الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

عراقيتنا المجروحة وعروبتنا المهزومة وتديننا القديم

احمد عبد الحسين

في زمن الازمات حين تتعرض المجتمعات لكوارث وتهديدات واخطار ينسحب تفكيرها العام او الجمعي لمحاولة الاجابة عن اسئلة الهوية وقبل كل تهديد لاي جماعة وبعده تنشط المحاولات لإيجاد وتهيئة الفكرة القارة في مواجهة عواصف التغييرات مهما كان نوعها وأولى الأدوات المختبرية للفكر هي اكثرها قدماً وارتباطاً بالاحاسيس أي الدين.

الدين لا يحتاج من الداعية ألا أن يستفز عواطف المتلقين واحاسيسهم ليجد استجابات سريعة وفورية قد يفلح حزب سياسي في تحويل هذه الاستجابات إلى عمل منظم همه إعادة انتاج الشكل التقليدي من التدين والسيطرة باي ثمن على منجزات هذا الشكل من التلقي وفي الكثير من الاحايين يعاد انتاج فكر واليات تطبيق منقرضة تعود إلى ثلاثة أو اربعة قرون مضت الامر الذي يدفع البعض وكرد فعل للأمر إلى استخدام الآليات نفسها بالدفاع أو التمترس بالضد من الدعوة الدينية فتضيع الحقيقية بين حانة ومانة كما يقال ومن كان نصف متدين يترك الدين او يتطرف باتجاه حسم الصراع والمضي بالطريق إلى نهايته وبسرعة غير عادية.

وفي حالتنا العراقية كان النظام المباد قد هيأ وتهيأ لتأجيج التدين والمتهادن والمتماهي مع توجهاته والعارف بقوانين اللعبة المتملق تارة والمتعاون تارة والشرس الطائفي تارة أخرى واحتفظ بورقة الطائفية طازجة في ادارته المحمومة لعملية الاحتفاظ بالسلطة فلم يترك تأجيج الشيعة على السنة ولم يترك تقوية السنة على الشيعة وتأليبهم ولم ينس تقوية السلفية الوهابية بشروطه ضد الحوزوية الناطقة الديناميكية عقب الانتفاضة الاذارية ويخطئ من يعتقد أن تأريخ عمل السلفيين الوهابيين في الساحة العراقية قد بدأ بعد سقوط النظام. لا فقد شهدت بداية التسعينيات نشاطاً محموماً لبناء الجوامع في العراق بتسهيل من الادارة الديكتاتورية وحصل السلفيون القادمون من الشقيقة السعودية بشكل سري وعلني وتحت اسماء عراقية جائعة منهكة على تسهيلات أمنية وتنظيمية خطيرة وصار العراقيون يتداولون النكات حول الوهابي الذي يوزع الحليب والمواد التموينية في الجامع مع كتب بن تيمية ومحمد عبد الوهاب وبدأ التدين بأخذ شكله التنظيمي الخطير والكبير ونجح الاخوان الوهابيون في التأثير على الكثير من الشباب العراقي وتحول الكثيرون من طائفة إلى أخرى، كل ذلك حصل باستخدام اليات قديمة في موضوع قديم باستغلال بشع لتهديدات عامة وابادة شملت كل مناحي الحياة.

وغالباً ما ينتج الشكل اعلاه من الصراع تكتلات غير حقيقية وتمظهرات مشوهة لاسئلة الهوية واحتقانات قديمة مكررة يعاد انتاجها فالحادثة المشهورة عن اقتحام الوهابيين للمناطق الشيعية في عشرينيات القرن الماضي والتي اشار اليها الدكتور علي الوردي في كتابه عن تاريخ العراق المعاصر والتي سبقت تشكيل الدولة العراقية الحديثة أو رافقتها تشبه إلى حد كبير تمظهرات الصراع الدائر الآن على الساحة نفسها مقاتلون يقاتلون ظاهراً من اجل الدين.. المحتل يعيد تشكيل الدولة.. المواطنون حائرون بين مؤيد للتغيير الجديد وواثق منه مستقبلاً وبين رافض له ويحاول الانتحار بدفع الامور إلى نهاياتها ولو كانت حزينة ومحسومة..

الاشكال الثاني الذي فجرته الازمات هو اشكال الهوية العراقية الانتماء المحلي فبعد التبجحات القومية التي احسن دعائيتها النظام المقبور والتبعيث القسري المحلي وجر المواطن قسراً إلى منظمات أمنية في تفاصيلها اليومية تحصل في الذهنية العراقية حقد وكره لكل ما يمت بصلة للبعد القومي والبعث والحلم العربي في الوحدة واصبح الشعار مداراً للسخرية والنكتة العراقية وتنامي شعور بأن الخلاص يجب أن يبدأ من هنا محلياً وساعد في ذلك طبعاً ظهور نزعات قطرية في كل البلدان العربية تقريباً ووجود النموذج الخليجي المدلل عالمياً والليبي المتأرجح انتمائياً، ووسط الحروب ضد بلدان الجوار واعلام الحروب وثقافة عدم الثقة بالاشقاء والكم الهائل من الابادات الجماعية التي رافقت كل ذلك انسحب العراقي للبحث عن قارة فكرية محلية لانتمائه وشهدنا العراقية السومرية والاثورية كثقافة مؤسسة للهوية ونبذنا الاصل العربي وحاولنا تلمس صورة الاكديين في مرأة الصباح العراقي. واجدادنا الاوائل تارة سومريون وتارة آشوريون وتارة أكديون واصبح الحديث عن قومية عربية حديثاً ممجوجاً غير مستساغ وبات على الحلم العربي أن يجد له مكاناً آخر.. ساعد في تقوية الصورة اشتراك بعض العرب في عرقلة التغيير واستخدام السلاح في وجه الكل: المحتل والمواطن العراقي فخسرت الفكرة القومية ومعها المتبنين لها من الانظمة العربية التعاطف العراقي وصرنا نشهد جلداً علنياً للذات العربية على اعلى المستويات.

وصرنا نشهد الدعوة للمحلية بلا أي تردد والملاحظ لأسماء مواقع الانترنت يجد الظاهرة واضحة وجلية فاشتقاق الاسماء في غالبه يأتي من كلمة عراق وعراقيين وقرأت مقالات عديدة تدعو بوضوح وصراحة لـ (الانتقام من العرب المدافعين عن صدام) ولكن هل تبلورت فكرة العراقية وما هي حدود لمصطلح الفكرية من هم العراقيون، هل يتمكن العراقيون من العيش دون البعد العربي وخاصة المجاور وكيف ستحدد مفهوم المواطنة والجنسية في ظل التفكير العراقي الجديد.

العراقي اليوم مجروح من الاخوة، لا يريد التعايش مع احد على حسابه المحلي، منفعل في كل شيء وبسبب كل شيء، يساءل ويشك في مواقف العرب، يستعرض تاريخ علاقته بهم.. تجربة العمال المصريين في العراق وتجربة الفلسطينيين العراقيين والسوريين البعثيين الموالين لعفلق وتجارب العراقيين ممن هربوا من النظام المقبور كل ذلك موضع تساؤل وتفحص في مختبر معطوب لفرط الحصار والموت والابادة في ظل الازمات المنصرمة والازمة الحالية وكل ذلك يدفع العراقيين لتوتير علاقتهم بالآخر العربي وبطروحاته ويسحبهم للتفكير بالتأسيس لمفهوم العراقية العراق للعراقيين والعراقي أولاً.

الذي يزيد في قتامة الصورة هو الوضع العربي العام والخوف الحكومي من هبوب رياح التغيير بالقوة في بعض المناطق مما دفع الانظمة لمحاولة اعادة النظر بالعلاقة مع الجمهور العربي المسحوق ابداً تحت بسطال الاجهزة الامنية التي تحفظ للنظام (هيبته) فكيف تمنح الكرامة والديمقراطية بقرار حكومي وكيف تقفل عيون الناس عما يحدث في العالم من تطور هائل في مجال التقنيات والاتصالات والتغيير بالمفاهيم المصاحب لذلك كله.

البعض لجأ لاعادة نفخ الروح بالقومية والآخر بالاصولية والآخر لا يعرف ما يفعل ولم يعش العرب كامة أزمة وجود فكري كهذه فلطالما وحدتهم الحروب والمآسي التي ادمنوها تقريباً وما زالت جثامين عراقية في سوريا وفلسطين ولبنان تذكر بامجاد اخوية درامية.

خلاصة الحديث إن المواطن العراقي يعيش اليوم بعراقية مجروحة مدماة لفرط الصدمات ولا يجد نصيراً من اخوة يوسف يضمد جراحه فالهزيمة الحزيرانية متجددة ابداً في الذاكرة العربية ولا مفر لديه إلا في العودة للتفكير الديني باساليبه القديمة المستهلكة المعيدة لانتاج الاسلام الكلاسيكي والمشكلة لصورة الارهاب المحارب من قبل الدول الكبرى في العالم...


عراقيتنا المجروحة وعروبتنا المهزومة وتديننا القديم

يوسف أبو الفوز

بعد غياب ، لاكثر من عشرة أيام ، بعيدا عن محل اقامتي، في رحلة في بعض دول شمال أوربا، زرت فيها العديد من الأصدقاء الأحبة تلبية لدعواتهم الطيبة، عدت لاجد ان صندوق بريدي مزدحم بأشياء عديدة ، ومن بين كل ذلك كان ثمة رسالة كتبت بعض سطورها  بلغة أليفة الى القلب وحبيبة، إلا وهي اللغة الكوردية، فاحتلت كل اهتمامي. لم تفاجئني الرسالة، فقد أخبرتني الأخت العزيزة الكاتبة كوردة أمين عنها قبل مقدمها، وتحدثنا عن فحواها وأنا في ضيافة صديقي القاضي العادل الكاتب زهير كاظم عبود، حيث بادرت نقابة الصحفيين في كوردستان العراق ومنحت العديد من الكتاب العراقيين من القومية العربية، ممن عرفوا بمواقفهم الثابتة والمؤيدة لنضال الشعب الكوردي، من اجل حقوقه في الحرية والفيدرالية، منحهتم عضوية هذه النقابة المناضلة مرفقة ذلك برسالة حملت اجمل المشاعر والتقييم الصادق لابداعهم ومواقفهم ونضالهم.عن هذا سبقني الأستاذ زهير كاظم عبود وسجل اعتزازه بالتكريم الذي تفضلت به نقابة الصحفيين في كوردستان العراق . هنا أحاول أيضا تسجيل بعض ما يدور بخاطري وأنا اعيد قراءة رسالة التكريم.

المفارقة اني وخلال ممارستي للعمل الإعلامي، طيلة اكثر من ثلاثين عاما ، لم انتم لاي من المؤسسات العراقية التي عملت تحت أشراف أجهزة النظام الديكتاتوري المقبور ، هذه المنظمات التي حولها نظام عفالقة البعث الى ادوات قمع وعسف لقي مثقفو العراق من إداراتها المفروضة عليهم الويل وفنون الإرهاب، وأيضا ورغم انتمائي لاكثر من مؤسسة ثقافية عراقية معارضة للنظام الديكتاتوري المقبور، فاني طيلة كل هذه السنين لم احمل اي هوية وبطاقة او ما شابه من اي من هذه المنظمات العراقية، الهوية الوحيدة التي احملها وتشير لي كإعلامي وكاتب، هي بطاقة جمعية نادي القلم الفنلندي ، وهوية العمل الصحفي الممنوحة من وزارة الخارجية الفنلندية للصحفيين الأجانب المسجلين والمقيمين في فنلندا ، وهكذا ، فأن عضوية وبطاقة نقابة صحفيي كوردستان ستكون بالنسبة لي أول بطاقة صحفية احملها من وطني العراق، الذي قدمت له حياتي وزهرة شبابي وكرست قلمي للكتابة عن قضاياه من اجل غده المشرق، الغد الديمقراطي الفيدرالي، منذ ان تعلمت مبادئ العمل الصحفي على صفحات طريق الشعب العراقية ، وهكذا فأن لي ان افرح كل الفرح بهذا التكريم  الذي شملني وشمل اخوة أحبة، وان استفيض في الكتابة عنه .

في اكثر من مكان وزمان تحدثت من كون ارتباطي بالشعب الكوردي، وقضيته ونضاله العادل، لا يأت انطلاقا من موقف أيدلوجي أو من انتماء حزبي، وان قاد هذا الى الأيمان وبقوة بحق الشعوب بحق تقرير مصيرها، ولكن حبي للشعب الكوردي وايماني بحقوقه المشروعه وتعلقي بثقافته وارتباطي به يتجاوز هذا كثيرا. في السنوات الطويلة التي قضيتها في صفوف أنصار الحزب الشيوعي العراقي، تلك السنوات القاسية والمريرة، والتي توهجت فيها زهرة عمر الأنصار بين صخور جبال ووديان كوردستان، وقدموا فيها شهداء من خيرة أبناء العراق، كثيرا ما يجد الأنصار انفسهم في مواجهة وحدات من قوات المرتزقة التي أطلق عليها الشعب الكوردي تسمية (الجحوش) احتقارا لهم، فهي وحدات عسكرية شكلها النظام الديكتاتوري تحت اسم (الفرسان) ومن مرتزقة خانوا شعبهم الكوردي وتنكروا لأبناء جلدتهم ووطنهم وارتضوا العمل تحت توجيه اجهزة النظام وساهموا في ارتكاب ابشع الجرائم ضد ابناء شعبهم ، وكنا نحن الأنصار ، وخصوصا القادمين من مدن العراق الجنوبية ، لا ننظر الى الامر كوننا مناضلين عرب أو اشوريين أو تركمان يقفون في مواجهة مرتزقة خونة من القومية الكوردية، كان يسودنا شعور اننا نقاتل من اجل شعبنا وللدفاع عن ارضنا وأمهاتنا وأخواتنا، ونحمي أعراضهم وقراهم ضد قوات السلطة الشوفينية الفاشية، وضد خونة ومرتزقة مهما كان لونهم وجلدتهم ولسانهم ، وكم من شهيد بطل قدم حياته مدفوعا تحت هذا الشعور، كنا نقاتل بثقة لاننا ندافع عن شعبنا. أريد القول هنا، ان الشعب الكوردي هو شعبي ، رغم كوني قادم من مدينة جنوبية ومن عائلة عربية معروفة جذورها القبلية لاني لم انظر يوما الى انحداري من عائلة عربية كعائق امامي في بناء مواقفي  السياسية والاجتماعية، لذا فأني كثيرا ما كنت اثير التساؤلات حين اصرح في بعض المناسبات وفي ظروف معينة بأني كوردي. قبل عدة سنين، وقبل سقوط النظام البعثفاشي المقبور، وفي اجتماع لتأسيس المركز الثقافي الكوردي في فنلندا، هذا المشروع الذي قدم الفنان سالار صوفي له الكثير من جهده ووقته، شاركت في التحضير له بحماس، وعند الدعوة لانتخاب مجلس إدارة للمركز أراد بعض الاخوة ترشيحي للانتخابات واعتذرت لاكثر من سبب، وحين مزح أحد الحاضرين وقال (الترشيح  يكون للأكراد فقط) شعرت بالغضب الشديد ولم استطع السكوت، وعنفت الأخ الذي كرر انه كان يمزح في تعليقه. اذكر قولي له بأني كوردي اكثر من أكراد غدروا بشعبهم وتاجروا باسمه وقضيته، فالكوردية عندي تكتسب ليس بالولادة وبنطق اللغة بصورة سليمة ، الكوردية عندي هي الانتماء للشعب الكوردي وقضيته العادلة والتضحية من اجله، وأنا كورديتي نلتها بهذا، بسنيّ زهرة شبابي التي توهجت عند صخور جبال كوردسان، وبكتاباتي الدائمة التي تقف إلى جانب الشعب الكوردي وتناصر نضاله من اجل حقوقه المشروعة. حين اتصفح بطاقتي والمنجز من الاصدارات اجد ان اول مجموعة قصصية لي (عراقيون)، كتبت وصدرت في ارض كوردستان عام 1985، والإصدار الأخير ( تضاريس الأيام في دفاتر نصير ) كتب في كوردستان 1988، وصدر عام 2002 عن دار المدى في دمشق ، واجد تحت يدي كتابين جاهزين للطبع وهما ايضا بتماس مع الشعب الكردي ، حياته وثقافته ونضالاته . وبهذا، واذ يكرمني الاخوة في نقابة صحفيي كردستان العراق هذا يجعلني اشعر بأني دخلت بيتي الصحيح، مكاني المناسب لمواصلة العمل والنضال من اجل صباحات اجمل لاطفال كوردستان.

وبعد، ربما سياتي من يقرا سطوري وليقول ها هو كاتب عربي يبدو ملكيا اكثر من الملك، فليكن، ولاغيظه فأني ساقول له، من بين كل نساء العالم لم اختر سوى امرأة كوردية، كانت شاهدا على مجزرة حلبجة، لتكون حبيبة قلبي وشريكة حياتي، ومعها تدمع عيني للأخبار الحزينة من كوردستان ، ويقز قلبي طربا وندبك معا حين يفرح اهلنا في كوردستان، ولم تقبل بي بنت كوردستان  لو لم تجدني كورديا مثلها، وان كنت من قبائل العرب !

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة