مواقف

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

للقنابلِ الذكية، استخبارات أذكى

بقلم: مايكل آر. جوردن
ترجمة: مروة وضاء

عن: الواشنطن بوست

عرفت البنتاغون حربها ضد الارهابيين والمتمردين والمتطرفين بال"حرب طويلة الامد". وهذا الاختيار يقترح اختبارا طويلا للارادات ضد العدو المتعصب الذي سيستمر في الأغلب حتى بعد ان تخفض الولايات المتحدة قواتها في العراق.
لكن حرب البنتاغون الطويلة حددت بأحداث قصيرة ومركزة اجبر القادة الامريكيون فيها على اتخاذ قرارات سريعة حول قصف اهداف حيوية لكن عابرة.
وكان اخر مثال على هذه الضربات من معالجة الاستخبارات السريعة والتحول المنسق والموافقة على الهجوم والاتصال بالطائرة المجهزة بالقنابل الموجهة بدقة، هو الضربة الجوية التي حولت بيت (ابو مصعب الزرقاوي) الآمن إلى كومة من الانقاض. لكن من الصعب ان تكون هذه الضربة الاخيرة، فكما يعتقد ان خليفة ابي مصعب الزرقاوي، والذي يدعى (ابو ايوب المصري)، سيسعى للاستمرار "بجهاده" ضد الامريكان، فليس هناك من شك انه سيكون هنالك المزيد من هذه الضربات.
وفي الحقيقة فلقد اطلق على العملية اسم: " الاستهداف الحساس" لكن السؤال هو كيف تستطيع الولايات المتحدة مضاعفة النجاح الاستثنائي الذي حققته بضرب ابي مصعب الزرقاوي وتجنب اخفاقات الايام الاولى للحرب.
ان المسألة هي ليست في القدرات التقنية. حيث ان التقيد الحرج هو في الاستخبارات. قال ضابط قوة جوية اصر على عدم ذكر اسمه لعدم تخويله بالكلام في هذه القضية " باستطاعتنا ان نحقق "الكيفية" لكن التحدي هو في الحصول على "الهدف" و"المكان".
كانت قدرة الولايات المتحدة خلال حرب الخليج في 1991 في تنفيذ هجمات حساسة في مراحلها الاولى. وخلال العقد التالي دخل الترسانة الامريكية جيل جديد من التكنولوجيا العسكرية حيث حصل الجيش على قنابل موجهة بالاقمار الصناعية والقنابل الموجهة بالليزر التي لايمكن ان تعوق عملها الغيوم او الطقس السيئ ، وطورت طائرات مقاتلة من دون طيار. كما اتخذت في مراكز قيادتها اجراءات للتنفيذ السريع للهجمات الجوية.
الا ان تنفيذ الضربات الجوية ذات التوقيت الحساس لقتل قادة العدو والاهداف الحيوية الاخرى يظل عملية معقدة ضد أعداء، على خلاف العراق، لديهم إمكانيات دفاع جوية هائلة. وهذا ما دفع بالبنتاغون على تطوير نظام الاستهداف الحساس كنظام اطلاق القذائف ذات الرمح الثلاثي المجهزة برؤوس حربية لانووية. تقترح البنتاغون ان ذلك النظام سيعطيها قابلية دولية للوصول إلى الهدف خلال ساعة.
توقعت الولايات المتحدة انها تحتاج لتنفيذ ضربات جوية سريعة في حالة العراق.
في الواقع لقد بدأت الحرب بجهود مسعورة لمهاجمة هدف حساس حيث افادت الاستخبارات بوجود صدام في مخبأ تحت الارض في مزرعة في الدورة قرب بغداد. واقلعت المقاتلة اف16 لقصف الموقع. لكن فقط بعد سقوط بغداد علمت القوات الامريكية بان صدام لم يكن في الدورة وانه لم يكن هنالك مخبأ في ذلك الموقع.
ولم يكن حظ الولايات المتحدة افضل بعد ذلك بأسابيع عندما قامت القاذفات بإسقاط أربع قنابل موجهة بالاقمار الصناعية على منزل في منطقة المنصور في بغداد يشتبه انه كان يؤوي الرئيس العراقي. افاد مسؤولون في البنتاغون ان الامر لم يستغرق اكثر من 45 دقيقة لتنفيذ الضربة من وقت ابلاغ الاستخبارات بدخول صدام للبناية.
وحين حدوث الضربة لم يكن صدام هنالك وقتل 18 مدنياً في الهجوم، طبقا لما افادت به منظمة مراقبة حقوق الانسان. ان ذلك بالضبط هو نوع النتائج التي ولدت النية السيئة تجاهنا لدى العراقيين وصعب من الحصول على معلومات عن المتمردين.
باخذ المعلومات الاستخباراتية ذات التوقيت الحساس بعين الاعتبارجادل بعض ضباط القوة الجوية بوجوب صرف المزيد على معدات المراقبة والتصوير وتقليل الصرف على طائرات تنفيذ الضربات.
تعطي التكنلوجيا المتفوقة للجيش الامريكي والتدريب الصارم والسيطرة الجوية وسائل للوصول إلى الضربات الدقيقة ذات التأثير المدمر. ويمكن للمراقبة عن طريق الطائرات والاقمار الصناعية ان تستخدم للعثور على أهداف جديدة. لكن سيكون هنالك دائما خطر الخطأ حيث لايستطيع القادة عادة انتظار المعلومات الوافية اذا ما ارادوا للضربة ان تكون مؤثرة.
وفي مثل حملة مكافحة الارهاب التي تجريها الولايات المتحدة في العراق، فبالرغم من الحصول على معلومات تستند إلى العمليات على الأرض، وجواسيسنا عند العدو والعراقيين الفعالين، ليس هنالك مأزق تقني في العراق. فعندما يتعلق الأمر بالضرب من الاعلى فالنجاح يعتمد
بقوة على المعلومات المجموعة من الجنود على الأرض.


السباق للوصول إلى إيران

كتابة / فلينت ليفيرت
ترجمة / عبد علي سلمان

عن : النيويورك تايمز

في الوقت الذي يراقب العالم فيه المناورات السياسية المتعلقة بإعادة إجراء المباحثات النووية مع إيران والتي ستكون هذه المرة بمشاركة أمريكية، فإن القليل قد أولى انتباهاً خاصاً إلى التنافس الاستراتيجي الكبير بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. وهذا التنافس لن يحدد اتجاه الأنشطة النووية الإيرانية فقط، بل سيمتد إلى دور إيران الاقتصادي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط وما وراءه. ومردود هذا التنافس سيتوقف على أي من الأقطار سيتمكن من فرض هيمنته لتطوير مخزونات إيران الضخمة من النفط والغاز الطبيعي.
ومن المؤسف أن الولايات المتحدة رفضت الاهتمام بعقد "صفقة كبرى" مع إيران، والتي ستكون حلاً لقلق واشنطن حول أسلحة طهران للدمار الشامل يقابلها ضمانات أمنية أمريكية، وتكون نهاية للعقوبات وتطبيعاً للعلاقات الدبلوماسية. وقد تصرفت إدارة بوش بطريقة أوصلتها إلى الفشل في ديبلوماسيتها النووية ومهدت الطريق أمام روسيا والصين لكسب السباق الاستراتيجي الكبير.
وتمتلك إيران ثاني أكبر مخزون نفطي عالمي مبرهن على وجوده بعد العربية السعودية، وثاني أكبر مخزون عالمي من الغاز الطبيعي بعد روسيا. وقد جعلتها مستويات إنتاجها المنخفضة نسبياً واحدة من الدول التي تمتلك إمكانات لزيادة صادراتها من النفط والغاز بصورة كبيرة خلال العقود القابلة.
وفي الوقت الذي سيعتمد فيه الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة على منطقة الشرق الأوسط والاتحاد السوفيتي السابق لتلبية احتياجاته من الطاقة، ولمكانة إيران المفترضة كقوة هايدروكاربونية عظمى إضافة إلى موقعها، وتعداد سكانها البالغ بحدود (70) مليوناً (وهو الأكبر في الشرق الأوسط)، ومع طموحاتها في أن تكون قوة إقليمية قائدة، وللدور الإيراني المستقبلي على الصعيد العالمي والذي لا يمكن إنكاره، كل ذلك سيجعل إيران تتمتع بأهمية استرايتيجة كبرى في أي وقت.
وفي كل الأحوال، فإن إيران عندما توسع صادراتها من الطاقة، ستكون بحاجة لصفقات لجلب رؤوس الأموال والتقنية المتقدمة من الخارج. فهي بحاجة على الأقل إلى ستين مليار دولار أمريكي خلال ربع القرن القادم وفقاً للوكالة الدولية للطاقة. وستعمل واشنطن بالضبط كل ما يمكنها لمنع مثل هذا الاستثمار (مستثنية شركات الطاقة الأمريكية من العمل في هذا المجال داخل إيران مهددة الشركات الأوروبية واليابانية من أن تكون جزءاً من المكون الأمريكي).
وهذه المقاييس
سوية مع السياسات القمعية الإيرانية التي ترتاع من المستثمرين الأجانب كان لها تأثير الصدمة لحين قيام الجمهورية الإسلامية بفتح قطاع النفط والغاز لشركات الطاقة الأجنبية في أوائل التسعينيات. وقد اجتذب هذا القطاع ما بين 15-20 مليار دولار فقط من الاستثمارات الأوروبية واليابانية وعندما ازدادت القضية النووية الإيرانية سخونة، فإن ازدياد فرص نجاح الاستثمارات تبخرت فعلياً.
وقد أخبرني مسؤول ديبلوماسي إيراني هذا الشهر أن إيران "لن تنتظر الغرب" طويلاً، وأن طهران بصدد البحث عن مستثمرين بديلين وبرزت الصين في السنوات الأخيرة كشريك مؤثر كبير.
وبينما يمكن للصين أن تقدم رؤوس أموال، فإن شركاتها المملوكة من الدولة ليست الآن بحال أفضل من الشركات الإيرانية من الناحية التقنية، وستحتاج الصين إلى عقد من الزمن في الأقل كي تتمكن من سد الاحتياجات التقنية الإيرانية. ومن هنا دخلت روسيا، على الرغم من أن شركات الطاقة الروسية ليس بإمكانها تقديم نفس مستوى الخبرة للشركات الغربية الخاص بتعقيدات إدارة مستودعات النفط الإيرانية القديمة. وبالكاد يمكن لهذه الشركات أن تساعد الجمهورية الإسلامية في تطوير اكتشافاتها النفطية الجديدة خلال السنوات القادمة. والأهم من ذلك هو اكتشاف قدراتها الضخمة كمصدر للغاز. وفي الحقيقة، فإن البلدين (روسيا وإيران) يجريان في الوقت الحاضر محادثات حول "تنسيق" محتمل لتصدير الغاز الإيراني بواسطة شركة جازبروم، وهي الشركة الروسية الضخمة المملوكة من قبل الدولة.
وقد أخبرني مسؤولون إيرانيون كبار أن حكومتهم تعتقد أن شركة جازبروم ليست الشريك المثالي مقارنة بالشركات الغربية، ولكنها ترى أن هذا الاتفاق سيكون أفضل من الركود المستمر.
ومن وجهة النظر الروسية فإن لهذا الاتفاق منافع عدة. ويشعر الكثير من خبراء الصناعة أنه وخلال بضع سنين فإن كميات الغاز الطبيعي التي تعاقدت شركة جازبروم لتزويد الأسواق بها ستفوق ما تستطيع الشركة إحضاره من منتوجها. فقد كانت هذه الشركة تحاول سد الفجوة بشراء كميات إضافية من الغاز من دول آسيا الوسطى التي تعتمد على الأنابيب الروسية في تصدير نفطها وغازها. ولكن في نفس الوقت فإن الولايات المتحدة تحاول مساعدة دول الاتحاد السوفيتي السابقة على بناء خطوط أنابيب للنفط والغاز تكون بعيدة عن سيطرة موسكو. وهذا الجهد الأمريكي يفسره الكرملين بأنه محاولة مدروسة لعزل وإضعاف روسيا.
وقد اشتكى لي موظفون ومعلقون روس كبار في الأسابيع الأخيرة من "المعايير المزدوجة" الجديدة في السياسة الأمريكية. فمن جهة تنتقد أمريكا مركزية السلطة في روسيا في حين تتغاضى عن الاستبداد في أذربيجان، وكازاخستان وتركمانستان. إن دخول شركات الطاقة الروسية في إيران لن يساعد في دعم الاستراتيجية الروسية الخارجية في ميدان الطاقة فقط بل سيقهقر الجهود الأمريكية الواضحة لإضعاف التأثير الروسي في آسيا الوسطى.
وتسيطر روسيا وإيران مجتمعين على ما يقارب نصف مخزونات العالم الموثقة من الغاز الطبيعي. وإذا ما قاما بالتنسيق بينهما بالإنتاج والتسويق فستكون لهما هيمنة في سوق الغاز تعادل لمرتين هيمنة السعودية في سوق النفط العالمي.
وفيما تسعى الصين إلى تعميق دخولها إلى إيران، فإن هناك فرصة للتعاون الصيني
الروسي للقيام بتطوير المصادر الإيرانية، والتعاون أيضاً بالضد مما تعتبره بكين وموسكو استفراد واشنطن الذي تجاوز الحد في الشؤون الدولية. وبالعمل معاً فإن روسيا والصين سينصبان نفسيهما كلاعبين صاعدين في الخليج. وهي المنطقة التي وصلت فيها امريكا إلى حالة تشبه الهيمنة.
وبالضد مما يحدث فإن مدخل إدارة بوش للجهد الدبلوماسي النووي مع إيران سطحي من الناحية الاستراتيجية. فبرغم أن القرار بتشجيع مباحثات مباشرة مع طهران قد احتل العناوين الرئيسة إلا أنه كان مجرد تعديل تكتيكي محدود لاستباق الانهيار المخجل للتنسيق الأمريكي مع الشركاء العالميين الرئيسين.
والاستمرار برفض عقد صفقة ضخمة مع طهران، فإن إدارة بوش لن تكون فعلت شيئاً حول زيادة الفرص التي ستقبل إيران بها لإيقاف طويل الأمد لانشطتها النووية. كما إن هذه الإدارة لم تفعل شيئاً لتأكيد قيام الولايات المتحدة بربح الصراع للوصول إلى إيران على المدى الطويل.
ومثل هذه الصفقة الكبرى هي بالضبط ما نحن بحاجة إليه ليس فقط لإحباط أنشطة التخصيب الإيرانية في السنين الخمس القادمة، بل للحفاظ على مركز الولايات المتحدة كقوة قائدة في الشرق الأوسط للعقود المقبلة وما بعدها.
*كاتب المقال فلينت ليفيرت: هو المسؤول السابق عن شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، وهو المدير الحالي لمشروع البحوث الجيوبوليتيكية والجيوايكونومك لأمن الطاقة في مؤسسة أمريكا الحديثة.


الصومال- من يديرها الآن؟ .. هل يقدم النصر الذي أحرزه خليط الإسلاميين أملا لشعبها؟

ترجمة فاروق السعد

عن الايكونومست

ان السرعة التي تمكنت فيها اخيرا المليشيات الاسلامية هذا الاسبوع من السيطرة على مقاديشو، العاصمة الصومالية المدمرة، كانت ذات دلالة. فالمسلحون الموالون لأمراء الحرب انهزموا بلا قتال تقريبا، خاسرين معركة لم تكن تدور من اجل الارض فقط بل ايضا، كما يبدو، من اجل كسب القلوب والعقول. فلقد شدد الاسلاميون من قبضتهم على بلقاد، المدينة الأستراتيجية الواقعة على بعدة 30 كم إلى الشمال من مقاديشو، وكانوا يتقدمون إلى جوهر، واحد من آخر معاقل أمراء الحروب، الواقعة على ما يقارب 90 كم إلى الشمال من العاصمة. وفي نفس الوقت، فان حكومة الصومال الانتقالية الضعيفة والممزقة، المعترف بها من قبل معظم دول العالم، ولكنها لم تكن تمتلك الا القليل من السيطرة على الصومال، تعرضت للانهيار فالتجات إلى المدينة الرملية بيداوا، ما يقارب 250 كم إلى الشمال الغربي. "ان المعركة الكبيرة حول مقاديشو قد انتهت"كما يقول مراقب للصومال مقره العاصمة الكينية نايروبي، المركز الرئيس للمنفيين والدبلوماسيين الذين يحاولون تشكيل تصور عن الاحداث الفوضوية الاخيرة." ولكن المعركة من اجل بقية الصومال قد ابتدات في التو". و لكن السؤال الذي يتصدر الأذهان هو ان كانت الصومال- او في الاقل اجزاء كبيرة منها- ستصبح الان ارضا للتدريب، وملاذا لأشكال المنظمات المشابهة للقاعدة، وكما يخشى بعض المسؤولين الامريكان، او ان كانت، على الضد من ذلك، نصرا شاملا قد يقدم فرصة للاستقرار، بغض النظر عن المنتصرين ومهما كانوا مستبدين. من النظرة الأولى.
يمثل انتصار الإسلاميين مكافأة كبيرة للقاعدة. فالاسلاميون يتمتعون اصلا بالدعم من جميع الخطوط المعقدة ولكنها الحاسمة للقبائل الصومالية. فالعديد من الاطفال في مقاديشو تلقوا تعليمهم في المدارس الاسلامية، وبعملية التلقين المعتادة للتشجيع على القتال. والمليشيات الإسلامية، تحت سيطرة الاتحاد الاسلامي للمحاكم، يمتلك وحدة الهدف الذي يذكر بطالبان افغانستان، الذين رحب بهم العديد من الافغان في البداية على امل ان تكون الحكومة البائسة افضل من الفوضى المهلكة؛ هنالك دلائل على ان الصوماليين في مقاديشو قد يتخذون، في البداية، وجهة نظر مشابهة. ولكن المحاكم الإسلامية الجديدة غير مرنة في تطبيقها قانون الشريعة. فاحد القرارات الاخيرة لاحدى المحاكم سمح للولد بطعن قاتل والده حتى الموت، في الرأس والصدر، امام عدد كبير من الجمهور (المهلهل). في المقابل، يبدو ان أمراء الحروب في مقاديشو قد تعرضوا لهزيمة. فلقد شكلوا تحالفا يدعو إلى استعادة السلام ومكافحة الارهاب في مطلع هذا العام، على امل مجابهة النفوذ الاسلامي والامساك بواحد او اثنين من المشتبه بانتمائهم للقاعدة الذين ربما يكونون مختبئين في مقاديشو. كان ذلك كافيا للفوز بدعم المخابرات المركزية الامريكية، التي، كما تقول عدة مصادر، قامت بضخ الاموال اليهم، وبنتائج كارثية. " الجميع كانوا مذعورين بسبب ما يقوم به الامريكان" كما يقول دبلوماسي اوربي. ياسف البعض ممن في وزارة الخارجية والمخابرات المركزية بشكل شخصي بسبب ما يرونه من عملية غير مشجعة وفشل في توقع نتائجها التي تكتنفها الفوضى. وهنالك دبلوماسي امريكي في نايروبي مسؤول عن الإشراف على السياسة الصومالية قد ازيح من منصبه بسبب تحدثه جهارا، وان بعض تقاريره المعترضة لم تصل، على ما يبدو، إلى واشنطن. من احدى النتائج هي ان الولايات المتحدة اصبحت غير محبوبة اكثر من اي وقت مضى في مقاديشو. فقد شرعوا بحرق الاعلام الامريكية حتى في الاجزاء الاكثر هدوءاً من العاصمة؛ كما ان الشعارات المناهضة لامريكا تجد لها جمهورا واسعا. وان ذكريات عام 1993 قد اثيرت من جديد، عندما قتل 18 من صناع السلام الامريكان في مقاديشو بعد اسقاط طائرتي هليكوبتر ومقتل عدة مئات من الصوماليين، معظمهم على ايدي الامريكان، خلال محاولة الانقاذ. كما كانت امريكا قد تعرضت لنقد واسع، داخل الصومال وبين المجموعات في المنفى والدبلوماسيين في البلدان المجاورة، بسبب تشجيعهم لأمراء الحروب المتهمين باثارتهم للمعارك التي كانت تندلع بين الحين والاخر في شمال مقاديشو خلال الشهر الماضي، حيث قتل ما يقارب 350 من المقاتلين والمدنيين، وجرح ما لا يقل عن 2000. وكان واحداً من المستشفيين الاثنين في مقاديشو اللذين يداران من قبل الصليب الاحمر الدولي، ويكافحان من اجل الحصول على التجهيزات الطبية، قد تم الاستيلاء عليهما من قبل مليشيات احد أمراء الحرب. هنالك نوع من الامل، على اية حال، بان النصر الشامل للاسلاميين في الجنوب قد يعيد كحد ادنى النظام وربما يمنح الصوماليين فترة مستديمة من الهدوء لاول مرة منذ انهيار نظام الجنرال زياد بري المدعوم من قبل السوفيت عام 1991 بعد بقائه 30 عاما في السلطة. واذا ما امكن ادخال الطعام، الادوية والمال الان، فان الصوماليين قد يتمكنون اخيرا من اعادة بناء عاصمتهم المدمرة. يعتمد الكثير من ذلك على الكيفية التي سيتصرف فيها الاسلاميون والكيفية التي سيستقبلون فيها، خارج وداخل الصومال. ولغاية هذه المرحلة، كانوا على ما يبدو يعملون بضبط نفس، واعدين باعادة النظام و القانون، تخفيض عدد نقاط السيطرة واعادة فتح الميناء. تشير التقارير من العاصمة إلى ان العديد من سكانها، حتى العلمانيين، يعتبرون الاسلاميين اقل وحشية وطمعا من امراء الحرب الذين قاموا بازاحتهم. وهم يحاولون بحرص ابعاد انفسهم عن القاعدة. ففي رسالة وجهت هذا الاسبوع إلى السفارات في نايروبي، انكروا بقوة قيامهم بايواء الارهابيين، وتنصلوا من الإرهاب، و دعوا الدبلوماسيين إلى القدوم كي يروا بانفسهم. كما اشاروا إلى الرغبة في التفاوض مع الحكومة الانتقالية الضعيفة في بيداوا، وربما يقدمون لها ثلاثة او اربعة مناصب وزارية، بضمنها تلك التي كانت بيد أمراء الحرب الذين طردوا لاشتراكهم في القتال الحالي في مقاديشو. وكجزء من تلك الترتيبات، فان الاسلاميين قد يوافقون على عدم فرض الشريعة على الصومال، في ظل الحكومة الانتقالية للوحدة الوطنية. لايبدو ان اي شخص، في هذه اللحظة، يشير إلى الانتخابات او الديمقراطية. واذا ما حل القليل من السلام بالفعل، فان الصومال ستكون دولة مرقعة
و لكنها قد تصبح فعالة بهذا الشكل او ذاك. ان العنف الحالي، الذي انتهى بنصر الاسلاميين، قد تركز في مقاديشو، الثلث الجنوبي من البلاد. لكن القسم الاكبر المتبقي من البلاد، على اية حال، كان اكثر استقرارا. وإلى الشمال، فان الدولة التي اعلنت عن انفصالها، صوماليلاند، (صوماليلاند التي كانت تابعة في يوم ما إلى بريطانيا، بقية الصومال التي تدار من قبل ايطاليا إلى اندحارها في الحرب العالمية الثانية) كانت تدار بشكل جيد نوعا ما، ان لديها فرصة في الانفصال، خصوصا اذا ما اسقطت ادعاءها بجزء الصومال ذات الحكم الذاتي إلى الشمال الشرقي، المعروف باسم بونتلاند، الذي ربما يحتوي على النفط. وكانت عدة مدن في مناطق اخرى، مثل قسمايا في الجنوب، كانت تدار ذاتيا بشكل جيد. وليس واضحا ان كان الاسلاميون سيقبلون في يوم ما انفصال صوماليلاند؛ قد لا يقبلو. اذا لم يقابل ضبط النفس الذي تحلوا به منذ البدء بالمثل، فان الاسلاميين قد يتحولون إلى راديكاليين. فمهما يقوله الحكام الجدد، قد يبحث الارهابيون الدوليون عن ملاذ آمن في اراضيهم. كان الارهابيون الجهاديون من اصل صومالي نشيطين في كافة انحاء العالم، بضمنها بريطانيا؛ فقد اعتقل اثنان من المشتبه بهم الاسبوع الماضي من اصل صومالي. وقد يحاول الامريكان اعادة الحياة إلى لوردات الحروب العلمانيين، باستخدام اثيوبيا كقناة لضخ الاموال و السلاح. وقد يشتبك الاسلاميون مع بعضهم البعض. فالعداء القبلي الصومالي عادة ما يؤدي إلى تمزيق الحكومات الصومالية، رغم منادات الاسلام بالوحدة. وربما سيكون هنالك صخب حول التعامل مع التجارة المربحة في القات، اوراق مخدرة يقوم العديد من الصوماليين بمضغها و التي تتسرب إلى مقاديشو يوميا من كينيا و اثيوبيا، وربما هي مسؤولة عن نصف النقد الذي يحصل عليه اقتصاد المدينة. ومن المحتمل ان تحاول دول الاتحاد الاوربي، مع ايطاليا وبريطانيا، باعتبارهما قوى استعمارية سابقة، في المقدمة، ان تدعم الحكومة الانتقالية في بايدوا في الوقت الذي تقوم فيه بالتفاهم مع الاسلاميين في مقاديشو. وبصورة عامة، انها تعتقد بان امريكا حكيمة بما يكفي لان تترك لوردات الحروب و تصرف النقود على بناء الاقتصاد الصومالي مهما كانت درجة النظام هناك. كما يريد الصوماليون من امريكا ان تضغط على العربية السعودية لغرض رفع الحظر عن استيراد الدواجن الصومالية. كما ان هنالك حاجة ماسة إلى الطعام و الدواء لتفادي تبعات الجفاف الذي يصيب القرن الافريقي. تقول بعض وكالات الامم المتحدة ان 10000 من سكان جنوب الصومال قد يموتون شهريا من دون ذلك الاجراء. لقد رفع القتال في مقاديشو من اسعار المواد الغذائية الاساسية و الوقود بنسبة 30%. ولغاية هذه الفترة، فان غياب الامن قد جعل من الصعوبة بمكان تقديم اي مساعدة عن طريق الارض او البحر. وكان عمال الاغاثة الاجانب قد قتلوا او اختطفوا. وكانت حالات الاغتصاب منتشرة. لم تتسلم الامم المتحدة سوى 135 مليون دولار من اصل 326 التي تقول عنها ان الصومال بحاجة اليها لمجرد المحافظة على مواطنيها على قيد الحياة. لا احد يعلم ان كانت الحكومة الاسلامية التي تدير الجنوب ستسهل الامور. مع الحظ، ربما تتمكن من ذلك.

 
 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة