعيينها لاصدار القرار وفقا للفقرات الواردة في المادة 182 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، ووفقا للفقرات الواردة في المادة 24 من قانون المحكمة ووفقا للقاعدة (58) من قواعد الاجراءات وجمع الادلة الخاصة بالمحكمة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة