اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الدين والدولة في الصراع على دستور العراق

فالح عبد الجبار

يتشاغل العالم العربي بالمفرقعات، وينشغل العراقيون بالدستور، وسط محيط لا دستوري. وهذه المشاغل ليست سارة تماماً، وان كانت مهمة. ويدقق العراقيون على مواقع الانترنت وفي الصحافة المطبوعة أو الاعلام المرئي، في كل كلمة وفاصلة، بل يمحصون الاسماء أهي نكرة أم معرفة مشفوعة بـ (أل) التعريف. لم يبلغ الصراع على المعاني هذا القدر من الاتساع والتعقيد. وهو اصطراع المفاهيم الجديدة مع ثفالات (الثفالة تعني ما يترسخ في اسفل الكأس أو القنينة من بقايا) الفكر القديم.
استقبل العراقيون بعد جدب فكري حضور اولى كلمات مثل العولمة، أو دراسة النظريات الاجتماعية، من المفاهيم الجديدة: الفيدرالية، التوافقية، اللامركزية، مثلما استقبلوا مسميات اثنيات واديان ومذاهب لم يألفوا تداولها منذ العهد الملكي (الايزيدية والصابئة والشبك، الخ).
ويتمحور الاستقطاب الفكري على ازواج عديدة من المتضادات: الاسلامية مقابل العلمانية، والمركزية مقابل اللامركزية، أو المركزية مقابل الفيدرالية، وهلم جرا.
وتتركز السجالات اكثر ما تتركز على العلاقة بين الدين والدولة، أو بتحديد أدق هل يكون الاسلام المصدر الوحيد للتشريع، أم مصدراً واحداً من مصادره؟

 

باتت هذه القضية واحدة من المشكلات الكبرى التي تواجه دول المنطقة، في الفكر والسياسة معاً، منذ صعود الاسلام السياسي في سبعينيات القرن المنصرم. فالدساتير في البلدان العربية والمسلمة تورد بند "الاسلام دين الدولة" كتحصيل حاصل برغم ان جل دول العالم (140 دولة مثلاً) لا تورد ذكراً لدينها. ولم تحمل الدساتير العراقية منذ 1925 أية اشارة الى مصادر التشريع. لعل الاستثناء الوحيد هو دستور الجمهورية الثانية (عبدالسلام عارف 1964)، الذي تنص مادته الثالثة على ان "الاسلام دين الدولة والقاعدة الاساسية لدستورها". وكما نعلم ان هذه الجمهورية عرفت العراق بأنه دولة ديمقراطية (بلا انتخابات) واشتراكية (يحكمها العسكر)، وكانت اكثر الجمهوريات تعصباً بالمعنى الطائفي للكلمة، برغم اسرافها في الحديث عن الاسلام.
ويبدو لي ان اصرار ممثلي الاسلام السياسي المحافظين، على ادراج الاسلام (او الشريعة) مصدراً وحيداً للتشريع على قاعدة "ان التشريع لله وحده"، يشبه اصرار العسكر على تسمية جمهورياتهم الاسرية بـ"الاشتراكية" و"الشعبية". فهو ادعاء ايديولوجي بامتياز، نظراً لان تحريم حق البشر الفانين في التشريع ينطبق على القائلين به مثلما ينطبق على غيرهم، وأي استثناء يعني ادعاء نوع من الالوهية غريب.
يخاف الاسلاميون المحافظون العلمانية باعتبارها انكاراً للاديان، وهذا خلط بالالحاد الفلسفي. فهذا الاخير انكار للدين جملة وتفصيلاً. اما العلمانية فليست مذهباً سياسياً بل موقف ودعوة الى تنظيم العلاقة بين الدولة والدين، أو بالاحرى المؤسسات الدينية، تنظيم يرمي الى حماية الدين من غول الدولة، وتمييز المجال السياسي عن المجال الديني، أي الفصل على مبدأ الاختصاص.
ويميل قطاع من العلمانيين لأسباب وجيهة الى استخدام لفظ "الوضعية" أو "المدنية" بديلاً عن العلمانية، لما شاب هذه الاخيرة من ادران بسبب الجهل وسوء النية وتحاملات العوام.
ويضرب موقف العلمانيين أو الوضعيين (وأنا منهم) جــــــــذوره في منطق الدولة الحديثة، الذي يختلف عن النظام السياسي والاجتماعي مما ساد في الامبراطوريات المقدسة، حيث يقوم المركز (المخزن عند المغاربة) بجمع الخراج، وحمايـــة الثغور، وترك الجماعات المعزولة تعيش على وفق شرائعها المتعددة، حيث تزدهر المذاهب والمدارس حتى داخل الدين الواحد نفسه.
الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة المجرد، وعلى دستور موحد، شامل، لكل الاجزاء، لا لجزء منفرد، وعلى تقديم الرعاية والخدمات الاجتماعية من دون تمييز، واحترام حرية المعتقد، والعبادة، من دون مساس بحرية الآخرين. معلوم ان ثمة فوارق كبيرة بين الاسلام كدين، والشريعة، أو بين الاسلام والفقه، ويخلط بعض الاسلاميين خلط عشواء بين هذه المفاهيم.
فالدين منظومة فكرية مركبة، وهو ايضاً مؤسسات تتولى انتاج المعرفة الدينية، كما ان مدارسه الفقهية بالغة التنوع، وتحديدها مصادر الشريعة غاية في الاختلاف. ويمكن الحديث عن مكونات الدين الفكرية (أي دين) باعتبارها مؤلفة من علم الكلام (المختص بالذات الالهية وخلق الكون) والفقه السياسي (نظرية الامامة أو الخلافة)، فقه العبادات (الفرائض)، وفقه المعاملات (التجارية وعقود النكاح)، لم يعد لعلم الكلام من وجود، على الرغم من ثرائه الفلسفي. اما الفقه السياسي فان الحضارة الاسلامية عموماً ما عادت تنادي بالامامة في قريش، بينما تميل المدرسة الاصولية الشيعية الى نبذ اساسها القديم عن ان الامامة حكر على الامام الغائب، وان كل دولة في عهد الغيبة باطلة.
اما فقه العبادات فهو شأن لم تعمد دولة معاصرة الى المساس به، برغم ما ينطوي عليه هو الآخر من تباينات بتباين المدارس والمذاهب (من الآذان، الى الصلاة بسبل اليد أم كتفها، الى الزكاة وسبل دفعها، وما شاكل).
ولا يختلف فقه المعاملات (في شقه التجاري) عن ذلك. لقد نما هذا الفقه في حاضنة الاقتصاد الحرفي والزراعي القديم، وواجه مشكلة عصيبة في التكيف مع الاقتصاد الصناعي المالي(المصرفي)الحديث (مشكلة البنوك الحديثة والقروض والسندات والأسهم)، وان حرمانه التطور يرجع الى تزمت بعض فقهاء القرن العشرين الذين ضحوا بسبب تزمتهم نفسه بكل جوانب الثراء في فقه المعاملات. مع ذلك يتكيف هذا الفقه عموما مع الاقتصاديات الحديثة ببطء.
أخيرا ثمة فقه عقود النكاح، وقواعد تنظيم الأسرة. ولعلها أكثر مواضيع الخلاف والإختلاف إحتداما، ولاسيما مسألة تعدد الزوجات وحقوق الارث، وحضانة الأطفال. ليس سرا ان الفقهاء، بل المسلمون بعامة يتباينون في تأويل الشريعةهنا تباينا كبيرا، وينقسمون الى تيارات محافظة، ووسطية، وإصلاحية جذرية.هذا التباين في العناصر المكونة للفقه، يوازيه تباين آخر في مصادر الشريعة : أهي القرآن الكريم وحده، أم القرآن والسنة (كما يرى الاخرون أم القرآن والسنة والعقل الإجتهاد ) حسب فهم رابع، والإجماع).
حقاً ان فهم معنى الاسلام مصدراً للتشريع يتعدد بتعدد فهمنا معنى الشريعة ومصادرها، كما يتعدد بتعدد الاجتهادات داخل مكونات الفقه (الفقه السياسي، فقه العبادات، فقه المعاملات). وهذا التعدد الذي نما عبر تاريخ الحضارة العربية الاسلامية، مفيد لجهة اغناء وتطور الفكر، ان قام على قاعدة احترام التعدد والاعتراف به، ومدمر تماماً ان مشي على ارضية احتكار جهة واحدة للحقيقة، وسيادة هذا الاحتكار حقيقة تفقأ العين.
ان الدعوة إلى فرض الاسلام (او الشريعة) كمصدر وحيد للتشريع ينطوي ضمناً أو صراحة على حكم رجال الدين لتفسير معنى الاسلام، ووضع فئة واحدة لا تزيد على بضعة آلاف موضع القيّم على تفكير الملايين، واحلال الاكليروس محل الأمة. وهذا جانب مهم بل اساس عند معالجة مسألة الدين والدولة. فالدين ليس محض منظومة اعتقاد وشرائع، بل هو ايضاً مؤسسات يديرها بشر فانون، لهم من المطامح والمصالح ما لغيرهم، ونظرة إلى طبقة رجال الدين، او المشتغلين بأمور الفقه، تفيدنا انها، شأن مجتمعها، مبرقشة من حيث منحدرها القبلي، والجهوي، والاثني، وانها تتوزع على المكونات الاجتماعية بين ريفيين محافظين، وحضريين متنورين، وان انتماءاتها الاجتماعية تتداخل بانتسابها الفقهي، والايديولوجي، وهي ليست منزهة عن الغرض البشري والمصالح الاجتماعية وان حصل انسلاخ عن هذا الغرض، فذلك يشكل الاستثناء لا القاعدة.
ونلاحظ ان مساعي "أسلمة" الدستور تترافق مع عمل قاعدي لـ"اسلمة" المجتمع، بفرض الحجاب (المرأة هي الهدف الاول دوماً)، وفصل الجنسين، بل تحريم المصافحة، وغلق دور السينما، ومنع الموسيقى (جرى تحطيم محال بيع الاشرطة)، وغلق محال حلاقة النساء، علاوة على تحديد نمط معين من حلاقة الرجال (اغتيل عشرات الحلاقين في بغداد وجوارها).
وبهذا تُختزل الأسلمة سياسياً الى احتكار الفقهاء و/أو الاسلاميين لحق الحكم تنفيذاً وتشريعاً، كما تُختزل اجتماعياً الى اختراق المجال الخاص للفرد، وفرض منظومة قيمية محددة (محافظة في الاغلب) للملبس والمأكل والمشرب وغير ذلك.
عدا هذا لا يملك الاسلاميون برنامجاً. وتجد هذه النزعة المحافظة في خدمتها ريفيين مخلوعين يتلذذون برمي بنات الحواضر السافرات بالحجارة، أو فئات هامشية عدوانية، محطمة روحياً بحكم العوز والاهمال، وهي مستعدة لأن تنزل بالهراوات على طالبات الجامعة او تطلق النار على الحلاقين.
وباختصار تتشكل النزعة المحافظة من تحالف عريض لا يقتصر على الفقهاء أو الزعامات التقليدية، اذ ينجذب الى هذه الحركة، في طور صعودها عدد من الراغبين في الافادة من فرص الصعود الاجتماعي.
وحين يجري ذلك في دولة متعددة المذاهب والاديان ومتنوعة في تنظيمها الاجتماعي والقيمي (بين ريف وحضر وبلدات طرفية)، فانه يكون وصفة للخراب.
من هنا ينبغي ان نحرص على ما يأتي:
- الاعتراف بالاسلام مصدرا من مصادر التشريع، واكرر: الاسلام، وليست الشريعة، فالمعنى مختلف والمبنى مخالف.
- التمسك بفقرة عدم تشريع ما يتنافى مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان.
- الابتعاد عن تخصيص اية فقرة عن المرجعية بدعوى وجوب حمايتها من تدخل الدولة. فالحاصل الآن هو ضرورة حماية الدولة من تدخل المراجع الدينية واذا كان لا بد من فقرة قانونية بهذا الصدد فالافضل ادراج مادة تشير الى الاحترام المتبادل، احترام الدولة لكل المراجع الدينية بلا استثناء (مسلمة ومسيحية وصابئية وغيرها)، واحترام المراجع للدستور والقوانين العامة التي يرضى بها الشعب باغلبيته المطلقة (الثلثين). - وينبغي الالتفات الى موضوع المرأة، ولاسيما مسألة الحفاظ على قانون الاحوال الشخصية، بل السعي الى تطويره، وتبصير دعاة الغائه بالعواقب.
 


مؤسسات الفكر والرأي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية
 

 

تقدم مؤسسات الفكر والرأي الحالية، من منظور صانعي السياسة الأميركية، خمس فوائد رئيسية. ويكمن تأثيرها الأكبر (كما يتناسب مع اسمها) في توليد "تفكير جديد" يُبدّل الطريقة التي ينظر بها صانعو السياسة الأميركية إلى العالم ويستجيبون له.
 

مصنع الافكار
ومن الممكن أن يؤدي التبصر الجديد إلى تغيير تصور المصالح القومية الأميركية وفهمها، والتأثير في ترتيب الأولويات، وتوفير خرائط طرق للعمل، وحشد التحالفات السياسية والبيروقراطية، وصوغ شكل قيام مؤسسات مستديمة. غير أنه ليس من السهل لفت انتباه صانعي السياسة المنشغلين والغارقين في المعلومات أصلاً. لذلك تحتاج مؤسسات الفكر والرأي لكي تنجح في ذلك، إلى استغلال قنوات متعددة، وإلى استراتيجيات تسويق تتعلق بنشر مقالات وكتب وأبحاث ودراسات بين الفينة والأخرى، والظهور بصورة منتظمة على شاشات التلفزيون وفي مقالات الرأي على صفحات الجرائد وفي مقابلات صحفية، وإصدار نشرات موجزة تسهل قراءتها، وبيانات حقائق، وصفحات على شبكة الإنترنت. وتوفر جلسات الاستماع أمام الكونغرس فرصة أخرى للتأثير في الخيارات السياسية. فالباحثون المستقلون الذين لا تقيّدهم الوظائف الحكومية، يستطيعون إعطاء تقييم صريح للتحديات العالمية الملحة ولنوعية الردود الحكومية.

وتُوفّر بعض المنعطفات التاريخية الحاسمة فرصا استثنائية لإدخال تفكير جديد إلى حقل السياسة الخارجية. وقد أمّنت الحرب العالمية الثانية واحدة من هذه الفرص. فبعد اندلاع الحرب، أطلق مجلس العلاقات الخارجية مشروع دراسات ضخما بشأن الحرب والسلم، لاستكشاف الأسس المرغوب فيها لسلام ما بعد الحرب. وقد أنتج المشاركون في هذه الجهود، في نهاية الأمر، 682 مذكرة قدموها إلى وزارة الخارجية حول موضوعات متنوعة، بدءا من احتلال ألمانيا إلى إنشاء الأمم المتحدة. وبعد مرور سنتين على نهاية الحرب، نشرت مجلة فورين أفيرز التي تعكس هوية وأهداف المجلس مقالاً غير موقّع، بعنوان "أسباب التصرفات السوفيتية". وقد ساعد المقال، الذي كتبه في الواقع الدبلوماسي الأميركي جورج كينان، على إقامة الأسس الفكرية لسياسة الاحتواء التي اتبّعتها الولايات المتحدة خلال العقود الأربعة الآتية. ثم نشرت مجلة فورين أفيرز، سنة 1993، مقالاً للعالم السياسي في جامعة هارفرد صامويل هنتنغتون بعنوان "صدام الحضارات"، هو بمثابة مساهمة اشتملت على بذور تطور قابلة للنمو في النقاش الدائر عن السياسة الخارجية الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. وقد أسهمت دراسات قام بها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومعهدا هيريتيج وبروكنغز، منذ الحادي عشر من أيلول 2001، أسهمت جميعا في النقاش الدائر داخل الحكومة عن الاستراتيجيات المناسبة والمنظمات اللازمة، لمواجهة التهديد الإرهابي في الداخل والخارج. وتشكل حملات الانتخابات الرئاسية وفترات انتقال الحكم مناسبات مثالية لرسم برنامج عمل للسياسة الخارجية. ويشرح ذلك مارتن أندرسون، من مؤسسة هوفر، قائلاً "في أوقات كهذه بالذات يطلب المرشحون للرئاسة المشورة من عدد كبير من المثقفين، لتحديد المواقف السياسية لحشد من القضايا السياسية الداخلية والخارجية. ويتبادل المرشحون للرئاسة الأفكار مع الخبراء السياسيين ويختبرونها خلال مسار الحملات الرئاسية. إن الأمر أشبه ما يكون باختبار تسويق لستراتيجية قومية". وقد كان أكثر الأمثلة شهرة على هذا ما حدث بعد انتخابات سنة 1980، عندما تبنّت حكومة رونالد ريغان مطبوعة مؤسسة هيريتيج، وعنوانها "تفويض للتغيير" برنامج عمل للحكم. وهناك حالة ثانية أكثر حداثة تمثلت بصدور تقرير سنة 1992 أعدّه معهد الاقتصاديات الدولية، ومؤسسة كارنيغي الوقفية يقترح إنشاء "مجلس أمن اقتصادي". وقد وضعت إدارة كلينتون التي تسلمت الحكم في ما بعد هذا الاقتراح موضع التنفيذ، بإنشائها "المجلس الاقتصادي القومي"، وهو جهاز لا يزال يعمل إلى يومنا هذا.
توفير المواهب
تؤمن مؤسسات الفكر والرأي، إلى جانب تقديم أفكار جديدة لكبار الرسميين الحكوميين، دفقا مستمرا من الخبراء، للخدمة في الإدارات الجديدة، وفي فرق الموظفين التابعين للكونغرس. وتعتبر هذه الوظيفة التي تؤديها المؤسسات بالغة الأهمية في النظام السياسي الأميركي. ففي الديموقراطيات المتقدمة الأخرى مثل فرنسا أو اليابان، بوسع الحكومات الجديدة أن تعتمد على الاستمرارية التي يؤمنها عدد كبير من موظفي الإدارة المدنية. أما في الولايات المتحدة، فيؤدي كل انتقال للسلطة إلى استبدال مئات الموظفين من الدرجة المتوسطة أو من كبار الموظفين في السلطة التنفيذية. وتساعد مؤسسات الفكر والرأي الرؤساء والوزراء على سدّ هذا الفراغ. وقد قام جيمي كارتر، بعد انتخابه سنة 1976، بتعيين الكثير من الخبراء في مؤسسة بروكنغز من مجلس العلاقات الخارجية في حكومته. وبعدها بأربع سنوات، توجّه ريغان إلى مؤسسات أخرى للفكر والرأي، لتشكيل هيئة خبرائه ومستشاريه. وقد استعان خلال فترتيه الرئاسيتين بمئة وخمسين شخصاً من مؤسسة هيريتيج، ومؤسسة هوفر، ومعهد إنتبرايز الأميركي.
وقد اتبعت إدارة بوش الحالية نمطاً مشابهاً في ملء وظائف المستويات العليا في جهاز السياسة الخارجية لديها. ففي وزارة الخارجية، يشمل الموظفون الكبار ممن لديهم خلفيات في مؤسسات الفكر والرأي، وهم نائبة وزير الخارجية للشؤون العالمية بولا دوبريانسكي التي سبق لها أن شغلت منصب نائبة الرئيس، ومديرة مكتب واشنطن في مجلس الشؤون الخارجية، ونائب وزير الخارجية لمراقبة التسلّح والأمن الدولي جون بولتون، نائب الرئيس السابق لمعهد الاقتصاد الأميركي، ومساعد وزير الخارجية لشرق آسيا والمحيط الهادئ جيمز كيلي، الذي شغل سابقاً منصب رئاسة منتدى المحيط الهادئ التابع لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (هونولولو)، ومساعد الوزير المعيّن لشؤون المنظمات الدولية كيم هولمز، ونائب الرئيس السابق لمؤسسة هيريتيج. وكذلك في البنتاغون، شغل بيتر دبليو. رودمان وظيفته كمساعد لوزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي، بعد فترة قضاها كمدير لبرامج الأمن القومي في مركز نيكسون.
فضلا عن تزويد الإدارات الجديدة بالخبراء، تؤمن مؤسسات الفكر والرأي للرسميين المغادرين (مناصبهم في الحكومة) مواقع مؤسساتية يستطيعون فيها تشاطر ما اكتسبوه من خبرة وتبصر خلال خدمتهم في الحكومة، والاستمرار في لعب دور مؤثر في النقاش الملح عن السياسة الخارجية، وتشكيل نوع من مؤسسة ظل غير رسمية للشؤون الخارجية. وتنفرد الولايات المتحدة من دون سواها بهذا "الباب الدوار"، وهو من مصادر قوتها. ففي معظم البلدان الأخرى، يجد المرء فصلا حادا بين الرسميين الحكوميين المحترفين والمحللين الخارجيين. ولكن الأمر ليس كذلك في أميركا، فقد ترأست مادلين أولبرايت، التي سبقت كولن باول بصفتها للخارجية، في فترة من الفترات، مركز السياسة القومية. في حين أصبح نائبها السابق ستروب تالبوت الآن رئيسا لمؤسسة بروكنغز. ويمكن للباحثين أن يشهدوا، بعد توزع حياتهم المهنية بين الخدمة في الحكومة ومؤسسات الفكر والرأي، على ما يكتسبه المرء من تبصّر، من خلال الجمع بين الفكر والممارسة. فهم قد تنقلوا، خلال ربع القرن الماضي، بين فترات من العمل في مجلس الأمن القومي، ووزارتي الدفاع والخارجية، وفي الكونغرس، وسوى ذلك من مؤسسات الفكر والرأي.
جمع المحترفين
تؤمن مؤسسات الفكر والرأي لصانعي السياسة، إلى جانب الإتيان بأفكار جديدة وخبراء إلى الحكومات، حيزا يتم فيه التوصل إلى تفاهم مشترك، إن لم يكن إلى إجماع، حول الخيارات السياسية بين من سماهم إرنست ماي "جمهور السياسة الخارجية": أي صانعي الرأي العام ومصمميه، الذين جيء بهم من المهن المختلفة. ولا يمكن عادة لأية مبادرة كبرى في السياسة الخارجية أن تستمر، ما لم تتمتع بقاعدة أساسية من التأييد الحاسم في أوساط جماعة المهتمين بالسياسة الخارجية. وقد كان مجلس العلاقات الخارجية، غير المتحزب لأي من الأحزاب أو الفئات، أكثر مؤسسات الفكر والرأي مهارة في القيام بدور الجمع هذا، إذ أنه يضيف مئات الاجتماعات سنوياً في نيويورك، وواشنطن، والمدن الأميركية الكبرى الأخرى. وتوفر النشاطات التي تنظمها مؤسسات الفكر والرأي الكبرى للرسميين الأميركيين منابر غير حزبية لإعلان مبادرات جديدة، وشرح السياسة الحالية، وإطلاق بالونات الاختبار (لمعرفة ردود الفعل على أفكار جديدة). أما بالنسبة للشخصيات الأجنبية الزائرة، فإن فرصة المثول أمام جمهور مؤسسات الفكر والرأي البارزين تؤمن الوصول إلى أكثر القطاعات تأثيرا في مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية.
إشراك الجمهور
وتساعد مؤسسات الفكر والرأي، حتى في أثناء قيامها بالجمع بين النخب، على إثراء الثقافة المدنية الأميركية الأوسع عن طريق تعريف مواطني الولايات المتحدة بطبيعة العالم الذي يعيشون فيه. وقد زاد تسارع وتيرة العولمة من أهمية وظيفة التواصل مع الجمهور هذه أكثر من أي وقت مضى. فمع ازدياد اندماج العالم أكثر فأكثر باتت الأحداث والقوى العالمية تطول حياة المواطن الأميركي العادي وتؤثر فيها.
وقد أصبحت للمواطن الأميركي العادي حصة متنامية في السياسة الخارجية، سواء أكانت القضية تتعلق بتأمين الأسواق الخارجية للصادرات الزراعية، أم بمكافحة انتشار الأمراض المعدية، أم بحماية برامج الكمبيوتر الإلكترونية الأميركية ضد القرصنة في الخارج، أم بتأمين سلامة السياح الأميركيين في الخارج، أم بتأمين الحماية للمرافئ ضد تَسَلّل الإرهابيين. ويُوفّر ثمانون مجلساً للشؤون العالمية، منتشرة في أرجاء الولايات المتحدة، منتديات قيمّة يمكن فيها لملايين البالغين وطلاب المدارس الثانوية أن يتناقشوا بشأن الأحداث الدولية. لكن مؤسسات الفكر والرأي الرسمية أصبحت هي أيضا تحظى بشكل متزايد بمشاركة مواطني الولايات المتحدة العاديين. وقد أطلقت مؤسسة آسبن، في عام 1999، "مبادرة الترابط العالمي" التي تهدف إلى "بذل جهود على مدى عشر سنوات لإعلام الجمهور بصورة أفضل، ولتحفيز تأييده بصورة أكثر فعالية لأنواع الالتزامات الأميركية الدولية، التي تلائم عالم مترابط تتكل أجزاؤه بعضها على بعض".
سدّ هوة الاختلافات
وأخيرا، تستطيع مؤسسات الفكر والرأي لعب دور أنشط في السياسة الخارجية عن طريق رعايتها الحوارات الحساسة، وتأمين وساطة فريق ثالث بين الأطراف المتنازعة. ولقد سَهّل معهد السلام الأميركي لفترة طويلة، كجزء من المهمة المعهودة إليه من قبل الكونغرس، مفاوضات غير رسمية مثل "المسار رقم 2"، كما دَرّب الرسميين الأميركيين على أعمال الوساطة في الخلافات المستمرة منذ مدى طويل. وهناك مؤسسات أخرى أكثر تقليدية للفكر والرأي، وسّعت مهماتها للمشاركة بصورة نشطة في الدبلوماسية الوقائية، وفي تدبر أمر النزاعات وحلها. وقد شرعت مؤسسة كارنيغي الوقفية، منذ أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، بتضييف سلسلة من الاجتماعات في واشنطن، جمعت بين القادة السياسيين ورجال الدين ورجال الأعمال وممثلي العمال والأكاديميين في جنوب إفريقيا ووجوه المعارضة (لنظام الحكم العنصري في جنوب إفريقيا) في المنفى، وكذلك أعضاء في الكونغرس ومسؤولين في الحكومة الأميركية. وساعدت هذه الاجتماعات التي عقدت على مدى ثماني سنوات على إقامة أول حوار، وعلى إيجاد أول تفاهم بشأن مستقبل جنوب إفريقيا خلال فترة انتقالية دقيقة. كذلك أطلق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية مشاريع لتحسين العلاقات الإثنية بين سكان يوغوسلافيا السابقة، ولمدّ الجسور بين الانقسامات الدينية ـ العلمانية في إسرائيل، ولتسهيل الحوار اليوناني ـ التركي.
وتشكل هذه المبادرات غير الرسمية مشاريع حساسة. لكنها تنطوي على إمكانيات كبيرة لإقامة السلام والمصالحة في المناطق الميالة إلى النزاع والمعرضة له، وفي المجتمعات التي مزقتها الحروب، إما من خلال كونها مكملة لجهود الحكومة الأميركية وأما كبديل لها، إذ يكون الوجود الرسمي الأميركي مستحيلا. وبوسعها أن تخدم، في أحلك زوايا العالم، كعيون وآذان وحتى كضمير للولايات المتحدة والمجتمع الدولي.


نحو استراتيجية للخروج من العراق
 

توم هايدن

تمكن الرئيس جورج بوش حتى الآن من تجنب لقاء السيدة "سيندي شيهان"، وهي أم أميركية ثكلى تطالب بمعرفة "القضية النبيلة" التي ضحى ابنها بحياته من أجلها في العراق. لقد أجبرت السيدة شيهان الرئيس على الاعتراف، للمرة الأولى ربما، بحقيقة وجود قطاع مناوئ للحرب ضمن الشعب الأميركي، وهو ما اتضح بشكل جلي من خلال محاولته تشويه ونزع مصداقية الرسالة التي يوجهها هذا القطاع لحكومته، مطالبا إياها بـ"الخروج من العراق".
واللحظة الحالية في رأيي، هي اللحظة المناسبة لـ"حركة السلام" في أميركا، كي تقوم بتحويل رسالتها من مرحلة القول إلى مرحلة الفعل. وكانت الصيحة الجامعة التي أطلقتها تلك الحركة، وهي "اخرجوا الآن من العراق"، تعبيراً عن رأيها بأن حرب العراق لا تستحق من أميركا البقاء للحظة واحدة إضافية هناك، حتى لا تتكبد المزيد من الخسائر في الأرواح، والمزيد من فقدان الكرامة والشرف، والمزيد من الضرائب، وفقدان الحلفاء.
بيد أن المشكلة بالنسبة لهذا الطلب (الانسحاب من العراق) هي أن بساطته هي تحديداً التي تغري الإدارة بتجاهله أو حتى رفضه. في الوقت نفسه، نجد أن الإدارة تركز اهتمامها حاليا على النواحي الشكلية للتقدم في العراق، وهو ما يفسر اهتمامها المبالغ فيه بصياغة دستور عراقي مهما كان مضمونه، وقد تقوم الإدارة الأميركية، من هذا المنظور، بإجراء انسحاب رمزي للقوات من العراق، لمداعبة عواطف "حركة السلام" في أميركا، خلال انتخابات الكونغرس الأميركي العام القادم.
وأولئك الذين أثبتوا أنهم على صواب في معارضتهم الحرب منذ البداية، في حاجة لأن يتم سماع رأيهم الآن، مثلهم في ذلك مثل "خبراء" الأمن القومي الذين يحتلون صفحات الرأي في الصحف الأميركية، منذ غزو العراق في ربيع 2003. لقد حان الوقت في رأيي كي يقوم دعاة السلام الآن باقتراح ستراتيجيات خاصة بهم للخروج من العراق. ومن دون ذلك فإن كل حزب من الحزبين الرئيسيين في أميركا، سيظل مصمماً على الرأي الذي يقول إن الانسحاب من العراق لا يجب أن يتم قبل تحقيق الاستقرار، وهو الأمر الذي يمكن أن يستغرق سنوات طوالاً. دعاة "حركة السلام" في أميركا نجحوا في الضغط على أعضاء الكونغرس، لحثهم على الموافقة على عقد ندوات في منتصف شهر أيلول القادم، لمناقشة موضوع البحث عن ستراتيجيات للخروج من العراق. وثمة نقطة بداية تتعين مناقشتها في دوائر "حركة السلام"، تقوم على اتخاذ قرار بالخروج الآن من العراق، مع وضع الخطوط العريضة للكيفية التي سيتم بها ذلك. والأساس الذي تقوم عليه هذه الخطة هو التحول من النموذج العسكري إلى نموذج حل الصراع، ثم الانتقال بعد ذلك إلى عملية سلام تنتهي بالتوصل إلى تسوية متفاوض عليها، تكون مصحوبة بانسحاب للقوات الأميركية من العراق. والمحاور الثلاثة في هذه الخطة هي:
أولاً: قيام واشنطن، كإجراء من إجراءات بناء الثقة، بالإعلان أنه لا توجد لديها نية للاحتفاظ بقواعد دائمة في العراق. ويجب على أميركا أن تقوم على الفور بإعلان أنها ستقوم بإعادة القوات الأميركية إلى الوطن خلال أشهر، وليس سنوات، مع القيام ببادرة أو لفتة تمهيدية بنهاية هذا العام.
ثانياً: أن تقوم واشنطن بالمطالبة بقيام الأمم المتحدة أو هيئة معينة من قبلها بمراقبة عملية فك الاشتباك العسكري، وعمليات التهدئة، وأن تتولى بعد ذلك قيادة جهد سلمي لإعادة إعمار العراق.
ثالثاً: قيام الرئيس بوش بتعيين مبعوث خاص للسلام يكون مستقلا عن سلطة الاحتلال في العراق. ويجب على هذا المبعوث أن يشجع على، بل يشارك في إجراء مباحثات للسلام مع الجماعات العراقية المناوئة للاحتلال، بما في ذلك جماعات المتمردين، بغرض استكشاف آفاق التسوية السياسية.
ويذكر أن 82 عضواً من أعضاء الجمعية الوطنية العراقية قد قاموا بالتوقيع على رسالة يطالبون فيها بـ"رحيل قوات الاحتلال"، كما يتم في الوقت الحالي إجراء مباحثات بين مندوب عن الحكومة العراقية و 11 مجموعة مختلفة من مجموعات التمرد بشأن الانتقال من مرحلة القوة إلى مرحلة العملية السلمية. كما أن استطلاعات الرأي التي أجريت في وقت مبكر من هذا العام أظهرت أن 69% من الشيعة و75% من السنة يحبذون أن يتم انسحاب القوات الأميركية في المدى القريب.
بيد أن المشكلة تكمن في أنه لا إدارة بوش ولا وسائل الإعلام الأميركية تبدي اهتماما بهذه الأصوات. ووفقا لجميع التقارير، فإن الوجود الأميركي في العراق قد أدى إلى اجتذاب المزيد من الجهاديين المتعصبين إلى بلاد الرافدين، وتعزيز وضعهم. فضلا عن ذلك، ستقود مواصلتنا النهج الذي نتبعه في العراق حتما إلى اندلاع حرب أهلية، ولا سيما في ضوء الدعم والتدريب اللذين نقدّمهما للشيعة والأكراد على حساب السُنة. إن أية تسوية يجب أن تضمن سحبا للقوات الأميركية، والقيام بجهود جديدة في إعادة الإعمار. وعملية السلام الناجحة في رأيي هي تلك التي ستعمل على ضمان تمثيل قوى المعارضة في أي ترتيبات نهائية للحكم، وهي التي ستعمل كذلك على التشجيع على اتخاذ إجراءات لتقاسم السلطة، وتقاسم الثروة. هذه كلها خطوات مقنعة نحو حل الصراع، وربما يؤدي التأثير المعنوي للموقف الذي اتخذته "سندي شيهان" إلى بث روح الشجاعة في قلوب السياسيين الأميركيين، الذين يقومون علنا أو سرا بشجب الأسباب (المفبركة) التي تم شن الحرب على أساسها، ولكنهم لا يستطيعون إقناع أنفسهم بأن يكونوا أمناء بشأن الحرب نفسها.

عن: المركز الدولي
لدراسات أمريكا والغرب

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة