مواقف

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

ماذا وراء خطة العفو في العراق؟

بقلم توني كارون
ترجمة فاروق السعد

عن :التايم

طرح رئيس الوزراء المالكي مقترحا للعفو عن المتمردين. وهنا نذكر ما قدم وما لم يقدمه.
ان برنامج "المصالحة الوطنية" الذي قدم خلال نهاية الاسبوع من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي قد عرض مقترحا، يمنح بموجبه عفوا إلى " أولئك الذين لم يرتكبوا جرائم، اعمال ارهابية وجرائم حرب ضد الانسانية." ولكن ما يعنيه ذلك يبقى مفتوحا للتفسيرات.
هل سيعفى العراقيين الذين قتلوا الامريكان حسب المقترح؟ الأمر ليس واضحا. فلقد تجنب المالكي الالتزام باي عفو عن الذين قاموا بمهاجمة الامريكان. ولكن الاجابة على سؤال حول تحديد من هو الارهابي قد تكون مختلفة في العراق وفي واشنطن. ان العديد من السياسيين العراقيين قد ميزوا بين الارهاب(الهجمات التي تستهدف المدنيين العراقيين) والمقاومة(الهجمات ضد الجيوش الامريكية والحليفة). هنالك فقرة تذكر ذلك التفريق ضمنا كانت موجودة في المسودة الاصلية لمقترح المالكي، و من ثم تم شطبها في الساعات الأخيرة من المفاوضات قبل اعلان المشروع. كما تم سحب، طبقا لمختلف التقارير، دعوة مكتوبة لفصائل"المقاومة" للانضمام للحوار الوطني. تدعو العبارة الان بشكل اكثر غموضا إلى " حوار وطني موثوق" يتعامل مع مختلف الاراء في البلاد. لذلك فيبدو ان المسالة قد تم تلافيها. تايم: لماذا تريد الحكومة تقديم عفو عن اولائك الذين قاموا بمهاجمة القوات الامريكية؟
كارون: يهدف مشروع المالكي، المدعوم بقوة من قبل السفير الامريكي زلماي خليلزاد، إلى إشراك السنة، بضمنهم بعض من فصائل المتمردين الرئيسة، إلى العملية السياسية.(رغم ان عناصر القاعدة في العراق تحظى بالكثير من اهتمام وسائل الاعلام، الا انهم لا يشكلون اكثر من 10% من التمرد). تعتمد رغبات الولايات المتحدة في كل من نشر الاستقرار في العراق وتحديد النفوذ الايراني على جر غالبية الطائفة السنية إلى إجماع وطني جديد. و لكن ما لم يقدم للمتمردين الذين يشنون معظم الهجمات اليومية على قوات التحالف طريق للعودة إلى الحياة السياسية في العراق طبقا لشروط تؤيدها غالبيتهم، فانه لا يوجد الا فرصة صغيرة لنجاح الحكومة الجديدة في النقطة التي فشلت فيها سابقتها. ان التحرك باتجاه الحماية و الاعتراف بشرعية "المقاومة" المسلحة ضد القوات الامريكية يحظى بدعم قوي من قبل الاحزاب السنية الرئيسة في البرلمان العراقي.
لماذا لم يقدم المالكي عفوا شاملا عن المتمردين؟ لقد قتل اكثر من 2500 جندي امريكي في العراق من قبل نفس المتمردين الذين ينظر إلى مسالة اعلان العفو عنهم من قبل الحكومة المدعومة من قبل امريكا، وان منحهم عفوا سيكون قرصاً مراً يصعب على الولايات المتحدة ابتلاعه، وبالنسبة للمالكي فان اعلان مثل هذا العفو العلني في هذه المرحلة هو امر غير مقبول سياسيا من قبل واشنطن. وحتى ربما ان المعارضة الاقوى قد جاءت من جانب الاحزاب الدينية الشيعية الرئيسة التي تهيمن على البرلمان، وهي على الضد من تقديم تنازلات التي كما يقولون تعد مكافاة للتمرد. وهم يشكون في ما يرونه محاولة امريكية للضغط على الحكومة الجديدة لتقديم تنازلات لعناصر يعتبرونهم كانوا يمثلون جنود نظام صدام حسين. يبدو ان معارضة الشيعة قد اجبرت المالكي حسب كلام احدى الصحف البريطانية إلى" تشذيب غصن الزيتون" الذي قدم إلى المتمردين.
كيف يمكن ان يرد المتمردون على خطة المالكي؟ ما لم يتم تعويض أولئك الذين قاموا بمهاجمة القوات الامريكية، فانهم لا يمتلكون الحافز لقبول هذه الصفقة. وان عناصر القاعدة وكبار مسؤولي نظام صدام حسين الذين يمكن ان يواجهوا العدالة لجرائمهم السابقة، ليس لديهم مصلحة في اي حل سياسي. وبعض من مجموعات المتمردين الكبيرة قد رفض بالفعل مبادرة المالكي، رافضة شرعية الحكومة و تطالب بإنهاء الوجود الأمريكي في العراق. ولكن مقترح المالكي لم يذكر اية اشارة إلى الانسحاب الامريكي. ان المعارك السياسية التي تدور خلف الستار حول مدى العفو المقترح تكشف عن عمق التحدي الذي يواجه رئيس الوزراء المالكي في بحثه عن اقامة التوافق بين المصالح المتنافسة للوطنيين السنة والأحزاب الدينية والولايات المتحدة. فبعد كل شيء، ان خلافات السنوات الثلاثة الماضية بين تلك المصالح قد دارت و كانها حرب واطئة الشدة.


الستراتيجية المتبقية للخروج
 

بقلم: نوح فيلدمان*
ترجمة: مروة وضاء

عن: الواشنطن بوست

*نوح فيلدمان: استاذ قانون في جامعة نيويورك ومؤلف "مالذي ندين به للعراق"

ما الذي سيحقق الاستقرار والسلام في العراق؟ كان الجواب الاول خلال السنتين الاوليين بعد الاحتلال هو القوة العسكرية.وبدأت القوات الأمريكية بالمهمة. فحين يتحقق الهدوء النسبي سيكون باستطاعة الجيش العراقي وقوات الشرطة المحافظة على الامن بينما تتأسس المؤسسات السياسية وتبدأ الديمقراطية الفعالة بتحديد مسارها.حتى اولئك الذين امنوا بوعود الديمقراطية العراقية رددوا هذه النظرية. وفي كل مرة تصل فيه العملية السياسية إلى مرتكز مهم كالدستور المؤقت والانتخابات والدستور المقترح والاستفتاء العام والانتخابات مرة ثانية نتبنى هذا التقدم لكن نحذر من انه بدون تحسين الأوضاع الأمنية فأن كل هذه التطورات السياسية لا تساوي شيئا.
لكن في وقت ما من السنة الماضية تغيرت نظرة الأمريكيين التقليدية عن كيفية وضع نهاية للعنف. فاليوم تسمع من الجنود والمدنيين على حد سواء بان العملية السياسية العراقية فقط هي التي باستطاعتها تحقيق الامان من خلال خلق تسوية تضمن التوازن بين مصالح الجماعات العراقية المختلفة. كانت الغاية الاساسية من وراء زيارة الرئيس بوش المفاجأة الاخيرة إلى بغداد هو لقاء الساسة العراقيين، وليس دعم القوات كما في عيد الفصح عام 2003. وحتى قتل ابومصعب الزرقاوي لعب بشكل مدروس كأشارة على التقدم. سابقا كان الامن هو الذي سيساعد العملية السياسية على التقدم اما اليوم فيظهر الامر مقلوبا: السياسة ستشترى الامن.
قد يبدو هذا التحول في الطريقة تكتيكيا فقط. فعدم قدرتنا الواضحة على منع النزاع المدني في العراق بالقوة قد يكون امرا محبطا لكن يمكنك ان تساءل لماذا؟ وما أهمية ذلك على المدى البعيد اذا ما نجح الحل السياسي وانخرط العراق مع حكومة قادرة وان كانت غير مكتملة؟ ففي الحقيقة مهما كانت النواقص عميقة بالنسبة للولايات المتحدة ولنظرية الديمقراطية في المنطقة فهنالك فرق بين ان تربح الولايات المتحدة الحرب وبين ان تخسرها.
في البداية كانت القوة الامريكية تهيئ جوا للعراقيين للمشاركة السياسية، وحين أدرك العراقيون بان الولايات المتحدة عازمة على نقل السلطة إلى الحكومة العراقية المنتخبة بدأوا بتشكيل احزاب والذهاب إلى الاقتراع. حيث كانت النتائج ستخدم العراقيين كما ستخدم اهداف الولايات المتحدة الاوسع في احلال الديمقراطية في المنطقة. بعد ذلك كله فان الهدف المنصوص للولايات المتحدة لم يكن مجرد الخروج من العراق بدون عواقب كارثية. لقد كان تشجيع المصلحين والقضاء على الاستبداديين في كافة انحاء الشرق الاوسط بتكذيب فكرة ان الدول العربية لايمكنها ان تكون ديمقراطيات ناجحة. فنحن سنحظى بتحسن امني على المدى البعيد اذا ما استبدل الدكتاتوريون بحكومة شرعية لايكرهنا شعبها لدعمنا مضطهديهم.
لقد كان ذلك المنطق سببا رئيسيا في جعل الولايات المتحدة تتبنى مهمة اعادة اعمار العراق. فلو كان هدفها الوحيد هو اسقاط صدام حسين او ازالة اسلحة الدمار الشامل لكان منطقيا لو انها انسحبت لحظة الامساك به او لحظة اصبح من الواضح انه لاوجود لاسلحة الدمار الشامل. من اجل الحصول على الاهداف المرجوة في المنطقة - تحقيق النجاح الحقيقي
لم يتطلب تدخلنا في العراق تأسيس دولة عراقية فعالة فحسب، لكن أيضا تأسيس عملية منظمة تنخرط فيها تلك الدولة. احتاج الديمقراطيون في اماكن كمصر لان يكونوا قادريين على الاشارة إلى العراق ليثبتوا ان الديمقراطية لم تكن كا ادعى الاستبداديون طويلا مجرد وصفة لعدم الاستقرار او خطوة نحو حكومة اسلامية متطرفة.
بل على العكس من ذلك فأن سياسة الخروج الجديدة ليس لها علاقة بالنصر الامريكي
سواء كان عسكريا أم سياسيا. مما يجعلنا نتقبل الحقيقة المستحيلة الإنكار، وهي ان قواتنا المسلحة لم تؤسس النظام في العراق، وان وجود قوات اكثر او انتشار مختلف لها لن يجدي نفعا. بالاحرى علينا ان ننظر للسياسيين العراقيين لوضع شروط انسحابنا. فهم من بأمكانهم ان يدعونا نرحل من المشهد العراقي من غير ان نخلف وراءنا حربا أهلية يمكن ان تزعزع المنطقة اكثر من الذي تسببنا به لحد الان.
ولجعل الأمور أسوأ، فالمخاطرة مرتفعة وفي ارتفاع مستمر ولايمكن للحل السياسي ان يعمل منفردا. حيث يبدو منطقيا القول بأن على القيادات السياسية العراقية الاعتراف بانه لن يستفيد احد من الحرب الاهلية. فقد مضت ثلاث سنوات وانا اردد هذا الكلام للعراقيين وغيرهم. كما يكرره السفير الامريكي في العراق زلماي خليلزاد يوميا كالكلمة السحرية، ولابد وان الرئيس بوش قد قاله للعراقيين على نحو انفرادي. لكن تطابق المصالح الخاصة لا يعني الوصول إلى اتفاق، والاتفاق لا يعني بالضرورة الوصول إلى سلام فعلي. ففي البصرة فإن الاحزاب السياسية فعالة منذ الاحتلال، لم تمنع النزاعات المسلحة في الشوارع بين المليشيات المتحالفة مع الاحزاب السياسية.
يحتاج السياسيون من اجل انهاء العنف إلى امرين: اولا إقناع العامة بان من مصلحتهم الوقوف معهم وليس مع المسلحين. وبعدها اقناع المسلحين بالتخلي عن المظهر المسلح والاحالة المبكرة على التقاعد. حتى وان كان تحقيق المهمة الاولى من هاتين المهمتين الحساستين ممكنا
لاشئ سهل في العراق حيث على الحكومة ان تعالج مشكلة تنظيم نفسها وتوصيل الخدمات الاساسية للمواطنين الا ان الثانية قد تبرهن على استحالة تحقيقها. كما شهدنا في ايرلندا الشمالية والنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث ان لدى مفجري القنابل تأثير سلبي على الحكام المنتظرين. فلايمكنك ان تدير بلد من دون دعم الرأي العام لكن بامكان مجموعة صغيرة من مفجري القنابل ان تجعل الحكومة غير نافعة وتفقد شعبيتها.
ورغم ذلك فأن مسعى السياسة هو البديل الوحيد عن الحرب الاهلية الشاملة. انه ليس بالخيال البعيد ان نحاجج على ان العملية الدستورية التي سيعاد فتحها قريبا قد تعطي للسنة الحافز لتخفيض اعمال العنف اذا ما وعدوا باخذ حصتهم العادلة من مصادر البلاد الرسمية. كما وليس من العبث ان نجادل بأن المليشيات قد توقف اطلاق النار اذا ما تفاوض زعماؤهم للتوصل إلى اتفاق تقاسم السلطة. انا اكتب هذا الكلام لاني اؤمن بصحته ولان السياسة افضل خيار امامنا في هذه المرحلة المتأخرة. رغم ان احتمال نجاج المفاوضات اليوم أضأل من السابق. فنحن لم نتوصل إلى أمل بإنهاء الحرب عن طريق السياسة من خلال التخطيط المنطقي او الحسابات المتقنة ولكن كانت الضرورة المريعة هي التي قادتنا اليه.


الطريقــــة الخاطئة لاستمالـــــة مصر
 

بقلم: جون ب. الترمان.
ترجمة: هاجر العاني.

عن: الواشنطن بوست

ثمة العديدون في واشنطن ممن يعتقدون ان السياسيين المصريين انقلبوا حوالي الربيع الماضي بسبب التصميم الظاهر للرئيس بوش على تشجيع التغيير السياسي في ذلك البلد، كما أنهم يعتقدون ان القيادة في القاهرة ارتدت إلى اساليبها القديمة الرديئة عندما ضلت عناية بوش.
غير أنهم مخطئون في الاتهامين، فلم يسبق للتغيير العميق الانتشار في مصر، وربما كان بعض الامريكيين متحمسين للتغيير الجاري هناك، الا ان مستوى المشاركة السياسية للمصريين تنم عن حكاية مغايرة، اذ ان اقل من (5%) من جمهور الناخبين تجشموا عناء التصويت في استفتاء شهر مايس المنصرم حول السماح باجراء انتخابات متعددة المرشحين على منصب الرئيس وربما صوت (20%) في الانتخابات الرئاسية نفسها.
و تتسبب اساءة قراءة هذه الحكاية في ان الكثيرين يعتقدون ان على الولايات المتحدة ان تقوّي الضغط على مصر وتشترط الاصلاح السياسي المتواصل في معونتها لها، وهذه خطوة مفهومة بحسب الظاهر، وكذلك يحدث ذلك لإتباع سياسة خاطئة، وعلى حكومة الولايات المتحدة ان تواصل الضغط بعنف من اجل الاصلاح في مصر وعليها ان تنعم النظر عن كثب في اتفاقية المعونة، بيد ان الربط بين الامرين سيكون مسبباً معاكساً، هذا اذا لم يكن كارثة.
وكما هي الفيلات الهرِمة في قلب القاهرة، فأن المعونة الامريكية لمصر هي التراث المضمحل لزمان آخر، ففي السبعينيات حينما كان السلام بين اسرائيل وأي من جيرانها العرب عبارة عن حلم أحمق وعندما كان نزع مصر من الكتلة الشرقية يمثل انقلاباً في الحرب الباردة كانت مصر جديرة بكل (بيني) تسلمته من مليارات الدولارات من المعونة الامريكية.
وعقب ثلاثة عقود انتهى الاتحاد السوفيتي وكانت الجامعة العربية قد اعتنقت الحل المنادي بأقامة دولتين في الصراع العربي
الاسرائيلي وخرائط الجزيرة تصنف اسرائيل هكذا، و مصر تمد يد العون إلى الولايات المتحدة في الكثير من الميادين خاصة ً فيما يخص التعاون على محاربة الارهاب وقضايا السلام العربي الاسرائيلي غير انه من الصعوبة المتزايدة ايجاد شواهد تكون فيها المساعدة من مصر حيوية لإنجاح مهمة الولايات المتحدة الخطيرة.
وفي الوقت ذاته فأن (60) مليار دولار من المساعدات الامريكية طوال (30)عاماً قد ولـّـدت ارتياحاً ضئيلاً في الشارع المصري، وحسبما جاء في استفتاء غالوب الذي أ ُذن بنشره الشهر الماضي فأن (72%) من المصريين يعتقدون ان الولايات المتحدة ليست جادة في تحسين الاوضاع الاقتصادية في الشرق الاوسط
على الرغم من المساعدات الامريكية.
وقد تقرر الولايات المتحدة في الواقع تخفيض المساعدات لمصر طبقاً للحالة الموضوعية لكن تخفيضها كجزء من برنامج مشروط لن تكون غير نافعة وحسب بل ستكون مؤذية كذلك.
على ان الدراسات تقترح بأن مشروطية المعونة الاجنبية تنفع اكثر النفع عندما تركز تلك المعونة على مقاييس موضوعية للاجراءات التي تسيطر عليها مجموعة صغيرة من الاشخاص، اذ ان جعل أسعار الفائدة التفضيلية على أغراض الاحتياطي النقدي (جعلها) موقوفة على الشروط يعتبر مثالاً مثالياً، وربط المساعدات باحلال الديمقراطية يمثل العكس تماماً، فاحلال الديمقراطية أمر ذاتي بشكل ردئ السمعة وهو نتاج ملايين من القرارات الصغيرة لكل يوم، وفي العديد من المقاييس وخاصة ً حرية الكلام فأن مصر اكثر حرية ً مما كانت عليه حتى قبل ثلاثة أعوام، غير أن القمع الوحشي لتظاهرات الشوارع في الاسابيع الاخيرة يعتبر اشارة إلى ان حرية التصرف متأخرة إلى الوراء، ومن المستحيل قياس أي من هذين الجانبين بدقة.
وبعيداً عن المطبوعات الاكاديمية ثمة اسباب اخرى تجعل نفع المشروطية السياسية مع مصر أمراً غير محتمل، والسبب الاول في ذلك هو انه من المستبعد ان ملايين الدولارات في شكل معونة ستقنع القيادة المصرية بلعب النرد عندما تشعر بأن بقاءها على المحك، فانهيار النظام العام في العراق قوّ ض إلى حد أبعد أساس ثقة القادة المصريين في ان رأي الامريكيين أفضل من حكمهم هم في هذا الخصوص، والسبب الثاني هو ان المسؤولين المصريين الذين يشعرون بأنهم دخلاء ساذجون سذاجة عميقة بخصوص التهديدات التي تبثها الجماعات المتطرفة المحلية، والتي تسعى لتقليصها الكثير من التدابير ثقيلة الوطأة لمصر، اما السبب الثالث فهو أنه ولمدة أكثر من قرن كان المصريون مفرطي الحساسية تجاه الاوامر التعسفية الاجنبية بسبب تاريخ البلد الطويل مع الاحتلال.
إلى هنا والحكومة المصرية قد كذ ّبت مؤيدي احلال الديمقراطية بصفتهم ادوات أجنبية على الرغم من اكتسابهم سمعة حسنة محلية لدفاعهم عن الامة ضد المكيدة الخارجية، وفي أية مشاحنة علنية بشكل بالغ حول ما اذا كانت مصر قد وفت بالشروط المفروضة من الولايات المتحدة سيتجمع المواطنون بلا ريب حول الحكومة وسينعزل أصدقاؤنا، بالاضافة إلى ذلك ستكون الحكومة المصرية أقل تعاوناً إلى حد كبير بخصوص مجموعة قضايا أمنية هامة مما يرفع بشكل كبير كلفة العمليات العسكرية والاستخباراتية الامريكية، وبلا شك ستفضل الحكومة المصرية ايذاء مصالحها الخاصة بها على ان يتم اذلالها.
وجعل المعونة موقوفة على الشروط قد يشعرنا بشعور أفضل الا أنه لن يغير مصر، اذ نحن بحاجة إلى مقاربة أقل بهرجة ً وأكثر فاعلية ً، ونحتاج بالفعل إلى اعادة تصميم برنامج المعونة غير أننا يجب أن نقوم بذلك بطريقة تسمح للمصريين بادعاء النصر فيما يتم تخفيض مبلغ المعونة الاجمالي.
كما اننا بحاجة لجعل محترفينا الامنيين والاستخباراتيين يعملون مع نظرائهم المصريين للتوصل إلى فهم مشتـَـرَ ك للتهديدات المشتـَـرَ كة خاصة ً فيما يتعلق بالتطرف والعنف، وتسعى مثل هذه الجهود إلى التوصل إلى اتفاق حول انواع النشاط السياسي التي لا تشكل تهديداً للنظام العام.
وأخيراً تحتاج الولايات المتحدة إلى الاستمرار في الضغط من أجل انفتاح أكبر ومشاركة أكبر في مصر، فالعالم يتغير والاساليب القديمة في التحكم السياسي لم تعد تجدي نفعاً، والحكومة المصرية تعي ذلك وتسعى للتكيـّـف، وقد تكون جهودها غير كافية أو غير مجدية وعليها ان تتعايش مع العواقب، ودورنا يجب ان يكون التشجيع والحث ّ، فالدخول في مباراة علنية لإضرام النار مع الحكومة المصرية سيكون له التأثير المعاكس تماماً.
الكاتب هو مدير برنامج الشرق الاوسط في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية في واشنطن.

 
 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة