مواقف

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

من تجارب التحول الديمقراطي .. التبعيات الاسلامية في النيجر ومطلب الانفتاح الديمقراطي
 

بقلم: صولي حسان
ترجمة :جودت جالي

عن المجلة الفرنسية: ESPRIT - AOUT-SEPTEMBRE

(لقد نقلت نهاية الصراعات الايديولوجية وتفكك المعسكر الاشتراكي كفالة كل ايتام الثورات إلى عهدة الاسلام، واليوم يتوجه نحوه كل المثقفين الذين خذلتهم الديمقراطية الغربية او، بتعبير ادق، كل العاجزين امام الفساد الاخلاقي السياسي).
ان النيجر التي تقع بين افريقيا الشمالية وافريقيا جنوب الصحراء تحتل موقعا مفصليا واستراتيجيا في افريقيا الغربية. خلقت الدمقرطة الاخيرة للحياة العامة هناك والتي اعقبت خطاب (لا بول) انماط تعبير عن الافكار غير مسبوقة، واصطفافات واستحقاقات، مخرجة ممثلين اسلاميين جددا. ان مؤتمر النيجر الوطني عام 1991 والمكلف بتنفيذ الدمقرطة قد كرس دون شك حرية التنظيم والتجمع. يقدر عدد الجمعيات اليوم باكثر من 900 جمعية منها خمسون تتبنى الخط الاسلامي. هذه الدراسة تحلل ممارسات هذه الجمعيات الاسلامية بعد احدى عشرة سنة من تاسيسها سواء في نشاطها الداخلي او في علاقتها بالمجتمع وبالنخب السياسية وبالدولة. سنحاول رسم مايمكن ان يكون قد اعتبر، بشكل تناقضي، اعادة امتلاك لافكار (لا بول) وهو المؤتمر الفرنسي الافريقي الذي ترأسه فرانسوا ميتران عام 1991 والذي يبدو انه طبع التوجه الديمقراطي في افريقيا الفرانكوفونية.
جرى الاعتراف رسميا منذ عام 1991 وحتى عام 2000 بخمسين جمعية اسلامية تمثل كل منها تبعية مميزة (
mouvance تبعية ويمكن ترجمتها مرجعية بالمعنى الضيق ولكنني فضلت الترجمة الحرفية تبعية لعدم انطباق هذه الحالة على مايفهم عندنا من مصطلح مرجعية كما ان الاجانب اذا قصدوا مفهوم المرجعية يكتبون المفردة نفسها باحرف لغتهم المترجم). نقل قانون رقم 06-96 الصادر في 20 اذار 1996 بخصوص الجمعيات التعبير الاسلامي إلى حالة اخرى وحرره من قيوده التقليدية وحدثه بتمرينه على التعددية الدينية، ومنذ ذلك الحين وجدت كذلك المدارس الاسلامية بتنوعها وتناقضاتها دون ان تحل، لهذا السبب، بعضها محل بعض. تحرك هذه الحالة التي اوجدتها وضمنتها المؤسسات الجمهورية في وسط الجمعيات الاسلامية منافسة واعدادا لاستراتيجية اتصال حديث، وتجعل الافكار والمواقف سلمية، وفي الوقت نفسه يتعلم الممثلون الاسلاميون مباديء الديمقراطية.
اسلام مرابطي
التبعية الاولى تظهر مايمكن ان نسميه الاسلام التقليدي، اسلام العوائل (المرابطية)، وهو ايضا شكل من اشكال انتقال الاسلام إلى النيجر. المعلم
MALLAM (جمعه MALLAMAI) مدرس القران هو الشخصية المركزية. يمارس المعلمون وظائف اخلاقية ودينية ويشتركون منذ 1960 في تنظيم المجتمع ويصطبغ تاثيرهم على المجتمع بما وهبوا من منزلة لدنية جعلت منهم نماذج اخلاقية. جعلتهم نصائحهم ودعواتهم إلى التأني والتواضع والاعتدال في تماس مع الطبقات الاجتماعية كلها، ويبني حضورهم الصيغة العامة لممارسة الشعائر الاسلامية في النيجر. استخدمهم اعوان السلطة المستبدة حتى وقت التغيير الديمقراطي تارة وسائط لتنفيذ البرامج وتارة وسائل للخضوع إلى السلطة، وهكذا اسس النظام العسكري عام 1975 جمعية النيجر الاسلامية لتكون عاملا مساعدا للدولة وتزودها بالمشورات القانونية فيما يخص المسائل العرفية الاجتماعية، وقد سمحت حتى عام 1991 الاسهامات الرمزية للممثلين الاسلاميين المعترف بهم من قبل المجتمع لرجال السلطة بسهولة اضفاء الشرعية على السلطة القائمة او بمد يد العون لها في فترات التوتر الاجتماعي الحرجة، وهم اليوم على العكس يتعرضون إلى نقد التبعيات الاخرى اللاذع والحساسيات الاسلامية. لاتنجم هذه المصاعب من حالة التعددية الاسلامية فقط بل ممااعتادوا عليه من نقل المرجعية من الاب إلى الابن (شرعة العائلة) وهو مالم يعد يسمح بالاكثار من اساتذة تدريس القران حسب التقليد الاسلامي وتم حصرها في المحيط العائلي. ان الجيل الذي تخرج في المدارس الفرنسية الحكومية او المدارس الفرانكوفونية صار يكرس نفسه لوظائف اخرى، ويؤجج السياق الديمقراطي هذه الدينامية اذ يعود ابناء (المعلمين) الذين تخرجوا في الجامعات الاسلامية برؤية مجددة، وفي حالات معينة، مناقضة لرؤية الاباء، كما يسرع السياق الديمقراطي هذه الظاهرة بمنح الشباب الاداة القانونية للخروج من هيمنة اهلهم واساتذتهم.هذه الاعادة لبناء حقل القيم الاجتماعي في النيجر وضع اساس معرفتهم وعلم تربيتهم بالذات موضع المساءلة. لم يعد الشبان متلقين سلبيين فهم يطرحون اسئلة توصف بالوقاحة لايستطيع ذووهم الاجابة عنها، ومنذئذ، اخذ الشبان يفضلون العيش ضمن الاطر المجتمعية الحديثة حيث التجارب مشتركة على نحو منفتح وحيث الاتصال مباشر.
اسلام التكايا
التبعية الثانية هي تبعية التكية التيجانية. الزعيم الروحي لهذه الطريقة الصوفية في النيجر هو الشيخ ابو بكر حسومي كيوتا (توفي سنة 2004) وهو تلميذ الشيخ ابراهيم نياس من كاولاك (السنغال). تتكون نشاطاتها اساسا من التلقين الروحي للاتباع والاحتفال بالمولد النبوي. ان الانصياع لكلام الشيخ هو المبدأ الاصلي للتكية وهذا يطرح مشكلة امام الاتباع الشباب العصريين وامام المنطق الديمقراطي الذي يضع القانون فوق كلام الشيخ المقدس ويفضل التعبير التعاوني المشترك اجتماعيا على الانتماء إلى التكية. في حين ان مؤهلات الشيخ الروحانية لاتمثل مشكلة بالنسبة إلى مخيلة الاجداد تصبح اشكالية بالنسبة إلى الاحفاد. ان تقديس الشيخ يعرضه الدين (العملي) والفعال ازاء المشاكل الراهنة إلى امتحان صعب. يحل البحث عن البراهين شيئا فشيئا محل قصص القدماء الحكائية والسحرية، وتشوش الاخبار الدنيوية التي تبثها وسائل الاعلام وينشرها الناس على صمت التامل الصوفي بانتظام. ينضاف إلى هذا بلوغ الزعماء الروحيين مرحلة الشيخوخة، والظهور المتنامي للناشطين الشباب العصريين الذين ينخرطون في بث دينامي للاسلام ويبغون من وراء هذا احتلال موقع اقتصاد جديد للمنافع الرمزية. كان على التكية كذلك ان تواجه الهجمات المختلفة على ممارساتها التي تنظر اليها اشكال الادراك الاسلامي الاخرى باعتبارها غير مفهومة وباطلة فتصبح شفاعة شيوخ التيجانية وقدرتهم على شفاء المرضى وادعيتهم موضع اتهام من قبل جمعيات التبعية المسماة (ازالة).
اسلام سلفي
كلمة (ازالة) هي في الواقع اختصار لعبارة (ازالة البدعة واقامة السنة) وهو اسم اطلق على الجمعية الاسلامية الاولى على النطاق الوطني اسست في نيجيريا عام 1978. اصبحت (ازالة) الشكل الشعبي للدعوة السلفية في النيجر ونيجيريا. مثلت هذه التبعية على مستوى الطائفة (جمعية نشر الاسلام في النيجر) (اديني
اسلام) ADINI-ISLAM التي اعترف بها رسميا عام 1994 وانحلت في تشرين الثاني عام 2000، وتمثله اليوم جمعية I.K.S (اسلام الكتاب والسنة من اجل معرفة السلف الصالح صحابة النبي) المعترف بها عام 2002 .
خاصية هذه الجمعية هو خطاب القطيعة مع ماصادق عليه النيجريون منذ امد بعيد باعتباره اسلاميا. خطبها قائمة على الهدم الدائم لخطاب التيجانية والصوفية وكذلك الخطاب التقليدي عموما معترضة على امور التعاويذ والعرافة وعلى عدم الانخراط في القتال، وهذا التقاعس سيؤدي براي ممثلي (ازالة) إلى التخلي عن الدفاع عن الاسلام، واذا مااضفنا إلى ذلك نقدها لسلطة العائلة وللمدرسة وللفساد فان (ازالة) تصبح مصدرا لتطرف جديد على المشهد الاسلامي النيجري وتشكل نقدا عالميا للواقع على ضوء القران والاحاديث. ان الخطب المركزة والتثقيف في اماكن تجمع سكان المدن والقرى هو نشاط (يان ازالة)
YAN IZALA التي طورت منذ عام 1991 مايمكننا اعتباره بمعنى الكلمة مصنعا للنشر الاسلامي عبر الكاسيتات والاقراص وكل تقنيات التعليم الصوتية في تجارة رائجة وباسعار تنافسية للغاية. اماكن التوزيع هي الاسواق والمكتبات الاسلامية وايضا مراكز الجمعيات وعند الباعة المتجولين.
اسلام عصري
التبعية الرابعة التي تهدف إلى (اسلمة عصرية من الاعلى) هي نتاج ثقافة فرانكوفونية، وهذه الثقافة مكون مهم في المشهد الديني والحركة التعاونية الاجتماعية في النيجر على قدر انخراطها في النشاط الاسلامي منذ 1990 يحركها بشكل رئيس مثقفون فرانكوفونيون تخرجوا في المدارس الغربية او تشكلت ثقافتهم في الجامعات الفرنسية لايتكلمون العربية الا نادرا ولهم نصيب مهم من الكتب الاسلامية التي كتبت باللغة الفرنسية او ترجمت اليها والصادرة في لبنان او فرنسا او بلجيكا او (كويبك) الكندية. يمكننا على الصعيد العقائدي ان نستذكر فيهم ماقاله جيل كيبيل في المثقفين المتدينين:
(هذه الحركة تستند إلى القطيعة الثقافية مع مناطيق العصرية العلمانية التي تعزو الاختلال في مجتمعات العالم الثالث إلى هذه العصرية وانعدام المساواة إلى الاستبداد والبطالة ذات النسبة العالية إلى الفساد الشامل. تطمح، وهي تضم في صفوفها الكثير من حملة الدبلوم في المهن العلمية خصوصا، إلى الفصل مابين التقنيات الاكثر تطورا التي تسعى إلى اتقانها وبين القيم العلمانية التي ترفضها لكي تطبق اخلاقية حياة يسودها خضوع العقل لله).
ان العصريين الفرانكوفونيين يركزون على مبدا (الرجعة إلى الله) او (التوبة النصوح)، تلي ذلك ممارسات العبادة واللقاءات والتنسيق التي تكون بمثابة (اثبات شرعية مشترك للايمان) وتتعلق هذه الممارسات خصوصا (بخلق اطار تامل وتعبئة لازالة الطبقة العلمانية التي تغلفهم، طبقة تاثيرات الثقافة المادية المشؤومة، والدعاية الدائمة المعادية للاسلام). ان الجمعية الرائدة في هذه الحركة هي (الجمعية النيجرية للدعوة والتضامن الاسلامي
ANASI المعترف بها ولكنها اوقفت عن العمل منذ 22 حزيران 1991. لعبت دورا مهما في اليقظة الاسلامية للكوادر الفرانكوفونية من خلال المحاضرات باللغة الفرنسية التي القاها بشكل خاص الشيخ يوسف حسان ديالو، وادارت برامج اذاعية حول مسائل مختلفة تمثل البنية الاسلامية الاولية وتتضمن دروسها (شرح للقران، ونقاشات، وحوارا مع المستمعين، وبرامج حول المشاكل الاجتماعية …. إلى اخره) مخصصة للجمهور الفرانكوفوني.
احدى خواص التبعية العصرية هذه هي استثمار وسائل الاتصال الحديثة في (الدعوة)، يعني التبشير الاسلامي عبر وسائل الاعلام المتعددة مثل الكتب وادوات الاستنساخ والبث الصوتي، وادخلت من جانب اخر اشكال اتصال حديثة مثل مؤتمرات النقاشات والندوات والحوارات والمحاضرات
إلى اخره، وخلقت كذلك صلة جديدة بالمعرفة الاسلامية في متناول اليد. كذلك بذلت جهدا جيدا سواء في الجوامع او مدرجات المحاضرات. هذا التحول في الاماكن بانتقال العروض الاسلامية من اماكنها التقليدية إلى قاعات المحاضرات ومن المدارس إلى قاعات اجتماعات الوزارات لعب دورا مهما في تطوير انصار هذه التبعية. ارادت الحركة العصرية، وهي تستخدم ممثلين لها يتقنون اللغة الفرنسية، التعبير عن (اعادة النخب الغربية إلى رشدها).
خطابهم يشير إلى المصادر والمراجع التي تغذي خطهم، وهذه المراجع هي القران والحديث وسيرة الصحابة ومؤلفو المراجع المألوفون تماما عند الاسلاميين المتطرفين مثلما هم مألوفون عند العصريين، ابن تيمية (1263-1328) محمد بن عبد الوهاب (1703-1791) حسن البنا (1906-1949) سيد قطب (1906-1966) ابو العلا مودود (1903-1979) احمد ديدات (1918-1997) طارق رمضان (1962)

هنا يشتغل تعدد ثقافي ومنهجي داخل المجموعة العصرية التي تمزج بشكل خاص بين الفكر السلفي وفكر الاخوان المسلمين وفكر الصوفية، وهذا الاجراء يهدف، بطرق متنوعة، إلى امتلاك تاريخ الاسلام كله والتسجل ضمن دينامية ازالة الحواجز بين المدارس والميول الاسلامية المختلفة. يحدد الجنس الاسنادي الاسلامي الذي يستخدمه هؤلاء الممثلون هويته في الكليات والمدارس بامتلاكه عدة تطبيقات اكاديمية تستمد وسائلها من المدرسة الغربية (تدوين ملاحظات، ملخصات، توليف، تحليل، تعليق على النص، بطاقات قراءة، مقتطفات، استطرادات، مساجلات، نقد ونقد ذاتي ……). يهمش العصريون الفرانكوفونيون هذا المقطع او ذاك باقتباسات من الماركسية والنظريات الثورية الاخرى، وهذا مايبدو في حواشي خطبهم وفي مطاليبهم وفي نوعية (دعوتهم) وميول انصارهم. لقد نقلت نهاية الصراعات الايديولوجية وتفكك المعسكر الاشتراكي كفالة كل ايتام الثورات إلى عهدة الاسلام، واليوم يتوجه نحوه كل المثقفين الذين خذلتهم الديمقراطية الغربية او، بتعبير ادق، كل العاجزين امام الفساد الاخلاقي السياسي.
اطار المواجهة
اصبح التنافس السلمي بين الممثلين الاسلاميين جزءاً من الثقافة الديمقراطية النيجرية، ولكن الجمعيات قبل ان تصل إلى هذه المرحلة اجتازت ازمات مرحلية بين عامي 1991 و 1994، وقد ضيق الدور التحكيمي للدولة نطاق المواجهات ليجعلها في حدود خطاب الاحترام المتبادل. يثور التقليديون واتباع التيجانية غالبا ضد انتقادات (ازالة) الحادة التي تجرد (الاولياء) و (المرابطين) من الشرعية. ان اكبر اعلان عن هذا التنافس هو (المقابلة) وهي صيغة من صيغ النقاش الجدلي يتقابل فيه العلماء والباحثون من الجانبين امام الاتباع. مايحصل هو ان الجمعيات الاسلامية كلها تحترم بعضها البعض الآخر وتحترم الاطار الذي يسمح ويصرح لها بممارسة هذا التعبير الديمقراطي، ويمكننا ان نقرأ في نصوص مؤسسيها هذا الالتزام الواضح (بالدفاع عن حقوق الانسان والحريات في الاسلام) او كما يعبر عنه مؤسسون اخرون (الدفاع عن حقوق الانسان والحريات وهو مايوافق تعاليم القران الكريم وسنة النبي العظيم) ونجد الاشارة إلى الديمقراطية والدستور شائعة في النشرات والوثائق الداخلية.
كانت نتيجة هذا التحاور هي تغير نمط الاتصال ونمط نشر الاسلام، وبخلاف العقود الماضية حسنت الجمعيات الاسلامية ادوات اتصالها ووسائل اعلامها (الصحف والاذاعات، وباعة الكاسيتات والكتب الجوالين) واصبحت هي عدتها ورهانها الرئيسي لنشر الاسلام الذي اصبح مرتبطا بنشر الديمقراطية، هذا التحول جعل الممثلين الاسلاميين ينحون منحى مديري اعمال للاسلام اكثر من كونهم اعضاء متحزبين وانحصر الامر بالنسبة اليهم في بيع وسائله ومعاملة محاوريهم باعتبارهم زبائن وليس رعايا.
اقيمت استراتيجيات (البيع) هذه على (تنظيم مبسط للعمل، وسياسة المجموعات الوسطية، واكتشاف سبل للفعالية الاعلامية، وترسيم علامات النشاط المادية، واخيرا تكيفها مع دوافع الممثلين المختلفة). يقسم الانصار بالنسبة إلى هذه الاستراتيجيات إلى شباب راشدين ومدرسين وريفيين ونساء واغنياء وفقراء، ونضيف إلى نشاطها الافعال المتزامنة السريعة لمجاميع اتباع صغيرة وديمومة لغة الفعل والطبيعة الالزامية للنتائج. هذا الاحتفاء بالديمقراطية عند رجال الدين لايمنع المخاوف مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية من انتشار التاثير الاسلامي في وسط الطبقة السياسية في النيجر، وهذا الشعور لم يكن بمعزل عن تجربة النجاح الانتخابي عام 1992 لجبهة الخلاص الاسلامي في الجزائر المجاورة، ويتوافق مع الرغبة المعلنة العامة بين رجال الدين في الامتناع عن تعاطي السياسة. يمكننا ان نقرا في قانون الاحزاب مايلزم تثبيته ضمن اهدافها (حماية الصفة الجمهورية والخاصية اللامذهبية للدولة) المادة 4، كذلك يتضمن الدستور النيجري مقاطع بمعنى عدم جواز استئثار اي مؤمن من اي مذهب بالسلطة او حتى التدخل في شؤون الدولة، وتحرم قانونا (المادة 8) اية دعاية تدعو للاقليمية او العنصرية او الاثنية وكل تصريح بالتمييز العنصري او الاثني او السياسي او الديني.

مع ذلك فالواقع السياسي النيجري هو عبارة عن تواطؤ وتعامل تجاري بين الساسة والاسلاميين، وهذا يفسر من جانب اسلمة الاساليب من قبل الساسة والانتهاك اليومي لاقدس احكام القانون من قبل الاسلاميين. لايتورع السياسيون عن تعبئة الجماهير باستمالتهم بالايات القرانية التي تتلى في افتتاح المؤتمرات السياسية وفي ختامها. لقد اضطرت النخب السياسية المحاصرة بين علمانية على الطريقة الفرنسية هم وارثوها وبين الواقعية السياسية المحلية إلى تطوير ممارسات مزدوجة. هذا التواطؤ لم يجر التنظير له من قبل الجانبين ولكن الجمعيات الاسلامية كانت هي التي عبرت اولا عن حاجتها إلى مراقبة ادارة الاعمال العامة، ويمكننا ان نقرأ في ادبياتها (الجمعية تحتفظ بحق اتخاذ موقف ازاء اية مشكلة تمس مصالح الامة الاسلامية) و (جمعية الشباب المسلم النيجرية غير سياسية، لاتنتمي لأي تشكيل سياسي ولكنها تحتفظ بحقها في ابداء رأيها بجميع المسائل الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في النيجر خصوصا وفي العالم عموما).
تطرح الجمعيات، وهي تدرك الحدود المسموح بها لافعالها، استراتيجية (منافذ إلى السلطة) وليس (تسلم السلطة) ويجب ان تفهم هذه المنافذ على انها مجموع الوسائل التي يلجأ اليها المواطنون ليقفوا في وجه اخفاق الدولة في حل مشاكلهم خصوصا في وجه التدني المتواصل في مستوى الخدمات العامة. لقد افقرت الدولة النيجرية السكان بتطبيقها المعايير الاقتصادية التي نصت عليها اللوائح الدولية وشروط البنك الدولي، ويفاقم هذه الازمات ماتتخذه الدولة من اجراءات للخروج منها ويقطع خط الوفاق بينها وبين السكان. عمد الاشخاص المتميزون بالجد والشطارة إلى ابتكار وسائل اخرى لممارسة اعمالهم بتعاطي الاعمال التجارية الصغيرة والشراكة التكافلية والتعاونيات
…. إلى اخره.
يرتكز نشاط الجمعيات على بناء (معقولية ما)، اطار ما لشرعية (المدخل إلى السلطة). يدعو الخطباء الذين شجعوا رفض الناس للخضوع وافتوا به إلى العودة إلى العمل الذي يتصف بالخلق الاسلامي والمستقل معتبرين ان هذا يوصلهم مباشرة بسيرة الصحابة، وتكثر في الخطب صيغ من نوع (اعمل لغيرك ماتحب لنفسك) و(لا تحقرن عملا) و (المؤمن العامل خير من المؤمن العاطل) عبارة عن نداءات ودعوات إلى السكان. واول من جرت دعوته إلى هذا الجهد هم الشبان والنساء، وفي الوقت الذي تخفض فيه الدولة من خدماتها يزداد استقبال القادة الاسلاميين في مكاتبهم ومساكنهم لاناس من مختلف الفئات الاجتماعية يبحثون عن حلول لمشاكل الزواج والطلاق والدين والاعارة والنزاعات المدنية. ادار السكان ظهورهم، وقد سئموا من وعود السلطة في التغيير، إلى الدولة ليضعوا ثقتهم في الممثلين الاسلاميين، وهذا يعني حل مشاكلهم دون السماح للدولة بالتدخل، وهذا يمثل موقفا هامشيا وفي الوقت نفسه تطرفا سياسيا خارج الاطار الديمقراطي.
استثمرت الجمعيات الاسلامية بالمقابل مسالة فصل الدين عن الدولة لصالحها استثمارا ناجحا بتمتين علاقاتها مع المجتمع بقدر تزايد انحدار الخدمات العامة وتخلي الدولة عن دورها في قطاعات ذات اهمية استراتيجية كالصحة والتعليم والعدالة. هذه القطيعة للدولة مع روابطها الاجتماعية نتج منها الشعور عند الناس بالعجز الجماعي والياس ازاء الظلم والفساد والتعسف، وهذه الحالة من الفوضى لاتخلق الحاجة إلى صياغة جديدة للرابطة الاجتماعية فقط بل والحاجة لممثلين قادرين على الاضطلاع بانشائها ايضا، ولم يكن من شك ان اكثر المرشحين حظا في مثل هذه الحالة هم الممثلون المتحدرون من الجمعيات الاسلامية اساسا، والذين يبنون هذه الروابط عن طريق اقطاب تمثيلية متعددة بقدر تعدد المذاهب مشغلين في الوسط الاجتماعي شبكات متكاملة، شبكات عوائل لقيادات روحية بالمعنى الضيق والمعنى الواسع، وحلقات اصدقاء، وتكيات ذات سلطة ابوية، تحالفات، وصلات قرابة مابين الاثنيات، وتعاونيات عمالية، وتكتلات نقابية، وتكتلات سياسية
إلى اخره.
الاقطاب المختلفة تشكل شبكات مستقلة تتصدى لمعالجة هموم المؤمنين كلها مزيحة دور الدولة بكامله في هذا الميدان جانبا. تجنبهم الوقوع فريسة للتردي امام البؤس العاطفي والمادي في بلاد صنفتها الامم المتحدة منذ عشر سنين ضمن افقر عشرة بلدان في العالم. تقوم الجمعيات الاسلامية بنشاطات مهمة كتنظيم حملات التبرع بالدم وتنظيف المستشفيات وهبات الملابس وتزويد المرضى والسجناء بالطعام وتاهيل الشبان العاطلين. يخلق هذا النشاط في تجربة الناس العاديين اليومية المعيشة استمرارية للروابط الاجتماعية في الوقت الذي يخلق استمرارية الخطاب الديني ويزيد من تاثيره، بل يتخذ النشاط الاجتماعي نفسه بعدا دينيا بقدر تزايد الحاجة اليه، وهذا يضع الجمعيات الاسلامية في قمة البنية الديمقراطية، وبفضلها تتشكل خدمات عامة بديلة لخدمات الدولة. لكن هذه السيرورة بقدر ما تطرح امالا فهي تطرح تساؤلات، فالخدمات البديلة تعطي صورة عن مدى تقزم دور الدولة وتحولها إلى مجرد اداة رادعة، الة قمعية. مع ذلك فهذا (المدخل إلى السلطة) يتطور ضمن النسيج السلمي والديمقراطي، واذا مااستمر دون اعتراض عنيف في المستقبل، واذا ماقبلته ودعمته الطبقة السياسية في السلطة فاننا يمكن ان نتصور انه سيصبح جزءاً من الثقافة الديمقراطية النيجرية خصوصا والثقافة الديمقراطية عموما.


الحرب التي لم يشارك بها بوش
 

بقلم: يوجين روبنسون
ترجمة: عمران السعيدي

عن: واشنطن بوست

حين يسحب الوكلاء العابسون في المطار سائل عدساتك اللاصقة أو معجون الاسنان أو كولونيا ما بعد الحلاقة فتذكر اسامة بن لادن في تلك اللحظات. تذكر الحرب الحقيقية على الإرهاب التي تقرر إدارة بوش وحلفاؤها عدم المشاركة فيها مفضلين أساليب مجازفات النظام العسكري وعلى طريقة رعاة البقر.
إن الكشف عن المؤامرة الخطيرة لتفجير الطائرات عبر المحيط الاطلسي بواسطة متفجرات سائلة يذكرنا بالتهديدات الحقيقية التي تواجهنا من خلال المعارضة الحاصلة اليوم ضد المسوّغات التي عمل بها بوش وتوني بلير لتبرير الحرب الكارثية على العراق.
ان مؤامرة الخطوط الجوية تبدو وكانها تحمل بصمات تهور القاعدة وهي مخطط لها بعناية وبصورة متطورة جداً ومعقدة بنفس الوقت وفيها القصد واضح لصدمة العالم خلال تفجيرات متزامنة مع الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من ايلول وفيها يكون القتل لمئات الابرياء وبدم بارد وتلك هي طبيعة الإرهاب وعلى رأسهم مجاميع القاعدة، إذ الهدف واضح وهو اسقاط عدد من طائرات البوينغ والأيرباص داخل المحيط البارد وذلك ما تهدف اليه القاعدة باستمرار.
هذا التآمر لا يعني بالضرورة قيام رجال القاعدة به وبعد أخذ الأوامر من بن لادن، ولكن قد يكون من قبل مجموعة ذات تفكير مشابه تقوم بمثل هذه الأعمال الإرهابية بصورة منعزلة، وان هذه المؤامرة تفيد بان القاعدة مازالت مستمرة بخططها اما عن طريق تنظيم فاعل أو عن طريق (جهاديين) يستلهمون أعمالهم من افكار وتوجهات تنظيم القاعدة حول العالم.
لم تنفع قنابل الأحذية وجاء التحول الآن نحو شرائط معدنية بين الجواريب، السوائل المتفجرة لم تنفع أيضاً فعلينا الآن الطيران بأسنان غير مفرشة، وعلينا ان نكون متأكدين بان هناك وفي شقة مجهولة قد تكون في باريس أو فرانكفورت أو كراتشي توجد مجموعة من المتآمرين وقد عرفوا بفشل مؤامرة لندن ويبدأون الآن بتطوير عملية قتل جماعي جديدة.
لقد ذكر بوش مرة ان المؤامرة غير المكشوفة "هي القادح الذي يذكرنا بان هذه الأمة في حالة حرب مع (الفاشيين الإسلاميين) الذين سوف يستخدمون أية وسيلة لتدمير كل من يعشق الحرّية فينا ولتدمير وإيذاء امتنا".
واذا لم يشارك الرئيس في تلك الحرب أو لم يبتعد عن مطاردة بن لادن حسب ماجاء في رأي المستشارين المضللين حول نشر الديمقراطية بواسطة السلاح فذاك هو الخداع بعينه.
لنتابع اخبار يوم الأمس القريب ففي العراق قتل انتحاري أكثر من 35 شخصاً وجرح أكثر من مئة آخرين بعد ان فجر نفسه في مدينة النجف، وفي الوقت نفسه تحركت القوات الامريكية نحو حي الدورة جنوب بغداد في محاولة للقضاء على الخارجين عن القانون في تلك المنطقة وكل هذا العنف يأتي في اطار الحرب الاهلية والذي جاء بعد الغزو الامريكي والذي بات يتسع بسبب الاحتلال المفتوح من قبل الولايات المتحدة ويقول بوش ان العراق صار مسرحاً واسعاً للحرب على الإرهاب.
ولننتقل الى اخبار أخرى فالقوات الاسرائيلية واصلت تدميرها المنظم للبنى التحتية اللبنانية وذلك من خلال استهدافها الفنار التاريخي في قلب بيروت في محاولة منها لتدمير التلفزيون الحكومي اللبناني.
وجاء هذا الهجوم بعد ان دمرت إسرائيل تماماً جميع الجسور فوق نهر الليطاني وجميع الطرق الرئيسة والكثير من مدارج مطار بيروت ومنشآته الحيوية، كل ذلك جاء ادعاءاً بقطع طرق التجهيزات الوافدة لحزب الله وجاء ذلك ايضاً دون معارضة من قبل المسؤولين الامريكان ويقول بوش ان لبنان هي مسرح آخر في الحرب على الإرهاب.
كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية تتحدث عن بناء "شرق اوسط جديد" ولكن خطة إدارة بوش تبدو وكأنها تترك الشرق الاوسط القديم على نار مستمرة.
لقد سحب احتلال العراق غير المتقن مجاميع جديدة من (الجهاديين) ومنحهم الأسباب للتوسع في العالم، اما الهجوم الإسرائيلي غير المتكافئ الآن على لبنان فيقوم بالعمل نفسه الذي قامت به أمريكا في العراق، وهو أشبه بمحاولة تهديم كوكب عطارد بواسطة المطرقة.
وقد تأخذنا مؤامرة الطيران الأخيرة وكيفية اكتشافها الى العالم الحقيقي، فهناك أعداء قتلة في ذلك العالم والطريق الوحيد لقتالهم كما ذكر البريطانيون عقب الحادثة هو من خلال الاستخبارات والطريق الوحيد بعدم مواجهتهم وكما يذكر بوش باستمرار هو من خلال عمل عسكري متهور قد يقتل إرهابيين ولكنه يقتل مدنيين أبرياء بالوقت نفسه وهكذا يتم خلق جيل جديد من الإرهابيين- ومن دون شك يضم هذا الجيل بعض الأذكياء من النساء والرجال والذين يأتون بفكرة جديدة لاسقاط طائرات مدنية، وسوف ننتهي باننا سنحلق في الجو حفاة وبأيد خالية وعراة تماماً الا من ثوب مستشفى يلبسوننا إيّاه في المطار ويكون اسامة بن لادن مبتسماً بقناعة وهو يراقب
CNN من داخل كهفه في احد الجبال.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة