الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

الكثير من اصلاحيي ايران بدؤا بتقليده: السيد السيستاني ورياح التغيير التي سوف تهب على إيران

نيكولاس بلانفورد/صحيفة الديلي ستار الامريكية

ترجمة/ وليد عبد الأمير

بدأت المدن الدينية الشيعية تستعيد عافيتها من جديد بعد سنوات من الظلم والقهر وعادت الحياة الى مدينتي النجف وكربلاء، حيث تزدحم الشوارع المحاذية للأضرحة المقدسة ذات القباب الذهبية للإمام علي في النجف والإمام الحسين وأخيه العباس في كربلاء بالآلاف من الزوار الذين يفدون من بلدان الشرق الأوسط وآسيا.

بعد عقود من الاضطهاد والتهميش من قبل نظام صدام حسين فإن عودة الشيعة لممارسة حياتهم الاعتيادية في هاتين المدينتين يمكن أن تؤشر استعادة الزعامة الدينية التقليدية في النجف لمكانتها الموروثة من قبل وعلى حساب النظام الديني القائم في إيران والذي يسمى (بولاية الفقيه) أو هيمنة المرجع الديني على كافة مقاليد الأمور الدينية والدنيوية.

أن تنامي الدور القيادي لرجال الدين في إيران هو محل انتقاد الكثير من الإيرانيين الذين يشعرون بالاحباط من تعثر مساعيهم في الحصول على حرية وشفافية أوسع في المجال السياسي وان عدم ترشيح أكثر من 2400 من النواب الاصلاحيين في الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر شباط من هذا العام قد اعطت دليلاً واضحاً على ان السلطة التشريعية في إيران سوف تبقى بيد المتشددين.

أما في العراق فأن المرجع الديني الأعلى والأبرز هو آية الله علي السيستاني والذي لعب ومازال يلعب الدور الأكبر في وضع الأطر العامة للمراحل المقبلة والتي تلت سقوط النظام في اجراء انتخابات واسعة، هي الأولى في اعقاب سقوط نظام صدام حسين. إلا انه وعلى عكس المرجعية الدينية الموجودة في إيران، فان السيد السيستاني يعتقد بأن الواجب الحقيقي لرجل الدين هو تقديم النصيحة والمشورة ومن خارج الدائرة السياسية، دون أن يمارس الهيمنة السياسية المباشرة.

ولعل مثل هذا المنحى التقليدي العقلاني الذي ينتهجه السيد السيستاني قد وجد قبولاً متزايداً لدى الإيرانيين الذين عانوا ولمدة 25 عاماً من الدور التسلطي لرجال الدين.

(هناك احتمال كبير بأن يقوم العديد من الإيرانيين بالعدول عن تقليد المراجع في إيران وتقليد السيد السيستاني، وأن العديد من الإصلاحيين قد بدأوا ذلك فعلا قبل مدة) هذا ما ذكره البروفيسور (جون كول) استاذ مادة التاريخ في جامعة مشيغان الأمريكية والمتخصص في الشؤون الشيعية والذي أضاف (أن ما يقف حائلاً دون لجوء البعض الى اتباع السيد السيستاني هو أن مؤسسة الخامنئي هي ذات وضع مالي ممتاز وإنها تقدم المنح الدراسية، لذلك فأن طلبة العلوم الدينية ورجال الدين في إيران يجدون صعوبة في حرمانهم من ذلك وعلى مستوى الجميع، في حين ان السيد السيستاني لا يملك تلك الإمكانيات المالية الموجودة لدى أقرانه في إيران).

ان نظرية (ولاية الفقيه) قد طرحها آية الله روح الله الخميني في السبعينيات من القرن الماضي ووضعت حيز التنفيذ عام 1979م واعتبرت الدعامة الفكرية للثورة الاسلامية في ايران والتي قادها الخميني حيث تمنح المرجع الديني الأعلى سلطة مطلقة على جميع شؤون الحياة سواء الدينية، الاجتماعية، السياسية، حيث يجمع بيده الشؤون الدينية والدنيوية.

وبالرغم من أن نظام ولاية الفقيه قد طبق بنجاح داخل إيران والتي يشكل فيها الشيعة الغالبية العظمى داخل المجتمع الايراني، فإن عملية تصدير هذه العقيدة الى خارج إيران تكتنفها الكثير من الصعوبات، وحتى في لبنان والذي يعتبر المكان الأنسب لتطبيقها من قبل حزب الله اللبناني والذي يعتبر الامام الخميني ومن ثم خلفه الخامنئي هما المرجع للأمة، فإن تأسيس حكومة اسلامية في لبنان على غرار النموذج الايراني تبقى واحدة من اهداف حزب الله والتي يسعى لتحقيقها ولو على الورق فقط بالرغم من ان حزب الله قد أدرك ومنذ فترة طويلة ان تطبيق هذا النظام وفي بلد صغير مثل لبنان ذي تعددية طائفية هو من الأمور الصعبة بل انه من المتعذر أيضاً حتى تاسيس دولة اسلامية.

ان هذا الحال ينطبق ايضاً على شيعة العراق والذين يشكلون (60%) من نسبة الشعب العراقي، أما الـ40% المتبقية فتضم السنة والعديد من اتباع الديانات المسيحية مع عدد قليل من اليهود، بل ان الاكثر من ذلك فأن العديد من الشيعة هم من العلمانيين الذين هم ليسوا متحمسين اصلاً لفكرة وجود حكومة اسلامية سواء كانت مبدأ ولاية الفقيه أو أي شكل آخر من اشكال الحكومة الإسلامية الأقل شمولية.

لعل مجاميع اخرى من المجاميع التي تنضوي تحت الراية الشيعية مثل (المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق) والذي كان يحظى بدعم من قبل ايران خلال فترة حكم صدام حسين قد بدأت تنسحب تدريجياً من دائرة رجال الدين الإيرانيين وتتجه نحو رجال الدين الشيعة العراقيين (إن للإيرانيين مشاكلهم الخاصة وأنهم لا يمكن أن يكونوا بأي حال من الأحوال نموذجاً لنا) هذا ما أكده الشيخ همام حمودي أحد قادة المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق والذي أضاف (نحن نريد من قادتنا الدينيين أن يكونوا مرشدين وموجهين وليسوا قوى سياسية).

لعل وجهة نظر السيد السيستاني الدقيقة حول نظام ولاية الفقيه والتي أعلنت على شبكة الانترنيت قد لخصها أحد زعماء العشائر السنية والذي رفض الافصاح عن اسمه حيث تشرف بلقاء السيد السيستاني في داره المتواضعة في النجف والتي جاء فيها (أنه لا يؤمن بنظرية ولاية الفقيه كما يؤمن بها رجال الدين الايرانيون فلقد أكد مرارا على ضرورة فصل الدين عن الدولة وشدد على عدم تدخل رجل الدين بمجريات الحياة اليومية للمواطنين وكذلك بشوؤن الحكومة والإدارة بل انه حرم على اتباعه حشر إنوفهم في شؤون الدولة وانه قد اكد على هذه المسألة مراراً وتكراراً).

أما الشيخ جلال الدين الصغير ممثل السيد السيستاني في بغداد فقد ذكر بأن آية الله السيستاني ينصح باتباع مبدأ التعددية سواء السياسية أو الدينية العرقية الحكومة العراقية المرتقبة واقترح (إن تمثل الحكومة جميع اطياف الشعب العراقي وأن يكون الشعب العراقي هو المرجع للحكومة العراقية).

ومع ذلك فأن السيد السيستاني لا يمثل جميع وجهات نظر رجال الدين الشيعة، حيث أن مبدأ ولاية الفقيه يعتنقه أتباع محمد باقر الصدر، ومحمد صادق الصدر وهما من رجال الدين البارزين قتلا على يد صدام عامي 1980 و 1999 وذلك لمعارضتهم نظامه (هناك بالطبع تعاطف شديد مع مبد ولاية الفقيه بين صفوف الشيعة بسبب ان الشهيدين الصدرين قد ناديا به واستشهدا من اجله) هذا ما ذكره الشيخ حمزة الطائي الذي يرأس مكتب مقتدى الصدر في كربلاء، و الأخير نجل محمد صادق الصدر وهو رجل دين شاب ومتشدد.

ومع ذلك فإن القلة يعتقدون ان نظام ولاية الفقيه هو نظام مناسب للشيعة في العراق حيث ذكر الدكتور جابر حبيب استاذ مادة السياسة في جامعة بغداد (باستثناء محمد باقر الصدر فانه لا احد في النجف يؤمن بولاية الفقيه الخمينية، وليس هناك أي تحد من مقتدى الصدر حيث ان غالبية العراقيين يقلدون السيستاني وان الدعم الوحيد الذي يحصل عليه مقتدى الصدر هو لكونه نجل محمد صادق الصدر وهو ليس بالمرجع كما إن دراسته الدينية لم تصل الى مراحل متقدمة وهو مجرد فقاعة لا تلبث أن تنفجر.

ما خلا الاختلافات العقائدية فان الصدريين ينظرون بعين الشك الى خلفية السيد السيستاني الايرانية حيث يتحدث العربية بشيء من اللكنة الفارسية وان العديد من رجال الدين الكبار هم من اصول فارسية في حين ان عائلة الصدر هي عائلة عربية ذات اصول عراقية ـ لبنانية).

ان عدم الثقة بالمرجعية الايرانية كانت وراء مقتل عبد المجيد نجل آية الله العظمى ابو القاسم الخوئي أحد العلماء الإيرانيين البارزين والذي عاد الى العراق من منفاه في بريطانيا بعد سقوط النظام وقتل طعنا بالسكاكين في ضريح الإمام علي في النجف، حيث اتهم اتباع مقتدى الصدر بتدبير حادثة قتله وهناك مخاوف أن يكون السيد السيستاني هو الضحية التالية.

(باعتبار ه مسلماً من حق السيستاني المطالبة بحقوق المسلمين، لكن ليس من حقه التدخل بشؤون العراقيين، ونحن لا نريد ان  نخلق المشاكل لكننا لن نسمح لإي شخص بالتدخل بشؤون العراقيين لأن ذلك هو شأنهم لوحدهم) هذا ما قاله الشيخ الطائي.

إن من الأمور التي يجب ان تأخذ بالحسبان ان استعادة مدينة النجف دورها التاريخي سوف يكون له تأثير على ايران حيث يعتقد بعض المحللين أنها سوف تخفف من شدة قبضة رجال الدين الإيرانيين على مقاليد الحكم وبدلاً من ذلك فإن أي تأثير ينطلق من العراق تجاه إيران سوف يكون من خلال النجاح في تطبيق النظام الديمقراطي للحكم في بغداد وليس من خلال الاختلافات في النظرية الدينية الشيعية، ويقول الدكتور جابر حبيب (ان من الصعب تغيير النظام المتبع في ايران بسبب أن الايرانيين هم اكثر التصاقاً بالإسلام من العراقيين، وأن لرجال الدين الإيرانيين تأثيرا أكثر على شعبهم مما لدى علماء الدين في العراق ولكن إذا ما تحسن الوضع في العراق ونجحنا في تطبيق الديمقراطية وتحقيق الرفاهية للشعب فإن ذلك سوف يكون له أعظم التأثير على إيران حيث أن العراق هو الذي سوف يؤثر على إيران وليس العكس).


تصفية الخبرات العلمية في العراق : لماذا ومن هو المستفيد؟

روبرت فيسك

ترجمة/عادل العامل

لقد لوث المغول، ذات يوم، مياه دجلة باللون الأسود، لون حبر الكتب التي دمروها. ويفضل مغول اليوم ان يدمروا معلمي الكتب العراقيين.

فمنذ الحرب جرى اغتيال ما لا يقل عن 13 أكاديمياً في جامعة بغداد لوحدها وعدد لا يحصى في جميع انحاء العراق. وسقط ضحية للحرب على التعليم اساتذة تاريخ وعمداء كليات ومدرسو لغة عربية. وقبل شهرين فقط تقريباً نُحرت عميدة كلية القانون في الموصل مع زوجها.

ويبقى من هم مغول العصر الحديث هؤلاء سراً مؤلماً في قصتنا هذه، فلا نظن انهم طلبة ساخطون، ولا صيّادو بعثيين ـ ربما بعضهم. فجميع رؤساء الاقسام الاكاديمية كانوا مرغمين على الانتماء لحزب صدام. ولم يكن احد من الاساتذة المقتولين من جامعة بغداد سوى حملة بطاقات، فحتى الرئيس السابق للجامعة، الدكتور محمد الراوي، وهو جراح قتل في عيادته قبل عام، كان رجلاً إنسانياً، لبرالياً، غير ان الاساتذة يراقبون اليوم أبواب قاعات محاضراتهم بنفس الحذر الذي يراقبون به تلامذتهم. ومن يلومهم على هذا؟

لقد أردي الدكتور صبري البياتي من قسم الجغرافية قتيلاً قبل شهرين فقط، خارج قسم الفنون بالضبط، وأمام الكثير من طلابه، وكما قال لي احد زملائه: (قتل بالمسدس هناك عند الحائط، ورأى طلبة كثيرون قاتله لكنهم لم يستطيعوا ان يفعلوا شيئاً، رصاصتان فقط. هذا كل شيء). وقبل ثلاثة أشهر، اغتيل الدكتور نافع عبود من قسم اللغة العربية بجامعة بغداد، وكان الدكتور حسام شريف من قسم التاريخ جالساً عند باب بيته في بغداد عندما جاء القتلة واطلقوا النار عليه هو واثنين من اصدقائه، وقتل الدكتور فلاح الدليمي، العميد المساعد بجامعة المستنصرية في بغداد، وهو في مكتبه بالكلية السنة الماضية.

وقد حدثني سعد الحسني، من قسم اللغة الانكليزية بجامعة بغداد، متسائلاً: (ماذا نستطيع ان نفعل؟ قبل شهرٍ، اختطفوا إبني ـ وهو طالب في قسم البايلوجيا. كان يمشي خارج حرم الجامعة في يوم حار، واستقل سيارة اجرة، فقدم له السائق ماءً بارداً، وعندئذ فقد وعيه. وعندما صحا وجد نفسه في غرفة مظلمة، معصوب العينين، وراحوا يضربونه ويعذبونه بالكهرباء، ثم سمع جماعتين من الاشخاص تتجادلان، واحدهم يقول: (انكم جئتم بالشخص الخطأ)! فأخذوه وقذفوا به خارج السيارة الى جانب الطريق. لكنهم في الاقل لم يقتلوه.

وقد لزم البيت الآن، واخفق في الامتحانات).

ويشك اكاديميون آخرون في ان هناك حملة لتجريد العراق من اساتذته الجامعيين، لإكمال تدمير هوية العراق الثقافية، وهي حملة بدأت بتدمير مكتبة بغداد القرآنية والأرشيف الوطني، ونهب متحف الآثارا عندما دخل الجيش الامريكي بغداد.

قال استاذ محاضر (ربما يريد الكويتيون ان ينتقموا لما فعلناه بهم عام 1991، وقد يكون الاسرائيليون يحاولون التأكد من أننا لا نستطيع ان نمتلك بنيةً تحتية فكرية هنا ابداً، اجل، انت ترى إمكانية أن وراء ذلك (المقاومة). لكن ما هي (المقاومة)؟

إننا لا نعرف من تكون. هل هي وطنية؟ لماذا أذاً تريد التخلص منا؟ أم هي دينية؟ لقد اصبح فسم الفنون منبراً للتوجه الاسلامي.

لكن هؤلاء الناس جزء من الجامعة).

وفي مدينة الناصرية الجنوبية، تلقى الكثير من رؤساء الاقسام الجامعية رسائل تهديد، تأمرهم بمغادرة العراق. وقد اغتيل استاذ جامعي واحد، في الأقل.

وقد اغتيلت قبل شهرين، (كما جاء آنفاً)، عميدة كلية القانون في الموصل، وكانت قتلة شنيعة، فقد ذكر لي زميل لها في بغداد:

(انها كانت في الفراش مع زوجها، عندما جاؤا إليها، فأطلقوا عليهما النار بدمِ بارد. ثم قطعوا رأسيهما بالسكين).

كما كان اعضاء من كليتي الفنون والعلوم ضحايا لهذه الاعمال، فقد كان الدكتور عبد اللطيف المياح يعمل في التخطيط المدني في جامعة بغداد بقسم الجغرافية، عندما قتل في منزله، واغتيل البروفيسور وجيه محجوب في كلية التعليم الفيزيائي في شهر نيسان من السنة الماضية عند دخول القوات الى بغداد. وقال صديق للدكتور الراوي: (لقد أخبرني الدكتور الراوي قبل يومين من اغتياله أنه ليس لديه ما يخشاه، فأنا لم أؤذ احداً. والكل يحترمني) وجاءه القتلة في يوم مقتله مدعين أنهم مرضى، واطلقوا عليه النار في عيادته الجراحية.

وكان بول بريمر قد فصل، في الاسابيع الأولى من توليه إدارة العراق، الأكاديميين الكبار الذين كانوا اعضاءً في حزب البعث، وقد شكا استاذ فنون آخر من بغداد قائلاً:

(لقد ذهبوا الى بيوتهم وحاولوا أن يغادروا البلاد. لكن الذين بقوا خائفون الآن في الغالب من العودة لأنهم محددون بالاسم، وهم يخشون على حياتهم)

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة