الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

لكنها المقاومة

عباس بيضون

لهنري ميشو قصيدة بعنوان ملكي يقول فيها (اطبق على ملكي في الليل، اقوم إليه بالتدريج وألوي عنقه، يستعيد قواه فأرجع إليه وألوي عنقه مرة أخرى. أهزه، أهزه كشجرة خوخ عتيقة الى ان يضطرب التاج على رأسه.

ومع ذلك فهو ملكي، اعرف ذلك ويعرفه، وأنا بالتأكيد في خدمته.

(في غرفتي الصغيرة اضرط على وجه ملكي خفية وانفجر بعدها بالضحك، يحاول ان يبدي وجها هادئاً خالياً من الاهانة لكني لا اتوقف عن الضراط على وجهه إلا حين استدير إليه وانفجر ضحكاً من وجهه النبيل وهو يسعى الى ان يحفظ جلاله.

هكذا اسلك معه، وهكذا تستمر حياتي المظلمة بلا نهاية.

والآن، ألقيه الى الارض واقعد على وجهه، وجهه المعظم، بنطلوني الخشن المبقع بالزيت ومؤخرتي، فهذا في الخلاصة اسمها، يستقران بلا منازع فوق هذا الوجه الذي صنع ليحكم، اصفعه، اصفعه، وأمخطه هازئاً كما لو كان طفلاً، مع ذلك لامراء في انه هو الملك وأنا تابعه، تابعه الوحيد).

كان يكفي مقطع من قصيدة ميشو، (هل تبقى قصيدة مع كل هذا الضراط والمخاط) لكني آثرت أترجم (لست اول مترجميها) اثنين او ثلاثة منها. لربما كان من الاساءة للشعر ان نجعل منه شاهدا على حال من احوال الواقع، لكن اعجوبة الشعر في احيان ان يقول في كلمة خلاصة سلسلة متفجرة من المفارقات والمتناقضات، قصيدة ميشو قادرة على ذلك وبنوع من النفاذ والعبقرية، إذ اننا لا نستطيع ان نحصي الملوك الذين لا تستطيع كل اهانات الواقع واهانات العصر وحتى اهانات رعاياهم وسخفهم بل وعارهم احياناً. لم يستطيع كل ذلك ان يمنع بقاءهم ملوكاً، وان يمنعنا من ان نكون في لحظة اتباعهم، او ان يمنع وجوههم المعفرة بالاهانات من ان تعود جليلة، وتيجانهم الساقطة في القذارة من ان ترتفع مهيبة، ملوكنا اصنامنا الجليلة، اقانيمنا العظيمة التي لا ينتصر عليها هزء العالم والتاريخ والوقائع، ولا ينهيها ان تقع مرات بعد مرات في الوحل، او ان يثبت كل يوم بؤسها ولا جدواها، انها تنهض من تحت الصفعات والبصقات والضراط، صفعاتنا نحن وبصقاتنا وضراطنا ملكية من جديد، ليس في الأمر بالطبع خديعة ولا مكيدة ولا حيلة، وليس فيه تمويه او التباس ولا شبهة، الوضوح العاري والحقيقة الساطعة وكل شيء يحصل في نهار جلي الملك لا تمويه والتابع بلا لبس، مع ذلك هناك اسم الملك واسم التابع، وبهذا الاسم يبقى الملك ملكاً والتابع تابعاً.

منذ 1967، تبدأ اللعبة، انهار الحلم العسكري في يوم، القائد الذي ظل طويلاً جنرال الحق وجنرال الأمة بدأ في لحظة مغلوباً، والجيش الذي كان الصورة المثالية للشعب عاد مزقا. كانت هذه أيضا لحظة تهريج ضخمة فجر الناس خيبتهم في أطنان من النكات والضحك، ثم نزلوا الى الشارع، منادين القائد ان يبقى قائداً والجيش ان يبقى جيشاً.

كانت الهزيمة موحية، يسارا ويمينا كان ثمة وحي آخر ربما نسينا اليوم الحلم الفيتنامي حرب الشعب لكن الحلم الاصولي ما زال قائماً وما زال قاعه مثقوباً وبلا نهاية، ليس هذا هو المهم، عند اول محك ظهرت الاشباح جميعاً ولكن غالباً في صور اسوأ، القائد مع كل الاعذار والتغاضيات فقط يبقى قائداً. وليكون لنا قائدا. جنرالات الحق في كل مكان، وهذه المرة بلا حدود ولا شروط، هزيمة حزيران تكررت عدة مرات لكن بمسامحة مطلقة كان يكفي الآن تغير الاسم، تسمي الهزيمة نصرا ويكفي، تضيف للقائد أسماً آخر فيعود جديداً ويولد ثانية، بدل الهزيمة نحارب شعباً آخر. بدل فلسطين نضطهد الاكراد. وبالطبع هناك اسم آخر لكل ذلك، في النهاية تعد الوطنية والحرب والقائد اقانيم ثباتة، لا نتكلم عن الهزيمة، ليس للهزيمة اسم عندنا، بالطبع لا نحلم بمديح الهزيمة كما فعل الألمان، تلك ثقافة أخرى.

اسم يحيي واسم يميت، بدل الحرب الاهلية والانقسام اللبناني بين العرب وأعداء العرب. يغعدو اسم لبنان البلد العربي المقاوم، هذا اسم فوق كل شيء وضد كل شيء. ويكفي لقلب الامور كلها وتضييع الامور كلها. اخيراً المقاومة العراقية، تفجير الأمم المتحدة، نقول هذا ليس صائباً إننا نخطئ تحديد العدو، مع ذلك تبقى المقاومة هي المقاومة وبهذا الاسم سنستصرخها ونناديها من اعماق حطين ونسلمها اللواء.

تفجر المقام الشيعي وتقتل المصلين لكنها المقاومة ونحن لسنا سوى اتباعها ومناصريها، نقول هذا ليس وطنيا ولا مقاوماً ويهيئ لحرب أهلية لكنها المقاومة ونحن اتباعها.

تطلق الصواريخ على زوار الاربعين في النجف ويسقط مئتان ونقول ان هذا طائفي وليس وطنياً لكنها المقاومة ونحن لسنا سوى اتباعها ومؤيديها، وفي اللحظة المناسبة نستصرخها ان تزيد.

تفجر مراكز التطوع العراقية ونقول هذا غلط هذا ليس وطنياً تماماً ولا عراقياً لكنها المقاومة ونحن اتباعها، وفي لحظة ما نستصرخها ان تزيد، نلاحظ قطع الرؤوس وتصفية الاجانب، نقول هذا ليس انسانياً انه غلط ويبرر الاميركيين ويغطي على جرائمهم في (ابو غريب) وعلى انتهاكاتهم الفظيعة؟ للمساجين والسجينات، لكنها المقاومة في نهاية الأمر!! وبهذا الاسم لا نستطيع ان نكون سوى اتباعها. نشك في بيان الزرقاوي البول بوتي. بيان التصفية شبه العامة ثم نتحقق منه وفي الحالين هي المقاومة وبهذا الاسم لسنا سوى اتباعها، نفهم انها واعية او غير واعية تدبر لحرب أهلية طويلة وبلا نهاية نقول هذا، لكنها المقاومة ولسنا سوى اتباعها وفي اللحظة المناسبة نستصرخها لتزيد.

سنقول في يوم انها ليست وطنية وفي يوم انها ليست عراقية، وفي يوم انها ليست مقاومة لكنها المقاومة.. وبهذا الاسم لسنا سوى مؤيديها واتباعها، هل اعيد لازمة قصيدة ميشو (انه ملكي وأنا في خدمته).


دولة الاستقرار السياسي في العراق .. ثالوث الأمن والتنمية والشرعية

سعد سلوم

يقرر عالم الاشوريات توركلد جاكوبسن أن العراق القديم لو عاد إلى الحياة لما اضطرب كثيراً لمرأى آثاره وهي حطام لأنه دائماً يعرف معرفة عميقة بأن (الانسان أيامه معدودة ومهما صنع فما هو إلا ريح تهب).

ويجد جاكوبسن في البيئة التي نمت فيها حضارة وادي الرافدين تفسيراً لنشوء هذه الذهنية التي تكاد لا تؤمن بالراحة والاستقرار، فالبيئة العراقية تتميز بعنصر من القسر والعنف لم تعرفه المدنيات القديمة، فدجلة والفرات يفيضان على غير انتظار أو انتظام فيحطمان سدود الإنسان ويغرقان مزارعه. وهناك رياح لاهبة تخنق المرء بغبارها وأمطارها عاتية تحول الصلب من الأرض إلى بحر من الطيب وتسلب الإنسان حرية الحركة. فهنا في العراق، كما يشرح جاكوبسن، لا تضبط الطبيعة نفسها. إنها ببطشها تتحكم بمشيئة الإنسان وتدفعه إلى الشعور بتفاهته إزاءها.

قد يبدو مما تقدم أن اللاوعي الجمعي للعراقيين قد أعدهم للتعامل مع عدم الاستقرار طوال تاريخهم المشحون بالعنف وجعلهم يغرمون منذ القدم بالدولة في نوع من الارتباط المازوخي. وإذا كانوا قديماً قد نظروا للكون كدولة تدار من قبل مجمع الآلهة فإنهم اليوم يتبعون حلماً بأن تصبح دولتهم المعاصرة جزءاً صغيراً متوحداً ينساب في علاقات طبيعية ضمن سياق كون غامض.

وحتى عندما يمضي العراقيون اليوم قدماً في صنع وثيقة دائمة تعكس حقهم بدولة الاستقرار السياسي، فإنهم يحملون الخوف القديم نفسه من أن يتعثروا مجدداً ويكتشفوا أن (الدائم) وهم! لذا نجد لدى معظمنا نفوراً من كلمة (مؤقت) التي ارتبطت شرطياً في أذهاننا بعدم الاستقرار، فتاريخنا السياسي الحديث خيم عليه شبح الدكتاتوريات العسكرية حتى نيسان الماضي وجاءت سلسلة من الدساتير المؤقتة سرعان ما كانت تركن على الرف لتمثل وضعاً مؤقتاً مشؤوماً.

وحتى دستورنا المؤقت الحالي لم يحمل الصفة المشؤومة (مؤقت) بل أطلقت عليه صفة (انتقالي) وليست (مؤقت) لتحاشي الانطباع القائم للمؤقت في الذاكرة الجمعية، بل إنني شاهدت وجه أحد المتحدثين باسم أحد أعضاء مجلس الحكم يتشنج بالانفعال عندما تمت الإشارة إلى مجلس الحكم بصفة المؤقت وطالب بإسباغ صفة الانتقالي على المجلس بدلاً من المؤقت وكأن هذه الكلمة شتيمة وعار ينبغي أن لا تقترن بأي مؤسسة أو وثيقة رسمية.

ولكن الحنين الثابت إلى رحم الاستقرار الامومي يريد منا أن نبلغ العالم بأسره بأننا لن نكف عن استجماع قوانا للنهوض مجدداً ونؤسس دولة القانون (دولة الاستقرار السياسي) يقسر علينا وضعنا القلق سلسلة لا تنتهي من الاختيارات العشوائية. فما احوجنا إلى نوع من الانتظام وبعض القدرة على توقع ما سيحدث وعلى أن يكف القائمون الدوليون بأمرنا عن النظر إلينا كما لو كنا فئران تجارب. يسألوننا في كل مكان ويحرجون العراقي في كل فرصة (وهم يضعون في أذهانهم النموذج اللبناني) ونحن لا نريد أن نقدم لأحد المعرفة السعيدة عما تعنيه الحياة في مكان لا يملك أحد فيه ما يكفي من السلطة ليحكم! لكننا أيضاً نريد أن نعلن لجميع المراقبين والمتشككين بأننا مثل جميع البشر في كل زمان ومكان، تتقاسمنا في آن واحد حاجة لا يمكن ردها إلى حد أدنى من النظام في الحياة وهذه الحاجة هي التي تقدم التبرير الأساس لوجود الدولة ولتشريع القانون.

كما نعلن أن الدولة العصرية التي نريدها هي المؤهلة دون غيرها لضبط حدود الحريات والحقوق وتوازن المصالح في مناخ يتسم بالأمن الجماعي والاستقرار السياسي فالأمن قيمة عليا في ذاتها والاستقرار كذلك. وليس بجديد القول بأن حياتنا لم تستقيم بدون الأمن والتنمية ولا تحسن أحوالنا بدون الاستقرار الذي هو نتاج الأمن والتنمية فتوفير الأمن والتنمية، أي الاستقرار، يعني توفير شروط إنسانية الإنسان العراقي كما يعني بالنسبة لدولتنا توفير شروط استمرار ونجاح الدولة العصرية.

وقد تميزت الدولة الراسخة في التصنيع والتقدم والتمدن العريق بنعمة الاستقرار السياسي التي يفتقر إليها عراقنا المحظوظ بالكثير من أسباب عدم الاستقرار السياسي: تاريخية، اقتصادية، سياسية، اجتماعية، ثقافية، قانونية ودولية. وقد جر ذلك علينا الاضطرابات السياسية العنيفة والقمع الوحشي وإنعدام السلم الاجتماعي والمدني وتعدد الولاءات والقيم والمرجعيات الوطنية وكثرة الصراعات والتناقضات. وفي مناخ كهذا اختفى التسامح والحوار وحل محله التعصب والتطرف وتفاقمت ظاهرة التفكك السياسي والتحلل الاجتماعي وأضحت أجهزة الدولة مشلولة أو ضعيفة مما يرشح اللجوء إلى ممارسة العنف أو الحرب الأهلية ويصاعد من تأثير عدم الاستقرار في توقف التنمية والحياة المدنية وغياب الشرعية وفقدان الأمل.

والأمن في اللغة: يعني الطمأنينة وهو نقيض الخوف، ويستخدمه الإنسان في التعبير عن قابليته في تحسس المخاطر أو تأثيراتها وسبل مواجهتها وهو بهذا المعنى يعد الفعالية الغريزية والأقدم المرتبطة بوجود الإنسان من خلال سعيه الدؤوب لدرء مكمن الخطر عن نفسه من المجهول الذي تمثل في الظواهر الطبيعية التي لم يجد لها تفسيراً، وكذلك من محيطه الذي وجد نفسه في تصادم معه لأسباب مختلفة.

وقد تطور مفهوم الأمن من إطاره الفردي إلى الجماعي بوصفه نتيجة مباشرة لتطور النظم الاجتماعية ليصبح أكثر شمولية في معالجة مفهوم الحماية ويضم جميع نشاطات المجتمع ومؤسساته بهدف استقرار تعاملات الأفراد فيه ليصبح علاقة جدلية بين السلطة والمواطن.

وهذه العلاقة تمنح واجب الدولة في حماية الأمن بعداً أساسياً، بل إن اختراع الدولة كان من أولى موجباته حماية الأمن أو كما قيل بأن اختراع الإنسان للدولة هو كي يصبح أي إنسان تحت رحمة إنسان آخر أو يدين له بالخضوع (أي لا ينتهك أمنه شخص آخر) مما يعني أن اختراع الدولة ومن ثم صناعة (تشريع) القوانين التي تكفل توفير الضوابط اللازمة لحماية الفرد من الأفراد الآخرين (ومن تسلط الدولة أيضاً) كان مرافقاً لهذه العملية الكبرى التي أراد فيها الإنسان حماية أمنه.

وقد كان الاستقرار في ظل النظام السابق يأخذ طابعاً بوليسياً مقيتاً وبعد أن انهارت القشرة الرقيقة لهذا الاستقرار المؤسس على توفير الأمن الكاذب لم يفعل غزو الولايات المتحدة للعراق شيئاً لاستعادة الاستقرار أو لتوفيره حيث حل العنف الطائش والعشوائي والتفجيرات الانتحارية واستحالة التنبؤ بيوم غد محل القمع العشوائي. وبدت ثمار الحرية التي قطفها العراقيون مرة وجافة في أفواههم العطشة لما هو راسخ وحي من المؤسسات التي تشكل دولة الرفاه والقانون والحرية.

وخلال المرحلة الانتقالية كان على سلطات الاحتلال المسؤولية المستمرة بشأن توفير بيئة أمنية للعراقيين تسمح بتسيير الحكم بصورة نظامية. وتسمح بتنظيم المشاورات الواسعة حول الدستور وتنظيم الانتخابات. وهو ما بدا مطلباً عسيراً لا تستطيع هذه السلطات تحمل كاهله دونما مساعدة من قوات الشرطة والجيش العراقي. على أن تاريخ الجيش العراقي الممتد إلى أكثر من (80) عاماً تداعى، بعد أن حول السيد بريمر عصاه السحرية لتحل هذه المؤسسة العراقية وبعد مرور (30) يوماً بالتمام أخرج قراراً آخر من صندوق العجائب يقضي بتأليف الجيش العراقي الجديد. وقد أدى هذا الفعل إلى إثارة التساؤل عما إذا كان ذلك يخل بالاستقرار أم لا؟ للدور الذي يمكن أن يضطلع به الجيش في عملية الاستقرار أثناء الاحتلال أو بعده أم إن هذه خطوة محمودة لاسيما وإن إخراج العسكريين من مجال الأمن الداخلي ضرورة لحفظ الاستقرار؟

مهما تكن مسوغات هذا القرار فقد ترك آثاره على استقرار البلاد، ذلك إن الجيوش المسرحة تحولت إلى جيوش من العاطلين، الأمر الذي طرح إمكانية إنضمام العديد منهم (مع ما يحملونه من نقمة) إلى صفوف القائمين بالعمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال أو اللجوء إلى استخدام العنف لتحصيل قوتهم في أفضل الأحوال.

أما عملية تكوين الجيش الجديد وطبيعتها فلم تنبئ عن أكثر من تشكيل جيش صغير تكون له أدوار بسيطة أو ملحقة لما تؤديه قوات التحالف في العراق وهو ما يجعل حدود العراق الطويلة مع دول الجوار مفتوحة على مصراعيها لتسرب الإرهابيين الذين عاثوا فساداً في طول البلاد وعرضها وجعلوا عملية الاستقرار مطلباً بعيد المنال. ولا يتطلب الأمر الكثير من الذكاء لإدراك كون مسؤولية حفظ الأمن التي قد يضطلع بها هذا الجيش هي أمر أوسع من حدود قدراته. وإن حالنا لن يستقيم بدون أن يصبح جيشنا جاهز عملياتياً.

ولعل عملية بناء العراق (بالمعنى الواسع للكلمة) لا تستقيم بدون أرضية الأمن الفاعل، أي ذلك الأمن الذي بفضل مجهود التنمية يرتكز بالأساس على منع أسباب ومظاهر العنف. وقد ربط (روبرت ماكنمارا) - وهو وزير دفاع أمريكي سابق ورئيس سابق للبنك الدولي - بين تحقيق الأمن وقدرة الدولة على النهوض بأعباء التنمية، حيث يقول في كتابه (جوهر الأمن): لا يمكن للدولة أن تحقق أمنها إلا إذا ضمنت حدا أدنى من الاستقرار الداخلي، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه إلا بتوافر حد أدنى من التنمية على المستوى الوطني، لذا فقد عرف ماكنمارا الأمن بقوله: الأمن يعني التنمية، فالأمن ليس تراكم السلاح وليس هو النشاط العسكري التقليدي. إن الأمن هو التنمية ومن دون التنمية فلا مجال للحديث عن الأمن. وقياساً على ذلك لا يمكن في بلدنا تناول الأمن بنجاح دون توفير تصور مستقبلي عن التنمية أو بناء استراتيجية إنمائية وهو ما يتطلب انطلاقنا من تشخيص مصادر الإخفاق السابقة وعوائقها الحالية. وقد كان للتصلب الأيديولوجي الذي عرفه العراق في ظل النظام الشمولي السابق الأثر في تحويل المجتمع إلى أداة أصبحت معها التنمية فعلاً دعائياً للسلطة وإلى الهياكل التي تعزز هيمنتها وليست فعلاً يلبي طموح الإنسان العراقي وحاجاته. وقد تركزت عوائق المرحلة الانتقالية في إشكالية التناقض بين أهداف التنمية (ذات الأجل الطويل) ومرامي الاحتلال الأمريكي (ذي الرؤية المرحلية المصلحية) وقد يذهب البعض إلى إن بناء استراتيجية التنمية يتطلب بالضرورة إزالة تدريجية للاحتلال فهي ببساطة لا تستطيع أن تتعايش معه، فاحدهما (الاحتلال والتنمية) ينفي الآخر ما لم تنسق بين الاثنين عملية استعاضة معينة.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار العلاقة التكاملية بين الأمن والتنمية فإن الإطار المؤسسي لهما: الجيش بالنسبة للأمن، وصناعة النفط بالنسبة للتنمية في تاريخ العراق السياسي الحديث قد جددا شخصية البلد ومصائره ووضعاه على مفترق الطرق لأكثر من مرة. وقد تحرك الأمريكيون لحل الأول (مما زعزع الاستقرار أو زاد في حدته) وهم يمضون قدماً في خصخصة الثاني (مما يلقي بظلال قاتمة على شفافية عملية التنمية ومستقبلها) وهذان العملان في الواقع يضعان بلدنا، مجدداً، على مفترق آخر وينقلان حلمنا بدولة الاستقرار إلى مستوى جديد. التفاصيل

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة