الانسان والمجتمع

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مفهوم (العدالة) في الفكر الاجتماعي (من حمورابي الى ماركس) (1-3)

فارس كمال نظمي

تعدّ العدالة واحدة من اكثر الموضوعات قدسية وشيوعاً في السلوك الاجتماعي. ويمكن أن تتخذ وجوهاً متضاربة جداً حتى ضمن المجتمع الواحد. فاينما كان هناك اناس يريدون شيئاً، ومتى ما كانت هناك موارد يراد توزيعها ، فأن العامل الجوهري المحرك لعملية اتخاذ القرار سيكون أحد وجوه العدالة. وللعدالة سيادة على غيرها من المفاهيم المقاربة، كالحرية والمساواة، ذلك انها لا تقف عند حد معين. فقد يطالب الناس بمزيد من الحرية، وفجأة يضطرون الى التوقف عند حد معين حتى لا تـنقلب الحرية الى نقيضها، الا انهم لا يستطيعون التوقف عن محاولة ان يكونوا عادلين. ولا يستطيع أي مجتمع ان يصل الى درجة الإشباع في تحقيق العدل، لأنه لا يوجد حد نهائي للعدالة. فالعدالة بهذا المعنى هي الخير العام الذي يستطيع تـنظيم العلاقة بين مفهومي الحرية والمساواة، اذ يكفل الموازنة بين الطرفين.
ومع ذلك، فأن الظلم رافق وجود الإنسان منذ بداياته. فقد ظهرت التفرقة بين الناس، ونشأت بالدرجة الأولى عن مفهوم المِلكية الذي يعتمد على الأنانية والمصلحة الفردية. فمنذ ان انتقل المجتمع البدائي الى مجتمع تـنظيمي، إختفت المساواة و أُلغيت لأن جماعة من الأفراد تملكوا الارض واستغلوا غيرهم. وبمرور الزمن صار لهم قانون يحميهم من كل عقاب، ويحافظ على مصالحهم، ويقر بشرعية الفروق المادية بين الفئات الاجتماعية. فتحولت هذه الفروق بالتدريج الى فروق معنوية أصيلة. والواقع ان الإنسان دفع ثمناً غالياً لارتقائه إلى أشكال اجتماعية اكثر تعقيداً، اذ ترتب على المهارة وتوزيع العمل ان تغرب الإنسان وانفصل لا عن الطبيعة وحدها، بل وعن نفسه أيضاً. فأصبح النظام المعقد للمجتمع يعني أيضاً تحطيم العلاقات الإنسانية، إذ كان معنى زيادة الثروة الاجتماعية في كثير من الحالات زيادة فقر الإنسان.

العدالة في العراق القديم
وجدت العدالة منذ اقدم العصور رموزاً لها في الاساطير والشعر والنحت والعمارة، بوصفها مطلباً جوهرياً يثير بشكل صارخ او صامت أي إنسان على أساس قوة وجوده، ويعبّر في الوقت ذاته عن الشكل الذي يتحقق في إطاره ذلك الإنسان.
فمن الناحية التأريخية، يعد إنسان وادي الرافدين أقدم مشرعي إحكام العدالة، اذ أن الشرائع العراقية القديمة تسبق اقدم ما هو معروف من شرائع وقوانين في سائر الحضارات الأخرى كالفرعونية والاغريقية والرومانية بعشرات القرون. فقد وضع الإنسان العراقي القديم تصوراته لموضوع العدالة والظلم في صميم نظرته للآلهة والكون والإنسان. فارتبطت العدالة لديه بالنظام مثلما ارتبطت قيم الخير كلها به،وارتبط الظلم بالفوضى مثلما ارتبطت قيم الشر كلها به. ولأن إنسان وادي الرافدين أدرك علاقة الشمس بنشاطات الحياة المختلفة، فقد عدها آلهاً للحق والعدل، ومزيلاً للغموض، وكاشفاً للحقائق. فإله العدالة هو إله المعرفة نفسه. فكان العراقيون يحتفلون في العشرين من كل شهر بعيد مكرس لإله العدالة ((شمش)) الذي انجب ولدين هما ((كيتو)) و((ميتسارو))، أي العدالة والحق.
لكن العدالة بهذا المفهوم ظلت امراً مرهوناً بخدمة الإنسان للآلهة وإرضائه لها فقط. فإذا ما حصل على العدالة فذلك لأن الآلهة منّت عليه بذلك، لا لأنه يستحقها. أما فكرة ((ان العدالة شيء من حق كل إنسان)) فلم تأخذ بالتبلور البطيء الا في الألف الثاني قبل الميلاد، وهو الألف الذي ظهرت فيه شرائع ((حمورابي))، اذ يذكر هذا الملك البابلي، الذي تولى الحكم خلال المدة (1792-1750) ق.م ، في مقدمة شريعته: (( ان الآلهة أرسلته ليوطد العدل في الارض، وليزيل الشر والفساد بين البشر، ولينهي استعباد القوي للضعيف،
ولكي يعلو العدل كالشمس، وينير البلاد من اجل خير البشر، ويجعل الخير فيضاً وكثرة )). فأضحى الناس منذ ذلك العصر يشعرون ان العدالة حق مشروع لا منّة شخصية.
إلا أن هذا الرأي عن كون العدالة شيئاً من حق كل إنسان، كان لا بد ان يناقض نظرة الناس آنذاك الى الدنيا، فبرزت الى الوجود مشكلات أساسية، كتبرير الموت، ومشكلة الإنسان الفاضل الذي يقاسي البلايا بالرغم من فضيلته. وكان وراء هاتين المشكلتين إحساس عميق بالألم والمأساة. فجاءت ((ملحمة كلكامش)) في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد تعبيراً عن سخط مكتوم وإحساس دفين بالظلم، منشؤه الفكرة التي تبلورت آنذاك عن حقوق الإنسان والمطالبة بالعدالة في الكون. فالموت شر، بل هو العقاب الأكبر، فما الداعي الى موت الإنسان اذا لم يكن قد اقترف إثماً؟ ولا تـنتهي هذه الملحمة الى خاتمة هادئة، بل تبقى عواطفها في احتدام، ويظل سؤالها الحيوي بلا جواب.
فأصبحت هذه المشكلة الأخلاقية بعناصرها الاستفهامية والاستـنكارية والتبشيرية، نقطة انطلاق للأديان والفلسفات والايديولوجيات التي ظهرت فيما بعد في مختلف الحضارات وحاولت الخوض في ماهية العدالة وغايتها وأساليب تحقيقها عملياً. وبالرغم من ان الناس على العموم ظلوا يقرون في كل عصر بأنهم لم يفلحوا في تحقيق العدالة بعد، إلا ان التاريخ البشري يمكن النظر إليه بوصفه تاريخ مقاومة الظلم، وتاريخ الصراعات الدامية من اجل فرض معيار موحد للعدالة، إذ ظل الإنسان ينشد العدالة في كل زمان، مستخدماً في ذلك كل وسائله، ومنها ابسط ألفاظه وأعمق أفكاره على حد سواء. لكن هذا المعيار ظل منيعاً على التحديد او الاتفاق.

العدالة مفهوم متعدد الأوجه
العدالة مفهوم يكتنفه الغموض، إذ يرى البعض انه يظل تجريداً في عالم العقل لا سبيل لتطبيقه في عالم الواقع. وأن ما جرى تطبيقه من العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ما هو الا محاولات يقصد من ورائها الحفاظ على الحقوق التي أقرها القانون الطبيعي والأخلاقي. ويذهب البعض مذهباً متفائلاً بقولهم ان الطبيعة البشرية قد ارتقت عبر التاريخ، مما خلق لدى الإنسان نوعاً من الرقابة الذاتية التي تلزمه باحترام قاعدة: ((عامل الآخرين بمثل ما تحب أن يعاملوك به)). ومن ثم أصبح يمتلك شعوراً داخلياً بالعدل. ويتبنى آخرون موقفاً نسبياً بقولهم ان العدالة ما هي إلا تجلٍ لنفوذ الأقوياء في أي زمان. فالأفراد الأكثر قوة يصبحون أكثر نجاحاً، وفي النهاية يقنعون أنفسهم والآخرين بأن وسائلهم في تحقيق الأرباح والمحافظة على مكانتهم ليست مقبولة فحسب، ولكنها مرغوبة وأخلاقية وعادلة أيضاً.
وينظر الى العدالة من منظورات فلسفية واجتماعية مختلفة. فهناك العدالة القائمة على فكرة ((الحق))
Right، وهناك العدالة القائمة على فكرة ((الخير)) Good. واذا كان تحقيق مفهوم ((إعطاء كل ذي حق حقه)) يقوم على فكرة ان استحقاق الإنسان لحقه يعود لمجرد كونه إنساناً، سميت عندها العدالة بـ((العدالة الطبيعية)) Natural Justice. أما اذا كان استحقاق الإنسان لحقه يقوم على قاعدة عامة يقبلها مجتمعه، سميت عندها العدالة بـ((العدالة الاتفاقية)) Conventional Justice . واذا كان هذا الحق يستند الى قاعدة تجعل من ينتهكها مسؤولاً عن فعله أمام سلطة عمومية، سميت عندها بـ ((العدالة القانونية)) Legal Justice. وتشير ((عدالة التبادل)) Commulative Justice الى تلك العلاقات التعاقدية التي تلزم كل فرد أن يعطي غيره حقه كاملاً دون التفات لقيمته الشخصية او مكانته الاجتماعية، بينما تحكم ((العدالة التوزيعية)) Distributive Justice توزيع المكافآت وتعيين العقوبات، أي تحدد استحقاقات الفرد من مكافأة او قصاص. وتعني((العدالة الاجتماعية)) Social Justice نوعاً من المساواة له أهميته الجوهرية في تحقيق الصالح العام. وتتمثل ((العدالة السياسية)) في وجود دستور يضمن توزيع الحرية السياسية والمساواة الاجتماعية والحقوق الطبيعية. أما ((العدالة الاقتصادية)) فتتحقق إذا ما نجح النظام الاقتصادي في إشراك جميع الأفراد في الحياة الاقتصادية، وفي توزيع الثروة عليهم بنسب تتناسب مع عملهم وإسهامهم في الإنتاج العام. وتتوخى ((العدالة الجنائية)) الدفاع عن المجتمع ضد الجريمة، وفي الوقت نفسه تقويم سلوك الجاني الذي خرج عن إطار المجتمع، مع ضمانها لحق كل متهم في ان يتمتع بمحاكمة تتيح له الحق الكامل في الدفاع عن نفسه حتى تنتهي المحاكمة إلى قرار سليم سواء بالإدانة أم بالبراءة. ويشيع أيضاً مصطلح ((العدالة المطلقة)) أو ((الإنصاف)) Equity بوصفها عدلاً طبيعياً لاشرعياً. فالأنصاف يوجب الحكم على الأشياء بحسب روح القانون، أما العدل فيوجب الحكم عليها بحسب نص القانون .
وفي علم النفس، يستخدم مصطلح ((العدالة الاجتماعية)) لوصف شعور معظم الناس بوجوب أن ينال الجميع استحقاقهم على أساس حاجاتهم وجهودهم. أما ((العدالة المتأصلة))
Immanent Jusitce فتعني اعتقاد الطفل في سنوات حياته الأولى بوجود عقوبات تلقائية تنبثق من الأشياء بحد ذاتها. ويشير ((الاعتقاد بعدالة العالم)) الى وظيفة نفسية تكيفية بالغة الأهمية، تمكّن الفرد من مواجهة بيئته المادية والاجتماعية كما لو أنها مستقرة ومنظمة. وبدون هذا الاعتقاد يصبح من الصعب على الناس أن يلزموا أنفسهم بمتابعة السلوك الاجتماعي المنظم.
يستدل من هذه التعريفات الموجزة، أن للعدالة مضامين دينية وفلسفية واجتماعية متـنوعة، تتطلب فرزاًُ أكاديمياً متأنياً ودقيقاً لها على نحو متسلسل، وهو ما سيتضمنه الجزء القادم من هذه الدراسة.
يتبع


هل تختلـف المـرأة نفسيـاً عن الرجل؟

* د.منال القاضي

*أديبة وطبيبة نفسية مصرية

هل تختلف نفسية المرأة عن نفسية الرجل؟ وفي أي شيء تختلف؟،
وما هو سبب إصابة المرأة ببعض الأمراض النفسية أكثر من الرجال؟
وهل يوجد أختلاف تشريحي بين مخ المرأة ومخ الرجل؟.
ربما تكون هذه هي البداية المناسبة، فمخ الرجل يحتوي على ضعف الخلايا العصبية الموجودة في مخ المرأة، وفي المقابل فالمرأة لديها ضعف الوصلات العصبية التي لدى الرجل، ولذلك فالأولاد أكثر إصابة من البنات بالتخلف العقلي وصعوبات التعلم، ذلك لأن الجنين الذكر في حاجة أن يبقي على عدد أكبر من الخلايا العصبية في القشرة المخية أكثر من الجنين الأنثى، فأي عطب يصيب المخ يؤدي إلى فقدان خلايا عصبية هو بحاجة إليها.
أما بالنسبة لمرض مثل الاكتئاب، فقد وجد أن المرأة أكثر أصابة به من الرجل لأن الموصل العصبي المسؤول عن المزاج الذي يسمى (السيروتونين) يصنع بنسبة أقل في مخ المرأة. كما تختلف الأعراض الاكتئابية بين الرجل والمرأة، فتعبر المرأة عن اكتئابها في صورة أعراض جسمانية مثل الشعور بالإرهاق واضطرابات الشهية والنوم؛ بينما يتوقف الرجل الذي يعاني من الاكتئاب عن العمل ويبتعد عن النشاطات الاجتماعية. وبالنسبة لمرض الفصام فقد وجد أن هرمون (الاستروجين) له أثر فعال في حماية الخلايا العصبية في المخ مما يؤخر ظهور مرض الفصام عند المرأة، كما أنه يقلل من أعراض المرض لديها. كما وجد أن تأثير الدواء يختلف من المرأة إلى الرجل.
كذلك أثبت العديد من الدراسات أن المرأة التي تعاني من الفصام تستجيب أسرع لمعظم الأدوية الأخرى المستخدمة في علاج هذا المرض وبجرعات أقل من التي يحتاجها الرجل، كما أن الأعراض الجانبية تختلف من الرجل إلى المرأة.
وبالمثل فالمرأة أكثر إصابة بـ(الزهايمر) من الرجل، فقد أثبتت الدراسات أن (الأستروجين) يحمي المرأة من تدهور الوظائف المعرفية المصاحبة لكبر السن. وما زالت الدراسات تحاول أن تثبت العلاقة بين الزهايمر وانحدار الأستروجين الذي يتبع انقطاع الدورة الشهرية، وقد وجد أن للأستروجين دورا في حماية مخ المرأة، فالأستروجين يدعم نمو الوصلات العصبية في المنطقة الخاصة بالذاكرة في المخ، كما أنه ينشط إنتاج النواقل العصبية التي تقل في حالة الإصابة بمرض الزهايمر مثل الأستيل كولين والسيروتونين.
كما يؤدي الاستروجين إلى تدفق الدم في المخ، ويعد الاستروجين مضادا للأكسدة ويحمى المخ من الشوارد الحرة التي تلعب دورا في حدوث مرض الزهايمر.
إن المرض النفسي يختلف عن غيره من الأمراض في أن له العديد من الأسباب التي لا يمكن الفصل بينها أو تحديد أيها هو السبب الأساسي، فإضافة إلى الأسباب الجينية والبيولوجية هناك الأسباب الاجتماعية التي تؤثر بشكل مختلف في المرأة، فالتغيرات التي يراها المجتمع طبيعية من الممكن أن تؤدي إلى ضغوط عصبية على المرأة.
فالزواج مثلا يختلف أثره في كل من الرجل والمرأة، فهناك العديد من الدراسات التي اثبتت زيادة الأمراض النفسية بين النساء المتزوجات مقارنة بالرجال المتزوجين، بينما تقل نسبة المرض النفسي بين النساء غير المتزوجات مقارنة بالرجال غير المتزوجين، مما يدل على أن الكثير من النساء يفقدن الاستقلالية بالزواج.
ومؤخراً دار الحديث حول تأنيث الفقر حيث تمثل النساء (10%) من فقراء العالم مما يضاعف أعباءها النفسية، ولذلك إذا تكلمنا عن صحة المرأة النفسية يجب أن نؤمـّن لها حقوقها الإنسانية، فالمرأة لها الحق في مستوى معيشي جيد، يتوفر فيه المأكل والملبس والمسكن والمياه النقية والبيئة الصحية الآمنة، وكذلك لها الحق في التعلم الجيد والعمل المناسب والأجر المساوي للرجل والمساوة بينها وبين الرجل في المسؤوليات الخاصة بتنشئة الأطفال، وكذلك حقها في التأمين الاجتماعي ضد البطالة والشيخوخة والمرض.
إن فقر المرأة ليس أمراً شخصياً يخصها وحدها ولكنه مرض اجتماعي خطير، يمتد أثره على المجتمع بأسره.
فالمرأة الفقيرة تعني طفلاً فقيراً يعاني من سوء التغذية والإعاقة والتدهور الدراسي والتسرب المبكر من التعليم والإصابة بالأمراض المعدية والاضطرابات النفسية المختلفة وارتفاع معدل الجريمة.
كما أن المرأة الفقيرة التي تحيا في بيئة غير صحية تعاني من العديد من الأمراض بالعدوى وسوء التغذية والصداع والتوتر وعدم القدرة على التركيز، وبالمثل يتسبب الفقر في العديد من الأمراض النفسية كالاكتئاب واضطراب الوسواس القهري والعنف والقلق وسوء الاستغلال الجسدي والعاطفي. كما تنتابهن مشاعر سلبية عديدة مثل الغضب والعدوانية وقلة الحيلة.
والفقر يقلل من أثر المساندة الاجتماعية التي تحصل عليها المرأة، فجيران ومعارف المرأة الفقيرة يقعون أنفسهم تحت تأثير الفقر مما يضاعف الضغوط العصبية الواقعة عليها. إن الاهتمام بالصحة النفسية للمرأة يوازي في أهميته الاهتمام بمستقبل الوطن، فهي إنسان قبل أي شيء وانتهاك حقوقها هو بمثابة انتهاك صريح لحقوق الإنسان.


الجينوم البشري والأمراض النفسية والعقلية
 

د. الهام خطاب عبد الله

لو وضعنا خارطة للمقارنة في النظريات التي تتحدث عن الطبيعة الإنسانية وعن حالة الصحة والمرض في الجسم الإنساني وعودة أسبابها إلى البيئة أو الوراثة لكانت هذه الخريطة تحمل قمة التناقض والاختلاف.

فأصحاب البيئة يرجعون الأمراض إلى البيئة ومتغيراتها، وإلى الفيروسات والعدوى التي تحملها، وإلى طبيعة الغذاء والهواء والماء، وإلى الطبيعة الخارجية عموماً التي يعيش فيها الأنسان، والى عدم قدرة الجسم على التكيف المطلوب مع معطيات البيئة؛ حتى وجد اليوم علم جديد يدعى علم ((التبـيؤ البشري)) قائم على هذه المعطيات.
أما أصحاب الوراثة والجينات الوراثية، فيردون الأمراض إلى كونها أمرضاً وراثية مدفونة في جينات الجسم، وبمجرد أن تجد لها الوقت والظرف المناسب تظهر على السطح على شكل مرض. فقد وجدوا حتى الآن أكثر من ثلاثة آلاف مرض وراثي لدى الإنسان، وأخذوا يحاولون أن يعالجوا هذه الأمراض عبر الهندسة الوراثية في المراحل الأولى للجنين وهو في رحم أمه.
فأين هي الحقيقة في هذه الخريطة؟
إن صفاتك كما كان يقول البايولوجيون في النصف الأول من القرن العشرين، إنما هي نتيجة تفاعلات متداخلة بين مجموع صفاتك الوراثية الخاصة وبين المحيط والبيئة. إذن، فعلماء البايولوجيا أعادوا في النصف الأول من القرن العشرين للأعتبار عملية التوازن بين الجنين والبيئة. وخير مثل يضرب على ذلك هو مرض الزكام الواسع الأنتشار، فإن سببه هو العدوى، ولذا فأصله البيئة، ووجب على الإنسان أن لايتعرض لمحيط فيه فيروس الزكام كي لا يصاب به، ولا يغرب عن البال أن من يتعرض لهذا المرض يجب أن تكون له الجينات البشرية الخاصة، وذلك لأن من المعروف أن القطط والجرذان والذباب لا تصاب بالزكام عندما تعرضها لهذا الفيروس، وعلاوة على ذلك فبعض الناس أكثر تأثراً بهذا الفيروس من غيرهم .
ولكن هذه الخريطة المتوازنة عادت من جديد للتغير في النصف الثاني من القرن العشرين بعد اكتشاف الأمراض السايكوسوماتية المرتبطة أساساً بمتغيرات البيئة التي تخلق ما يسمى بأمراض العصر، وبعد القفزة الكبيرة التي حققتها علوم البيولوجيا بأكتشاف السلم الحلزوني الوراثي (د ن أ)، وأخيراً باكتشاف خريطة الجينوم في الجسم البشري. فما الذي حصل؟
إن الطب اليوم أخذ يعيد الأهمية اللازمة للعوامل البيئية في أطار نظرية جديدة تسمى علم التبـيؤ البشري
Ecologie humaine . فبعد تزايد الأحساس بأخطار تلوث الهواء وتلوث الماء وكثافة السكان بالمدن وغير ذلك من مثل هذه العوامل، بدأت أعداد متزايدة من ثقات الأطباء تنجذب إلى نظرية التبيؤ البشري القائلة بضرورة النظر إلى الفرد بأعتباره جزءاً من نظام كلي وأن صحته تعتمد على كثير من العوامل الخارجية. فقد أكد (توفلر) في دراساته عن أثر التغيير في صحة الفرد عبر ما أسماه (صدمة المستقبل): ((إن التغير السريع في البيئة يؤدي الى عمليات سحب متكررة من موارد الطاقة في الجسم، وبالتالي الى زيادة في تمثيل الدهن وهذا بدوره يخلق صعوبات خطيرة لبعض مرضى السكر. وحتى البرد العادي اثبت انه يتاثر بمعدل التغير في البيئة. وباختصار لو فهمنا سلسلة الاحداث البيولوجية التي يثيرها ما نبذل من جهد في التكيف مع التغيير والجدة، فسنبدأ في تفهم سر الارتباط الوثيق بين التغير والصحة)).
ومن هنا ظهرت بشكل واضح نظرية السايكوماتك (الامراض النفسية
الجسمية) التي تقوم على ان الاجهاد التكيفي النفسي يقتضي ثمناً فسيولوجياً بدنياً غالياً، واساسها الطبي يقوم على أساس إن الجسم الحي يفرز مقادير معينة من البروتينات السامة التي تهدم خلايا البدن وتضمر عمل انسجته. وامام تكاثر البروتينات السامة يفرز البدن مادة مضادة لمقاومتها، فاذا كان مزاج الانسان طبيعياً فان المادة المادة المضادة تهزم المادة السامة مولدة الضد وتقوي من مناعة البدن، اما اذا كان المزاج متعكراً فان المادة السامة تتغلب على المادة المضادة وتترسب في اغشية المفاصل مسببة بعض الالتهابات. ومن هنا تبدأ اولى اعراض المرض، ثم يأخذ بالاستشراء على قدرالمادة السامة المفرزة. ولقد اكدت التجارب ان امراض الروماتزم تحدث أثر الازمات النفسية القوية حيث يتضاعف افراز مادة (مولد الضد) السامة فيتأثر كل من العمود الفقري والعضلات مباشرة، ويخيل عندئذ للمريض أن اصابته جسدية فقط، بينما الواقع هو ان العارض الجسدي يعد نتيجة طبيعية لتدهور الحالات النفسية الناشئة عن الكآبة والارهاق اليومي المتواصل.
على ان هذه التفسيرات للامراض (بضمنها الامراض النفسية كالكآبة والشيزوفرينيا) بواقع البيئة والتغير فيها والتكيف النفسي والبدني المطلوب تجاهها، قد توقفت عند هذه الحدود. وهنا برزت الاكتشافات البيولوجية الجزيئية بشكل واضح، وظهرت الهندسة الوراثية، مما طرح النقيض الجيني الوراثي كأساس آخر لحدوث الامراض، خاصة وإن الكثير من الامراض لم يتمكن الطب بكل قدراته التكنولوجية والدوائية من معالجتها. يقول احد العلماء في هذا الاطار متحدثاً عن علاقة الوراثة والانسان واساسيات الوراثة البشرية الطبية: ((هل تعلم انك تحمل ما بين اربعة وثمانية عوامل وراثية غير طبيعية أي مرضية؟...وبالرغم من عدم تاثيرها في صحتنا الا انها تنتقل الى اطفالنا!)).
فحتى زمان قريب كان مرض القلب
مثلاً يعد مرضا بيئياً، أي ان تفسيره كان يمكن ارجاعه الى حد كبير الى حقيقة ان من يصيبهم المرض عموماً هم ممن يدخنون او ياكلون غذاءاً غنياً بالكولسترول أو ممن لايمارسون الرياضة. أما الان فقد بدأت العناصر الوراثية لمرض القلب تظهر على السطح.كما إن الامراض النفسية قد بدأت تجد لها أرضية من المعلومات الوراثية ومن الجينات بشكل لم يخطر على بال احد. فاذا كان التخلف العقلي قد يكون له سبب ما من الوراثة، إلا ان الامراض النفسية قد بدأت تأخذ مساحة اكبر في هذا المجال، خاصة وان الطب وعلومه كانت ذات اتجاهات مادية صرفة لا تؤمن بنظريات علماء النفس عن العقل الباطن وافرازاته ،لهذا فإن البحث عن الامراض النفسية في الجينات يعيد لهذا الطب احترامه المادي ويقضي على التفسيرات الافتراضية التي كان يلجأ اليها المعالجون النفسانيون دون ان يعطوا اهمية كبيرة للجانب الفزيولوجي لمثل هذه الامراض.
ان خريطة التفسير المرضي لا يمكن ان تقبل تفسيراً وراثياً لوحده، ولا تفسيراً بيئياُ لوحده، وانما يعود التوازن اليوم الى التكاملية في هذين
السببين.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة