الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

 

سيناريوهات مستقبل العراق  فتح الابواب امام الديمقراطية او الدكتاتورية او الفوضى

بقلم/ هاوارد لافرانتشي

واشنطن: انه الحسن فالسيء فالقبيح: تلك هي ثلاثة سيناريوهات للعراق قبيل سنة من اخذ اهله زمام شؤونهم بأيديهم.

السيناريو الاول: بلد مستقر نسبياً وقد اصبح اكثر رفاهاً وسار على طريق تجاوز به ما كائن في افغانستان اليوم . فالنفط في انسياب والهجمات المسلحة في تناقص والاقليتان السنية والكردية هادئتان ويعملان مع البنية الجديدة للسلطة. اما القوات الامريكية فقلما تشاهد واصبحت عبئاً على قواعدها.

السيناريو الثاني: العراق غير مفكك غير انه تحول الى نظام سلطوي اكثر مما ترغب به الولايات المتحدة. فالعلاقات مع واشنطن والقوات الامريكية متوترة. فهناك الارتجالية المفرطة واساءة حقوق الانسان نظراً لإرتداد الزعماء بإتجاه العادات السائدة في النظام السابق. اما الخدمات الاساسية فهي في تحسن.

السيناريو الثالث: ينوء العراق في صيف 2005 تحت تطرف اسلامي خارج السيطرة. وانه في بواكير تفككه وانقسامه مع وقوع اجزاء من البلاد تحت تأثير تركيا وايران وجيران أخر. تجري الانتخابات المؤجلة لكنها تفشل في خلق الوحدة السياسية ويلوح شبح الحرب الاهلية. هذا هو المدى الذي ينظر به الخبراء على امتداد السنة القادمة. ويقول اغلب هؤلاء. ان التحديات التاريخية التي يمثلها العراق مضافاً الى ذلك الاخطاء المرتكبة في السنة الماضية يمكن ان تجعل السيناريو الاول بعيد المنال.

كما ان علامات تصميم العراقيين لرؤية الامور تسير نحو التحسن يمكن ان يجعل الآن السيناريو الثالثة اكثر تباعدًا.

وهذا يترك شيئاً وسطاً هذا وذاك- على الرغم من ان بعض المتفائلين الاوائل يعتقدون ان تدهوراً نحو السيناريو الثالث محتمل الوقوع. يستطيع المرء ان يتنبأ بحزمة من السيناريوهات الحسنة بل حتى الاكثر سوءاً. غير ان العدد الاكبر منها يظل وسطياً كما يقول (جون والترمان) عضو سابق في هيئة مخططي السياسية في وزارة الخارجية وهو يعمل الآن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية هنا. وربما يكون العامل الاكثر حسماً هو كيفية رؤية العراقيين المنخرطين في العملية لما جارٍ من اصلاحات في بلدهم بعد التيقن من ان هناك سنة اخرى من التغيير واللايقين. غير انه حتى الانخراط الاكثر قد لا يكون كافياً للنجاح (للوهلة الاولى اعتقد ان الفشل احتمال قائم) كما يقول  (مايكل او هانلون) المحلل في مؤسسة (بروكنغز) ويواصل قائلاً: هناك درجات من الاخفاق غير ان السنة القادمة ان ظلّت انزلاقاً بطيئاً نحو التشرذم... والصراع الاهلي فإنه سيكون من الصعب اطلاق اي اسم آخر غير هذا على ذلك.

وبنقل السلطة الآن بصورة رسمية من الائتلاف المحتل الى حكومة مؤقتة تكون آفاق العراق قد انتقلت الى تشكيلة جديدة من التساؤلات وهي الآن معتمدة اكثر على ما يفعله العراقيون انفسهم مما تفعله الولايات المتحدة: اي كيفية قيام حكومة اياد علاوي بإقامة الشرعية ليراها العراقيون بأم اعينهم بالسرعة المرجوّة وما هي سرعة تحسن الخدمات والنمو الاقتصادي الذي يغذي الاقتناع العام الذي اعاقت الولايات المتحدة تقديمه فيما اذا كان بالامكان اعادة الاحساس بالاستقرار. غير ان الخبراء يقولون ان العوامل الحاسمة للامور ستكون سياسية اكثر منها عسكرية. ويضيف (اولترمان) قائلاً (ان احدى خيبات الامل الرئيسة في العام الماضي اتت كما يبدو من احساس العراقيين بخروج ما يحدث في بلدهم من ايديهم وكان على ذلك ان يتغير حتى وان اريد تحقيق السيناريوهات الوسطية.

وجوب نسيان اشعاع الديمقراطية

يبدو ان العراقيين متفقون على نقطتين: ان البلاد لن تكون اشعاعاً للديمقراطية في الشرق الاوسط كما وعدت ادارة (بوش) كما ان ما يحدث في الانتخابات الامريكية في تشرين الثاني/ سيكون ضئيل التأثير على مصير العراق. ان فكرة الديمقراطية (الجيفرسونية) بعيدة جداً عن المشهد لدرجة عدم تشكيلها حتى قائمة سيناريوهات كما يقول (جون هلسمان)، احد خبراء السياسة الخارجية في مؤسسة هيرتج،  ويقول (ان ما قتلها هو ابو غريب) مضيفاً ان الصور سيئة الصيت للانتهاكات قد اثارت اشمئزاز العراقيين والشرق اوسطيين المرتابين اصلاً من مشروع الولايات المتحدة لجعل العراق مثلاً يحتذى.

وفي ذات الوقت فإن ما ستتمخض عنه الانتخابات الامريكية لن يكون كبير التأثير، كما يقول العديد من الخبراء، لأن مشروع العراق الآن يعتمد على العراقيين ولأن متحدي (جورج بوش) الديمقراطي القوي الافتراض (جون كيري) لم يقترح حتى الآن سياسة حول العراق تنحرف بصورة مفاجئة عن سياسة الرئيس.

ويبدو من المحتمل مما رأينا  الآن ان (كيري) سيقتفي بصورة اساسية اثر الادارة الحالية وان كان من الممكن على الاقل النظر في بدائل لسياسة (بوش) كي يحقق شيئاً ما وان حفت به المصاعب كما يقول (تشارلس بينا) المحلل في الشؤون الامنية في معهد (كاتو).

ان ادارة (بوش) تتنباًُ ببقاء عشرات الآلاف من القوات الامريكية بكل اطمئنان الى ما بعد السنة التالية. وفي آخر شهادة  له امام مجلس الشيوخ قال (بول ولفويتز) نائب وزير الدفاع انه -يحتمل بالكامل- ان تحافظ الولايات المتحدة على وجود هام في العراق لسنوات قادمة.

ان هذا السيناريو يعني زيادة آفاق ان يظل العراق ساحة معركة حامية الوطيس للتطرف الاسلامي كما يقول السيد (بينا) وهو يقول (اعتباراً من سنة الآن ربما نتعامل بكل تأكيد مع عراق وقد تحول الى بؤرة استقطاب في الحرب على الارهاب وكلما اسرعنا في ازالة الوجود الامريكي كلما ازداد احتمال ان لا يصبح العراق موطئ قدم للاسلام الراديكالي).

غير انه بتنحية مشكلة التطرف الديني جانباً، تبقى الطريقة التي بها تتوجه الحكومة نحو التمرد المسلح هي المفتاح الذي يتقرر على اساسه العراق المنبثق.

ان مطالب العراقيين العاديين في الامن يحتمل ان تتسبب في ظهور اجراءات الرجل القوي التي تذكر بتقاليد البلد في الماضي - ان كانت قوات الامن الجديدة ارتفعت الى هذا المستوى بالفعل.

(ان الطريقة الوحيدة التي شاهد فيها العراقيون في الماضي التعامل مع العنف بصورة فعالة هو عبر الانقضاض وحيث ان الاولوية القصوى تعطى للوضع الامني، فيتوقع والحالة هذه، ان تصبح الحكومة المؤقتة اكثر سلطوية مما ترغب به الولايات المتحدة)، كما يقول (اولترمان). والحقيقة البسيطة تبقى وهي ان العراقيين سيحصدون نتائج افضل على المدى البعيد من ان ينعموا بالحرية على المدى القصير.

المهام المتبقية

ان اكثر السيناريوهات ايجابية للعراق هو ذلك الذي تتمكن منه الحكومة من توسيع العملية السياسية كما يتم استقدام بعض ممن يمثلون بالنسبة للولايات المتحدة (الازلام الرديئين) كما تقول (مارينا اوتاوي) المتخصصة في الحكم في (وقف كارينجي) للسلام العالمي. وتضيف (اوتاوي) قائلة: (ان ظلت كتل كبيرة كالسنة والبعثيين خارج الخيمة فإن آفاق عراقٍ مستقر بعد سنة من الآن ستنكمش).

ترجمة: كاطع الحلفي

عن صحيفة: كريستيان ساينس مونتير الامريكية


نتيجة أعادة ألتصويت في فنزويلا ضد ألأصلاح ألرأسمالي ومع ألديمقراطية ألرأسمالية

ترجمة جودت جالي

عن ألأيكونوميست

سرعان مارفض معارضوه النتائج بوصفها ( حيلة كبرى ) . قال هنري راموس آلوب أحد قادة تحالف المعارضة بأنهم سيبدأون جمع ألأدلة لأثبات أن النتائج قد زورت . ماهو أكثر أهمية هو ألأعلان النهائي من قبل المراقبين الذين أرسلوا من منظمة الدول ألأمريكية ومركز كارتر ( جيمي كارتر رئيس سابق للولايات المتحدة )، ولكن مع كون السيد شافيز قد فاز بفارق 1،5 مليون فأن أي تدقيق في النتائج يجب أن يأتي بفارق ضخم ليغير الحصيلة ، وهكذا يبدو أن السيد شافيز قد دل خصومه على طريق ألأنصراف مرتاح البال وسوف يستمر بحكم بلد أمريكا الجنوبية المنتج للنفط حتى 2007 على ألأقل ، ومن المثير للسخرية بالنسبة لشافيز أن أصلاحاته الدستورية هي التي أدخلت أعادة التصويت وهي آلية شبيهة للتي جعلت أرنولد شوارزنينغر حاكم ولاية كاليفورنيا. معارضو السيد شافيز أدعوا في أواخر السنة الماضية أن

مذكرتهم قد جمعت بسهولة 2،4 مليون من التواقيع التي هم بحاجة أليها. ولكن CNE حيث يتمتع أعوان شافيز بالأغلبية حكمت بأن أكثر من مليون توقيع على الطلب مشكوك في صحته وتوجب على المصوتين المعنيين في آيار أن يؤكدوا صحة الطلب وقد حدث مايكفي لأجبار شافيز على أن  يسمح للمذكرة أن تأخذ طريقها وعلى كل حال فأن المعارضة وهي تتجاوز كل العقبات التي وضعها الرئيس ومسؤوليه أمامها أدارت معركة تعوزها الحيوية وسمحت لمبادرتها ألأولية في أستطلاعات الرأي أن تضمحل . لقد فشلت في أن تقدم قائدا بديلا مقنعا يحل محل شافيز في حالة خسارته ، وأكثر من هذا فقد بقي الرئيس يحظى بشعبية بين أشد سكان فنزويلا فقرا رغم ماأدت أليه سياساته من أفقار للبلد حيث أنخفض معدل دخل الفرد منذ أن أنتخب قبل ست سنوات بمقدار الربع . أن الصعود ألأخير لأسعار النفط أغدق على الحكومة عائدات يسرت للسيد شافيز أن يدخل برامج أجتماعية شعبية ساعدته ربما في الخروج من اعادة التصويت منتصرا.

ولكن لايبدو أن هذه المساعدة ستعوض تماما سنوات من ألأنهيار ألأقتصادي الحاد  أو تخفف التضخم الصارخ ( حوالي 30% في السنة الماضية ).

السيد شافيز وهو كولونيل سابق في الجيش حاول أن يستلم السلطة بأنقلاب فاشل عام 1992 قبل أن ينجح ديمقراطيا عام 1998 ( وعام 2000 مرة أخرى) واصل منذ أن أصبح رئيسا مايسميه ( الثورة البوليفارية ) مستلهمة من بوليفار الجنرال فنزويلي المولد الذي قاد معركة المنطقة الأندية من أجل ألأستقلال عن أسبانيا في أوائل القرن التاسع عشر ومستلهمة جزئيا من نظام فيدل كاسترو الشيوعي في كوبا ،فسعى الى أنتزاع المؤسسات الرئيسية – بدءا من المحاكم وحتى شركة النفط الحكومية – من أيدي النخبة (ألأقلية) ، وقد أدى هذا الى صدامات عنيفة بين أنصار الرئيس ومعارضيه .

وعد السيد شافيز وهو يخرج منتصرا من أعادة التصويت بأن حكومته ستواصل ضخ النفط لتساعد السوق العالمية على ألأستقرار . فنزويلا هي أحدى  أكبر خمس دول مصدرة للنفط وتزود أمريكا بحوالي 13% من وارداتها النفطية .وهكذا   رغم بلاغة السيد شافيز الضارية المعادية للرأسمالية ، وهو بالكاد خبير بأمور التجارة ، فقد أستقبلت ملاحظاته الملطفة بالترحاب ، وجعل المؤشر ألأمريكي ينزل عن مبلغ 46،91 دولارا للبرميل والذي بلغه قبيل أعلان النتائج .

أن أنتصار شافيز الظاهر ربما هو تعبير بطريقة أخرى لأفقر طبقات أمريكا اللاتينية عن فقدانها الثقة في أصلاحات السوق الحرة التي أكتسحت المنطقة في الثمانينيات والتسعينيات ورفعت العديد من الناس الى الطبقة الوسطى ولكنها فشلت في الوصول الى المدفونين في الركام ألأجتماعي . أجري أستطلاع في 18 بلدا أمريكيا لاتينيا وطبع في عدد ألأيكونوميست هذا يظهر أن 17% يوافقون على أن بلدهم ( محكوم لمصالح أقلية متنفذة) . في العديد من ألأنتخابات ألأخيرة أختار الناخبون أن يصوتوا لصالح مرشحين يميلون الى سياسة يسارية وضد الليبراليين الجدد كما هي الحال مع الرئيس ألأرجنتيني نيستور كيرشنر والبرازيلي لولا دي سيلفا ( مع أن ألأخير أستمر بسياسة أقتصادية محافظة )، وفي جارة فنزويلا ألأندية بوليفيا أجبرت أحتجاجات مجموعات ألهنود ألأمريكيين العاملة في ميدان زراعة الكاكاو العام الماضي الرئيس ذا التوجه نحو أألسوق الحرة غونزالو ساشيز لوزادا على ألأستقالة .

ولكن رغم خيبة آمالهم فأن الناخبين لايريدون العودة الى الديكتاتورية العسكرية التي حكمت الكثير من بلدان أمريكا اللاتينية حتى الثمانينيات من القرن الماضي . ألأستطلاع يبين أن الفنزويليين من بين أقوى أنصار الديمقراطية في المنطقة بنسبة 74% بزيادة 12% عن أستطلاع مماثل عام 1996 . ماتحتاجه ألآن الثقة في صناديق ألأقتراع هو أن يقبل معارضو السيد شافيز بنتيجة التصويت ، وبالنسبة للرئيس نفسه، أن يكف عن أثارة ألنزاعات وأن يبدأ بعمل أفضل مايمكنه لأدارة البلاد .                    

    


عشت لأروي الحكاية...

بقلم: سالم لون

ترجمة: عمران السعيدي/الكارديان

حتى قبل الانفجار الرهيب الذي دمّر مكاتبنا في بغداد في التاسع عشر من آب عام 2003 والذي قتل 22 فرداً من زملائي كانت بعثة الأمم المتحدة في العراق قد اصبحت في وضع مهمّش جداً ازاء سلسلة الاحداث المتواترة هناك. لقد أصبح العراق مركزاً لحربين: بين الولايات المتحدة والارهاب والحرب بين المتطرفين لحضارتين وان الهجوم الارهابي الذي حدث قبل سنة مضت لم يفاجئ اياً من العاملين مع (سيرجو دميللو) ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق وان مسؤولي الاتصالات في الأمم المتحدة في العراق قد استقبلوا ذلك الصباح لتقديم خطة للعراقيين توضح فيها ان بعثتنا جاءت الى بلادهم كمساعد للاحتلال الامريكي. والقليل من العراقيين كان يدرك عكس ذلك كما ان بعثة الامم المتحدة اصبحت بعيدة جداً عن الاميركان وانهارت العلاقة المبكرة الذي أقامها (سيرجيو دميللو) ذلك المفاوض العالمي البارع في أزمات ما بعد الحرب، مع (بول بريمر) الحاكم الإداري الامريكي وكان الاحتكاك متقطعاً بحيث اصبحت سلطة بريمر تتعامل مباشرة مع العراقيين لقد تم تعيين مجلس الحكم بمساعدة بسيطة من قبل (سيرجيو) وان الخوف من اساليب الاحتلال لابعاد (سيرجيو) قد فرّق تماماً بين بريمر والأمم المتحدة حول القضايا الاساسية كالدستور والانتخابات والتوقيف ثم ظروف المحتجزين في سجن (ابو غريب) ثم جاءت المرحلة الواطئة نهاية تموز العام الماضي حين اعاقت الولايات المتحدة عملية نمو بعثة الامم المتحدة داخل العراق والتي اعتقدها (سيرجيو) بانها بعثة حيوية وإن الـ(CPA) تدعمها أيضاً، ومن جهة أخرى فان إدارة بوش قد طلبت بقوة حضور الأمم المتحدة والذي يأمل من خلال نهاية سريعة للاحتلال وكنا نعلم بأن هذه النهاية هي جوهرية لتفادي أزماتٍ أكبر.

استمر (سيرجيو) لضغط المسافة التي يمكنه من خلالها ما سمّاه (الغموض البنّاء) في قرار مجلس الأمن المغلق لما بعد الحرب والذي أرسل فريق الأمم المتحدة الى المرجل العراقي دون اعطائه أدنى مستوى من الاستقلالية أو السلطة وليس من المبالغة في القول بأن هذا القرار كان وراء ناقوس الموت للأمم المتحدة في العراق. ومع المقاومة البطولية ضد الضغط الامريكي للسيطرة على الحرب فان اعضاء مجلس الأمن قررّوا إبداء الإدارة الخيرة امام المنتصرين).

في ثاني يوم لوجودي في بغداد ذكر لي احد العراقيين واصفاً تلك الحالة بأنها: (خطوة بعيدة جداً)

من جهة أخرى فقد بدا سيرجيو منتصف آب غير مرتاح بفتح الثغرات في البروتوكول وقبل يومين من التفجيرات في مكتب الامم المتحدة كان قد اخبر صحفياً برازيلياً بان العراقيين يشعرون بالاهانة من هذا الاحتلال سائلاً أياه سؤالاً هو كيف يشعر البرازيليون وهم يشاهدون الدبابات الأجنبية تجوب شوارع ريودوجانيرو؟ وفي يوم التفجير كان سيرجيو على وشك ان يقدم بياناً ينتقد فيه قتل الجنود الامريكان لمصور وكالة رويترز (مازن دانا) وهو يصور الحدث خارج سجن أبو غريب. ذلك البيان انقذ حياتي فقد طلب سيرجيو وضع معلوات اضافية حول عمليات قتل غير قانونية أخرى وهذا ما جعلني لا أحضر اجتماع الساعة الرابعة بعد الظهر والذي كان هدف ذلك الهجوم. لقد توفي ستة من سبعة مشاركين في ذلك الاجتماع أما السابع فقد قطعت اطرافه الأربعة.

ان التاسع عشر من آب 2003 هو لحظة محوريّة في تاريخ الأمم المتحدة ليس بسبب الهجوم القوي والذي لم يسبق له مثيل، ولكن بسبب ضعف الصرخة العالية من قبل العراقيين والعرب والمسلمين ازاء هذه الوحشية. يكشف هذا الصمت عمق موقف المنظمة الضعيف في منطقة الشرق الاوسط والذي جاء نتيجة عدم قدرتها على احتواء او حتى إدانة التجاوزات العسكرية في سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل في مرحلة ما بعد احداث الحادي عشر من أيلول. وتعد الأمم المتحدة الآن راغبة جداً في تنفيذ أوامر الولايات المتحدة وإن تحديها المخلخل حول سيطرة حرب العراق تم نسيانه بسرعة، في حين جاءت مصادقة مجلس الامن سريعة حول ادانة (إيتا) في هجمات اسبانيا والتي اتهمت فيها منظمة القاعدة.

ان هذا الاستغلال المتعجرف لقرارات مجلس الأمن والتي يفترض أن تكون مقدسة هو الاحتمال الوحيد لأنه مدعوم من قبل الولايات المتحدة والتي كانت ترغب في حماية حكومة (إزنار) من الهزيمة الانتخابية.

ففي الوقت الذي نرى فيه المعايير المزدوجة لدى مجلس الأمن حول الشرق الأوسط سبباً اساسياً في عدائية العرب والمسلمين نجد القدرة الامريكية في الضغط على قيادات الأمم المتحدة بعدم المساس بالخط المرسوم مشكلة أخرى أيضاً. وإن ادارة الرئيس بوش تستمر بالضغط العالي على كوفي عنان للعودة الكاملة للأمم المتحدة الى لارعاق دون الأخذ بنظر الاعتبار المخاطر والاضرار التي قد تصيب المنظمة وفريق عملها من جميع النواحي الجسدية والاخلاقية وحين تجد الدول ذات العضوية القوّية أنه لمن الضروري الإذعان لمطالب أمريكا يكون من الصعب على الأمين العام المعيّن تحدي الولايات المتحدة ازاء قضايا تعدها حيوية.

ومن جهة أخرى تضع إدارة الرئيس بوش ضغطاً قاسياً على الدول لدعمها حتى في اكثر الأمور تعقيداً في حربها على الإرهاب دون الاهتمام بالضرر الذي قد يلحق بتلك الدول واستقرارها جراء دعمها للولايات المتحدة. ومثال ذلك هو الدفع نحو عمل بعثة الأمم المتحدة في العراق تحت حماية قواتٍ من الدول الاسلامية. وان حضوراً كهذا سوف تصاحبه مخاطر قوية ضد الامم المتحدة وضد أي بلد يستجيب لهذا الطلب وخاصة الباكستان والسعودية ولكن قدرة الولايات المتحدة (باقناع) تلك الدول قد ينجح.

يبدو ان هناك القليل لتعلّمه اليوم من الزلزال العنيف الذي أصاب الأمم المتحدة قبل عام مضى.

فالأمم المتحدة شيء ثمين جداً.. ليس بسبب أسمها ولكن بسبب كفاحها، ورغم عدم كمالها للوصول الى اجماع دولي حول قضايا العالم المعقدة فان المتعصبين الذي فجروا بعثة الأمم المتحدة قاموا بعمل قاس وضربة موجعة لاقدارها وثرواتها في الشرق الاوسط ولكن مهما طال أمد هذا الضرر لهذه المؤسسة الشرعية والتي لابديل لها سوف لن يكون اصعب من الاذعان لمطالب واملاءات امريكا.

واذا استمرت بالانحناء للضغط فسوف يتشتت رأسمالها وتتخلى قراراتها خفيفة الوزن الى الجهة ذات الجسم المكتنز.

وان الدول الاعضاء مع الأمين العام ينظرون الى هذه الشرعية المتآكلة باعتبارها أكبر تحد تواجهه المنظمة وليس بامكانهم التقدم الى الأمام ما لم تدرك الولايات المتحدة ان هذا التحرك هو لمصلحتها وبعد ذلك تبدي احترامها للأمم المتحدة وتدعم قراراتها في ضوء مصالحها المباشرة.

 


 

وداعاً خسرو توفيق انساناً ومناضلاً

امير الحلو

في اواخر شهر ايار عام 1963 جرت (استضافتي) في مكان يشبه فندق (خمس نجوم) من حيث البناء ويشبه ما قرأناه عن سجن الباستيل من حيث المحتوى، ولأن الفندق المذكور يحمل اسم (قصر النهاية) فقد كان مزدحماً بنزلائه الذين لم يختاروا المكان بأنفسهم ولكن ( مكانتهم) السياسية العليا وفداحة (جرائمهم) جعلتهم ينزلون في هذا الفندق المميز عن غيره من (الفنادق) التي كانت تضم نزلاء من درجات ادنى سياسياً منا.

وبسبب الازدحام الشديد في جميع (السويتات) والغرف والقاعات، فقد (جرى) رميي في احد الممرات بالقرب من المدخل الرئيس، وبعد ساعات من (الاستقرار ) في موقعي الجديد رأيت احد الاشخاص يفترش الارض بالقرب مني ويبدو معزولاً عن الآخرين، عندما تحدثت معه وجدته دمثاً ولكنه حذر في الوقت نفسه، ومعه الحق فهو لا يعرفني خصوصاً وان المكان (ملغوم) واحتمالات الصعود الى غرفة التعذيب في الطابق الاعلى واردة كما ان احتمالات النزول الى السرداب في الاسفل وهو المخصص للاعدام الفوري واردة ايضاً. وبفعل مرور الوقت بطيئاً وفارغاُ فقد اخذت بالتقرب اكثر من (النزيل) الذي سبقني في افتراش الممر فعرفت ان اسمه (خسرو توفيق) وهو شقيق المناضل الكردي المعروف (دارا توفيق)، وعندما وجد من خلال حدثينا بأنني قريب من الافكار اليسارية والتقدمية ولا احمل افكاراً شوفينية متطرفة اخذ يثق بي يوماً بعد يوم واخذنا نتحدث طويلاًُ في امور سياسية وثقافية وعامة بحرية وثقة. وقد وجدت ان هدوءه يخفي وراءه شخصية ثورية مناضلة ومثقفة، وحذرة ايضاً، فلم اجده يختلط مع (سكان) الغرفة التي تجاورنا والتي كانت تضم قياديين شيوعيين منهم المرحوم نافع يونس والمرحوم الدكتور محمد الجلبي (جرى اعدامهما ونحن في قصر النهاية) وشريف الشيخ والدكتور حسين علي الوردي وحازم مشتاق وغيرهم، وكان يعتذر مني عندما كنت ادعوه للقيام بزيارة (مشتركة) لأولئك الرفاق الذين كنت اجلس معهم يومياً لأستمع منهم وليستمعوا مني حول ما يدور في البلد.

حدثني (الصديق الجديد) و (الزميل في المكان) خسرو توفيق كثيراً عن حياته وافكاره وفتح لي قلبه بالرغم من تكتمه الشديد (حتى في التحقيق والتعذيب) بإغفاله الحديث عن امور كثيرة كان (المحققون) يريدون الحصول عليها. لقد احببت خسرو من كل قلبي وربطتنا علاقة وثيقة بالرغم من اننا كنا نمثل (اتجاهين فكريين مختلفين) في الحسابات التقليدية، ولكننا من خلال المناقشات وجدنا انفسنا في (خندق واحد) معاد للدكتاتورية الحزبية وسياسة القتل والتعذيب وتصفية التيارات الاخرى مهما كانت اتجاهاتها يسارية او قومية او دينية، كما وجدنا ان (خلافاتنا) السابقة كانت مفتعلة وحتى ساذجة غير مبررة وتنطلق من مواقف متطرفة غير موضوعية.

مضت الايام ثقيلة وبطيئة في قصر النهاية وكان الليل فيه رهيباً حين تسمع اصوات الانين الصادر من غرف التعذيب وحين تسمع بإعدام انسان كان معك قبل ساعات (كما حصل معي عندما كنت اساعد الدكتور محمد الجلبي على تناول الطعام لأن يديه ترتجفان بفعل الضرب والتعذيب ثم علمت صباح اليوم التالي انه اعدم في الليلة نفسها)..

وفي تموز 1963 قام البطل حسن السريع بحركته في معسكر الرشيد، وجرت عمليات نقل السجناء السياسيين على اماكن الاخرى وخصوصاًُ (قطار الموت) الذي توجه الى نقرة السلمان يحمل افواجاً من الشيوعيين الذين كانوا في سجن رقم واحد. وبعد ايام جرى نقلنا من قصر النهاية الى سجن رقم واحد، وكان علي ان اودع خسرو توفيق بعد اشهر من الرفقة ليلاً ونهاراً وبعد ان ارتبطنا بصداقة بقيت اعتز بها. بقي خسرو في قصر النهاية حتى تمكن السجناء والمحجوزون من مغادرته في 18 تشرين الثاني 1963. بعد سنوات التقيت بخسرو في دار احد الاصدقاء المشتركين فتذكرنا (ايامنا الخوالي)، وبالرغم من بقائه على هدوئه وحذره الا انه كالعادة كان منفتحاً معي فتحدثنا عن كل شيء بحرية تامة وثقة متبادلة في وقت كان فيه مجرد الهمس (السياسي) المعادي يؤدي الى الاعدام، اتفقنا ان نلتقي ولكن الفرصة لم تسنح لنا، حتى رأيته بعد سقوط النظام السابق يسوق سيارة خدمية في شارع السعدون فأشرت له بالوقوف فوقف (بحذر) ولكن ما ان تعرّف عليّ حتى هبط من السيارة واحتضنني وسألني عن احوالي كما سألته عن اوضاعه بلغني بأنه لديه مكتب في بداية شارع الرشيد في العمارة التي يقع فيها محل (جقماقجي) للتسجيلات الغنائية واتفقنا ان ازوره هناك، وقد وجدته سعيداً بمبادرة الاخ الاستاذ فخري كريم في تشكيل مجلس السلم وانعقاده في كردستان حيث كان الاخ خسرو توفيق من ضمن المدعوين الى الاجتماع.. والحقيقة انني وجدته متعباً ومتضايقاً مما يحدث في البلد على الصعيدين السياسي والامني، كما شعرت ان صحته ليست على ما يرام، وافترقنا على امل اللقاء مجدداً، حتى قرأت خبر وفاته الذي وقع عليّ كالصاعقة، ولم اخف دمعة نزلت من عيني مع شريط الذكريات الطويل الذي كنا (بطليه) في مقر النهاية مفترشين الارض، مرعوبين مع وقع خطى زوار بعد منتصف الليل، وتذكرت (الالم) الذي كنا نتقبله عندما يجري مسح الجراح التي على اجسادنا بمادة اليود الحارقة ولكنها كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة لتضميد الجروح الدامية والمقترحة، كما اتذكر (وصفة) لقشور الرقي التي كنا نمسح بها جلودنا الملتهبة من الحر الشديد، واعترف انها كانت مفيدة اذ كانت تعطي بعض البرودة المساعدة على التخفيف من انتشار البثور والبقع الجلدية...

ذهب خسرو توفيق المناضل والمثقف الثوري والمتواضع الذي لم اسمع انه طالب يوماًُ بمنصب او موقع او دخل بصراع مع آخر يخالفه الرأي.

لقد خسرنا (خسرو) المناضل في هذه الظروف التي نحتاج فيها لأمثاله وخسرنا (خسرو) الصديق في هذه الظروف التي نحتاج فيها للصديق الصدوق.

 

 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة