اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مرايا العراق المهشمة

فاطمة المحسن

باتت الكتابة عن العراق أقرب الى طقس سادي،وعند العراقي مازوكية بحتة. هناك عنف كثير في اللغة التي تُكتب عنه، ودون أن يدري الكاتب،عليه تمثّل تلك القوى التي ينبغي أن يتوجه اليها بالتقريع. العرب يلقون باللوم على العراقيين، والعراقيون يقرعّون العرب على مااقترفت أيديهم في العراق، والاثنان يقرعّان الأميركان واسرائيل. ولكن لاأحد فيهم ينتبه الى عنف اللغة التي ينطوي عليها خطابه،فهذا العنف لايوازيه سوى خطاب الجوامع اليوم التي تتماهى فيها الكراهية بالإيمان.

اللغة هي مصدر ألم عندما تتحول الى شعور بالاختناق، والغضب الذي يكتنف الصوت الداخلي للبشر هو طاقة جسدية، مثلما هو نظام للأفعال. هناك حوار بين مرسل ومرسل اليه حتى في نوع الإخبار أو نقل حادثة معينة،ويمكننا إدراك هذا في صورة وتعليق الخبر المنقول عن العراق،مثلما ندرك طبيعة قراءة الكتّاب والصحافيين للوضع العراقي.
" لمسة الشيطان" فيلم حققه ومثّله أورسون ويلز قبل أكثر من سبعين سنة،وهو يرى في عنف الشخصية المعطوبة بالكراهية قدرة هائلة على التخريب. والشيطان كما تقول صديقتي،يتجول في العراق على هيئة أفعال يمارسها الناس دون أن ينتبهوا،فإذا انتبهوا سيموتون رعبا.الشيطان يتلبس شعور الضحية التي تتشارك فيه كل الأطراف المتحاربة، أطراف الداخل والخارج. في مربط الفرس هذا تكمن هشاشة مجتمع تعوّد على أن يقبل الإختراق، فالعراقي أصبحت حياته خارج كل التوقعات عندما خاض تجربة حربه الأولى والثانية والثالثة. العبث والقدرية والمزاج السوداوي،هي صفات العائد من حرب واحدة،فكيف إذا كانت هذه الحرب قاعدة ليس إستثناء في حياته.
كل الجماعات المتحاربة في العراق ترى في الإيمان والتقوى بطولة يجسدها عنف اللغة الذي يتحول بالضرورة الى عنف في الأفعال،فما أن تشعر فئة بأن الدنيا لاتؤخذ إلا بالتغالب،حتى تسري هذه الثقافة كالنار في الهشيم. وصديقتي ترى صدام حسين مثل بطل أورسون ويلز ترك بصماته على كل شيء،ترك كراهيته طافحة تجري في شرايين مجتمع اشتبك مع جهات العالم الأربع.هل حقا صديقتي هذه لاتمارس عنف اللغة عندما تتكلم عن المجتمع العراقي، أم أنا الناقلة كلامها بعيدة عن الاستجابة ذاتها؟. ذاك ما نسميه حوار العاطفة، معبر الكلام الى انحيازاته. فعندما يقول قائل ان الحرب الأهلية في العراق هي الطريق الوحيد لكسر غرور الطوائف وتعليم الرعاع معنى الإيمان الحقيقي بالدين، يكون قد توصل الى عنف يستبطنه كلام الوصف نفسه.
المجتمع العراقي مخترق بلغات الحرب، والجندي الذي قاتل عشر سنوات او عشرين من عمره، اضحت مصطلحات الحرب تسري في جسد لغته، وعدد حوادث القتل التي سببها الجنود العائدون من الموت،توازي ذلك الحيف الذي يسكن قلب الشاب حين يرمى على الجبهات والخنادق. تشّبع الناس بشعور الخذلان والتوحش والقسوة،ولكنهم أيضا تعبوا من قدرهم. جيل الحرب الأولى والثانية الآن يلبس مسوح الرهبان، يرتدي عمامات الايمان،ولكن القدر لايمنع الذي يصلي اليوم أن يقتل غدا أو ينهب أو يختطف. تلك مفارقة ضاعفها الإحتلال ودخول العرب الانتحاريين الى كل بيت وحارة. تقاليد العنف حفرت خنادقها في الجسد العليل المستكين الى قدره،حتى أضحى الخوف هروبا الى الأمام،الى الموت المحتم الذي ينتظر الناس عند كل منعطف.
الحرب خرجت عن كل منطق، ليست حرب العراقيين أنفسهم،بل حرب العالم التي تخاض على أرضه. فلا الجندي الاميركي ولا أعداؤه من العرب والمسلمين يعرفون الرأفة، ولا العراقي المنضوي تحت راية المليشيات او المافيات يعرف الرحمة او التعاطف. خرج هذا التوصيف عن منطق الذم،فهو أشبه بسلسلة تناظرية يلعب فيها عنف الألم الجسدي، كمعادل لعنف المباديء التي يمحضها الناس الوفاء. كلهم يملكون من الأسباب الوجيهة التي تجعل منهم صيادي بشر من الطراز الرفيع. فالأميركي القادم من أقصى الغرب الى بلد الشمس المحرقة والفقر والكمائن، يشبه المجاهد الانتحاري الذي يحلم بالثأر من الطاغوت الصليبي الذي سرق منه فلسطين، وهو يشبه ملامح المليشيوي الذي ينتمي الى طائفة لايستقيم وجودها الا بمحق الطائفة الاخرى. هم يتشابهون في الأسباب،مثلما يتشابه التوائم في الملامح.
في العراق اليوم قيامة العالم،نهاية التاريخ التي جادل فيها المفكرون، وتوقعها الفلكيون. كل الشعوب الآن تتفرج على معاركها في هذه السباخ: صراع الشرق والغرب، الاسلام والمسيحية، اليهود والعرب،السنة والشيعة،الدكتاتورية والديمقراطية،الامبريالية والعروبة، الشيوعية والكولونيالية.الفرس والأرومة العربية، الإيمان والكفر،الجمال والقبح، الجوع والثروة، منتج النفط ومستهلكه. كلهم يلتقون في المعركة الفاصلة بين الرصافة والكرخ، يوم كانت الفتيات يتجولن بأمان على شواطيء دجلة التي مرت بخاطر البشرية مثل حلم ليلة صيف.
مرثية العراق لاتستحق عنف المشاعر والغضب،هي صيغة أكثر فاعلية من الإنتحار الذي يمارسه الناس على أرضه، وتلك التي يحتفل فيها أهلوهم ويستبشرون لهم بالجنة. هي أكبر من أن توصف بسخط على القدر الذي ساق العراق الى هذا المآل، فهناك في كل الاعتبارات حقوق وواجبات للحب والولاء، ويكفي ان العراقيين الأكثر حظوة بين الشعوب التي ترى نفسها في مراياه المهشمة.


يحبون الموت  ويكرهون الحياة
 

شاكر الانباري

العنف الذي يشهده العراق حاليا عنف مركب، يصعب فهم أسبابه دون الالمام بتلك الخلطة المركبة، المنتجة لذلك العنف. هو كحال العراق: يحتاج الى بصيرة، وحكمة، وعقل، مع قليل من الحب، للوقوف على ما يجري فيه. عنف لم يتصاعد اثر سقوط نظام، بواسطة قوات أجنبية ذات منطق وعلم وقسوة،، كما يحاول البعض تبسيطه باعتباره ظاهرة تستحق التوقف الجاد والعميق عندها، كون الاحتلال يستولد، كما مفترض دائما، مقاومة من نوع خاص، هي بالمحصلة، شكل من اشكال العنف. لكن ما تشهده الساحة العراقية في الحقيقة هو استمرار لظاهرة عمرها عشرات الأعوام، توجت بالحرب، او الحروب السابقة، كون الحروب ما هي الا عنف موجه ضد الآخر، الا وهو العدو. وهو موجه ضد المجتمع، بهذه الذريعة او تلك، ليكون المجتمع في جميع الأحوال، أول المتأثرين به. سنوات طويلة، والمجتمع العراقي يعيش حالات الموت البشعة التي كانت تحصل في الجبهات، وكانت مناظر الأجساد المقطعة او التالفة او عديمة الملامح، من الصور المألوفة لملايين العراقيين، سواء كانوا جنودا في الجبهات أم عائلات ظلت تبحث عن ابنائها او تتعقب مصائرهم في المستشفيات والمشارح وعند المواقع الخلفية من الجبهات. الجندي كان يعيش جو الموت يوميا، وكذلك ملاين الأسر، بمن فيهم الأطفال، لم يرو من حياتهم سوى شاش البياض على الأجساد، وملامح الحزن لدى الجيران.
ورغم ان الحرب كانت على الجبهات الا ان الموت ظل يسرح بين البيوت، وعند الشوارع، وعلى الطرقات. ثلاثون سنة او يزيد ولافتات الموت تعاقر بصيرة الفرد من زاخو الى الزبير، وعلى مشارف عبادان، وفي متاهات الصحارى. وتحديدا منذ الحرب العراقية الايرانية وحتى اليوم ظلت دوامة العنف متواصلة، وولدت تلك الدوامة على مر السنين مؤسسات لها طابع عنفي ايضا، ورجال كانوا يسيّرون تلك المؤسسات بطريقة ليست دبلوماسية ولا قانونية، بل تتعدى روح المنطق والعقلانية في اغلب الأحيان. ويمكن هنا تذكر فرق الاعدام خلف الجبهات، وعناصر الأمن والمخابرات والشرطة والجيش، فضلا عن مؤسسات الحزب التي تحولت في تلك السنين الى مجالس حربية، تحاكم، وتعدم، وتبطش، وتقص الآذان، وتقطع الألسن.
الحرب اوجدت مصنعا للعنف في المجتمع، ظل دائرا طيلة عقود، وفي ذات الوقت اوجدت مؤسسات للعنف تبرره وتؤدلجه وتجعله امرا عاديا، ثم تصنع من منتسبيها قتلة محترفين يعتبرون الموت تسلية. يسهل تذكر مئات الروايات الحربية، والقصص التعبوية، والقصائد الممجدة للدم، والمقالات المفلسفة للرعب والتفجير والذبح. فمن حسنات الديكتاتورية انها تؤرشف ابسط نأمة كي يطلع عليها المستبد. وهنا يمكن ادراج الآيديولوجية القومانية التبريرية الشعاراتية المستندة الى الغلو القومي، ولاحقا جميع الحركات الاسلاموية التي لحقت بمركب (الجهاد) في العراق لقتل اطفال النعيرية، وسلمان باك، وبغداد الجديدة، باعتبارهم متواطئين مع الكفرة، والصهاينة، والبروتستانتية الجديدة في البيت الأبيض. اما تركيبة المجتمع العراقي فكانت حتى فترة السبعينيات تميل الى التركيبة العشائرية، وهي تتقبل العنف وتمجده في بعض الحالات، بأعرافها وتقاليدها في الثأر والقتل من اجل الشرف، وامتداح القوة (والبلطجة)، والهيمنة الأبوية على الأسرة، ومصادرة حقوق المرأة وتحويلها الى كائن مستعبد، يتصرف به الرجل كما يشاء بسبب فهم خاطئ للدين، وبسبب تقاليد محلية ضيقة الأفق، محكومة بالعزلة الحضارية والجهل والأمية. هكذا نمط من المجتمعات يمكن له بسهولة ان يخلق الشيخ، الذي لا يخطئ، او الأب الكبير، او باللغة السياسية( الديكتاتور)، فهو بشكل ما لا يختلف كثيرا عن شيخ العشيرة او الأب الصارم الذي يهيمن على افراد الأسرة ويحدد مصائرهم.
على صعيد السايكولوجيا، من الغريب ان معظم العراقيين مصابون بمرض عبادة الأم وتقديسها، وكأن الأم تقدم البديل عن سلطة الأب القاسية التي عانى منها الذكر تحديدا. ورغم ان السلطات السابقة مجّدت العنف، وساهمت في صنعه وتسويغه داخل المجتمع، الا انها في ذات الوقت سنّت قوانين رادعة وصارمة تعاقب كل من يقترف العنف، ويتجاوز على حرمة احتكار القتل والعقاب الذي تجيّره الدولة لنفسها او لمؤسساتها. لذلك شكلت تلك القوانين كوابح لتفجر حالة العنف لدى الفرد العادي، مما جعله يستكين، لفترات طويلة، الى عنف السلطة وجبروتها، ويقمع أي دافع الى التهور والثورة والتحدي، وقد ظل ذلك الخوف من السلطة وعنفها يستعر في اعمق طبقات الفرد العراقي ولعشرات السنين.
لكن، وحين جاءت الفرصة تفجر دفعة واحدة ضد كل شيء.
ضد المؤسسات، والأشخاص، والطبيعة، ومكونات الدولة، وحتى الجمادات التي شكّلت منظرا مألوفا حوله لسنين ماضيات، هي سنين خنوعه واذلاله، وكأنه يريد التخلص من أي شاهد يذكّره بتلك السنوات. انها النزعة نحو التخلص من وضاعة الماضي، وكل ما يذكّر بالدناءة والقبح والهامشية. حين تهاوت سلطة الدولة، بما تحويه من مؤسسات قمعية وسياط مجربة، ووسائل تعذيب مبتكرة، تفجر عنف الفرد مثل بركان، ولكن بغرابة وشذوذ في احيان كثيرة.
هدم (المتمرد) العمارات، اقتلع حواجز الطرق، قتل اعداءه، نهب مخازن المؤسسات، صفّى كل من تقع عليه عينه من رجالات السلطة السابقة، وهو بهذا كان يقتلع زمنه الماضي دون رحمة. العنف اصبح غير عقلاني البتة، خاصة حين دخلت الى الساحة عناصر تربّت على ممارسة العنف وأدمنت عليه، وانتهى العنف هنا الى اقصى حالاته الا وهو تدمير الكائن البشري(القتل)، وأحيانا التلذذ بتدميره، وهذا ما اصبح يشاهد اليوم من تعذيب وتقطيع ووحشية في ابادة العوائل، او الاستسهال في التعامل البشع مع الكائن المقدس على الأرض، الا وهو الانسان، بهذه الطريقة الحيوانية. هناك جثث وجدت وهي محفورة الرأس بواسطة المثقاب(الدريل). وهناك جثث كثيرة مقطوعة الرؤوس، وهناك جثث مبقورة البطون، وبسبب عدم وجود سلطة رادعة او قوانين او اجهزة كفوءة تقف امام الجناة، اصبح قتل الانسان يخضع لمزاج الشخص او المنظمة او الحركة لاغير. لذلك كل فرد يسير في الشارع يمكن ان يكون هدفا للقتل، لهذا السبب او ذاك طبعا.
وبجملة مختصرة: ان كل شخص مهدد بالموت، وعلى طول ساعات اليوم، سواء كان في الشارع أم العمل أم البيت. ليس هناك من حام لحياته سوى الصدفة. المشروع السياسي يقود اليوم هو ايضا الى العنف، رغم انه مشروع سياسي غير مسلح كما يقول ذلك الجميع، الا انه يصبح حاضنة للعنف حين تتلقفه جماهير تربت على ان تضع الشعار فوق البشر، والكلمة فوق الجسد البشري. وهذه تربية اعتمدتها الأحزاب الآيديولوجية لفترات طويلة. وتربت على هذا التوجه اجيال تعدادها ملايين البشر، فهم وان تغيرت ولاءاتهم من حزب الى ملة او طائفة، ومن مرجعية حزبية وفكرية الى مرجعية دينية، الا انها بالمحصلة تتعامل بالآلية ذاتها.
الخلطة المصنوعة من هكذا ظروف ومقومات تجعل الحياة اليومية في مدن العراق كافة، متآلفة مع العنف، متقبلة له، كونه قدرا يصعب الخلاص منه لسنين طويلة قادمة، وفي الوقت ذاته ثمة دائرة مغلقة يدور فيها ذلك المجتمع. ظروف تصنع العنف، وعنف يهيء ظروفا ملائمة تنتج عنفا جديدا.. وهكذا. الدائرة المفرغة اليوم تتشكل من يأس كبير لدى الفرد، نتيجة انعدام الخدمات، وفساد القادة والمسؤولين، والكذب والدجل لدى الجميع تقريبا، وهم يزرقون الناس بمخدرات وشعارات يتكشف زيفها يوما بعد آخر. يأس الفرد من تحسن الاوضاع، بعد ثلاث سنوات من سقوط طاغية العصر، اصبح دافعا جديدا للانتقام من الحياة. الانتقام من الآخرين وعدم التعاطف معهم، او الاستهانة بما يجري لهم. حدثت كثير من جرائم القتل او الاختطاف او التسليب في الشارع دون ان يتدخل احد من المارة. هذه ظاهرة لم تكن موجودة في المجتمع العراقي قبل ثلاثين سنة تقريبا. هذه السلبية الباردة تضيف سمادا الى شجرة العنف، كون الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني، وقيم الشعب الجماعية، اصبحت عاجزة عن وقف مسلسل العنف ذاك. لهذا كله يؤمن الفرد العراقي، دون أي شك، بأنه يقف عاريا امام السماء، ويمكن ان يسقط عليه الموت في أية لحظة، وهذا ما خلق موجة من التدين المتطرف، يمجّد الموت هذه المرة، ويكره الحياة... بالمعنى الحرفي للكلمة....


التطرف الديني يقود إلى اللا تسامح
 

ماجد الغرباوي

يعتبر التطرف الديني احد اخطر منابع اللا تسامح، لتلبسه بلبوس المقدس، وتوظيفه للنص الديني، وسرعة تصديقه من قبل الناس، وقدرته على التخفي والتستر تحت غطاء الشرعية والواجب والجهاد والعمل الصالح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهو بحاجة إلى وعي يعري حقيقته، ويكشف زيفه، وإلا فانه ينطلي بسهولة على ذوي النوايا الطيبة من البسطاء، ممن لا يفقهون اساليب الخطاب وطريقة توظيف الآيات، ولا يميزون بدقة بين الاحاديث والروايات الصحيحة والموضوعة، وما هو عام في النص (مطلق النص) وما هو خاص، وايهما مقيد وايهما مخصص، وانما يكفي لتصديقها والتفاعل معها انتماؤها للمراجع الاسلامية، بما فيها كتب التراث، واقوال الرجال، أي الخطاب النصي والشفهي، بل ان تأثرهم بكلام الخطباء اقوى واسرع، لذا ليس غريباً ان يكون اكثر المتطرفين الدينيين ممن لم تسعفهم كفاءاتهم العلمية والثقافية في ادراك الحقيقة.
والتطرف الديني لا يعدو كونه قراءة متحيزة للدين، وقراءة مجتزأة للنصوص. وهنا ينبغي التأكيد على مسألة تعدد القراءات كواقع يدعمه امران اساسيان:
الاول: تعدد التفاسير رغم وحدة النص القرآني. فالمكتبة الاسلامية تزخر بما لا يقل عن الثمانمئة تفسير، قديماً وحديثاً، كما في بعض الاحصاءات البيبلوغرافية. كلها تؤكد تعدد الآراء في فهم آيات الكتاب الكريم، ومدى تأثر المفسرين بقبلياتهم، العقيدية والفكرية والثقافية، فهناك التفسير الشيعي والسني والزيدي والاباظي وغيرها. وهناك تفسير علمي وفلسفي وتاريخي وادبي، إلى غيرها من الاتجاهات والمذاهب.
والثاني: تعدد الرأي الفقهي واختلاف فتاوى الفقهاء رغم وحدة المرجعيات (القرآن، والسنة). وعلى هذا الاساس قس الاتجاهات المختلفة في فهم الدين والاحكام الشرعية، فهي تتراوح بين التطرف والتسامح، وتتباين بين التزمت واليسر والسهولة، إلا ان كلاً منها يمثل قراءة مستقلة لها مبرراتها. فالاول يركز على تجزئة النصوص، والتمسك بحرفيتها والجمود في فهمها، والجمود على ظواهرها. والثاني يؤكد على الترابط بينها، ويرفض التجزئة والتفكيك بين النصوص، ويرتكز على: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، (لا اكراه في الدين)، (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين ناراً).
وازمة التطرف في بساطة الوعي وضحالته واختلاله، وعدم القدرة على فهم النص، والتمسك بظاهره، رغم وجود المتشابه فيها. وقد امرنا القرآن بردها إلى المحكمات من الآيات. قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب). وكانت ازمة الوعي سبباً في ظهور اول فرق التطرف بالاسلام، وهم الخوارج الذين تمردوا على الامام علي (ع) في معركة صفين، وفرضوا عليه التحيكم، ثم عادوا لينقضوا ويطالبوا الامام بمحاربة معاوية. فاضطر إلى محاربتهم في النهروان والقضاء عليهم إلا نفر منهم. غير ان التطرف اتخذ اشكالاً مختلفة خلال التاريخ، وتجلى عبر حركات وتيارات فكرية وعقيدية. فكان دائماً عقبة امام العقل والتسامح، واصراراً على الجمود والتحجر. فما نشاهده اليوم من مظاهر دينية متطرفة تمتد جذورها إلى القرن الاول من التاريخ الاسلامي. وهو منظومة من المفاهيم تتنافى مع العقل والاجتهاد والتدبر. فلا يمكن ان يصار إلى صيغ مشتركة بين التطرف والتعقل، وبين التكفير والتفكير.
وقد افضى منهج الجمود على ظواهر النصوص، وتجزئة الآيات القرآنية إلى وجود احكام تعميمية مطلقة، كما في مسألة محاربة الكفار أو المشركين من اهل الكتاب. فالقراءة المتطرفة للنص لا تراعي تغير موضوعات الاحكام، ولا مناسبات الحكم والموضوع (كما هو المنهج في اصول الفقه) وانما يبقى الحكم مطلقاً ويمكن تطبيقه على جميع الحالات، لا فرق في ذلك بين المحارب وغير المحارب. وعلى هذا الاساس ترتبت الاحكام الشرعية وظهرت سلسلة من الفتاوى التكفيرية، التي طالت ايضا المخالفين مذهبياً، رغم وحدة المرجعية الفكرية لكليهما. فكل منها يرتكز إلى نصوص الكتاب الكريم والروايات لاستنباط الاحكام الشرعية، وتكوين الرؤى العقيدية، غير ان الاختلاف في بعض مفردات العقيدة التي لا تمس بوحدانية الله تعالى، ولا بنبوة النبي الكريم، ولا في تمامية القرآن الحكيم، قد افضت إلى تباينات كبيرة، عمد المتطرفون في ضوئها إلى تكفير المذاهب الاخرى، وترتيب نسق من الاضداد المتناحرة. وقد كلف هذا المنهج المتحيز الاسلام والمسلمين الكثير من طاقتهم وجهودهم، وسالت بسببه دماء غزيرة، وأزهقت انفس بريئة. وما زالت تداعياته تشكل شبحاً مرعباً لكل الشعوب الآمنة. ويكفي ان اغلب الاحداث الارهابية التي وقعت في انحاء مختلفة من العالم وراءها حركات اسلامية متطرفة، من ذبح الاسرى، إلى احتجاز الاطفال رهائن والتسبب في قتلهم، مروروا بالسيارات المفخخة والتفجيرات المتعمدة، حتى بات الاسلامي يساوي الارهابي، والارهابي يساوي الاسلامي. وقد تأثر لذلك وضع المسلمين في كل من دول العالم. لكن فداحة الامر تجدها في ممارسة التطرف الديني داخل العراق، البلد الاسلامي، الذي تعرض لاقسى انواع الارهاب، الذي طال المدنيين والعزل والابرياء والاطفال، والطقوس الدينية، ودور العبادة. كل ذلك باسم الدين، وتحت ذريعة الجهاد، والامر بالمعروف، وقتال الكفار، وغيرها من العناوين. لكن يجب التمييز بين المقاومة المشروعة وبين الاعمال الارهابية، فالمدان هو العنف اللا مبرر والارهاب الذي افقد المسلمين سمعتهم ومكانتهم بين شعوب العالم.
لسنا في صدد معالجة أو بيان التطرف بكل تفاصيله، والذي يهم البحث دراسته كمنبع من منابع اللا تسامح، وما هو السبيل لتفكيك منظومته المعرفية، كي يكف عن تدفقه اللا عقلاني والتكفيري. من هنا اقتضى الامر الاشارة بشكل مكثف إلى اسباب التطرف كي يمكن ان يصار إلى استنبات قيم بديلة، لا تخرج عن اطار المرجعية الاسلامية والقيم الانسانية. وايضاً لا يمكن الاستطراد في بيانها، على امل تناولها مفصلاً في موضع آخر ان شاء الله تعالى، لكن تبقى بعض الاسباب اساسية ينبغي التطرق إليها، وهي: حديث الفرقة الناجية، خطاب الحركات الاسلامية، فتاوى التكفير والتحريض.
لعب حديث الفرقة الناجية (ستفترق امتي على نيف وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة) دوراً خطراً في تقطيع اوصال الامة الاسلامية وتفتيت مقوماتها، وهو الاساس المعرفي في التناحر والصراع بين الفرق والمذاهب الاسلامية، لانه يبيح، بشكل غير مباشر الاحتراب والقتال بين الفرق، باعتبار الفرق غير الناجية فرق ضالة ومنحرفة، فيجب قتالها. ولما كانت كل فرقة تعتقد انها مصداق لهذا الحديث فهي بالتالي مخولة بقتال الفرق الضالة بموجب آيات واحاديث اخرى. أي ان مسؤولية حديث الفرقة الناجية هو تحديد وتفعيل موضوع الآيات والاحاديث الآمرة بقتال الضالين والمنحرفين (طبعاً من وجهة نظر متطرفة، وإلا فالمنهج القرآني قائم على الهداية والمحاججة بالادلة والبراهين). فينبغي اعادة النظر في الوعي الذي تكون في اطار بعض النصوص الدينية والمرويات التاريخية، والتأكد من صحتها، عبر دراستها سنداً ومتناً، كحديث الفرقة الناجية، الذي لعب دوراً كبيراً في تشظي الامة، والاصرار على احتكار الحقيقة، ورفض كل الفرق والمذاهب التي تحتفظ بوجهات نظر اجتهادية مخالفة، حتى بات الجميع إلا ما ندر يعتقد بخطأ المخالف مهما كان نوعه.
وحديث الفرقة الناجية لم يرو في المجاميع الحديثية المعتبرة، ولم يرد في صحيح البخاري وصحيح مسلم، ولم تحز أي من رواياته على شروط الصحة المعتبرة في الصحاح من كتب الحديث النبوي الشريف. لكن رغم ذلك تجد كل فرقة من الفرق الاسلامية تتشبث بهذا الحديث، لتؤكد تفوقها على الفرق الاخرى، ونجاتها يوم القيامة وبالتالي هلاك جميع الفرق التي سيكون مصيرها النار، وفق منطوق هذه الرواية. وقد ارتكز إلى هذا الحديث لتحديد العلاقات العامة مع الفرق والمذاهب الاخرى، واتخاذ احكام جائزة ضدها، باعتبارها فرقاً ضالة يجب تجنبها.
والصيغة العملية للتعامل مع هذا اللون من الاحاديث هو الرجوع إلى المصادر الحديثة، بغية التعرف على تلك الروايات، ودراستها متنا وسنداً دراسة علمية، وفق ضوابط الرواية والدراية، ومن ثم اعلان نتائج البحث امام الملأ، بغية التوافر على وعي يمكن المجتمع من تجاوز عقدة الآخر من ابناء الفرق الهالكة (حسب ما يصرح به هذا الحديث). وآنئذ سيقف الجميع على قدم المساواة في مواجهة مصيرهم يوم اللقاء الاعظم، وحينئذ (.. ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى). واعتقد ان مسؤولية ذلك، أي مسؤولية مراجعة النصوص والمرويات التاريخية المعتمدة في نفي الآخر والغائه، تقع على عاتق جميع الاوساط العلمية والثقافية الواعية.
أي يفترض علينا، كمسوؤلية تاريخية، تحصين ثقافتنا من تسرب النصوص الموضوعة، أو المرويات المختلفة، والاعتماد على النفس في ايجاد صيغ للتفاهم مع الآخر، بعد ان أقر القرآن الكريم بوجود الاختلاف بين الشعوب والاقوام، وترك الباب مفتوحاً لاعتماد الاسلوب الاكفأ، لتوفير اجواء سليمة للاجتماع والتعايش السلمي (ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً).

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة