تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

في يوم منع التجوال .. قريباً من الطرق السرية.. بعيداً عن المفخخات!

 

بغداد / مفيد الصافي
كل شيء بدا مختلفا إلى حد ما في ذلك اليوم، بعد ان دخل اوان منع التجوال منذ الساعة الحادية عشرة صباحا من يوم الجمعة، وتختفي السيارات من الشوارع،وينزوي المواطنون في بيوتهم. لم يكن الوصول الى الصحيفة سهلا ذلك اليوم، عادت سيارة (الكوستر) التي تنقلني من مدينة الصدر،بعد أن أنزلتنا في منطقة قريبة من شارع فلسطين، مع ان سائقها بذل جهدا كبيرا في الابتعاد عن مناطق المنع والتفتيش، الا انه اضطر أخيرا الى العودة من حيث جاء،بعد إغلاق كل المنافذ إلى الباب الشرقي من جميع الاتجاهات، حسنا علي ان استعمل أقدم وسيلة نقل في العالم.
شمس بغداد متناقضة دائما! صفاء في السماء وغيوم في الأرض! هذا ما أقوله دائما الى أصدقائي. وأنت تمشي تسمع أصواتا خفية تأتيك من بعيد، الساعة الحادية عشرة والنصف اقترب منع التجوال من ساعة الذروة، ومعها صممت على الوصول الى الصحيفة مهما حدث، بدت بغداد مختلفة كثيرا ذلك اليوم، وكأنني أشاهدها لاول مرة، ربما ان حركة الاشياء البطيئة التي تجري أمامي تجعلني أبصر بوضوح اكثر، الشوارع فارغة او كادت تفرغ . في منطقة شارع فلسطين، لم يكن هناك الا عدد قليل جدا من المارة، ممن لم يسعفه الوقت واضطر الى السير، حسنا لقد وجدت سيارة (كوستر) أخرى قال سائقها انه متوجه الى سوق الشورجة،ولكنه أوصلنا عبر منطقة الشيخ عمر التي بدت مهجورة، مندفعا الى شارع الكفاح وقد قطع اغلب الطرق سائرا بالاتجاه المعاكس وهو يمزح مع اصدقائه.
اجتزت منطقة ابي سيفين وشارع الكفاح، الأطفال يتقافزون هنا او هناك في اطراف الشوارع، او يشكلون مجاميع صغيرة يقلدون لعبة يمارسها الكبار! وكأنهم يملكون المدينة،او احيانا يلعبون كرة القدم بدلا من التدافع.لم تكن هناك الا بضع سيارات تتجول داخل احيائها،رائحة الطرق القديمة توحي بازلية الزمن، وجوه بغدادية تمر أمامك، من كل صنف، ما اغرب هذه المدينة المختلطة بكل الاديان والطوائف! بغداد في احيائها الفقيرة تختلف عن بغداد المرفهة.في الاحياء الفقيرة خرج عدد لا باس به من المواطنين في المقاهي، بعض من النسوة ممن فاتهن التسوق في يوم الخميس، كان عليهن ان يجلبن الطعام الى عائلاتهن. فالفقراء عليهم النزول الى السوق كل يوم. تتنبه الى ظاهرة اخرى وهي ان اصحاب الدراجات كانوا وحدهم المحظوظين، ففي كل شارع كنت ترى الدراجات الصغيرة التي يقودها شبان صغار وهم يتحركون بحرية وربما تجمعوا على شكل جماعات فشكلوا فرقا صغيرة، فالطرق مفتوحة بالنسبة لهم وحان وقت النزهة!
عبرت من جانب رجل شرطة، أمر شابا يعتلي دراجته ان يعود من حيث جاء، . قبل الخروج من شارع الكفاح، شاهدت رجلين كبيرين يجلسان على مقعدين لهما ويتطلعان في المارة بهدوء غريب، ثم اجتزت مقهى الكورد الفيلية القريب من جامع الشيخ عبد القادر، اعرف الكثير من روادها، وكتبت مرة تحقيقا عن عودتهم الى العراق، وعن قصص التهجير ومآسيهم، كانوا اناسا طيبين. بعدها تخطيت محلات الفيترية، هناك وقف البعض منهم يتندر على الأخر وهم في ملابسهم التي امتلأت بالدهون وايديهم ولهجاتهم الخشنة .عند وصولي الى منطقة باب الشرقي، عبرت استوديوهات المصورين، بجانب النفق أولاد فقراء يلعبون، ضرب احدهم الآخر فالتجأ الى اهله. شوارع بغداد هادئة،مسكينة استسلمت لقدرها، بينما كنت اتجنب حرارة الشمس فأسير بجانب الجدران العالية التي شكلت ظلاً للمارة، في ذلك الوقت أحسست بالأمان الى حد ما، فلم يكن علي ان أمارس طريقتي السرية في الابتعاد عن سيارات الموت التي يمكن ان تنفجر في اية لحظة وفي كل مكان.


قصص حزينة لمجانين شوارع بغداد

بغداد / آمنة عبد العزيز

يتسكعون في الطرقات على غير هدى يفترشون الأرصفة ويلتحفون صناديق الكارتون غطاءً لهم، عالمهم الفسيح الذي لا يدخله غيرهم، يتحدثون إلى أنفسهم يبكون، يضحكون دونما السبب.
أحدهم وقف يخطب وسط شارع الرشيد ليقول: أنا من شيد هذا الشارع وهو ملك ولي؟!
وأن لم تصدقوني سأقول لكم كم عموداً أسطوانياً فيه؟ وراح يركض وهو يعدها.
في حي الكسرة تشاهد أحد هؤلاء لا تستر جسده إلا بعض قطع الثياب الممزقة ويعرف بالطيار المجنون!
حالات التعذيب التي تعرض لها في سجون النظام السابق أفقدته صوابه، وكلما انتابته نوبة جنون قوية صعد إلى أقرب مرتفع يعتليه فاتحاً ذراعيه ثم يهبط إلى الأرض بسرعة وهو يردد (أفسحوا الطريق كي أحط بطائرتي وإلا أصابكم سوء مني!!
الطيار المجنون أسمه (ع.ن) وهو اب لثلاثة أبناء، كلما حاولوا أخذه إلى البيت والإشراف على نظافته ولباسة يعود إلى حالته الأولى ويمزق الثياب التي يرتديها لكن أبنه البكر (ر) يقول حينما أكلمه وأقول له: أبي أنت تخجلني بمظهرك هذا وتصرفك المجنون ونحن بحاجة إليك؟ تأخذه نوبة بكاء شديدة ثم يبدأ بالضحك مباشرة.
أما قصة العاقل المجنون (خ) أو كما يلقب (بالعاشق) فالسبب الذي جعله يفقد عقله، أنه تعرض لصدمة نفسية عنيفة بسبب قصة حب فاشلة.
(خ) كان يدرس علوم التكنولوجيا في جامعة أدنبرة، لكنه لم يحتمل زواج الإنسانة التي أرادها زوجة وحبيبة، وهجرانها له والارتباط برجل آخر! ليترك دراسته ويعود إلى العراق حاملاً معه شهادة الجنون (بامتياز)؟ مظهر خضير متفاوت فأحياناً تشاهده نظيفاً ومرتب الهندام ومرات كثيرة متسخ اللباس والجسد.
شقيقه الأكبر يقول: في كل مرة نحاول أن نساعده ونعيده إلى المنزل بدلاً من المبيت في الشارع وفي أماكن محددة نعرفها لكنه لا يستجيب ويكون عدوانياً داخل البيت على عكس سلوكه في الشارع فهو مسالم يحاور البعض ويتحدث اللغة الإنكليزية بطلاقة أما أجمل مكان لاستحمام خضير فهو نهر دجلة القريب فيدخل النهر بكامل ملابسه ليغتسل به، ثم ينزعها وينشرها على الجرف كي تجف؟!
المجنون الصامت: في حي الأعظمية كثيراً ما يشاهد رجلاً في منتصف الخمسينيات من عمره وهو يحمل على كتفه قطعة أسمنتية صغيرة ويدور بها، وكان كثيراً ما يعبر بهذه الكتلة الأسمنتية جسر الأئمة إلى الجهة المقابلة ليعود من حيث بدأ؟
قصته كما يقول كثيرون أنه فقد ولده في حادث مروري أمام عينيه وظل حاملاً هذه القطعة الأسمنتية المشابهة لتلك التي سقط عليها أبنه ميتاً.
هذا الرجل لا يتكلم أبداً وكلما أراد أن يرتاح من حمله الثقيل الذي على اكتافه يقف وينظر إلى السماء لتتساقط دموعه دون كلام.
يبقى عالم المجنون عالماً خاصاً ولكنه يبقى إنساناً يتمتع بالحقوق الإنسانية، الواجب على المجتمع أن يتكفل بها، من إيواء ومأكل وملبس وهذا ما يجب أن توفره المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية التي يقع على عاتقها الأخذ بيد هؤلاء إلى مكان آمن بعيداً عن الضياع في الشوارع بعد أن ذهب عنهم العقل.


مواطنون لـ(المدى): خطة أمن بغداد أشاعت الطمأنينة.. والإرهاب لن ينتصر علينا
 

بغداد / سها الشيخلي

خطة أمن بغداد، تحدث عنها الكثير من المسؤولين قبل أسابيع من تطبيقها. الأربعاء 13/حزيران شهدت شوارع بغداد انتشاراً واسعاً للدوريات والحواجز والسيطرات ترى كيف رأى المواطنون تطبيق الخطة؟
المدى استطلعت آراء العديد من شرائح مختلفة لبغداد وخرجت بالحصيلة التالية:
إعادة نظر
أم صالح (42) عاماً صمتت قليلاً قبل أن تجيب على سؤالنا حول الخطة الأمنية وقالت:
برغم زيادة أعداد الدوريات لكني أرى أنها لا تزال دون الحاجة الفعلية بينما يذهب المواطن (أبو شهاب) صاحب بسطية في الباب الشرقي إلى أن على الحكومة أن تعيد النظر في خطتها الأمنية فليس معقولاً أن يشهد يوم السبت أكثر من خمسة تفجيرات في بغداد كما إن أعمال الخطف والتسليب في منطقة السيدية أمر جديد لم تعرفه المنطقة من قبل.
بدون استثناء
بينما يقول المتقاعد عبد الرزاق عبد الوهاب (60) عاماً ما جدوى منع التجوال والهاونات والقنابر مخبأة في المزارع والبساتين القريبة من بغداد. يجب أن تجرى عملية التفتيش عن الأسلحة والذخائر بكل المناطق بدون استثناء فقد زرع النظام السابق الإرهابيين في كل مكان وينبغي البحث عنهم في كل مكان.
توعية إعلامية
المهندس المدني رضا عبد الكريم الزوبعي يرى أن ترافق الخطة الأمنية ندوات تعدها منظمات المجتمع المدني تشرح فيها أهداف الخطة وأبعادها السياسية والاجتماعية وأن تتولى القنوات الفضائية أيضاً الترويج لها باستضافة رجال قانون وسياسة وإعلام لتبصير المواطن بهذه الخطة.
تخبط الإرهاب
تقول المعلمة شكرية رحمن: إن الإرهاب بدأ يتخبط بعد أن فقد عقله المدبر واعتقد بأن خطة بغداد الأمنية ستساعد في القضاء على بقايا فلول الإرهاب وتشاركها الرأي الطالبة الجامعية رشا أحمد العزاوي وتضيف: بأن التفتيش ينبغي أن يكون دقيقاً واعتقد بأن هناك تهاوناً بهذا الموضوع وإلا بماذا نفسر دخول انتحاري إلى وسط جامع براثا وبرغم ذلك فإن الخطة قد نجحت إلى حد ما في إشاعة أجواء من الطمأنينة عند المواطن البغدادي.


الضيـاع فـي حفر البـاطن - (الورقة الخامسة عشرة والأخيرة)
 

عبد الكريم العبيدي

لو كنت رأيت الرعب الباطني لأكرمتني بمزيد من ذلك الوجيب الذي كاد يهلك ولعرفت، قبل اختلال العدالة وغرقك المفروض في ظلمة دركي الاعلى، ان ضياعي الخفي، موتي في طابور الهلاك الطويل هو انت دائماً.
أهذه نهاية حرب!؟. أيعني نبأ الانسحاب الذي وصلني متأخراً إن كل شيء قد انتهى؟ وان اللعبة الدموية بكل فصولها المدوية قد انتهت؟. ما الذي يعنيه فرار آخر عربة "ايفا"محملة بالغنائم؟. هل انتهت الحرب؟. وهل سيعود كل شيء إلى ما قبل الثاني من آب؟. هل هذه هي النهاية فعلاً؟. أنشهد أنا والاشتر نهاية ما؟. أية نهاية؟. لا، لا يمكن أن تهبط النهايات هكذا. لا يمكن ان تأتي وتبسط ارادتها وتمحو كل شيء ومع هذا تبدو وكأنها ليست نهاية. لا أنا لا أرى اية نهاية. هذا فراغ غامض يتسع بأقصى سرعة، حتى انني اكاد لا أفهمه.. هذا وهم، نعم هذا هو الوهم.
لقد فرضت الاستعدادات للحرب ان يلقى القبض علينا في معسكر تدريب مشاة الدريهمية، واثناء الوحدة التدريبية الصباحية الاولى. ثم قذف بنا في سجن المعسكر وأمضينا فيه نهاراً وليلة حتى جاء الصباح برفقة سيارات "السخرة"التي حملتنا إلى وادي الباطن. فكيف يفر الآن السيد آمر الوحدة مع حاشيته ويتركنا في العراء!؟. لماذا نساق مثل البهائم ونضيع في الرمال وتمزقنا صواريخ كروز والتوما هوك والقذائف الليزرية ونيران المقاتلات ثم يتركوننا مثل البهائم ايضاً؟. مثل كلب السيد آمر الوحدة؟ مثل البعارين - وسائل الاتصال التي تركت مثلنا!؟ - هل كتب علينا ان نمحو ونصدق ونمحو ونصدق هكذا بسهولة؟.. ولكن لماذا؟... لا، هذا فراغ ضائع يتسع بجنون ويكبر بين انفصال مفاجئ لضياعيين رمليين باطنيين. انا لا يمكن ان اصدق غير ذلك. لا يمكن لضياعي ان ينتهي هكذا. لا يمكن لعربة ايفا محملة بالغنائم ان تغدو مؤخرة لهزيمتنا. انا لم اهزم بعد. الاشتر وكلب السيد الآمر والجمال لم يهزموا بعد..
ولكن لماذا يجتاحني كل هذا العناد ازاء هزيمة؟.. إلا انني مهزوم بالفطرة؟ اعاني من التخمة ولا يسعني قبول هزيمة اخرى؟. ام لان الهزيمة التي حملت رموزها وهرولت باتجاه الزبير تركت كل اسئلتها في رأسي؟ تعرت وتغوطت على رؤوسنا جميعاً، انا والاشتر والجمال والكلب والجرذان والدود والقمل، ثم ولت هاربة ومخلفة كل هذه الاكوام من الخراء.. انا شخصياً أميل إلى الرأي الثاني واشعر انني فشلت في قبول الهزيمة كأن ضياعي اكتسب في اعماقي نوعاً من القداسة ولم ينتهِ بذلك النوع من الهزيمة. ظل معي ينمو وظللت انمو في وحشة. وكلما سألتني رمال الباطن: اين وصلنا؟. قلت: إلى الظلام يا حبيبتي، إلى ظلام ما بعد الهزيمة، إلى تلك اللحظة المتناهية في الصغر من فراغ في طرفه الآخر كان يتسع بسرعة. وكنت اقف في طرفه الأول قرب ملئ السيد الامر الذي لم يفتتح بعد ، بينما اختفى الاشتر أو كاد يختفي في طرفه الاخر تابع جريه السريع باتجاه عربة الايفا وهو يطلق النار بجنون. ثم بدأ يهرول حتى خفت هرولته فراح يمشي باتجاهها واخيراً توقف. ولكنه ظل يتابع تلك الندبة المتحركة بعناء، فلما اختفت اصر على متابعة اوارها الذي ضاع هو الآخر بين امواج العواصف الرملية. عندها جمد هناك على مبعدة ثلاثين ياردة عن ملجأ الأمر الذي كنت اقف إلى جانبه.
كنت اراه مثل شبح مخيف، استدار نحوي وراح يخطو ببطء. فبات البعد، بعد الفراغ. يقترب، يضيق، يقارب بين طرفي الهزيمة في اول ليلة موحشة ومفزعة من ليالي الضياع الآخر.
وصل الأشتر اخيراً مطأطأ الرأس، رمى ببندقيته في حفرة مهجورة ووقف قبالتي.. ولكنني كنت هناك مع عربة الايفا، مع اهتزازاتها وطقطقة الغنائم والنصر الذي سيحتفيان به في بيتيهما.. لصوص الحروب وانهيار انظمة الحكم. ابطال الفرهود في كل العصور. دود المقابر...
في تلك اللحظة، الندبة الصغيرة من ذلك الفراغ الذي بدأ يضيق بسرعة، سمعت حشرجة وتأوهات وادركت ان الاشتر كان يبكي بصمت محاولاً تحاشي موجة بكاء عارمة ربما ستخذله في اية لحظة.. وسمعت ايضاً نباح الكلب الذي بدأ يعلو ويخدش السكون الرهيب الذي غزا الصحراء لاول مرة منذ اكثر من شهر وبعد دقائق ظهر الكلب وراح يدور حولنا بسرعة ويشم رائحة بساطيلنا القذرة بحثاً عن صديق جديد ينيب عن صديقه الخائن السيد الآمر سابقاً.
لم يحتمله الأشتر، ركله بقوة، ثم استدار حولي وركله مرة اخرى ثم عثر على حجر كبير وقذفه على الكلب الذي راح ينبح باعلى صوته وهو يهرب نحو ملجأ سيده القديم.. ولكنه سرعان ما ظهر من الجهة الاخرى وعاود شم بساطيلنا. وحين هم الأشتر برفسه ثانية، اعترضته وصحت في وجهه: دعه، الا تراه منهكاً ومذعوراً؟. انه افضل من سيده. انه لا يريد ان يفارقنا. ولكن الاشتر ظل يدور حولي من اليمين، ومن اليسار محاولاً البطش بآخر رمز من رموز الهزيمة والغدر. ولو كانت بيده بندقية لقتل الكلب في الحال.
لم اعد اقوى على البقاء في العراء، وشعرت ان الكلب المسكين بات بنظر الاشتر هو الضياع، الذي يجب الخلاص منه في تلك الليلة الباردة والهادئة جداً.. مسكت الاشتر من يده وتقدمنا نحو ملجأ الآمر القديم.. بدا باب الملجأ هزيلاً، خالياً من الحرس والمراسلين والطباخين.. ركلته بحذائي ودخلت ثم تبعني الأشتر واوقد عدة فوانيس معلقة في سقف الملجأ وزواياه، فاتضحت معالم الملجأ من الداخل. وبدا مبهراً.. الجدران مكسوة بخشب الصاج. السقف يلهث بالنقوش والزخارف الخشبية، تتوسطه نجمة ثمانية الاضلاع، كبيرة، تتفرع منها خطوط وزنابق ومكعبات هندسية ونباتية مختلفة. اما ارضية الملجأ فقد تم فرشها بسجادة فاخرة من نوع "كاربت".. ومع انتشار ضوء الفوانيس، اتضحت محتويات الملجأ واثاثه.. تلفزيون ملون، ثلاجة، سرير خشبي، خزانة ملابس، منضدة كبيرة، كرسي متحرك، شماعة معدنية، وعدة "فلورسنات"معلقة في السقف والجدارن.
تساءلت مع نفسي، لو لم تكن سيارة الايفا محملة بانواع الغنائم، لو قدر لقريب السائق ان يحصل على عربة أخرى لما بقي كل هذا الاثاث. لقد كانا فعلاً على وشك الفرار لحظة اكتشافهما.. فضّلا ان لا نقاسمها الغنيمة، خصوصاً بعد افتضاح أمرهما. نعم هكذا ظننا فهربا قبل حلول الظلام.
جلست على حافة سرير الآمر، فغطست به. كان الفراش ناعماً وبارداً جداً. نهضت قليلاً ثم عدت، كررت ذلك ثلاث مرات. كنت اتلذذ بليونة الاسفنج والاغطية القطنية والبطانيات الجديدة، بعد شهور من النوم على الرمال الرطبة والخرق البالية. وكان الكلب، كلب السيد الآمر يحوم حول السرير ثم يبرك قبالتي ماداً قائمتيه الاماميتين الصغيرتين ومحدقاً في وجهي. في وجه سيده الجديد الذي بداله حتما في اسوأ احواله..شعر كث ومجهد ولحية قذرة وعينان غائرتان.. هل كا يفكر بي؟ في وجه الغازي الذي استولى على كل ممتلكات سيده الهارب؟. أكان يظن انني سأطلق عليه اسماً ما بعد الهزيمة؟. انا لا اعرف اسمه السابق. اسم ما قبل الفرار. هل اطلق عليه السيد آمر الوحدة اسم لوسي أو فلّه أو جوجو؟...
كان الأشتر في حركة دؤوبه. يخرج من الملجأ ثم يعود محملاً بالغنائم. وكان في كل مرة يحدج الكلب بنظرة غاضبة ويتوعده ثم يخرج منزعاً.. لقد جلب لي مدفأة نفطية فاخرة، اوقدها بسرعة فشاع الدفء في كل ارجاء الملجأ. لاول مرة أتلمس ذلك الدفء منذ شهور. لأول مرة أخلع قمصلتي واشعر بخفة، ولأول مرة اخلع الكليتة عن رأسي وأتحرر من ذلك القناع الصحراوي الخانق..
الاشتر عثر على "لوكس"ولكنه فشل في ايقاده، فاشعلته بدلاً عنه، كذلك عثر الاشتر على بدلتين زيتونيتين وبسطالين جديدين وبطانيات وافرشة عديدة. واطعمة طرية وجافة وكان في كل مرة يلعن الكلب ويلعن سيده القديم.
طلبت منه ان يحاول العثور على راديو. ولكنني ذهلت من رده: "راديو!؟. كأنك على راديوات!"وفعلاً عاد محملاً بعد قليل بنصف دزينة من الراديوات الصغيرة والكبيرة والمسجلات والكاسيتات. وبعد ان رماها على المنضدة الخشبية الواسعة قال: "تذكرت ساذهب إلى ملجأ الشفج". ضابط التوجيه السياسي، اكيد مليان حاجات".
اجبته: طبعاً، ثم تمددت على سرير الآمر الفاره ورحت أجيل بنظري في المنمنمات والنقوش والزخارف، ولكنني احسست بشيء صلب ومستقيم يوخزني. شيء ما مخبأ تحت الفراش يعيق تمددي. حاولت ان اتجاهله، فلطالما نمت على الحصى والرمال والاحجار وجثث القتلى وصناديق العتاد والقاذفات، فما بالي الآن وانا المستلقي بامان على سرير السيد الآمر!؟.. لا، الجسم الغريب بدأ يؤلمني. لماذا لا أخرجه واستريح؟... نهضت بتثاقل وطويت الغطاء، ثم ازحت الفراش عن السرير فبان لي الجسم الصلب المستقيم والمنقوش انها عصا التبختر. عصاك يا سيدي الآمر. آمرنا القديم فر مبكراً وترك كل ذلك الخزي اسفل فراشه. تفحصتها بيدي فاكتشفت ان السيد الآمر حولها إلى راية للاستسلام. راية بيضاء. قماشة مثبتة بكلبسات على عصا التبختر، ثم دسها اسفل فراشه وتحمل وخزاتها المؤلمة طيلة اكثر من شهر ونصف على بدء الهجوم الجوي ليبقى على تماس مع استسلامها مع خزيها. ولتذكره دائماً بنهايته، وبوجودها تحت عجيزته. لقد كانت تلك الراية هي امله الوحيد في لحظة الاستسلام. امله في ان يبقى حياً بين جثث جميع افراد سرايا وحدته. ولذلك كان يحرص على اخفائها عن اعين حاشيته ويجعلها قريبة جداً من مؤخرته. هل كان يخوزق بها في آخر الليل!؟.
الاشتر عاد في تلك اللحظة وهو يهتف باعلى صوته: "هاي هاي، خاب تعالى شوف ظلايم الله وطركَاعته.. شوف الشفج، آمر التوجيه السياسي شمسوي وشمحضر الروحه"..
التفت نحوه فرأيته يقلب براية استسلام أخرى. راية بيضاء من صنع يدوي صحراوي باطني.. أو مأت له براية استسلام الآمر فسألني: وها شنهي؟.. فاخبرته انني وجدتها مخبأة تحت فراش سيادته.. فصاح: "اسلع، بعد بيتي"ثم استدرك: "من هاي كام يبكي مثل الحرمه من سمع بالانسحاب". وفجأة التفت نحو الكلب وقال: "شوف. شوف. عمك ورفيجه شمسوين؟ دريت بيهم لو كنت تدري ومغلس؟ وتالي عافوك وراحوا.. من طاح حظ عمك وحظ رفيجة..."ثم انهال عليه بعصا التبخـ..... اقصد براية الاستسلام وطرده من ملجأ السيد آمر الوحدة سابقاً.
ولكن هل لي ان اعرف، سيدي كيف تمكنت من صنع راية استسلامك المبكر؟ وكيف حافظت على اخفائها تحت عجيزتك وتحملت كل آلام لكزاتها؟.. لماذا لم تحملها معك؟. لماذا تركتها أو نسيتها في حجرك؟ ولكن من أين ستدري ان جندياً مهملاً من مخلفات وحدتك سيغزو حجرك ويكتشف حجم الخزي الذي خلفته تحت سريرك؟.. هل كنت تعتقد انك دفنت ماضيك في رمال الباطن وتخلصت من رايتك؟ لقد عثر عليها بعد سويعات من فرارك لتتحول إلى رمز من رموز الهزيمة ولكن بعد حفنة من الاعوام... تبادلنا انا والاشتر رايتي الاستسلام. اخذ راية استسلام السيد الآمر ومنحني راية استسلام ضابط التوجيه السياسي. فاكتشفت ان الرايتين من قطعة قماش مربعة واحدة. قسمت إلى نصفين على شكل مثلثين وثبتتا على عصا تبختر كل منهما باحكام.
رمينا الرايتين في زاوية الملجأ. وبينما انشغل الاشتر بمعاينة الحاجات التي عثر عليها من مجلات خلاعية وصور اباحية واجهزة تسجيل وشرائط وغيرها، قررت ان ابحث عن خبر قرار الانسحاب في الاذاعات. حركت المؤشر على عدة اذاعات عربية واجنبية ولكنني فوجئت بعدد كبير من الاغاني والمقابلات والمسلسلات الاذاعية. وبدا لي الأمر وكأن الحرب ما زالت قائمة. وان كل ما جرى هنا في هذا الوادي العميق ما زال مجهولاً.
وما ان مضت الساعات الاولى من تلك الليلة التي لم تكن سهلة ابداً حتى دب بنا الرعب.. بدأنا نتحسس الخطر ببطء. وكلانا راح يغرق في وحدته. ويتأهب لمصيره المجهول. كيف سنقضي هذه الليلة لوحدنا؟ هل سننام؟ ام نحرس انفسنا بانفسنا؟. لم نعد ندافع عن شيء سوى حياتنا.. ان نبقى احياء في عواصف الرمال فقط.. ولكن ماذا لو هجمت علينا الوحوش البرية؟. ماذا لو أحست ان دوي العواصف قد تخلص من دوي الصواريخ والقذائف. وعاد إلى الصحراء سكونها الرهيب إلا تخرج من جحورها وتتجول بين الملاجئ والسواتر؟. ان هذا الصمت يبدو اقسى من جحيم القذائف والصواريخ. انه يخيفنا حقاً.. يكفي ان تتصور انك ستعيش في صحراء قاحلة لوحدك، من دونما امل واهن حتى ترى ان كل خيوط صمودك الواهية قد تقطعت وسرعان ما تنهار وترتعد. لقد كنا في محنة حقاً.
حاولت ان استعيد قواي وابحث مرة اخرى في الاذاعات ولكنني فشلت. وبدا لي كل شيء مثيراً للرعب. حتى نباح الكلب بدأ بستفزني ويجعلني ارتعد. هل سيقتحمون الملاجئ ويقتلوننا؟ هل سنبقى في هذه الصحراء حتى نهلك وتتفسخ جثثنا ثم يعثر عليها الرحالة؟
بدأنا نميل إلى الصمت العميق خشية ان نحدث خربشة بسيطة فيفتضح امرنا. وبدت النقوش في سقف الملجأ تشبه افواه فاغرة تتجه نحونا. فاتفقنا على اطفاء الاضواء والعودة إلى الليالي المظلمة. ولكننا سرعان ما اختلفنا في لجة الظلام بعدما داهمنا الخوف بموجات اعنف فقررنا اضاءة فانوس واحد على الاقل. لم نشعر بالجوع أو العطش في تلك الليلة الباردة رغم اننا لم نأكل وجبة واحدة منذ شهور واكتفينا كالعادة بتناول صمونة يابسة.
كان مطبخ الآمر مليئاً باللحوم والدجاج والرز والعدس والفاصوليا والباقلاء والثوم والبصل والطماطم والبطاطا. ولكن من يجرؤ على تحضير وجبة العشاء في تلك الليلة الموحشة؟
ما زلت اعجب كيف امضينا الساعات في معاينة الملجأ والبحث عن حاجاته دونما خوف! لماذا بدأنا نتحسس المخاطر ببطء؟ هل كانت حرارة الصدمة كافية لصهر مخاوفنا؟ ام ان الاحساس بالضياع كان على أوجه، فتصرفنا بلا مبالاة تحت وطأة اليأس الشديد الذي يقود المرء إلى الانتحار فيما بعد؟
حزنت كثيراً في تلك الليلة وانا أوانس صوراً للقاءات الجنود الذين سمعوا بنبأ الانسحاب منذ منتصف النهار وتمكنوا من الفرار وها هم يجلسون وسط عوائلهم، تنهال عليهم القبل من كل جانب داخل عالم من الزغاريد والتهاني.
لقد انتهى ضياعهم، تركوه لي وللاشتر والجمال وكلب السيد الآمر.. ولكن ماذا لو أن هذا الضياع سيستمر إلى شهر أو شهرين أو إلى مالانهاية.
هل ساعيش مع الوحوش، امشي على يدي وقدمي وانام في الجحور واشرب من ماء المطر؟...
عدت إلى الاذاعات ورحت ابحث عن ذلك الخبز اللعين. وكنت اعرف انه لا يعني شيئاً لمصيري ومصير الاشتر. لقد مات، احترق، بات خبراً قديماً لنا في وادي الباطن ولكنه سيغدو اعظم خبر في صبيحة الغد. ستتلاقفه وسائل الاعلام بنهم وستبثه وتنشره لعشرات المرات. سيفرح به الكثير ويرقص في الشوارع.. ولكننا سنبقى مجرد مخلفات مفقودة، ضائعة، مهملة.
وفي الساعة الواحدة ليلاً، قطعت اذاعة صوت العرب من القاهرة برامجها فجأة.. كانت تبث مسرحية "شاهد مشفش حاجة".. ظهر صوت المذيعة مرتبكا في اول الامر. لم تكن مصدقة لما تقرأه عن تلك النهاية البائسة والواقعية.
قالت المذيعة وهي ترتعد: أعلن الرئيس العراقي عن سحب قواته من الكويت قبل قليل. وعزا اسباب الانسحاب لاسباب لوجستية ووو..........
نهضت، وحدقت في كومة البساطيل، في اقصى الزاوية، شاهدت رايتي الاستسلام تغطي العديد منها. ومن دونما ارادة قلت: اخيراً وردني نبأ الهزيمة من "صوت العرب"وبلسان عربي فصيح.
انتهى الجزء الاول من الرواية

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة