المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

احمد الصافي النجفي وما إليه

د. سهام جبار هاشم
وصف شعر الصافي النجفي بانه شعر تشرد وبوهيمية وطواف، وانه ساخر متهكم طريف عابث وما الى ذلك مما يمكن عده سمة من سمات شعر الصعلكة في الشعر العراقي المعاصر، هذا الشعر الذي لم تكن نصوصه متماثلة شكلا وطرائق تداول وانتشار، ولم تتخذ فيه ادوار او وظائف اجتماعية واحدة في دائرة التلقي فعز تناوله وتباين الرأي فيه، ولم تحدد حتى مواطن التأثر به -
ان كان ثمة تأثر - او لم يدرك بوصفه مصدراً محتملاً من مصادر التأثير في شعر الصعلكة - ان كان كذلك - عند شعراء من اجيال كتبت قصيدة النثر متهمة باعلان التمرد والرفض للخنوع والامتثال.
والاسئلة التي يمكن ان تراود المهتم في هذا المجال، هي:
لماذا اهمل نموذج الصافي النجفي بوصفه خارجا على سياق المألوف المتقبل في عصره ضمن شكل القصيدة التقليدية ذات الشطرين؟
هل قرأ شعراء قصيدة النثر الجدد تراثهم الشعري ضمن المرحلة المعاصرة نفسها؟ ام انهم اكتفوا بما اتجهوا اليه من الشعر (المستورد) من الغرب مما جعلهم اميل الى تبني اهدافه الشعرية واساليبه من دون الوعي بالضرورة بالحاجة الى هذه الاهداف والى تحقيق هذه الاساليب؟ وهل تمثل هؤلاء الشعراء بالفعل تجارب شعراء الغرب ولاسيما في ما نحن بصدد الحديث عنه هنا شعر الصعلكة او شعر البوهيمية والتشرد والطواف؟
لسنا على اية حال في معرض الاجابة عن هذه الاسئلة لكننا في الاقل ننبه الى ما مثل اغراء في الممارسة الكتابية لهؤلاء الشعراء، انه اغراء الاخذ بما هو خارج المتن من طموحات نظرية وممارسات حياتية جذبت انظار الشعراء الشبان متأثرين بالنموذج الرامبوي لا بوصفه الشاعر الرائي، وانما بوصفه الانسان البوهيمي المتسكع. بالنتيجة ما حققه هؤلاء الشعراء يمكنني عده اميل الى نموذج الصافي النجفي بطرافته وغرابته وضحكه وتنقله من نموذج شاعر الاشراقات الغائص في المجهول والابدية رامبو.
********
يمكن تبين نموذج الصافي النجفي في شعر الصعلكة والتشرد والطواف اولا من خلال الهجوم النقدي الذي وجه اليه بوصفه شعرا غير جاد، غير منتم لمركزية الفكر العربي المتجسدة في القصيدة التقليدية ذات الاغراض الشعرية المتوارثة التي يمثل وجهها الايجابي الجواهري في حين يعد الصافي النجفي الوجه السلبي لتيار هذه القصيدة كما يقول احد النقاد وذلك لاسباب هي : أ. غرابة موضوعاته "فالشاعر يكتب في أي موضوع يخطر على بال انسان وربما لا يخطر في هذا العصر" وغرابة عناوين قصائده، ب. انه (شاعر ظريف وفكه وساخر له نظرات في العيش والحب والزواج والناس والسياسة يخالف في اغلبها ما اتفق الناس عليه)، وهكذا فالمطلوب من الشاعر الا يخالف افق التوقع المنتظر من متلقي الشعر التقليدي انذاك بل ان ينسجم معه تماماً.
ان ما يؤخذ على هذه القراءة ليس انها تترجم الوعي القائم لمرحلة تاريخية كبيرة من شعرنا العراقي المعاصر وانما تواطؤ هذه القراءة مع الدعوة الى التماثل والتطابق في تنميط الكتابة الشعرية وعيا ورؤى واستجابات و آراء نقدية.
وليست هذه القراءة هي الوحيدة في هذا الشأن، بل ثمة نزاع ظاهر بين الشاعر ونقاده تمثل في استهجانهم حريته في ما يكتب وتخففه من الزخرف البلاغي والتزويق اللغوي الفخم المتعالي، وانه كما قال احد نقاده (لا يحيا في العصر بل يحتضر على هامشه).
ان هذا الاختلاف مع السلطة الاجتماعية التي يظهرها التداول الشعري انذاك يظهر واضحا في تعالي هذا النقد مع مركزية تقليد الماضي التي تسعى الى المعلوم لا المجهول والتي ترفض أي هامش على هذا المتن، ولم يكن الصافي إلا خارج المتن في عدم تمتعه باي استقرار اجتماعي او اقتصادي وفي تشرده خارج العراق وقد غير بيئته وعاش في لبنان في اكثر من مدينة فيه، وكان سكنه المقهى واسرته الاصدقاء والخلان من الادباء.
لا يعني ذلك ان شعر الصافي يمثل ابتكاراً خلاقاً ضمن الابداع الشعري العراقي، اذ انه لم يخرج عن الفطرية لا بوصفها توهجاً حداثوياً خارقاً وساعياً الى لحظة براءة حرة من سياق الجاهزية والتلقين، وانما الفطرية المستمدة من حياة مضطربة مشوشة لم تجعله متحكماً في توجهه الشعري بقدر ما كان محكوماً بهذا القدر من البوهيمية والضياع، لذلك ليس غريباً انه لم يفلح في تقديم وجهة نظر او رؤية او فكر نظري داعم لاتجاهه الشعري، بل لم يفلح في الاجابة بنضج ووعي عن ما يطرح عليه من تساؤلات من باحثين ونقاد ومهتمين، وان كانت آراؤه مبثوثة في قصائد كثيرة له حول الشعر والنقد وما اليهما.
لكنه بين هذا وذاك قدم شعراً حياً دالاً على موقف شخصي وخاص اختار ان يكون هازلاً، ضاحكاً، عفوياً، صادقاً، فالتاً من قيد التطابق مع الآخرين، حتى ان ناقداً مثل الدكتور جلال الخياط يصف الصافي بانه شاعر في ذاته اولاً مانحاً نفسه الحرية الشعرية ويقصد الى العفوية منصرفاً عن الجد والتزمت الى الطرافة والبساطة.
ومن جانب آخر افسر مؤاخذات النقاد عليه
مارون عبود مثلاً في رفع الصافي الكلفة عن اللغة بانه يفعل ذلك متعمداً منساقاً مع رغبته الخروج على القواعد والتقاليد التي تمثل سلطة الآخر المهيمن متجلياً بالنظام اللغوي الذي يقتضي الانزياح عنه ربما بمفهوم جان كوهن مع التحفظ على انه لم يكن مثالاً باهراً على هذا الانزياح.. الا انه يصدق عليه في خروجه الجزئي المحدد بمقتضيات عن تقليدية الشعر العربي الرصين.
***
- هل يمكن النظر الى مشابهات بين شعر الصافي النجفي وشعر الصعاليك في العصر الجاهلي؟
- هل يمكن النظر الى مشابهات بينه وبين شعراء قصيدة النثر المنهمكين منهم في اليومي العابر والنكتة السريعة والمفارقة الضاحكة ممن برز في القصيدة التسعينية ناظرين مثلاً الى قول الشاعر عبد الامير جرص في احدى قصائده (في مأتم عمر بن ابي ربيعة، قرأتُ سورة النساء..)؟
- هل تنتمي هذه المشابهات الى نوع من طبيعة سوسيولوجية للانسان العراقي الهازل الجاد، الساخر والمتماهي نصه الشعري مع سيرته..؟
اسئلة مطروحة للنقاش حقاً.
لعل الصافي والشعراء الصعاليك في الجاهلية كلهم دفعوا السوء برد فعل هجائي، فان لم يمتشق الصافي سيفاً كصعاليك الجاهلية الشعراء فانه جاء بسلوك مشابه في الخروج على سلطة المجتمع ملتزماً الطابع الهزلي وسيلة للدفاع بجعل الضحك او الاضحاك سيف هجاء، والاصل في الضحك الهجاء كما جاء عن ارسطو، يقوم الضحك عند الصافي بدوره الهاجي للمجتمع وقانونه، وكما يرى برجسون فان للضحك وظيفة اجتماعية.
ان المضحك في شعر الصافي ظاهر من انه لم يستسلم للتعامل مع المعاني القبلية التي هي معانٍ جاهزة في القصيدة التقليدية قصيدة المديح والهجاء والفخر والبطولات والعظمة، لقد هدم الصافي هذه القدسية والفخامة المتوارثة في سياق ان الشعر ديوان العرب بل بلاطه وجاء بقصائد ساخرة يحتشد فيها اليومي مما هو موجود في واقع الحياة واشيائها، لقد استبدل القيم الكبرى التي تنحو اليها القصيدة التقليدية بقيم اخرى تمس حياته وموجودات بيته ومجالسيه في المقهى وانواع من الحيوانات والحشرات مما قد يراه او يزعجه (لننظر مثلاً قوله في قصيدة الشاعر والفأر من ديوان الامواج ط4، 1961، ص 168):
كأن لم تلقَ عندي بأس قطٍّ        
     فلو أصبحتُ قطّاً ما أتتني
وقصيدته (الشاعر والقط / الديوان نفسه ص171) وغيرها كثير..
انك تقرأ في هذه القصائد مظاهر من تسفيه الاعتبارات المبجلة التي تتناولها القصيدة التقليدية الراسخة، والأمثلة كثيرة ليس فيما يخص شعر الصافي النجفي وحده فلقد سبق من شعراء المراحل السابقة منذ العصر العباسي إلا اننا نقف عنده في اطار الشعر المعاصر الذي استمد أهميته من إحيائه القديم بالتمجيد والمشابهة، لقد تعمد الصافي ان يحرر قصيدته من ارثها، أي من حملها هذا الاقتران بالبلاط، ولم يرتض لها ان تكون وسيلة تسلق ووصول إلى اهداف ايديولوجية (انظر قوله في ديوان الحان اللهيب ط2، 1962، ص90):
إن عندي روح النبي، ولكن
ليس عندي مطامع المتنبي
رافضاً احلام الشعراء الكبار المتماهين مع المتنبي بالقصائد المجلجلة الذين تكون اقصى آمالهم التشبه به والتعلق باسمه. انه رفض النموذج المقدم بصنمية واستعلاء. اما ما يثيره حقاً فهو حب الحياة نفسها، مواطن الامتاع والاستئناس والمحبة، من هنا يهدي قصيدة له مثلاً إلى ملك بريطانيا المتخلي عن العرش في سبيل الزواج بحبيبته (ديوان الحان اللهيب ص151)، وما يقوله من انتشائه بالقرآن الكريم مبعداً عنه هواجس الترهيب وحدود الألوهة (في الديوان نفسه ص125- 126)، دليل على ذلك هاجياً تجبر بعض الشعراء وهول اوهامهم، (يقول في الديوان نفسه ص194):
واصنام من الشعراء حقت
بها العباد تنفخها دواما
لكي تبدو كباراً ذات حولٍ
فتخدع - وهي جوفاء - الاناما
ولكن ما أفاد النفخ فيها
ولا خدعوا بها حتى الطغاما
انه ينفي عنه صفات الشعراء هذه ويرفض ان يكون الشعر مهنة (الديوان نفسه ص199):
شوه الشعر معشر جعلوه
مهنة لا تعد في المهنات
عودوا الناس ان يفوهوا بشعر
لهم في المقاصد التافهات
ويكتب عما حوله بسلاسة متناهية (ينظر ديوان شرر، بيروت، 1952، ص28):
لي جارة متقاعدة
ليس لها من فائدة
فأخالها بقعودها
للبيت شبه القاعدة
زادت عناي فاصبحت
للجسم مثل الزائدة
يمكننا ملاحظة خصائص: وجود وحدة عضوية تشتمل عليها القصيدة في اغلب دواوين الصافي النجفي، فالفكرة متسلسلة متنامية منذ ابتداء القصيدة حتى انتهائها وهناك قصص شعرية طريفة مما هو يومي وواقعي ملموس هذا من جهة، ومن جهة اخرى تلمس بوضوح السهولة التي يتحول بها أي موضوع طارئ إلى قصيدة مكتملة عند النجفي، قصائده فورية اقرب إلى الارتجال، راوياً ما قد يكون قد حدث له من احداث عادية في اغلبها (انظر مثلاً قصيدة ذكرى سمكة في ديوان الاغوار ط2، 1961، ص210)، وهناك امثلة كثيرة أخرى في كل دواوينه، و(قصيدته رثاء عوينات في ديوانه الحان اللهيب ص45) مثال بارز يلفت النظر فيه إلى جانب ما ذكرته تعامله مع النظارات على انها كائن انساني، وهذه الانسنة تدفع بالقصيدة إلى ما يكاد يجعلها قصيدة تغزل بهذا الشيء المؤنسن حقاً عند الصافي.
واللافت ايضاً اهتمام الصافي بالتقديم الاخباري لقصائده وهذا التوجيه يدخل في كيان القصيدة ويمثل رسالة للمتلقي تؤكد العلاقة الرئيسة بين القصيدة نصاً والحدث الخارجي المحيط بهذا النص (الشعر والسيرة) أو النص واشكال من الوثيقة المتداخلة معه، فضلاً عن النص وقارئه. ليس غريباً اذن ان لا يستغني الشاعر عن مقدمات ممهدة لقصيدته وهناك امثلة كثيرة جداً على هذه الظاهرة من موجهات التلقي (نذكر مثلاً تقديمه لقصيدة ضيف الخطر في ديوانه الشلال، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1962، ص211) محدثاً عن مبرر وجود القصيدة أو مقدماً الوصف المكاني والزماني اللازمين لبيئة القصيدة كما لو ان وجود القصيدة سيتوثق في الواقع، وهذا ما يعد غاية اصيلة في شعر الصافي النجفي، هذا التوثيق مع التنامي للاحداث في القصيدة دليل على درامية الواقع الذي ينبثق منه شعر هذا الشاعر المتغلغل وجوده في نصه ونصه في وجوده.


المسرح في الناصرية .. ضياع الهدف والهوية.. في مسرحية (أكفان ومغازل)
 

ياسر عبد الصاحب البرّاك
لعل عرض مسرحية (أكفان ومغازل) للمؤلف عمار نعمة جابر والمخرج ثائر خضير وتقديم قسم المسرح في مديرية النشاط المدرسي في الناصرية يأتي في السياق ذاته، إذ أنه عرض مُجرّد من (الهوية المدرسية) التي ينبغي أن يتحلى بها لأنه موجه بالأساس إلى جمهور التلاميذ والطلبة، ولكن وقائع العرض إبتعدت به عن هذه الوظيفة التي نعتقد أنها بحاجة إلى مراجعة جذرية من قبل المهتمين بالشأن المسرحي في وزارة التربية ، فالعرض يجمع بين مجموعتين من الممثلين، الأولى: ممثلون لهم خبراتهم العملية الواضحة في مسرح مدينة الناصرية والثانية ممثلون من طلبة إعدادية الجمهورية التي تُعد من أعرق الاعداديات في المدينة، وسبق لها أن خرّجت أسماءً مهمة الآن في المسرح العراقي إعتلوا خشبات مسارحها ومثلوا ضمن أنشطتها اللاصفية التي إزدهرت منذ الخمسينيات والستينيات حتى أواخر السبعينيات، وهذا المزج في تصورنا آلية جيدة يتم بواسطتها تلاقح الخبرات المسرحية بين جيلين، وفي نفس الوقت هي طريقة عملية لتعليم الطلبة أبجديات الفن المسرحي عبر الاستفادة من الخبرات العملية الجاهزة لدى كوادر النشاط المدرسي، ولكن هل أفصح العرض في مستواه الفني والأدائي عن نجاح هذه الفرضية التي نفترضها نحن كمراقبين للشأن المسرحي في مدينة الناصرية؟
يبدو من خلال سياق العرض أن الهدف النهائي لمخرجه والعاملين فيه مجرد تقديم عمل مسرحي لغايات بعضها نفعي والآخر وظيفي، فقد بدا الأداء العام للعرض سواء كان الأداء الإخراجي أو التمثيلي أو التقني مجرداً من أية قصدية إبداعية، فالخطة الإخراجية إكتفت بالتعامل السطحي مع النص دون أن تحاول إكتشاف خصوصيته التي تأسست على إنجاز نص جديد يمتلك من مقومات البحث المسرحي الشيء الكثير، إذ هَدَفَ المؤلف عبر فرضيات نصّه البنائية إلى الاستفادة من الخاصيّة البنائية لنصوص (التعزية) التي تُقدّم في عاشوراء من كل عام في ذكرى إستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه في واقعة الطف التراجيدية، تلك النصوص التي تعتمد آليات بنائية تختلف تماماً عن آليات النص التقليدي التي قننها أرسطو في كتابه (فن الشعر)، حيث يعتمد نص التعزية بشكل أساس على (الخطاب) وليس على (الحوار) وهو يقترب من (المونولوج) أكثر من إقترابه من (الديالوج)، والشخصيات فيه (علامات) أكثر من كونها (سايكلوجيات)، إضافة إلى الطبيعة الشعرية للغة، والمزج بين المناخات الواقعية والميتافيزيقية، والاختزال الزماني والمكاني للحادثة التي يجري تقديمها بشكل أكثر إقتراباً للرمز منه للواقع، فنجد نص (أكفان ومغازل) يستعير مناخات واقعة الطف التاريخية ويمزجها بالموروث الشفاهي، إضافة إلى إندماجه في معطيات اللحظة الراهنة التي يعيشها المتلقي، لذلك يمكن القول أن هناك ثلاث مرجعيات ثيميّة يستند إليها النص، الأولى: واقعة الطف ومناخاتها التراجيدية حيث الأم التي تفقد أربعة من أبنائها في سبيل نصرة الحق (وهي إحالة مرجعية / تاريخية لشخصية أم البنين فاطمة بنت كلاب زوجة الإمام علي - عليه السلام - وأم بطل نهر العلقمي الإمام العباس - عليه السلام - )، والثانية: حكاية شعبية متداولة في الجنوب العراقي عن إمرأة غزلت صوفاً لمدة 40 عاماً من أجل أن تجمع نقوداً لزيارة الإمام الحسين - عليه السلام -، والثالثة: واقعة التفجير الإرهابي في باب مرقد الإمام علي - عليه السلام - الذي راح ضحيته العشرات من المصلين بعد أداء صلاة الجمعة ، وقد إستطاع المؤلف أن يصهر هذه المرجعيات الثلاث مع بعضها بعد تجريدها من إحالاتها الزمانية والمكانية، ليُنتج لنا خطاباً مسرحياً قائماً على التشفير الدلالي الذي يحيل إلى كونية المأساة أكثر من مرجعياتها الزمانية والمكانية، في النص إمرأة تغزل صوفاً عند (باب الرحمة) الموصد، وعند هذا الباب تتشكل هواجس المرأة / الأم، وتستذكر رحيل أبنائها الأربعة، في نفس الوقت الذي يكون فيه الباب ممرا لكائنات سماوية تريد أن تعود للأرض ثم ترتقي إلى السماء مرة أخرى (مجموعة البيض) وهي إشارة لعالم علوي سماوي، بينما تقابلها في الطرف الآخر كائنات سفلية عبارة عن مسوخ أكثر من كونها بشراً، وهي (مجموعة الحفارين) التي تحيل الأرض إلى ركام من المقابر الجماعية، فيكون الباب علامة مركزية تمثل الخلاص من الواقع التراجيدي الذي تعيشه الأم والانتظار اللامجدي بعد 40 عاماً، ووسط هذه العوالم تتشكل قيمة خفية من قيم الصراع بين عالم أرضي (الأم)، وعالم سفلي (الحفارين)، وعالم سماوي (البيض)، والصراع في النص صراع خفي، سرّي، غير مُعلن، لأنه صراع داخلي أكثر من كونه صراعاً خارجياً، وهي مهمة عسيرة أمام الإخراج كان عليه أن يشخّصها أولاً قبل التعامل مع هذا النص الذي نعتقد أنه يؤسس لإسلوبية خاصة تختلف عن تقليدية الكتابة المسرحية، فاكتفت الرؤية الإخراجية بإظهار شكل الصراع دون البحث عن جوهره، إذ قسّمت السينوغرافيا المكان إلى ثلاثة عوالم، يمين المسرح لمجموعة الحفارين ويساره لمجموعة البيض ومنتصفه لشخصية الأم، وهذا التقسيم الجغرافي لمساحة التمثيل أدى إلى الفصل بين العوالم الثلاثة بحيث بدت في العرض منفصلة عن بعضها، الأمر الذي إنعكس بشكل سلبي على قيمة الصراع فبدا وكأن العرض في مشهديته يتناوب بين هذه العوالم الثلاثة دون أن يكون ثمّة تأثير لكل عالم على الآخر، في نفس الوقت الذي قنن فيه هذا التقسيم إنشائية الحركة وجعل منها إنشائية سكونية تفتقر إلى التنويع في التكوين، ومع أن التكوين الموضعي أحدى آليات الإخراج التقليدية حيث كان يمكن إستثمار جمالياته لمعالجة ضيق المساحة الأدائية للممثلين، إلا أنه حتى هذه الآلية أهملتها الرؤية الإخراجية، فاكتفت بالملفوظ الحواري على حساب الملفوظ البصري، ومع أن السينوغرافيا (تصميم الفنان كريم عبد جابر) قد جهدت في إستنباط مفرداتها من رحم النص (الباب، المغزل، خيوط الصوف، المنائر، المقبرة)، إلا أنها بقيت ضمن وظيفتها الشكلية ولم يتم إستثمارخزينها الدلالي الذي كان من الممكن أن يُنشئ لنا متنا بصرياً مهما داخل العرض، إذا ما إستثنينا (المنائر) التي جرى توظيفها في أكثر من مشهد لخلق صورة بصرية مُفسرة للفعل الإخراجي فتحولت ضمن سياقها الدلالي إلى (أبواب، توابيت) بينما بقيت مفردات العرض الأخرى ضمن صورتها الايقونية التي لا تُفصح إلا عن محمولات واقعية خالية من التأويل الدلالي الذي زج العرض نفسه في مساحته دون أن يؤسس مقومات وجوده فيه ، ولعبت الكتل السينوغرافية الكبيرة دوراً أساسياً في تضييق فضاء العرض، رغم سعي المخرج لشغل المساحات الفارغة بالحركة التعبيرية التي بدت في أغلب الأحيان (كلائشية) كما هو الحال في حركة مجموعة البيض، والحركة المكررة لمجموعة الحفارين، كذلك الحال بالنسبة لحركة الأم على المُسطّح العالي الذي إكتفى فيه المخرج بحركة الذهاب والإياب من عمق المسرح حتى مقدمته ، وهذا التسطيح في المعالجة الإخراجية إنسحب بشكل كبير على مفردات السينوغرافيا الأخرى كالإضاءة والأزياء والموسيقى إذا ما اتفقنا على أن السينوغرافيا هي المشهد المسرحي بعناصره السمعية والبصرية، فإذا كانت تقليدية الإضاءة (صممها حبيب حرز) مبررة بحكم ضعف التقنيات في قاعة النشاط المدرسي، فان ذلك لا يبرر الاكتفاء بالعلامات التعاقدية للأزياء التي خلت من النظرة الجمالية والدلالية لوظيفة الزي داخل العرض، فلا ينبغي الاكتفاء بمنح مجموعة البيض اللون الأبيض، والحفارين اللون الأسود، والمنائر اللون الأبيض والأخضر، بل كان ينبغي البحث في شكل الزي وما يمكن أن يثيره في المتلقي من قدرة تأويلية يمكن أن تُثري العرض وتنوّع قراءته، كذلك الحال بالنسبة للموسيقى (إختار مقطوعاتها عمار نعمة جابر) التي مزجت بين الموسيقى المحلية والموسيقى العالمية رغم أن النص لا يركز على محلية المأساة بل كونيتها، ولكنه وزّع الموسيقى بطريقة تعادلية، فكانت الموسيقى المحلية ترافق شخصية الأم، بينما الموسيقى العالمية الكنائسية ترافق مجموعة البيض محيلة إيانا إلى عالم سماوي، وإقتصرت الموسيقى الحديثة الصاخبة على أفعال مجموعة الحفارين، وهذا التوزيع التعادلي يشبه إلى حد ما توزيع المخرج لممثليه على ثلاث مناطق جغرافية دون أن تتداخل هذه المناطق مع بعضها - كما أشرنا - وقد أوقعت هذه الآلية العرض في عدم التجانس بين عناصره السمعية والبصرية، ووسط هذه الفوضى المنهجية التي طغت على الرؤية الإخراجية للعرض تأتي المنظومة الأدائية للممثلين لتكرّس هذه الإشكاليات داخله، فمجموعة الحفارين (علي زيد، علي جمال، سيف شهيد، حيدر محمد)، لم تخلق جو القتامة المطلوب منها لأن حركتها الميكانيكية، وتكرار أفعالها أسهما في تعطيل فعلها، إضافة إلى إهمال المخرج تعليم مجموعته المهارات الأساسية في الأداء مثل النطق الجيد، والتنويع في الحوار، واستخدام الجسد وفق وقفات مسرحية صحيحة تنسجم مع بؤرة التلقي فيما يتعلق بنظر الجمهور، أما مجموعة البيض (علي بصيص، عمار سيف، حيدر عبد الرحيم، ستار عبد الله) فلا تقل سوءاً عن الأولى لأنها إستسلمت للأداء الكلائشي المبني على الوقفات الجسدية غير المبررة (البوزشن)، والمد الصوتي في الإلقاء، إضافة إلى الأداء المجرّد من الحس الداخلي، إذا ماإستثنينا بعض اللحظات القليلة، وتركز الفعل الأدائي الأساسي لدى شخصية الأم (مثلتها فاطمة الوادي) التي إهتمت بشكل واضح بالشكل الظاهري للشخصية وحرصت على إنتاج (كاركتر) خاص بها، ولكن هذا لم يشفع لطبيعة إلقائها المعتمدة على ما يُصطلح عليه في فن الإلقاء بـ (المونوتون) أي الإلقاء الرتيب الخالي من التنويع رغم أن حوارات الشخصية مكتوبة باللهجة العامية كإستراتيجية نصيّة من إستراتيجيات التواصل اللغوي في العرض، فالتحولات النفسية التي تحفل بها شخصية الأم بقيت أسيرة الملفوظ الحواري نفسه ولم تُترجم لأحاسيس ومشاعر يمكنها التأثير في المنظومة الحسيّة للمتلقي، ومع أننا نشد على يد الممثلة الوادي لجرأتها في الوقوف على خشبة المسرح في هذا الظرف العصيب الذي يمر به المجتمع العراقي حيث تنتشر القوى الظلامية المنطلقة من مناخات القرون الوسطى ومحاكم التفتيش، إلا أننا ننتظر منها الكثير في عروض أخرى تكشف عبرها عن موهبتها الفنية التي صقلتها الدراسة الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة ، بينما إكتفى الممثل عبد الرزاق سكر الذي أدى شخصية (رئيس الحفارين) بالتعكز على تجربته الكبيرة في المسرح وهو يتجاوز سن السبعين عاماً، فأعطى نمطا خاصاً للشخصية كان من الممكن أن يكون فاعلاً في العرض لو إستطاعت الرؤية الإخراجية تأويل المحمول الدلالي لها ومنحها مساحة أوسع من الفعل دون الاكتفاء بحصرها في مساحة ضيقة تمثلت بفتحة التلقين (الكمبوشة) ويمين المسرح إلى جانب مجموعة الحفارين.


من المكتبة العراقية

عرض محمد الحمراني

(ضوء العشب)قصص انور عبد العزيز

صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد مجموعة قصصية جديدة للقاص (انور عبد العزيز) تكونت من عشرين قصة هي اخر ما انجزه القاص ومنها قصص: (الوليمة)، (الضبع)، (ليلة الجمر)، (مرثية الفئران)، (الطوفان)، (رقصة اركنسون) وقصص اخرى.. اهتمت قصص هذه المجموعة بالتفاصيل والحركة البطيئة لسير الاحداث ومحاولة رسم عوالم الشخصيات وما يقع عليه النظر، لتهتم بضرورة رسم خريطة واضحة المعالم للحكاية والتي في الاغلب لا توصل القارئ الى نهاية واضحة، حتى ان بعض القصص تسعى للتوغل في اعماق مراحل زمنية سحيقة كما في قصة (زمن الشيخ محمد) التي جاء فيها: (الشيخة مبهورة بهامة الراديو المستعملة وساعة الجدار الدقاقة الرقاص وبوق الحاكي القديم وذلك السماور الاصفر الشامخ وصف من الاباريق المذهبة والفضية.. لكن انبهارها ونظرات عينيها ظلت تجول في عمق اقسام الصندلية وتقاطيعها ومحشواتها صحيح ان زكية وزعت الكثير من خبايا الصندلية على فقراء المحلة والطارقين والعابرين). وضع تصميم غلاف مجموعة (ضوء العشب) الفنان رعد الادهم وكانت بـ(295) صفحة من القطع المتوسط وسبق للقاص (انور عبد العزيز) ان صدرت له عدة مجاميع قصصية منها: (طائر الجنون) و(النهر والذاكرة) و(طائر الماء) و(جدار الغزلان) وكما اسهم في سبع مجمـوعات قصصية مشتركة.
 

(بحر اللؤلو) مجموعة قصصية جديدة
 

صدرت للقاصة عالية طالب مجموعة قصصية جديدة عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد حملت عنوان (بحر اللؤلؤ) ضمن اصدارات عام 2006 اشتملت على (22) قصة منها : (لحظة اكتشاف القمر) و(ظلال حافية) و(الجدران) و(دعوة الى الجنون) و(خرائب الاجساد) و(امرأة ليست للبيع) وركزت القاصة على موضوعة المراة والمشاكل التي تواجهها في المحيط وركزت اغلب القصص على الحوار كمرتكز لتنمية السرد وعلى الجمل القصيرة التي تتميز بسرعة ايقاعها ورغبتها في تعزيز دور الجمال وتوزيعه على اجزاء القصص وكذلك تقصدت القاصة ادانة الحروب خاصة في القصة التي حملت عنوان (حب في زمن الحرب) وجاء فيها : (كنت اراك في كل بدلة عسكرية تخطف امامي واكاد المس جسدك وانا المح تكوينا يشبهه ولكني اتراجع حين اكتشف وهمي وفي اللحظة الاخيرة ابتدأت الحرب في بلدي ولم اعد اطيق الخوف عليك هناك، لم اعد اسيطر على تفتيش خطواتي الباحثة عنك). العديد من قصص مجموعة (بحر اللؤلؤ) تسعى بجد لتحفيز المشاعر وكشف كل ما هو مستور في الواقع وفي خلجات الكاتبة، لتكون الكتابة فرصة للبوح وللحوار مع الآخر، الذي دائما يتاجل الحديث معه. سبق (لعالية طالب) ان اصدرت العديد من المجاميع القصصية وكانت مجموعتها الاخيرة (بحر اللؤلؤ) بحجم (207) صفحات من القطع المتوسط وبغلاف صممه الفنان (عمار صباح).

طاووس

 مسرحية: يحيى صاحب
ضم مسرح يحيى صاحب الشعري حتى الان 24 مسرحية ظهرت الاولى عام 1976 بعنوان (ضد الموت كلكامش) حتى صدرت حديثاً مسرحيته الجديدة (طاووس) التي اكمل كتابتها منذ سنوات وقدمها للكبار و الصغار على السنة الحيوان والاشجار والفواكه وعناصر الطبيعة حيث عالجت مشكلة الحرية ومردوداتها بلغة شعرية ساخرة مثقلة بالرمز والايحاء / صدر الكتاب بلوحة غلاف للفنان ميرد.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة