اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

من اجل ثقافة موضوعية .. القانون والتطور ودولة المجتمع الطائفي
 

المحامي هاتف الاعرجي *

* باحث قانوني

موضوع الطائفية ليس جديداً في بلدنا او في سواه، اذ سبق وعولج من جميع جوانبه املاً في ايجاد التمازج بين السكان الذين يدينون بديانات او مذاهب مختلفة -وبقيت الآراء في نطاق البحث الفكري الصرف- فهناك الكثيرون من المستفيدين من حالة الانقسام والطائفية، حاكمين او رموزاً طائفية هدفها القيادة وتثبيت مراكزها، دون خدمة الشعب وتحقيق ما يكفل حريته ومتطلبات عيشه، دون التأسيس لبناء الوطن والمواطنة والعيش الآمن للجميع. تلجأ الى الاستبداد ومصادرة الرأي حد قتل الناس دون احترام للرأي والرأي الآخر.
وفي اوروبا كان الحل.. كان فصل الدين عن الدولة المرحلة الاولى على طريق العلمنة، اذ أمنت الدولة حرية المعتقد للجميع، ووضعت قوانين مدنية تطبق على الجميع، ومنعت الطوائف والملل والاديان من التدخل في شؤون الآخرين.
في اوروبا كان مصدر العلمنة الصراع بين الملوك والبابوات، يوم حاول الشعب وحتى الملوك التحرر من السلطة الدينية، وتأكيد "ما لقيصر لقيصر وما لله لله". فكان الحل قد اتخذ شكلاً سياسياً لا طائفياً انتقلت فيه الدول الاوروبية من الصفة الدينية الى العلمانية. وحصل التحول الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، اثر الثورة العلمية التي اجتاحت اوروبا وانبثق عنها نوع بما يسمى بعبارة العقل البشري، اما الاديان فهي ضابط اخلاقي هدفه ردع الناس عن الشر ودفعهم الى عمل الخير.
انها قيم محترمة ومحفوظة لدى المجتمع تنظم علاقة الفرد بربه. وهنا فلا علاقة بين الدين والحكم او الدين والسياسة، وعندئذٍ شعر المواطن بانتمائه لوطنه اكثر مما يشعر بانتمائه الى طائفة معينة او عنصر معين. على ان هذا الانتماء حق مطلق للفرد يصونه القانون
لكن دون محاولة الغاء الآخرين او تأكيد حالة الاستبداد والطغيان على حقوقهم وحرياتهم.
ثقافة المجتمع الطائفي تهدف الى تجاوز حدود المجتمع السياسي المدني وبناء علاقات اجتماعية من خلال نظرية شاملة للدين والدولة. وتنحدر عناصر تلك الثقافة من النظرة اللاهوتية للانسان والكون، ومن مجموع الانماط النفسية الملازمة لحياة الطائفة. وفي الواقع فان مقومات وانماط الثقافة الطائفية تتداخل مع مقومات ثقافة اخرى هي الثقافة التجريبية الحسية البعيدة عن العلم والموضوعية، ومن هنا يأتي تفسير جواز الاعتداءات والاغتيالات على العلماء والاساتذة ودور العلم والجماعات.
فثقافة الجهل والابتعاد عن سيادة وسلطان القانون هي ثقافة المجتمع الطائفي، التي تعتبر ثقافتها فوق القانون والمجتمع وعندئذٍ فلا يجوز خضوعها او منفذي اعتداءاتها للقانون او العقاب.
اما الثقافة العلمانية فتتطلب اقتران الصفة العلمية بالعلمنة. فالصفة العلمية، هي صفة عقلية، الحكم فيها ناتج عن تلك المنطقة المتميزة في الذات العارفة، منطقة العمل المتكون من المبادئ الموضوعية والسببية والحجة الكافية. وهي ثانياً ذات صفة منهجية، أي ان سير البحث الموصل الى الحكم مقيد بقواعد منظمة ملزمة. وهي ثالثاً، ذات موضوعية بمعنى ان موضوع البحث والنتائج مستمد من الواقع، لامن الذات. العلمانية الحقيقية المستندة إلى العلم، هي تعبير عن قدرة المواطنين الراقية، على اعتبار انفسهم، في حدود الفرد او في اطار العلاقات التبادلية بين الافراد، اعضاء في مجتمع موحد المصلحة والمصير، اذ ان التفكير العلمي والعلماني يصون المصلحة الفردية والمصلحة العامة على السواء. ولكي يتم التوازن بين المصلحتين لا بد من الارتفاع فوقهما، أي لابد من اعتبارهما مجردتين عن العلائق الشخصية، ويتم ذلك بواسطة الصفة العلمية الملازمة للعلمانية والتي تضع الاسس الصحية للحياة والعلاقات الاجتماعية.
ما هي معالم المجتمع العلمي؟
من اصعب المشاكل التي تواجه الديمقراطية وتطورها، مشكلة اقامة علاقة صحيحة بين العلم والسياسة، بين المعرفة والسلطة، او بتعبير ادق بين العامل في حقل العلم وادارة حياة المجتمع.
ان من يريد ان يعيش في ظل نظام ديمقراطي، يتعين عليه ان يقيم علاقة صحيحة، ليس بين العلم والسياسة فحسب، بل قبل ذلك بين الافراد والجماعات والدولة من جهة وهوية المجتمع الذي يتم الانتماء اليه من جهة ثانية.
الديمقراطية في المجتمع تحتاج الى خلق مجتمع سياسي ديمقراطي حقاً، الى جانب حاجتها الى تنظيم العلاقات بين رجال المعرفة والعلم والسلطة والادارة. وهنا فان مهمة التغيير مزدوجة وشاقة، فلا يمكن فصل السير نحو العلمية عن الاتجاه نحو العلمانية. ومتى تهيأ للمجتمع الانعتاق من قيود البدائية الطائفية وصفات الذهنية التجريبية الحسية، عندئذٍ يرتفع مستوى المجتمع واستعداده لاستخدام المنهج العلمي في التفكير والعمل، ويلقى استجابة مناسبة من المؤسسات والاجهزة المنتجة للمعارف والوسائل العلمية.
ان تطور المجتمع وتحوله من البدائية والذهنية التجريبية الحسية (وهي الثقافة الطائفية) والى نطاق العلمية يتطلب في ظروف التطور العادي وقتاً طويلاً. لكن سرعة الحركة التأريخية في هذا العصر، لا تسمح بنفاد الوقت الطويل والبقاء على ما اصبح من ماضي الامم، اذ ان تطور العالم يفرض على المجتمعات الناهضة اختصار المراحل. ولكي تكون الثورة دافعاً حقيقياً وشاملاً والى الامام، ينبغي ان تكون ثورة اجتماعية تشمل كافة ابعاد المجتمع، وكل ما يتألف حولها من نظامات ومؤسسات واشكال واجهزة وبنى. وهذه الثورات المتساندة، الاقتصادية والسياسية والثقافية
في المجتمع لابد من ان تحدث لا محالة.
فما ان تحدث واحدة الا وينفتح الطريق نحو الاخريين. اما في الاجابة عن أي من الثورات تكون الاولى؟؟
فان الصفة الغالبة في تطور المجتمعات الناهضة تعطي الاولوية للثورة السياسية.
اما الثورة العلمية والثقافية المنشودة في الوقت الراهن فمن مهامها مهاجمة الثقافة الطائفية واهدافها ومراميها، والتي تريد ان تدخل في سلوك الافراد والجماعات مقاييس التقليد قبل مقاييس التجديد، واسباب الانقسام والتعصب قبل اسباب التوحد.
اما اذا كانت السلطة التنفيذية والادارية مقيدة بالقيود الطائفية، او كانت اللجان التي تؤلفها للدراسة والتحقيق هي ايضاً مقيدة بقاعدة التوزيع الطائفي، او ان المشروعات التي سوف تنجز قد اخذت بعين الاعتبار، الامتيازات الطائفية، فانه يمكن القول، بان سياسة الانماء المتبعة والمعتمدة، ليست سوى السياسة الطائفية متسترة بثوب جديد.
على ان سياسة الانماء في جوهرها ليست سوى سياسة علمية، ولا يمكن ان تنجح فعلاً الا بالقدر الذي يشترك فيها العلميون والاداريون الذين لديهم الدراية بالعلم والتخطيط.
ان سياسة الانماء لا يمكن ان يحققها المجتمع المجزأ الذي يوزع مراكز الوزارة والادارة الرسمية على اساس حقوق الطوائف والعنصريات، ودون سياسة عامة متفق عليها بين جميع اعضاء المجتمع او غالبيتهم.
السياسة الانمائية الناجحة تقتضي ارادة موحدة، لنشاط المجتمع بأسره، لا ادارة ممزقة في انتماءاتها الى طوائف.
ان سياسة الانماء - ولكي تُأتي ثمارها الكاملة -تفترض- مجتمعاً علمياً علمانياً يطبق متطلبات التقدم السياسي والثقافي والاقتصادي، ويحقق وحدة المجتمع والسير به نحو غايات حضارية.
وفي المجتمع العلمي والعلماني ينتقل الثقل السياسي بعد عملية التطور
من الجماعات العنصرية الطائفية الى جماعات ومنظمات المجتمع المدني والاحزاب التي تتضمن برامجها الاجتماعية والسياسية، وتعتمد الاقناع بالبراهين العلمية والمنهجية الموضوعية. توازن بين العقل والحرية والمساواة وحقوق الانسان ونبذ العنف والفوضى، واحترام العلم ومؤسساته وعلمائه، وليكون مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات هو نظام حكم الدولة الحديثة الذي يلغي الاستبداد واحترام الرأي والرأي الآخر.


التســـامح على كل فرد الاعتراف بحق الآخر
 

ماجد الغراوي
يراد بالتسامح اصطلاحا: موقف ايجابي متفهم من العقائد والافكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة بعيدا عن الاحتراب والاقصاء، على اساس شرعية الآخر المختلف دينيا وسياسيا وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته. وكان المفهوم في بداية تشكلـه يتضمن قيما اخلاقية اختيارية. فالمتسامح، وفقا لـهذه الدلالة، شخص يتنازل عن حقه تكرما ومنة على الاخرين، يقابلـه احترام من قبل الناس او شعور بالمنة والعطاء، وهي حالة نفسية ايجابية. الا ان دلالة التسامح تطورت بفعل التنظير الفلسفي ليتحول الى جزء من واجب تفرضه الحرية الشخصية التي يراد لـها ان تكون متساوية بين الجميع. فلكل فرد حقه في الاعتقاد وحقه في التعبير عن رأيه، وليس هناك ما يبرر احتكار هذا الحق لجهة من دون اخرى. فقبول الآخر، وفقا لـهذا الرأي حينئذٍ، ليس منة، وانما واجب تفرضه الحرية الشخصية. وهو حق يرتكز اساسا الى القول بنسبية الحقيقة، التي ترى ان للحقيقة وجودا نسبيا لدى جميع الافراد، ولا مبرر حينئذٍ لدعوى احتكارها والتفرد بها، ولا مبرر ايضا، لاعتبار قبول الآخر والتعايش معه منة وتكرما، أي اعتبار قبولـه قيمة اخلاقية، بعد تبدد مفهوم الحقيقة المطلقة, وتلاشي دعاوى احتكارها والاستئثار بها. وانما سيكون قبول الآخرعلى اساس اشتراكه في وجود الحقيقة. أي تبقى الحقيقة محتملة في جميع الاطراف. وبالتالي فمن الواجب قبولك الآخر والتعايش معه. اذ مقتضى كون الحقيقة نسبية ان تفرض الحرية الشخصية على كل فرد وجوب الاعتراف بحق الآخر في اختيار عقيدته وحريته في التعبير والدفاع عنها.
والجدير بالذكر ان التسامح بمعناه الاصطلاحي غريب على البيئة العربية والاسلامية، وغائب عن لغتها وانماط تفكيرها ، فهو بحاجة الى مزيد من التنظير والمواءمة، كي تجري(تبيئته) بشكل يحافظ على فاعليته وتأثيره ضمن الانساق الثقافية والفكرية للمجتمع. وهذا لا يعني التماهي مع قيم التسامح على حساب قيم المجتمع او بالعكس، وانما يصار الى صيغ توافقية تبقي الاحتمالات مفتوحة لمراجعة جميع المفاهيم والمقولات التي تشترك في تكوين الانساق المعرفية. أي يمكن اعادة النظر بمفهوم التسامح نفسه ومراجعة قيمنا ومفاهيمنا ايضا للتأكد من صحتها وشرعيتها. فربما نكتشف خلال المراجعة ثمة انساق فكرية وعقيدية لا تتمتع بأسس عقلية اوشرعية. وانما هي خليط من تراكمات ثقافية وموروثات تاريخية, واجتهادات شخصية, ومصالح استبدادية تبلورت وتحولت بمرور الايام, وبفعل التعهد والحماية المستمرة لـها، الى انساق عقيدية ومعرفية تمارس سلطتها على العقل, وتتحكم بسلوك الفرد والمجتمع. اذن المراجعة فرصة جديدة لتفحص تراثنا ومعارفنا، ومحاولة جادة للوقوف على نقاط الضعف واكتشاف مراكز القوة. وبالتالي سندرك اننا امام مفاهيم (كالتسامح والتعددية) ليست غريبة في روحها عن اصول ديننا وعقيدتنا، وانما اقصتها القراءات الاحادية والفهم المتحيز للدين. وعندما نقدم قراءة اخرى للنصوص المقدسة والاحكام الشرعية نجد انفسنا امام آفاق رحبة لتقبل القيم الانسانية. لكن انجاز هذه المسؤولية يتطلب قدرا كبيرا من الصراحة والمكاشفة والتعرية الحقيقية للقيم السائدة والمفاهيم الحاكمة، والا فان منهج التستر والمداراة والخوف والمواجهة من خلف الستار، حلول ترقيعية لاتنتهي الى نتيجة جذرية، وستعود الامور الى حالتها الطبيعة، او تتخذ اشكالا جديدة بنفس القيم والمفاهيم. وبهذا الشكل ستستمر الاخفاقات الواحدة تلو الاخرى. لذا علينا اعتماد خطاب ثقافي وفكري يتناول جوهر الاشكاليات، ويتبنى نسقا جديدا من المفاهيم (كالتسامح والتعددية, وحقوق الانسان, والحرية الدينية والفكرية)كي يتمكن المجتمع من تجاوز محنته، والدخول في مرحلة الحداثة الحقيقية وليست حداثة شكلية كما هو الحال لكثير من البلدان الاسلامية. لان الحداثة في جوهرها (عملية انتقالية تشتمل على التحول عن نمط معرفي الى نمط آخر يختلف عنه جذريا، وهي انقطاع عن الطرق التقليدية (الاسطورية) لفهم الواقع واحلالـها بأنماط فكرية جديدة (علمية)) .
التسامح.. المساحات
ثم ما المطلوب من الشخص المتسامح (سواء قبلنا بالرأي المتقدم او لم نقبلـه)؟ هل المطلوب التنازل عن القناعات الفكرية والعقيدية نزولا عند رغبة الآخر، او ضرورة يقتضيها التسامح؟ او ان التسامح يعني الانصياع والتبعية والرضوخ للآخر المختلف؟.
لا هذا ولا ذاك، وانما التسامح يعني اعترافاً بالآخر والتعايش معه على اساس حرية العقيدة وحرية التعبير، لا تكرما ولامنة، وانما حق باعتبار تعدد الطرق الى الحقيقة (لا نسبية الحقيقة كما تقدم، وهذا رأي آخر) وعدم وجود حق مطلق لدى طرف دون آخر. وان الحقيقة موجودة (بمعنى محتملة) لدى جميع الاتجاهات الدينية والعقيدية على اساس وحدة الحقيقة وتعدد التجارب الدينية. كما يؤكد ذلك المفكر الايراني الدكتور عبد الكريم سروش، اذ يقول: (لا التشيع هو الاسلام الخالص والحق المحض، ولا التسنن، على الرغم من ان اتباع هاتين الفرقتين لايرون هذا الرأي فيما يخص حقيقتهم، لا الاشعرية حق مطلق ولا الاعتزال، ولا الفقه الجعفري، ولا تفسير الفخر الرازي، ولا تفسير الطباطبائي. لا الزيدية ولا الوهابية. لا كافة المسلمين منزهون في توحيدهم وعباداتهم عن الشرك، ولا جميع النصارى يصح ان يقال عن وعيهم الديني انه مشوب بالشرك. الدنيا غاصة بالـهويات غير النقية، وليس فيها حق صراح في جانب، وفي الجانب الآخر باطل محض...) . وبالتالي يقدم هذا الفهم وعيا جديدا للحقيقة وطرق الوصول اليها، ويسلب جمع الاطراف احتكارهم المزعوم لـها، الذي على اساسه تتشكل المواقف العدائية والخصومات الطائفية. ويطيح بحديث الفرقة الناجية المختلق. فهو يترك مسافة بين جميع الاطراف مع الحقيقة، ربما تختلف من طرف الى آخر، لكن يبقى احتمال وجودها ملازما لكل منهم. اذن فليس هناك حقيقة مطلقة لدى بعض دون آخر، وانما تبقى نسبية ومحتملة، فلا موجب حينئذٍ للتعصب او الشعور بالمنة والكرم والفوقية حينما يقبل التعايش مع الطرف الآخر. وانما يجب عليه ذلك، ويجب مراعاته وتبنيه حقيقة، بل (نحن ملزمون ــ ايضا ــ بأن لا نقمع الآراء التي لا نوافق عليها، بيد أننا غير مطالبين بأن نحب أو نؤيد او نشجّع هذه الآراء. وكل ما يتطلبه التسامح هو ان نسمح بالتعبير الحرّ عن الآراء التي لا نوافق عليها، وان نوافق على القيمة الاخلاقية التي تقول بوجوب وجود تعبير حرّ عن الآراء التي لا نوافق عليها) . وبهذا يتضح مفهوم التسامح اصطلاحا بعد بيانه لغة، وتتضح ايضا دلالاته الملازمة لـه،كي يصار الى فهم صحيح عنه، ويتحول الى قيمة فاعلة داخل المجتمع. ومن هنا سيكون مفهوم التسامح خلال البحث، في ضوء ما تقدم من دلالات لغوية واصطلاحية، هو: الاعتراف بالآخر وحقه في التعبير عن رأيه وعقيدته. والتعصب هو رفض الآخر وسلبه حق الاعتقاد وحق التعبير عن رأيه.
ثمة نقطة جوهرية ان المراد بالتسامح هنا الاعم من التسامح الديني، ليشمل التسامح السياسي والاجتماعي ايضا، برغم التركيز على التسامح الديني، كما هو تاريخ بلورة المفهوم، لان البحث يطمح الى استنبات قيم التسامح على جميع المستويات الدينية والاجتماعية والسياسية، اذ لا فرق في تجذر قيم اللاتسامح في مجتمعاتنا، فالتعصب يغور في اعماق البنى الفكرية والمعرفية، حتى اصبح السمة الرئيسية لـها. أي ان مفهوم التسامح لا يقتصر في هذه الدراسة على دائرة العقائد والأديان والمذاهب وانما يتخطاها الى صعيد السياسة والاجتماع. وربما كان المجتمع اكثر حاجة للتسامح السياسي او الاجتماعي عندما لا يعاني على مستوى الأديان والعقائد، وليس في وعيه مصاديق متعددة للآخر المختلف دينيا او مذهبيا. وهذه ضرورة اقتضت توسيع موضوع التسامح ليشمل السياسة والاجتماع الى جانب التسامح على صعيد العقائد والأديان. فالتسامح السياسي ايضا اعتراف بالآخر وحقه في التعبير عن رأيه وممارسته للحكم، حينما يستوفي شروط المنافسة السياسية النزيهة. كما ان التسامح الاجتماعي اعتراف بالآخر على اساس انساني بعد تجريد مرجعية التفاضل من القيم العنصرية.


قاموس جديد في لغة علاها الغبار
 

شاكر الانباري
انتقال أي مجتمع من طور الى آخر ينتج عنه، عادة، قاموس جديد من اللغة والسلوكيات والمفاهيم، وهو أمر يصاحب الانقلابات والثورات والحروب الأهلية والهزات الاجتماعية، فلا يعود الفرد، في تلك المجتمعات، هو ذاته، بل تمده الأحداث بمفردات ومفاهيم واصطلاحات لم يعتدها في ما مضى، كما لا تعود المجتمعات هي ذاتها ايضا. ولا يختلف في هذا بلد دون غيره، وهو ما يدعى بالتطور ربما، او حركة التاريخ، اذا ما استعرنا المصطلح الماركسي.
واليوم ليس هناك فرد عراقي لا يعيش هذه الظاهرة، المتفاعلة حتى هذه اللحظة، سواء كان مؤيدا لما يجري او مناوئا. فعجلة التطور فرضت ذاتها على الجميع، بل أجبرت الجميع على تداول تلك المفاهيم والمصطلحات، مما يضيف منظومة افكار وتسميات ومفردات الى القاموس السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري.
تلك حقائق ملموسة يصعب نكرانها، اذا ما اراد أي مهتم التعامل مع الحدث العراقي. أي خروج اكثر من خمسة وعشرين مليون مواطن من حالة الى أخرى، كما جرى في السنوات الأخيرة.
كلمة (أقاليم)، على سبيل المثال، لم يكن واردا تداولها في الحياة العامة بهذه الشساعة قبل سنوات. هي اليوم تفرض نفسها، لا على المثقف فقط، لكن على رجل الشارع كذلك، وهي تتردد يوميا عشرات المرات: في الفضائيات والصحف والدوائر الحكومية وخطب الجوامع وداخل البيوت. ومفردة اقليم تجر خلفها مفهوم التركيبة الطائفية والثروات الطبيعية وصلاحيات الاقليم واللغة والحكومة المحلية ومجلس المحافظة والسياحة والثروة الباطنية، وصولا الى علاقة الاقليم بسلطة المركز.
والايغال في تلك التفاصيل يستدعي أفقا معرفيا بجوانب اقتصادية وثقافية ودينية وتاريخية، وحفرا في التاريخ السياسي للبلد، والمنطقة ربما.
اما مفهوم المحكمة العليا، واستقلالية القضاء والادعاء العام وعلنية المحاكمة ومحامو الدفاع، فتقارن مع تجارب ديموقراطية لم تشهدها المنطقة. انها تحيل فورا الى محاكمة رئيس دولة، ومحاججة رئيس مخابرات، وتوجيه أصابع الاتهام الى نواب وزراء ورؤساء محاكم لأنظمة ملفقة، ثم كشف المستور في السجون العربية وما يجري فيها من تعذيب واهانة لكرامة الانسان ووحشية تمارس في الزنازين وأروقة اجهزة الأمن والمنظمات الحزبية من اغتصابات وقتل وفرم للجسد البشري وتلذذ بآلام البشر.
البداهة المعروفة هي ان النظام العربي قائم على سرية ما يجري فيه، سواء في السياسة او الأمن او ميزانية الدولة، اذ ليس هناك من رقابة على كل ذلك، طالما كان الرئيس هو القائد الأوحد: كلمته قانون، واشارته، لا ترد، وبقاؤه دائم. ومن هذه السلة تخرج وزارة حقوق الانسان، تراقب ما يجري في السجون والمعتقلات، وتخاطب وزارات ودولاً ومحاكم، وتتسلم ملفات عن محكومين غيبوا ظلما، او تعرضوا للضرب والاهانة، او قتلوا في ظروف غامضة.
ومصطلح حقوق الانسان ادخل في الدستور الجديد، واعتبر ميزانا لكل حكم يصدر او سلوك تمارسه القوى الأمنية. ومن فقرات الدستور العراقي الجديد تلك القائلة ان أي قانون لا يصدر اذا كان يتعارض مع حقوق الانسان. جاءت هذه الفقرة بعد فقرة مهمة اخرى تقول: يجب ان لا يشرع أي قانون يتعارض مع الشريعة الاسلامية. ومن هنا على المشرع القادم ان يجد منزلة بين المنزلتين في الأحكام، وهذا اصعب ما ينتظر المشرع العراقي في السنوات القادمة. مفاهيم مثل الجمعية الوطنية، ومجلس الرئاسة، ورئيس الوزراء، والمحكمة العليا، والصحافة الحرة، ومجلس القضاء الأعلى، لم تعد نافرة في الآذان.
كلمات مثل الحزب والجبهة والائتلاف والتحالف والمجلس والحركة والتيار، خرجت بجدارة من معطف مصطلح واحد اسمه الحزب القائد. لقد تناءى هذا الأخير عن فضاء المجتمع، وغاب من الأذهان، وتحول الى احفورة في متحف الأفكار، لا يهم سوى الباحثين في تاريخ العراق الحديث، وخاصة العقود الثلاثة الأخيرة منه. خلال تلك العقود شاعت اهزوجة في المظاهرات تقول: صار الشعب شدّة ورد والريحة بعثية. لقد استعيرت تلك الفكرة من قبل عدد من السياسيين المحدثين، بعد التغيير، ولكن بطريقة اخرى: صار الشعب شدة ورد والريحة عراقية. طبعا البون شاسع بين هذا وذاك، فتجيير المكونات العراقية الى حزب واحد، يصادر التنوع السياسي والقومي والطائفي. غير أن التصور الثاني للشعب يسعى، بشكل ما، الى تغليب المواطنة على التسميات، سواء كانت سياسية او اثنية أو دينية.
وكون تغيير الصفحة في التاريخ العراقي وطيّها، تم على ايد اجنبية، عبر جيوش مدججة بأحدث الأسلحة، ولدت من رحم تلك التغيرات مقاومة ذلك الوجود. هنا دخلت القاموس مفردة العبوة الناسفة، والسيارة المفخخة، والرمي العشوائي، والقنص، والريموت كونترول، والانتحاري، والمجاهد، والمقاوم، والسلك. رافقت تلك الفوضى حركة واسعة من السلب والنهب والاختطاف والاغتيال والرهينة والكمين والمخبأ والمعسكر السري، وهذا أحال الى جيش الاسلام وأنصار السنة وقاعدة الجهاد في بلاد الرافدين والزرقاوي ومعتقل ابو غريب وبوكا والجادرية والميليشيات المسلحة والعناصر الارهابية والسيارات المفخخة وعلي بابا. جرت تلك المفردات على السنة الناس في باصات النقل، والمقاهي، والمتنزهات، والندوات، والحوارات المتلفزة، او المنشورة في الصحف، علما ان لكل مفردة تفسيرات تدل على وجهات نظر وآيديولوجيات ومناطق وطوائف وأديان. ورغم هذا الدرع المسلح الذي لبسه البلد، احتلالا وارهابا ومقاومة، لكن حركة المجتمع المدني درجت على السير والتطور والنمو.
ومن بين زرد وأشواك وصفائح وشفرات، انبثقت من اتون الحرائق والانفجارات منظمات المجتمع المدني، نمت وترعرعت في تربة لم تألفها. بلغت في بداية التغيير اكثر من ثلاثة آلاف منظمة، تختص بكل منحى من مناحي الحياة: منظمات للبيئة والطفل ومعوقي الحروب والأسرى والمعتقلين والمعوقين والمحامين والشعراء والأنصار والسينما والمسرح والمرأة والعاطلين عن العمل والعجزة والمغتربين ومحاربة التلوث وأنصار نهر دجلة والسلام الأخضر وغير ذلك الكثير. كل منظمة تمتلك برنامجا وعلاقات محلية او عربية او دولية، وتطمح الى كسب انصار وناشطين. ومنظمات المجتمع المدني ظاهرة جديدة في الواقع العراقي، وترفض أي هيمنة او وصاية عليها من قبل الحكومة.
هناك منظمات مجتمع مدني من الفقر بمكان بحيث انها تعقد اجتماعاتها في المقاهي، او البيوت. بعض منها لا يتجاوز اعضاؤها عدد أصابع اليد. وهناك منظمات رفضت قرارات رئاسة الوزراء بحلها، فتمردت وظلت تمارس نشاطها، مديرة الظهر الى كل سلطة رسمية، منها اتحاد الأدباء والكتاب، ونقابة الصحفيين والمحامين. فوق ذلك تكونت منظمات ليست تابعة للمركز، مقراتها في اقليم كردستان او المحافظات البعيدة. الاستقلالية كلمة تمارس على الأرض، ولا احد يستطيع ان يجبر منظمة او فردا على الانتماء لهذا الحزب او ذاك، في ظل غياب أي رقابة على التجمع والتنظيم والنشر والتظاهر. شخص واحد يقوم بتوزيع نشرته الخاصة في شارع المتنبي، يروج لترشيح نفسه الى رئاسة الجمهورية، وفي الشارع ذاته شاعر يبيع قصائده المصورة للمارة وحسب الطلب: قصائد حب وقصائد مدح، وقصائد رثاء لقريب مات، وهو من خلال هذه البضاعة يمكن ان يحصل يوميا على ما يقرب العشرة دولارات يفلح من خلالها في تدبير قوته اليومي.
وكما انبثقت منظمات مجتمع مدني من الفراغ، تناثرت المهرجانات في المحافظات، لتوكيد هوية او تذكر شخص غيّب طويلا او رغبة في التجمع والتظاهر. الثقافة والفن والصحافة ليست من مهمة الدولة بعد اليوم، وليغن كل مغن على ليلاه، وهكذا تذكر الناس مصطفى جواد اللغوي، والسياب الشاعر، والقبانجي المغني، والحبوبي الثائر الشاعر، وتم بعث الرموز من رماد موتها الطويل لكي تغني مفردات الثقافة التي اصفرّت طوال سنين وسنين.
وظهرت من خلال تلك الفورة الاعلامية والثقافية مفردات جديدة فكان المراسل والفضائية والجريدة الأجنبية والوكالة الدولية. جاءت رويترز والاسوشسيت بريس ونيويورك تايمز والبي بي سي وسوا. جاءت العربية والجزيرة والأل بي سي وأبو ظبي وسانا. وحدث ان انفتح الفضاء العراقي على كل فاحص ومدقق وفضولي، فتردد دوي الانفلات الأمني، والمحاصصة، والحرس الوطني، والسي آي أي، والقافلة متعددة الجنسية، والحراس الأمنيين والصحفيين المختطفين، والمظاهرات، والمواجهات، التمرد والعشائر وقوات حفظ النظام والحراس الشخصيين والجدار الكونكريتي. كل ذلك على خلفية الانفتاح الاعلامي الكبير الذي مهد لعرس الانتخابات. والانتخابات اخرجت من أديمها مفهوم الثورة البنفسجية، وتعني ذلك الحبر البنفسجي الذي يغمس فيه الناخب اصبعه بعد الادلاء بصوته.
خلال سنة واحدة ادلى الفرد العراقي بصوته ثلاث مرات، وهذا اصرار غريب في بلد حكمته اعتى الديكتاتوريات لمدة ثلاثين سنة.
صندوق الاقتراع، المركز الانتخابي، الدائرة الانتخابية، مراقب الانتخابات، المفوضية العليا للانتخابات، المراقبون الدوليون للانتخابات، انتخابات الخارج، انتخابات الداخل، تزوير الانتخابات، نزاهة الانتخابات، شرعية الانتخابات، صار ذهن المواطن محشوا بهذه المترادفات، سواء كان مع النظام الجديد مثل احمد الجلبي، او رافضا له مثل أبي مصعب الزرقاوي الأردني.
حركة التاريخ تفرض نفسها، لا توقفها سيارات مفخخة او عبوات ناسفة، والتاريخ يتحرك على جانبه السيئ كما يقول ماركس مرة اخرى. لكن الحصيلة من كل ذلك ان المواطن العربي صار يمتلك خيار رفض هذا الحزب او ذاك، هذا القائد او ذاك، بل وصار لديه الخيار في ان يقاطع الانتخابات من أساسها، وله أن يرفض النظام الجديد سلميا، دون ان يجرجر الى دائرة الأمن. ومع كل خطوة الى الأمام، يصبح مستحيلا التراجع الى الخلف.
لذة المصطلحات الجديدة تتغلغل في الشارع والمقهى والبيت، وتوسع، قليلا قليلا، مساحة الحرية الفردية. وتوسع في الوقت ذاته آليات التفكير لدى الانسان.
في الماضي البعيد، أي قبل الزحزحة الكبرى للسور العظيم، كان ذلك الفرد المهمل يخشى من أي حرية ممنوحة، وبذلك كان يخشى من مغامرة التسميات غير المألوفة. اما اليوم فهو ينحت مصطلحاته ومفاهيمه بلذة.
انها اللذة في ان يبتكر لغة جديدة، في قاموس علاه الغبار.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة