المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

بغداد أقرب من حبل الوريد .. أسبوع المدى الثقافي في أربيل :إحياء أواصر قوضتها الكراهية (2-2)

رشيد الخيون

كان معرض الكتب واحداً من نشاطات اسبوع المدى بأربيل، لكن البيع تأجل الى اليوم الثاني، وهنا لا بد من حجز كتاب خاص بتاريخ الاخوان المسلمين، وكتاب تراثي خاص بآلات الطرب والملاهي، الا ان مدير المعرض استوعب قلقي، وعدم امكانية العودة فقدم لي الكتابين على حسابه الخاص. لم يبق على مغادرة اربيل الى السليمانية سوى يوم واحد ولا بد من جولة حول القلعة والمكتبات المجاورة لها، التي حصلت فيها على كتاب النخيل والتمور في العراق المطبوع ببغداد 1969 وهو اطروحة الماجستير التي دافع عنها، من قبل، بجامعة برمنكهام بانكلترا العام 1948 استاذ الجغرافيا بجامعة بغداد عبد الوهاب الدباغ ومن كثرة الاستخدام بدت آثار الايدي واضحة على غلاف وصفحات الكتاب، كذلك تعددت على غلافه الداخلي ملاحظات طلبة قسم الجغرافيا في كلية الاداب. وحصلت على كتاب ثمين آخر تحت عنوان "النقود في العراق" للدكتور ناهض عبد الرزاق القيسي (بغداد 2002) وعثرت على موسوعة تحت عنوان "موسوعة سرية بالحزب الشيوعي العراقي السري" اصدرتها شعبة التحقيقات الجنائية ببغداد، واصدرتها مطبعة الحكومة 1949، وكتاب "تراجم خطاطي بغداد المعاصرين" للخطاط وليد الاعظمي، اصدرته مكتبة النهضة 1977 الى جانب كتب اخرى خصت الدين الايزيدي، وصوفية جبال كردستان العراق. ربما فاتتني عناوين اخرى بين اكداس الكتب، وليس لاصحاب المكتبات علم بمحتويات مكتباتهم، فهي تشبه بضاعة "خردة فروش".
كانت ايام اربيل حافلة مع ادباء وشعراء وباحثين حال زمن طويل دونهم، وفرضت علينا اخبار العراق، خلال العقود الماضية، اوهاما حولهم، فالخراب كما نعلم عم كل شيء، لكنهم على الرغم من تناوبهم على قراءة نسخة من أي كتاب منسوخ، وتعايشهم مع الارهاب طوال تلك الفترة، وبيعهم مكتباتهم الشخصية، وحرمانهم حتى من آلة النسخ وآلة الطباعة اليدوية، او استخدام الانترنيت والستلايت ومفاضلتهم بين حليب اطفالهم وشراء الكتاب، إلا انهم لا يزالون قلاعا متماسكة الجدران من المعارف والابداع، واجمل من كل هذا وجدنا ولادات الثمانينيات وأواخر السبعينيات وقد نبحت في اجوافهم المعارف والقصائد، وتولوا سد فراغ ما فقده العراق من الصحفيين والكتاب والادباء، يتبعونك مثل ظلك من اجل لقاء وحوار، واهداء مجلة اشرفوا على تحريرها او مجموعة شعر بذلوا رواتبهم لاصدارها.
الشاعر والصحفي صفاء ذياب تعرفت عليه قبل ان اراه عبر الانترنيت، ولا يكل عن المطالبة برأي او حوار او مقال، ولد صفاء في زمن الازمات والحروب والجوع، الا انه ولد متعاليا على الاحزان، يضحك ويجازف حاملا مجلته "مسارات" يفاخر بها ليقنعك انت البعيد للكتابة فيها، مع ضمان حرية الكلمة، التي يتحمل هو فزعها ومضرتها.
الشاعر والصحافي حسام عبد السادة السراي، شاب عشريني، ولد بعد سنة من انفجار حرب الثمان سنوات، حقيقة يبرأ النظر في اصرار حسام على التغيير والحياة والعناد ببغداد من العلل والسقام، ويبشر بالجنة، عند حواره معي لجريدة الصباح دمعت عيني فرحا به واترابه الشباب، وبعد يوم ناولني قصيدة مهداة: الى الدموع الصادقة جاء فيها: لحى من دموع.. تلتمع بها صورتي الواجفة..
التعرف على امثال صفاء وحسام ينجي من السأم ويلوح برأي آخر لعراق آخر، غير ما سمعوا ويسمعون حول مآسيه.
كان الشاعر والصحافي محمد درويش يشكل ثنائياً مع الصحفي والكاتب المحترف في التحرير جلال حسن، ثنائياً يقتل من التعب بالسخرية من المعقول واللامعقول، ويكون الجدل اكثر جدية اذا انضم إليهما الصحافي والكاتب علي المالكي.
في المصعد الكهربائي بادرني رجل اسمر عليه كل اتربة مدينة الثورة ومتاعبها، قال: انت فلان! جفلت في البداية لخوف مزمن طالما كنا نسأل ببغداد عن اسمائنا بجفوة قلت: نعم، وكيف عرفت! حاول ان يبعد عني المفاجأة، قال: خمنت! لكن بعد التعارف ورفع التكاليف، قال: سألت عليك فتبعتك!
أمر يسر ويزرع الامل في ان السنين الطوال لم تستهلكنا الى حد غياب الملامح، ولم نتحاسد الى درجة انكار بعضنا بعضا، بل كانت الحروب التي نشرتها هنا وهناك هي وسيلة درويش وجلال لتجديد التعارف، جالست محمد درويش وزملاءه من ملاك جريدة المدى لساعات طويلة، خففت في داخلي من غلواء الخارج والاماكن المتمدنة، وأكذوبة الفارق الحضاري والثقافي، وجدتهم اساتذة ونحن التلاميذ، لانهم كان يعيشون الواقع ونحن كنا نقرأ فقط، ادركت هذا من حوار الكاتب والاسلامي المدافع عن الديقراطية والليبرالية توفيق التميمي، ومسؤول مجلة متبنية هذه الفكرة، وجدل على المالكي الذي يبدأه بفكرة اللا وجود لما هو موجود وعليك الاثبات، هذا ما دار حول نسبة كتاب "الشخصية المحمدية" للشاعر معروف عبد الغني الرصافي.
دخلت الى ورشة التراث الشعبي، فوجدت الحوار يملأ القاعة، واساتذة الفلكلور يقدمون اوراقهم، اخجلني الاديب والباحث باسم عبد الحميد حمودي عندما طلبت منه تقديم اسمه ونبذة عن سيرته، طمعا بمعرفته قال: أنا اعرفك أليس انت فلان! انزويت وراء الاوراق التي أمامي مداريا الموقف، فالباحث المحاصر والغارق في يوميات العنف والقسوة والارهاب والحروب يلاحقنا ليمد ما بيننا جسورا من المعرفة، برغم شحة ادوات الاتصال، ونحن ضيعنا ملامحه. أقول: كانت كلماته حافزا آخر الى الرجوع الى الواقع، وان العقل العراقي ما زال عامراً، قبل ان يشدني الى مداخلته "القرية الفلكلورية" بعد معاينة احوال العراق لا داعي للبحث عن محفزات الدكتور كاظم قيس الجنابي الى تأليف "معجم المجانين" وهو ماجستير في الوثائق والمخطوطات، ومشارك في ندوة التراث الشعبي، وبعد معاينة الضياع الوثائقي لا داعي ايضا لسؤال الدكتور عبد الجبار السامرائي عن مشروعه نحو موسوعة التراث الشعبي، او المركز الفلكلوري، ولا داعي في النظر لقلق الباحث رفعت مدهون الصفار على ما تبقى من اثر لخانات بغداد، وقبل ان اتعرف عليه بادرته: لك تحيات من الدكتور محمد مكية، ابن محلتك محلة صبابيغ الآل. سمع الاسم واردف متحققا: هل تقصدني ام تقصد رفعت الاخر. قلت له، وقد صبر علينا مدير الندوة الباحث حمودي: الست أنت مؤلف كتاب: محالة صبابيغ الآل، قال: نعم.. ان الرقابة منعت ذكر اسم المعماري محمد مكية لكني مررته عن طريق صديق، فكيف أتي على اعلام تلك المحلة ويسقط اسم مكية في هذا المضمار وهو خريج كلية القانون والسياسة، وذكر مالا يطرأ على بال الكثيرين من المهتمين ان أخاً للاب انستاس الكرملي (ت1947) وهو نابليون الماريني كان من اول المهمومين في هذا الطراز من الكتابة، وله كتاب تحت عنوان "تنزه العباد ببغداد".
قرأ الباحث كتابي "الاديان والمذاهب بالعراق" النسخة المزورة بإيران، وقدم لي ما فاتني من الرواية وما ارتكبته من تصحيف باسماء المحلات البغدادية وأمكنة المدافن، وما شوهته تلك المطبعة، الا ان أدبه الجم جعله يتردد في تقديم تلك الملاحظات الثمينة، فقدم للامر عن طريق ريا احدى المسؤولات عن تنظيم اسبوع المدى الثقافي، ذات الشخصية القوية والتعليقات الشجاعة، التي لا تقل عن رسائل تعليقات الرصافي، وجدته كتب في الرسالة "عذرا لجرأتي". وما ان تسلمتها واطلعت عليها، حتى بحثت عنه في اروقة مؤتمر المدى وطلبت منه ان لا يبخل في ملاحظة كتبي الاخرى وما اكتبه، واراه درسا في التقليل من غلواء الاعتقاد بشحة العراق من تقنية البحث التي دأبت عليها: كوركيس عواد، وميخائيل عواد، وجواد علي، وعلي جواد الطاهر، ومصطفى جواد وغيرهم من الاكابر.
كان اللقاء حافلا بالوجوه التي لم تبخل في التذكير، وايجاد اسباب الوصل قبل المواجهة للمرة الاولى في اربيل، احفظ للكاتب نعيم عبد مهلهل متابعته لما كتبت، وتذكر شواطئ منطقة تقاسمنا العيش عليها قبل بلوغ سن التعارف وتكوين الصداقات حيث الاهوار في منطقة الجبايش، وتقاسمنا ايضا الذود عن فئة تعد اثرا من آثار العراق الحضارية، جماعة تضاهي الرقم والالواح في قدمها، انهم الصابئة المندائيون. لا يزال نعيم مقيما في الناصرية ما اقام عسيب، ويعمل في ادارة التربية، التي فارقت مدارسها قبل اكثر من ثلاثين عاما. قال حزينا: لم يبق من شارع الحبوبي او عكد الهوى غير تلاطم الاتربة بالمياه الجارية في مجار عارية، وكأنه ليس ذلك الشارع المحلى بالمصابيح الملونة وبزفة الناس الحلوين، وهو غير ما كان يراه الشاعر مجيد جاسم الخيون: يا شارع الحبوبي شكثر داست عليك جدام (أقدام) ترفة.. ويا حمام مكلش ويلكاع زفة"
تعرفت وجها لوجه للمرة الاولى عبد الزهرة زكي، الثقيل البدن والخفيف الروح، وكان احد الراعين لخمسمئة ضيف، وما بينهم من تفاوت النوازع والمزاجات متفاوتة. صبر زكي على الكثير من الملامات، لكنه طفح غيظا عندما ضاق احدهم بسبب غير معقول، وهو فوضى استلام الحقائب في سد دوكان، فعير القادمين من بغداد بأنهم من مرتدي الخاكي او الزيتوني، وهي اشارة الى النظام السابق، قد يصدرون جريدة لكنهم لا يحسنون اقامة مهرجان، وكان صاحبنا من المتعالين والواهمين انه لم يكن من المتزينين بالزيتوني لو فاتته فرصة الهروب من دولة البعث، لحظة من العصبية وعاد زكي تسبقه براءة طفل معتذرا ومقبلا جبين صاحبنا، أبدى الكاتب ومحرر المدى الثقافي قاسم محمد ضيقه من اعتذار زكي وانه لم يذنب بحق احد، لكن صاحبنا المخرج السينمائي أقسم بتعال آخر انه لن يلبي دعوة أي مؤتمر آخر تقيمه المدى،وسط ابتسامات الاخرين. فالرجل لم يقدم ولم يؤخر في الاسبوع فلم كل هذا الغرور، ارى ان تعثر حمل الحقائب قياسا بتحمل عبد الزهرة زكي وقاسم محمد وكادر المدى لمزاجات ثقيلة، مع عملهم الصحفي المتواصل من غرف الفنادق، يبدو لا شيء.
وكان الاسبوع مناسبة للتعرف وجها لوجه ايضا على شباب وكهول: القاص علي عبد العال، والسينمائي ليث عبد الامير، والمعمار خالد السلطاني، ومن بغداد: الاديب مالك المطلبي، وعاودنا الوصل بالشاعر الفريد سمعان، والشاعر عريان السيد خلف، والكاتب سامي شورش، والكاتب فوزي الاتروشي.
غادرنا اربيل وفي الذاكرة تفاصيل اسافل قلعتها ودارها الجبلي، وما حوته ضاحية عينكاوة من حياة متمدنة، وزاهية بالشباب، ضاحية بدت آمنة لا تنام الا بعد الثانية من منتصف الليل، شبابها يتحلقون حول تلفزيونات مقاهيها وفي حدائق انديتها، هالني مشهد حراس كنائسها، وهم يجمعون بظروف طارئة، بين صورة عيسى ووالدته وبين البندقية، بدت بين ازاهر حديقة الكنيسة فتاة لا تربو سنواتها على الخمس عشرة، اشارت عيناها الى ماض سحيق يتعلق بطقوس ووئام بل مماهاة مع المكان المقدس، علقت الصليب على صدرها اجد الكثير من ملامحها في كتاب "الديارات" لعلي بن محمد الشابشتي (ت388هـ).
كان الطريق الى السليمانية عبر كويسنجق، والجبال الشاهقة التي ما ان تنهض السيارة على سفح احدها حتى علت الى ما هو أعلى منها، تنظر الى الوادي وكأنك محلق في طائرة، وقفنا على جانب الطريق للاستراحة، اشار الصحافي علي المالكي الى رصاصة عملاقة نابتة في الطين، تناولتها بحذر واخذت الاراء تختلف بتعيين جنسها: هل هي من عتاد مقاومة الطائرات ام اطلاقة مدفع رشاش.. الخ.. نظفتها بيدي من الصدأ والطين وحملتها معي، آملا حملها الى لندن، لعلها تنفع جزءا من شهادة حية على زمن الحرب، خبأتها في جيب السترة، وما ان مررت تحت جهاز الفحص حتى اشاروا عليّ بالتوقف لتفتيش السترة، وقد راع المشهد موظفي مطار السليمانية الدولي، سلمت لهم الاطلاقة الفارغة والصدأ يحيطها، وبعد الفحص حاروا في أمرها، بين السماح بحملها كونها مستعملة وبين منعها خشية من المسؤولين امام مطار عمان حيث السفر الى لندن، اخيرا اخذت بنصيحة الكاتبة فاطمة المحسن: دعها فربما تسبب لك متاعب اخرى.
نزلنا بناحية دوكان، حيث السد الشهير بالعراق، ويعد من اعظم سدوده، نشأ على نهر الزاب الصغير او الاسفل في الخمسينيات ضمن خطط مجلس الاعمار في العهد الملكي، وانجز العام 1959. ومن منافعه، توليد الطاقة الكهربائية، وتزويد نهر دجلة عند موسم الصيهود، وتربية الاسماك، ومآرب اخرى، يطل مصيف دوكان على السد مباشرة، وحوله طبيعة تعد من جنان الدنيا، واجواء هادئة لا يفيق متأملها الا على زغردة العصافير او حفيف الاشجار وروائح الورود، اشاروا الى دار الرئيس جلال الطالباني، قبل ان يكون رئيسا على مرتفع آخر يقابل دار الاستراحة. وقيل في معنى دوكان، انه سلسلتان من الصخور او حسب توفيق وهبي انه بالاصل معبر دوكان، وكان محل مكس الدخان، أي استيفاء المكس، فيقال: دوخان كردن وهناك رأي آخر يقول: ان الاصل دوكنيان أي عينا الماء، وانقلب الاسم الى دوكان (بابان، اصول اسماء المدن والمواقع العراقية).
واستمر اللقاء مع الرئيس جلال الطالباني اكثر من ثلاث ساعات، تحدث خلالها عن وجوه السياسة العراقية كافة، وبين الحين والاخر كان يسرب معلومة او راي يتداركه ثم يلتف عليه برأي وفكرة او نكتة سريعة، قال: يقول اعداؤنا ان المعارضة العراقية خرجت من علب الليل في العواصم الاوروبية، فقلت لهم: الله اكبر اذا كنا نحن الافندية خرجنا من علب الليل، فما هو موقف السيد محمد بحر العلوم الذي لا تفارقه عمامته! وعندما نظر الى الضيوف المصريين استرسل بالحديث عن محمد مهدي الجواهري، وما قاله بمصر، وذكر به الرئيس المصري، تعقيبا على ما قاله الاخير في ولاء الشيعة العراقيين لايران، فرد عليه مبارك: دَ شعر كويس! بعد ان أنشد له:
يا مصر تستبق الدهور وتعثر
    والنيل يزخر والمسلة تزهر
وبنوك والتاريخ في قصبيهما
    يتسابقان فيصهرون ويصهر
جلال الطالباني متحدث جيد، امتلك فن الاسترسال وتسلسل الافكار، يغذي حديثه بطرائف تذهب ملل الساعات، فلما سألته احدى الحاضرات عن سوء اداء عدد من السفارات العراقية، قال: قالوا للجمل لماذا رقبتك عوجاء؟ اجابهم: وهل في جسدي عضو صحيح حتى تسألوني عن اعوجاج رقبتي؟! فالعراق كله خرج للتو من رقبة نظام متخلف وعنيف ليدخل الازمات المتلاحقة، وما تعرضه اجهزة الاعلام من مشاهد فظيعة. ولما سئل عن قبول قوات عربية تشارك في استقرار الوضع الامني، أجاب سريعاً: الدول العربية تبخل بسفير علينا اترون انها تبعث بقوات تدافع عنا؟.
ليس لدى جلال الطالباني من اجابة على من سأله حول اوضاع الثقافة والمثقفين غير القول: لو كان بيدي ما نصبت مدير شرطة وزيرا للثقافة، وكنا طلبنا من مبدر الويس، وهو من التيار الناصري الضئيل بالعراق، ان يرشح لنا وزيرا للثقافة، أتانا بنوري الراوي، ونحن نعلم انه من الشرطة لا من المثقفين، وبالفعل كانت الفجوة شاسعة بين الوزير والمتوازر عليهم، لذا حاول الراوي في كل مناسبة او اصطدام بالمثقفين أن يتنصل عن مهامه، ويختزل الجهد الثقافي بمقارعة الكأس والتسيب والتصعلك، من دون ان ينظر الى الجهد الثقافي ودور المثقف، والعقدة ان هؤلاء لم يعترفوا به مثقفا، وهو الوزير.
في حديث الطالباني المفتوح والمباشر طمأنة بما يتعلق بحل الميليشيات، وحصر السلاح بيد الحكومة حيث وقال: ان العراق رقم غير قابل للقسمة، حيث ان الكرد جزء من الحل لا جزء من المشكلة، وما تعني الفدرالية لا تعني سوى التوحيد، عندنا سبعة انهار، وفي كل شبر بئر نفط، وبامكاننا تحويل العراق الى يابان الشرق الاوسط.
قبل ان تسمى بالسليمانية كانت المنطقة الكردية تعرف بشهرزور، وتتبع كركوك، وكركوك بدورها تتبع الموصل في العهد العثماني، وقد اختلفت عليها الحكومات: ايرانية صفوية وتركية عثمانية وامارات كردية. أسس السليمانية الحديثة ابراهيم باشا بابان نحو 1785 ميلادية 1200 هجرية، وهو من زعماء قبيلة بابان المعروفة، والتي مالت الى العلوم والاداب بعد حروب طويلةخاضتها شرقا وغربا، والاسم يتعلق بأول امراء بابان وهو سليمان بن ماودو (نحو القرن الثاني عشر الهجري) او سليمان آخر، فقد تكرر الاسم في الامارة البابانية، (راجع عباس العزاوي، شهرزور السليمانية اللواء والمدينة) ومن اسرة آل بابان تولى احمد مختار بابان رئاسة آخر وزارة في العهد الملكي بالعراق.
يتوسط مدينة السليمانية تمثال مؤسسها ابراهيم بابان، تقابله في الضفة الاخرى من الساحة، حيث مدخل السوق المركزي، جدارية كبيرة للشيخ محمود الحفيد، الذي حاول ان يكون ملكا بالسليمانية وبشهرزور كافة، الا ان الانكليز نفوه الى الكويت ومناطق اخرى وانتهت ثورته، ومما ذكرته لي الشخصية الكردية المعروفة ابراهيم احمد المتوفى أواخر التسعينيات من القرن المنصرم، ان الانكليز وافقوا للشيخ الحفيد ان يصبح ملكا على جنوب كردستان
أي كردستان العراق- ومركز السليمانية واشترطوا عليه ان يخضع في الصغيرة والكبيرة للمندوب السامي البريطاني، وما كان من الحفيد الا ان يأتي في اليوم التالي ويقترح على الانكليز ان يكون هو المندوب السامي والمندوب يكون ملكا.
السليمانية مدينة مفتوحة جغرافيا واجتماعيا لا يحجز وسطها حاجز مصطنع او طبيعي عن فضاء الوديان والجبال، عريضة الطرقات، وتجد فسحة في قلوب أهلها وعقولهم، فتيات يتسايرن سافرات، والمارة لا يتحارشون بالنساء مهما ارتدين وتزين، في اوقات الصلاة تجد المساجد ملأى والطرقات والاسواق ملأى ايضا. وطبقت فيها قوانين اجتماعية حضارية بما يلزم بقانون الاحوال الشخصية العراقي رقم 88 لعام 1959، وقبل تشويهه من قبل دولة البعث.
شاهدت في الصندوق الزجاجي، امام دكان لبيع الفضيات والتحفيات صحن شاي نقشت عليه صورة الزعيم عبد الكريم قاسم، سألت صاحب الدكان عن سعره، قال: ليس للبيع؟ قلت: تعرض بضاعة ولا تبيعها، قال: هذه ليست بضاعة انها حاجتي الشخصية افخر ان شريفا مثل هذا حكم العراق، ولم ار له مثيلاً، كان الرجل الكردي يتكلم العربية بما لم نلاق صعوبة في فهمه،ويعتمر على رأسه ما يشبه عمائم او جراويات السادة النقشبندية: زرقاء مزركشة. حاولت معه لشراء الصحن بما يطلبه من سعر، الا انه ضحك لطلبي، وقال: ليس كل شيء يباع، وهذا الصحن مما لا يباع!
ولا يزال الكتاب العربي رائجا بالسليمانية قال لنا، انا والشاعر صلاح نيازي، احد المكتبيين: القراء هنا يقبلون على شراء الكتاب العربي، وان اكثر مصادر طلبة الجامعة والباحثين هي الكتب العربية! وكان يتحدث بلغة عربية طليقة، صادفت زيارتنا وجود معرض للكتاب في قاعة العروض الكبرى، وباسعار ليست زهيدة، لكن هناك تخفيضا يصل الى الخمسين بالمئة، واغلاها هي الكتب المصرية برغم رداءة طباعتها، او كم تبدو زهيدة بمصر نفسها، فالكتاب المعروض في القاهرة بما يعادل دولارا ونصفاً او دولارين يباع في السليمانية بعشرة او اثني عشر دولارا. ومع ذلك هناك اقبال لافت للنظر على شراء الكتاب.
حلت ادارة السليمانية ما عجز عنه بول بريمر ومجلس الحكم، من ايجاد بديل علم دولة البعث، وما نقش عليه صدام حسين من حروف ركيكة لعبارة مقدسة "الله اكبر". فالاسلاميون لا يودون حذف العبارة وان كانت: كلمة حق يراد بها باطل عندما نقشها صدام على العلم العراقي، وليس هناك من فرصة للاتفاق على علم جديد مناسب للتغيير، لذا ظل العلم كما هو في دوائر الدولة العراقية، الا اقليم كردستان العراق، ففي أربيل رفع رئيس الاقليم مسعود البارزاني علم الجمهورية الاول، الذي اعتمده عبد الكريم قاسم بعد تموز 1958، وكان مناسبا لكل اطياف العراق، ويرمز الى تفاصيله الجغرافية والسكانية والحضارية، ويبدو كان وراء رفع ذلك العلم في افتتاح اول برلمان بعد سقوط دولة البعث تقدير مسعود البارزاني لشخص عبد الكريم قاسم فلم يتأخر عن نقد حزبه في التقصير مع عبد الكريم، حتى قال عنه في مقابلة مع جريدة الحياة: انه انزه قائد تسلم السلطة في العراق، وهناك من روى ان الصحافي والكاتب المعروف حسن العلوي ساعد في انضاج الفكرة، اما السليمانية فأوجدوا الحل الوسط فقاموا برفع علم الدولة العراقية بعد حذف نقشة صدام حسين، ومن تحت هذا العلم مررنا لنأخذ الطائرة الى عمان، مع عودة القلق من اهتزاز طائرة الخطوط الجوية العراقية، وما ترسخ في الذاكرة من جثوها على الارض طوال خمسة عشر عاما.


مجلات

عمــــــّان .. الشمعة الرابعة عشرة

صدر العدد الجديد (131) من مجلة (عمان) في الذكرى الرابعة عشرة لصدورها عن امانة عمان الكبرى بافتتاحية لرئيس تحريرها عبد الله حمدان تدعو لاستمرار البناء الثقافي في العالم العربي برغم كل ظروف تهميش المثقف، وقد احتوى العدد الجديد على اسهامات في النقد والقصة والشعر حيث عرض محمد بو دويك الاعمال الشعرية الكاملة لمحمد الاشعري وكتب محمد الاشعري عن آليات التجديد في الرواية العربية، ونبيل سلمان عن (تطور النقد السوسويلجي) وطراد الكبيسي عن ديوان علي عبد الله خليفة (في وداع السيدة الخضراء) و د. قادة عقاق عن (التأسيس الشعري للمدينة) ودراسات اخرى.
حوى ملف الشعر مطولة شعرية لخالد ابو حمدية بعنوان (الوقوف على حد التفاصيل) فيما نشرت القطرية نورة محمد فرج قصتها (ارباب الشعار) وعرضص يحيى القيسي فيلم الشهر (ميونيخ) للمخرج سبليبرغ.

التراث الشعبي

العدد الجديد وهو الثاني لهذا العام من المجلة الفولكلورية العراقية الرائدة (التراث الشعبي صدر حديثا وحمل في افتتاحيته التي كتبها قاسم خضير عباس نائب رئيس تحريرها ودعا فيها الى انشاء هيئة وطنية للتراث الشعبي العراقي واعادة عضوية العراق الى مجلس الحرف العالمي والى مركز التراث الشعبي لدول الخليج وشملت دراسات العدد (التنظيمات الحرفية في العراق العباسي) للدكتور صباح ابراهيم الشيخلي و(آثار التقاليد العربية الاخلاقية) في حكاية شعبية للدكتور داود سلوم و(الشعر والتأثيرات الشعبية) للدكتور محمد حسين الاعرجي و(شعرية الصمت) للدكتور قيس كاظم الجنابي و(السنونو صديق العراقيين القديم) لحسن عبيد عيسى و(جحا بين الحقيقة والخيال) لرفعت الصفار و(الحمام في التراث) لسالم الالوسي و(المرأة العراقية بين المدينة والريف لحسين حاتم الكرخي و(عن طرائف برقيات ايام زمان) لفخري القصاب و(موصليات) المثري العاني واخرين اضافة الى ابواب المجلة الثابتة: شخصيات حكايات شعبية -من تراث الشعوب- معجم العقائد والخرافات.

تواصـــل في عـــــددها الخامس

العدد الجديد -وهو الخامس- من مجلة (تواصل) جاء كالعادة حافلا بالجديد في عالم الاتصالات والاعلام فقد كتب د.سليم الوردي دراسة حول ما يسمى بخصخصة الثقافة) دان فيه هذا المصطلح الذي يشي بالعداء لكل ما هو ثقافي برغم الصورة المبهرجة التي وضعت له داعيا الى توفير ثقافة ديمقراطية، وكتب دانيل ستانتون عن (العراق من مرحلة الزحف الى مرحلة الوثب) وكتب مازن يوسف عن مزايا شبكة الانترنيت باعتبارها (فضاء ارحب لنمو السلطة الخامسة) وكتب سعد سلوم عن (التكامل بين اضلاع مثلث الحق) ونشرت تواصل لـ(دون توتيع) استطلاعا عن صحيفة تصدر في لندن يحررها سلام الخياط وليلى البياتي وسعود الناصري بعنوان (الابيض) باربع صفحات وعنوان الاستطلاع (صحيفة بحجم حبة الاسبرين) ونشرت تواصل مقالة ديفيد راندول بترجمة امجد حسين عن (لغة الكتابة الصحفية) وكتب رياض عبد الكريم (الشعب أولا وقبل كل شيء، فيما ترجم رضوان كاظم عزيز دراسة حول (غزو قراصنة الكومبيوتر) وكتب احمد السعداوي تحقيقا جريئا عن (الكـأس العراقية نصف المملوءة) اضافة الى ابواب ومقالات اخرى للمجلة ساهم فيها عبد الكريم العبيدي - وعبد الرزاق الربيعي- واحمد خضير- ومحمد درويش علي وآخرون.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة