الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

ثقافة الداخل، ثقافة الخارج الجدل الساكن في الثقافة العراقية من نقد الثقافة الى نقد المثقف

د/ بُرهان شاوي

1

لأدخل في الموضوع دونما مقدمات نظرية تمهيدية، فحينما أعلنت إيلاف الألكترونية إنها ستنشر لقاء  مع شيخ النقاد العراقيين إستبشرنا خيرا، فمنذ سقوط الصنم الأكبر والأنهيار التاريخي الجبار للنظام الدموي الإستبدادي، والثقافة العراقية تنتظر سجالها وجدلها التنويري العميق والمؤسس، من حيث ان جل ما يكتب في هذا المجال ينطوي تحت لواء الأدب السياسي، اكثر مما هو ممارسة نقدية فكرية تحليلية، أوتفكيكية أو معيارية، إلا بعض المحاولات الجادة والصبورة والتأملية التي ضغطت على نفسها كثيرا من أجل ان لا تنجر وراء التقويمات العاطفية، لكنها تبقى محاولات قليلة ونادرة، لذا إستبشرنا بهذه المقابلة، لا سيما وان الناقد فاضل ثامر معروف بجديته وعدم إستسهاله للأحكام النقدية وصرامته النظرية.

في الحلقة الثانية من الحوار الذي أجراه معه د. إسماعيل الربيعي يقول فاضل ثامر :( ما زلت أؤمن بالمنطلقات الأساسية لمنظوري النقدي الذي يقترب الى حد كبير من مفاهيم ( النقد الثقافي) التي بشر بها في النقد العربي د. عبدالله الغدامي، وبالتحليلات النظرية والسوسيو- تاريخية لدراسات ما بعد الكولونيالية التي وضع ملامحها الأولى الناقد أدورد سعيد. ).

إلا أن أملنا بحوار جدلي تنويري أصطدم بأفكار وتقييمات غريبة وقفت بالضد من كل توقعاتنا ، بل وبالضد من منطلقات النقد الثقافي الذي قال الناقد فاضل ثامر انه يقترب منه لحد كبير، وعلى بعد مسافات ومسافات من التحليلات النظرية والسوسيو- تاريخية لدراسات مابعدالكولونيالية.

ففي جوابه عن سؤال حول ما يثار حول إشكالية ثنائية ثقافة الخارج / ثقافة الداخل قال فاضل ثامر:( المراكز الثقافية الحقيقية ما زالت بيد مثقفي الداخل وما يقال احيانا من محاولة تسفيه المنجز الثقافي للمرحلة السابقة فيه الكثير من الغبن والظلم، انا اعتقد ان ثقافة المرحلة السابقة بطبيعتها هي ثقافة انسانية، ثقافة وطنية، ثقافة قومية، ثقافة تقدمية، استطاعت ان تقدم الكثير من العطاءات الممتازة،هناك بعض النقاط التي صار فيها نوع من الإخفاق، او التهاون، او قبول سياسات النظام، ولكنها حالات طارئة محدودة).

هل ينسجم هذا القول مع مفاهيم ( النقد الثقافي)، والتحليلات السوسيو- تاريخية؟

وهل كانت ثقافة المرحلة السابقة بطبيعتها ثقافة انسانية؟ ثقافة وطنية؟ ثقافة تقدمية؟ أقسم وكأني بالراحل الجميل أبو كاطع ( شمران الياسري) يبتسم ويعلق بلازمته الشهيرة ( بلابوش دنيا.. ).

أسيادة ثقافة العنف في الأدب العراقي طوال عقد من الزمان، وصدور عشرات بل مئات من روايــــــــــــات ( قادسية صدام )التي تمجد القتل والعنف وتفجر النزعات السادية في أعماق القارئ هي ثقافة إنسانية ياأستاذنا الجليل؟

هل قدمت المرحلة السابقة الكثير من العطاءات الممتازة، وان هناك حالات طارئة ومحدودة صار فيها الأخفاق والتخاذل او التهاون أو قبول سياسات النظام؟ أم العكس هو الصحيح، فقد كانت هناك عطاءات جيدة، لكنها محدودة وسط هذا الركام من ثقافة العنف التي كانت كل مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة تروج لها، بل وصل الأمر الى ان يتحول الدكتاتور الى كاتب روائي، ويصير إبنه نقيبا للصحافيين العراقيين !!

أليس من الظلم والتجني ان يصدر هذا الكلام عن ناقد عراقي قضى جل حياته مدافعا عن القيم النبيلة في المجتمع العراقي وحلم مع أبناء وطنه ومثقفيه بعراق حر وسعيد!!!

أحقا ان نظام المقابر الجماعية قدم ثقافة إنسانية ووطنية وتقدمية؟؟

 

2

يتحدث الناقد فاضل ثامر عن أيمانه بالمنطلقات الأساسية لمنظوري النقد الثقافي، والتحليلات النظرية والسوسيو- تاريخية لدراسات ما بعد الكولونيالية، ولا أدري كيف حلل (النسق الثقافي) للدولة الفاشية بحيث يمنح ثقافتها السمات الانسانية والوطنية والتقدمية؟؟ ولا ادري ايضا وفق أية وصفة في مفاهيم ( النقد الثقافي) حصر الثقافة في الشعر والرواية والنقد الأدبي؟؟

وحتى لو أفترضنا جدلا ان الحديث هنا يجري عن الثقافة الأدبية والفنية، فهل يستطيع ان يفسر كيف ولماذا لم تستطع هذه الثقافة(الانسانية والوطنية والتقدمية) ان تتحمل مقالا ساخرا لشمران الياسري، وان يهرب من ( فضائها الرحيب)

خيرة المبدعين من الأدباء والفنانين العراقيين!!

اغبن وظلم كبير حينما يتم نقد الثقافة في ظل الفاشية البعثية؟ ترى هل كان بإمكان المفكر العراقي الراحل هادي العلوي ان ينجز بحوثه الفكرية الفذة مثل ( من تاريخ التعذيب في الأسلام) ، و( الأغتيال السياسي في الإسلام)، و( خلاصات في السياسة والفكر السياسي في الاسلام) في ظل نظام البعث الدموي؟.

هل شاهد ناقدنا الجليل معرض الرســـــــام العراقي ( فيصل لعيبي ) الذي يحمل أسم ( قيامة آذار )، هل تأمل لوحات ( عفيفة لعيبي) عن الحرب العراقية -الايرانية، هل يمكن لأعمال ( جبر علوان) ان تتنفس وسط (ثقافة البعث)، ألا يدري ناقدنا الجليل بأن أبرز الفنانين العراقيين تحولوا لرسامي بورتريهات في ساحات ايطاليا وباريس ومدريد، وفضلوا الجوع على ان يظلوا (أحرارا) ولم يشرفهم ان يكونوا جزءا من هذه الثقافة الانسانية والوطنية والتقدمية، ولا أريد هنا أن أعدد أسماء الفنانين العراقيين الذين هاجروا العراق ليتشردوا في المنافي ويكدحوا ليل نهار من اجل تأمين لقمة الخبز وعصارة الزيت.

هل كانت ثقافة المرحلة السابقة ان تتحمل نصا شعريا مثل ( إعلان سياحي الى حاجي عمران) لسعدي يوسف، هل كان لها ان تحتضن أشعار عبد الكريم كاصد او مهدي محمد علي، او مؤيد الراوي، وجليل حيدر وعواد ناصر، مثلا، أو روايات وقصصا مضادة للحرب والفاشية كما في أعمال نجم والي، وجنان جاسم الحلاوي، وجاسم المطير، وجمعة اللامي، وبرهان الخطيب، وسميرة المانع، وعالية ممدوح، وابراهيم أحمد، وفاضل العزاوي،وزهدي الداوودي، وسليم مطر، وسلام عبود، وشاكر الأنباري،  مثلا.

هل كان بإمكان ثقافة المرحلة السابقة أن تتحمل حراكا صحافيا وشعريا وثقافيا، كما في إصــــــدارات ( الرغبة الإباحية)و( النقطة ) لعبد القادر الجنابي، و( فراديس) للجنابي والمعالي؟ ومنشورات ( دار الجمل ) لخالد المعالي؟ وهل كان لها ان تتقبل دراسات فالح عبد الجبار عن المجتمع المدني.

الأستاذ فاضل ثامر في جوابه عن سؤال ثنائية ثقافة الداخل والخارج قائلا:( ربما جاء مثقفو الخارج وحصلوا على بعض المراكز الوظيفية لكنهم لم يستطيعوا فعلا ان يدخلوا الى ممارسة سلطة نقدية او سلطة خطاب ابداعي او ما شابه، ولهذا الذي اعتقده ان هذه مسائل تأتي من تراكم كبير، وهم يحاولون الآن ان يطرقوا الأبواب كي يجدوا لهم مواقع داخل هذا الشأن).

لا أدري كم هو عدد المثقفين العراقيين الذين رجعوا الى العراق وحصلوا على مراكز وظيفية، لكن الذي أعرف ان الذين قد رجعوا هم جزء من المشهد الثقافي العراقي تاريخيا، ولديهم خطابهم الأبداعي، مثلما لديهم حضورهم وسلطتهم الفكرية والثقافية، ولا أريد هنا ان أذكر الأسماء، اما قضية الوظائف وتهافت البعض عليها فهذه مسألة لا علاقة لها بالتصنيف الأبداعي قط.

لم يكن بودي ابدا ان انتهي من قراءة الحوار محملا بهذا الأنطباع، من ان ثمة جدلاً في الثقافة العراقية يدور، لكنه جدل ساكن، لا يحرك ما ترسب في أعماق هذه الثقافة من أوشاب وأدران وبقايا جثث تنتظر منا ان نعيد رفاتها الى الوطن، ولا أدري لم خطرت في ذهني مباشرة أبيات طهمازي الجميلة، التي كتبها في منتصف السبيعينيات في قصيدته ( مرآة مستوية ):

هل مر على سمعك ان النار قد لاذت بنار؟!


حُب صيني

محسن الرملي

لأنني أعرف بأنكِ لن تقرئي هذا النص، ولأن علاقتنا قد تفككت فلا يهمني أن يكون هذا النص مفككاً.. فأنت والصين والعراق وأنا خليط حطام في داخلي. ربما أن هذا الأمر لا يُحسب كقصة في قراءة آخرين لأنه مجرد حكاية (امرأة ورجل) متكررة بشكل يومي منذ أول الزمان، والاختلاف هنا في كونهما (صينية وعراقي).. فلم يكن يخطر ببالي أن أعشق إلى هذا الحد عينيكِ الصغيرتين وأنا المُبَرمج على تذوق الجمال بالعيون الواسعة منذ السومريين. ماذا كانت ستقول أمي والجيران لو أننا تزوجنا وامرأتي من الصين؟، كيف سيكون شكل أولادنا؟.. وكيف سيعيشون مستقبلاً في عراق غليظ القلب؟.. كيف ستعقد الدهشة ألسنة الناس إذا ما رأوهم بأشكال صينية وهم يتحدثون لهجة (الشكو ماكو)العراقية؟.. لقد انتهت هذه الأسئلة بعد أن انتهت علاقتنا.. لكن حبي لك يرفض الانتهاء.. وربما لهذا السبب أحاول هنا الحديث عنه عل في ذلك سبيل للخلاص.. فقد تركت شوجي لي إرثاً ثقيلاً واختفت.. الإرث سلة تفيض بشظايا كلمات مسننة وفق ملمسي وناعمة وفق ملمسها هي. قالت:

ـ أنا أحبك، ولكنني لا أحتملك.. لا أستطيع أن أفهمك بالطريقة التي تريدني أن أفهمك بها.. أنا أحبك لكن رأسي يوجعني بسبب كلامك ودمعي.. أحبك لكنني لا أريد أن أعيش كما تريد.. أنت أثقف مني، أنت مُعَقَّد وأنا لا أريد .. أنا سأرحل.

واحتضنتني باكية كطفل خائف، قبلتني وعيناها الصغيرتان تسكبان على شفاهنا الدمع. حكّت وجهها المحمر بوجهي، بللتني ثم واصلت سلوكها المهذب. مسحت وجهي بطرف قميصها وغادرت تاركة إياي متجمد الظاهر متقاتل الداخل ـ كجبهة الإسباني ماتشادو ـ حتى اليوم.

لقد كانت أول امرأة أرى فيها نفسي فأمد أصابعي لأتصالح مع ذاتي وأرتبها.. وهل أنسى لحظة دخولك الأول إلي في المخزن المدريدي حيث أعمل بائعاً بالجملة، لم تكوني تفقهين غير التحية من اللغة الإسبانية لذا كانت لغتك ابتسامة طفولية دائمة شدتني إليها وأرقصت القلب. سألتكِ: ما اسمك؟. فقلتِ: ( شوجي ويعني..). أخرجتِ لي من جيبك صورة زهرة. فعلّمتكِ الكلمة بالإسبانية: روسا، وبالعربية: زهرة.. فرددتِ الاسم بالعربية قائلة: يعجبني. لذا كنتُ أناديك به في بيتنا المشترك طوال عام عشرتنا.

شوجي.. يا زهرة قلبي المنفي في الحياة.. كم أشتاق لعينيك الغائرتين وسط طيات الجفنين. أنتبه الآن إلى أنني قد كنتُ أطالبكِ بتغيير عينيك، فلماذا لم أطلب من نفسي المستحيل؟.. كم أشتاق الآن إلى تقبيل أنفك المفروش وسط خديك بلا أرنبة.. لا تجسيد له وكأنه مجرد رسم بثقبين على صفحة الوجه. لقد ضحكتِ حينها عندما قلت لك بأنه شبيه بأثر حدوة حصان.. ربما داس على وجهك حصان صيني واطئ وأنتِ في المهد. كأنني طالبتك حينها بتغيير أنفك!.. كنت أنتقد فيك كل شيء وأنتقدك على كل شيء.. كأنني أحاول إعادة خلقك على هواي. كنت أطالبك بمعرفة ديني وقضايا (الأمة العربية!).. أن تُحمّلي رأسك نسخة من ذاكرتي الموجوعة بالقهر والحروب، وأن تعاملينني بالعطف عليّ باعتباري إنساناً ناجياً من الموت بالصدفة، ولم تطالبيني بما يقابل ذلك من معرفة لدينك وقضايا (الأمة الصينية!)، أو أن أحمل معك ذاكرة فقرك ووأد حلمك بالدراسة، وأنك أنتِ الأخرى قد نجوتِ من الموت بالصدفة كونك أنثى قد ولدت في صين لم يكن يسمح بأكثر من مولود.. والآباء، كالعادة، يفضلون الذكور. من أجلك تعلمت بعض العبارات الصينية ورحت أهتم بمعرفة المزيد عن الصين، فأهرع إليك سارداً كلما عرفت معلومة جديدة: في الصين أعلى نسبة من الانتحارات لأن الدولة لا تعنى بالمعوقين والفقراء والشيوخ. يكثر الانتحار خاصة بين النساء الكبيرات السن أو المتوسطات العمر. أحدثك عن نهر دجلة وتحدثيني عن نهر يانغتسه وعن البيع السري المتجول لأشرطة الموسيقى والفيديو وبرامج الكمبيوتر وصور ممثلي هوليود. هل قلت لي يوماً: أن محافظة فوخيان في الجنوب؟. رأيتك تبكين أيضاً على غرقى الفيضانات وعند قراءتك لخبر سرقة عمدة بكين أموال مشروع سكة الحديد. كونمينغ عاصمة لمحافظة الجنوب الشرقي. أما الشمال الشرقي فهناك تستريح مدينة لياونينغ في القلب. خالتك تعيش في وسط كسيجيانغ إقليم غالبيته مسلمون. قرأت كتاب مؤرخكم المسلم عبدالرحمن ناجونج (مختصر تاريخ العرب) وقوله عن أن علاقات الصين بالعرب قديمة فالإمبراطور وودي بعث سنة 139 قبل الإسلام تشانج تشيان سفيراً له إلى الممالك في أسيا الوسطى بقصد روابط ودية وطاف في جولته تلك 34 مملكة صغيرة شملت بلاد فارس والعرب. ومن بعده ذهب قان ينج مبعوثاً بأمر من القائد يان تشاو، فزار بلاد فارس، أيضاً، والعراق.. نعم العراق.. بلدي، ولما بلغ سواحل الخليج لم يتمكن من الإبحار إلى أبعد منه (ومن ذا الذي يستطيع الوصول إلى أبعد من العراق!) عدا الأسباب التي تعلل بها من عدم وجود وسيلة نقل مناسبة وشدة العواصف والأمواج لكنه، عاد بأخبار وافرة عن العرب.

أعرف الآن أيضاً: أن أطول أنهاركم (اليانغتسي) يليه في الطول (النهر الأصفر)، أكبر القوميات (هان) وعطلتكم ثلاثة أيام في عيد الربيع (عيد رأس السنة القمرية). وأعرف البحار المسلم الذي خصيتموه (تشنغ خه)، وناتشونغ/عبدالرحمن ابن محافظة تونغهاي بمقاطعة يو ننان ولد سنة 1910، خريج الأزهر ومستعرب كبير، كتب وترجم الكثير عن تاريخ العرب والإسلام. أعرف الشيخ محمد مكين الذي ترجم القرآن. وأعرف الرسام محمد علي قونغ..

منكم وإلى.. إليكم (طريق الحرير) إلى الدنيا.. والتبت هي سقف العالم. حيث الكلاب كبيرة كالحمير والمسك يتفصد من بثرة قرب سرة حيوان ما، وكل الصين خيال حقيقي أو حقيقة خيالية.. لذا فهو خصب لأمثال الدميري حين يتحدث عن طائر (السمندل) الذي يأكل النبات الصيني البحت (البيش) وهو أخضر، فإذا يبس صار قوتاً للناس ولم يضرهم لكنه إذا بعد عن أرض الصين ولو مائة ذراع وأكله آكل مات من ساعته.. أما من عجيب السمندل فاستلذاذه بالنار ومكثه فيها. وإذا اتسخ جلده لا يُغسل إلا بالنار. عينه حمراء وذنبه طويل تُنسج من وبره ومن بقية ريشه المناديل التي تحمل إلى بلاد الشام، فإذا اتسخت تُلقى في النار فتأكل النار وسخها ولا تحترق المناديل. السمندل يبيض ويفرخ في النار.. أما طائرنا نحن (العنقاء) فهو إذا أُحرق بالنار وتحول إلى رماد عاد ململماً رماده متدفقاً بحياة جديدة وطار.

قلتِ لي حينها ضاحكة ورأسانا متجاوران في السرير: هل انتهيت من خرافاتك؟ أريد أن أنام. وقبلتِني مضيفة: دع بقية حكاياتك لليالي القادمة أو لأبنائنا.

في ليلة أخرى.. اسمعي يا شوجي، قرأت أيضاً: أن رهاب بن رعشة هاجر إلى الصين بعد هجرة النبي إلى المدينة، فوصلها بعد جهد مضنٍ، تعلم لغتكم وعاداتكم وأخلاقكم ثم أخذ ينشر دينه والتف حوله خلق كثير، فقابله الإمبراطور تاي تسونف عام 628م باحتفاء، ثم مات بعد أن عاش مبجلاً، لذا أقام له الصينيون تذكاراً تخليدياً. عثمان بن عفان بعث سعد بن أبي وقاص سفيراً له في بلاط  فاو تسنج (هل هذا صحيح؟)، وبنى سعد أول جامع في كانتون، مازال قائماً ويعرف حتى اليوم باسم (واي شن زي).

تقولين: لا أحتاج إلى شواهد تاريخية لتبرير حبنا، فلماذا تتعب نفسك بالبحث عنها؟. لكنني أستمر بالحديث على مائدة الطعام: قتيبة بن مسلم الباهلي في زمن عبدالملك بن مروان (705 ـ 715) دخل مدن بخارى وسمرقند وصولاً إلى حدود الصين وأقسم ألا ينصرف حتى يطأ أرضها، فبعث له إمبراطورها وفداً، وبعد مفاوضات طويلة وهدايا كثيرة من الحرير وصحاف الذهب وسلة فيها تراب من تراب الصين ليطأه بقدمه ويتحلل من قسمه، قبل قتيبة الهدايا ووطأ التراب بقدمه ثم قفل راجعاً.

تضحكين.. ومازالت لقمة الرز في فمك. فأزيد: يؤسفني أن شارك العراقيون في قمع ثورتكم سنة 755م عندما طلب إمبراطوركم، حينها، المساعدة من الخليفة أبي جعفر المنصور فأرسل له خمسة آلاف رجل قوي تمكنوا من قمع الثورة وتثبيت عرش الإمبراطور. ولكن تذكري أن ثمة عراقيين مثلي يحبونكم، هل تعرفين هادي العلوي وما كتبه عنكم؟ هل أقرأ لك، مرة أخرى، قصيدة نجمة شعرنا السياب عن المسكينة كونغاي التي ألقت بنفسها في حوض المعادن المصهورة لأن أحدهم قال لأبيها الملك الحالم بصناعة جرس كبير؛ أن المعادن لن تمتزج إلا بدم فتاة عذراء؟ فظل سيابنا الطيب يبكيها:

( هياي .. كونغاي، كونغاي

مازال ناقوس أبيكِ يقلق المساء

بأفجع الرثاء

أهم بالرحيل في (غرناطة) الغجر؟

فاخضرت الرياح، والغدير والقمر

أم سُمر المسيح بالصليب فانتصر

وأنبتت دماؤه الورود في الصخر؟

أم أنها دماء كونغاي؟

هياي .. كونغاي، كونغاي!

الصين حقل شاي ).

أقرأها لك مغناة وتضحكين. أكررها حتى حفظتِ منها فترددين: (هياي.. كونغاي، كونغاي!/الصين حقل شاي). نشرب الشاي ونتحدث عن مساحات شاسعة في قلبينا وفي الأرض.. من سور نينوى إلى سور الصين.. وأسألك: هل حقاً أن الإمبراطور الذي أمر ببناء السور قد أمر بحرق كل الكتب التي كتبت قبل زمانه؟.. تجيبين: وما أدراني!.. وأقول: لا تعجبني الأسوار.. لمجرد أنها أسوار. فتقولين لي: لا يعجبني التاريخ، فكف عن تصديع رأسي به، وأقول لك: أنا عربي يعيش حاملاً التاريخ ثقلاً على كاهله كمن يحمل صليبه. حسناً دعكِ من تاريخ الآخرين واسمعي تاريخي الشخصي معكم، مبتدئاً من حفظي لحديث النبي نقلاً عن أبي: أطلب العلم ولو كان في الصين. قال الشيخ أبي في خطبة الجمعة أنكم ياجوج ومأجوج. لكني لم أقرأ أو أعرف عنكم محاولة لاستعمار بلادي وقتل أجدادي كما فعل الغربيون.. لم تفرضوا علينا فكرة لكم ولا ديناً واستقبلتم ديننا بتسعة ملايين شخص.. آسف أكاد العودة/كالعادة إلى التاريخ، لذا سأحدثك عن أيام مجلة (الصين) الملونة واصلة إلى بيتنا القروي مجاناً حتى أصبح ماو تسي تونغ زعيمي في الحلم، حفظت أشعاره ورسمت له الصور، وأندم على ذلك الآن بعد ما حدثتِني، بعينين دامعتين، عن هيمنته، وعما فقس عنه إرثه من سفك لدماء الشباب الذين هرستهم سُرف الدبابات في (ميدان السلام السماوي) سنة 1989. أحدثك إذاً، قبل ذهابنا إلى السرير، عن أيام رؤيتنا ـ نحن الطلبة الجامعيين الذين كنا ـ للعاملات الآسيويات في فنادق الدرجة الأولى في بغداد، ربما كن من الفليبين أو كوريا أو تايلاند.. ولكن كل العيون الصغيرة، بالنسبة لنا، كانت صينية، وكان الهمس يدور على أن (أشياءهن) بحجم الشخاطة/علبة الكبريت.. فظللنا نحلم بحك أعواد ثقابنا على تلك العلب الصغيرة.. وها أنا، بفضلك، أخيراً أحكه الآن فيشتعل بعذوبة تعادل عذوبة الحلم المعتق.

لقد تمكنتِ من أن تجعليني أحب أغاني الجميلة دينغ لي جون لكثرة ما تتركين لها من مساحة الصدح في البيت، بينما لم أتمكن من أن أجعلك تحبين أغاني زهور حسين، قائلة لأنها حزينة جداً.. فاسمع، مثلاً، موسيقى التبت التي تتسلل إلى الروح عبر مسامات الجلد ومسارب مفاصل العظام.

كانت شوجي تشتري من عندي وأساعدها على أخذ ما يباع، أخفض لها الأسعار لتبيع في الشارع، وبعد عامين أجادت الكسب كأي مهاجر صيني نشيط.. هي شوجي التي تعلمت الأرقام أولاً. وجارنا الإسباني اعترف لي على استحياء بأنه لم يكن يتوقع أن للصينيين مشاعر حب كهذه أو كبقية الناس، كان يتخيل أن مشاعرهم هي أرقام أيضاً. تضحكين.

في ليلة أخرى أقول: دبابتي في الجيش كانت تي 55 الصينية. تقولين: لا تحدثني عن الحروب.. حدثني عن الرسم مثلاً. فأقول: كانت تعجبني لوحات الواقعية الاشتراكية أو اشتراكية الفلاحين لكنني تحولت إلى الإعجاب برسوم الحبر الصيني التقليدية الشبيهة برسوم الأطفال حيث البيوت فوق بعضها والناس والأشجار والعربات والحروب الشبكية.. بلا منظور كرسوم الواسطي والخطوط الرقيقة كشعيرات متواصلة لا تتقاطع. لذا ألصقت بعضها على باب الحمام وباب الثلاجة.

لم أفكر بأكل الأفاعي أيام الجوع في الحرب لكنني أكلتها أيام الحب في بكين.. زيارتي الأولى والوحيدة التي كانت معك أسبوعا عسلياً وأطعِمة مُحلاة.

في منتصف ليلة أخيرة.. صحوت على نحيبك، فتحت عينيّ في الظلمة دون حراك لأني رأيتك راكعة في الزاوية أمام تمثال بوذي محاط بشمعتين وتتمتمين بصلوات مبهمة لم أفهم منها إلا بكاءك.. طويت رأسي ونمت لأنني لا أعبد ما تعبدين ولا أنت عابدة ما أعبد، لكِ دينكِ ولي ديني.. ولا أدري فيما إذا كان لنحيبك الليلي ذاك علاقة بقرارك أن ننفصل في الصباح التالي.

أحن الآن إلى رحلات أخرى برفقتك إلى الصين.. إلى حفلات شرب الشاي والأسواق وتقاليد إهداء الأخ طفلاً من أطفاله إلى أخيه الذي لا ينجب.. أو وضع أحذية الحديد في أقدام الطفلة كي لا تكبر لأن من علامات الجمال، عندكم، صغر القدم ودقته.

شوجي.. إن شرب الشاي يوحدنا بينما تفرقنا الأفكار.. تفرقنا الظروف وحلبة صراع الغرب وحبال الشرق التي تشدنا إلى جهتيها.. يفرقنا رأسي المعبأ بما أحمله من إرث تركته هناك ولا يتركني. تقولين: لماذا لا تستطيع رؤيتي ككيان منفصل عن تاريخه العام؟. فأقول: لأنني شرقي، مثلك، يكبلنا الجماعي والتاريخي.

لقد فرقتنا ذاكرتي.. فأين القصة؟؟.. هذه هي كل القصة: أحببت فتاة صينية وأحبتني ثم افترقنا.. ولم أعد أعرف أين صارت.. ربما تكمن القصة أيضاً بالتفاصيل التي لا أعرف كيفية تدوينها.. التفاصيل الصغيرة، والأشياء الصغيرة في شوجي التي كانت تتسع لتملأ لي وجودي، عيناها، شفتاها، نهداها، ردفاها وقدماها.. فها أنا أحتسي الشاي وحدي، ولا أستطيع نسيانها. أهذه هي كل القصة؟.. وإلى أين سيذهب هذا الذي عشناه إذا نسيناه؟.. إلى أين ستذهب التفاصيل المسكوت عنها؛ كدفء التنفس في الرقبة عند نوم متعانقين مثلاً؟.. إلى أين سيذهب هذا الأرشيف لو حذفته، الآن في ضغطة زر، من ذاكرة الكمبيوتر؟.. ما مصير ذكرياتنا الخاصة والسرية بعد موتنا؟.. لا أدري.. ربما تذهب إلى البعيد الغريب العجيب المجهول.. إلى البعيد الذي نتخيله في الهناك.. ربما تذهب إلى الصين؟.

*محسن الرملي: كاتب عراقي يقيم في إسبانيا. [email protected]

 

 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة