حوارات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

( المدى ) في حوار واسع وصريح حول قضايا المال والاقتصاد مع نائب رئيس الجمهورية د. عادل عبد المهدي .. عبد المهدي : يجب أن نعيد ترتيب الأمور في أداء الدولة ومؤسساتها  .. أؤيد تولي الاقتصاديين زمام إصدار وتشريع القرارات الاقتصادية (2-2)
 

*وعن قانون الاستثمار المنتظر قلنا للدكتور عادل عبد المهدي: لقد رددت أوساط كثيرة خبر قرب تشريع قانون الاستثمار ولكن ذلك لم يتحقق وقد أعلن مؤخراً أن مسودة القانون ستناقش في البرلمان بعد انتهاء عطلته السنوية.. ما أسباب التلكؤ الذي أصاب مسيرة هذا التشريع المهم؟
- لا ينكر أن البرلمان قد أبطأ في التعامل مع القانون المذكور، ثم إن البرلمانيين أحرار في مناقشة مفردات القانون واستغراق الوقت الذي يعتقدونه مناسباً في قراءة متأنية لقانون يمكن أن يثير الكثير من التحفظات، لأننا بالتأكيد لا نتصور برلماننا مثل برلمان صدام حسين حين يطلب منه أن يوافق على قانون خلال جلسة واحدة فللبرلمان موقف ورؤية فيما للحكومة موقف ورؤية، أما العطلة الصيفية فهي خلال شهر آب، فالمفترض أن يناقش في أيلول، وقد تكون هذه فرصة للتمحيص أكثر والقانون بشكل عام يلبي بعض المتطلبات المهمة لكن هناك نواقص في بعض توجهاته أرجو أن يتلافاها النواب.. فهو يطلق حركة الاستثمار ويبيح للمستثمر التعامل مع نافذة واحدة للحصول على الموافقات، ولا يترك القانون المستثمر موزعاً على مختلف دوائر الدولة للحصول على إجازة مشروعه الاستثماري ويتعامل مع قضية أرض المشروع عبر إيجار طويل الأمد، يحمي المستثمر ومصالحه ويمنع القوانين الرجعية عنه ويتعامل مع المستثمر الأجنبي كما يتعامل مع قرينه العراقي ويفرض عليه نسباً معينة في استخدام العمالة العراقية، لكن الأهم من القانون، التربية والأخلاق الاقتصادية في البلد، فإن لم يجر الترويض على أن يكون مجتمعنا منتجاً، ونغادر حالة المجتمع الريعي والدولة الريعية، يعنى أن يحظى بالمقابل بالربح والأجر والريع، سمها ما شئت، مع استعداده لدفع الحقوق العامة، التي تشكل ميزانية الدولة، عند ذاك تتشكل نظرة واقعية بحيث تبدو الضريبة مثلاً جزءاً من المواطنة، بل في معظم دول العالم تمنح الجنسية فيها استناداً إلى وثائق دفع الضريبة وتبرمج آليات المعونة والضمان من خلالها، بل إن الأجنبي غير المجنس حين يدفع الضريبة يكتسب حقوقاً، ومنها حقوق انتخابية.
أما إذا تحولت المواطنة إلى مجرد وظيفة، فذلك إننا سنستمر بالنظام البالي الذي يتآكل ويشجع على (حواسم) داخلية ويصبح أرضاً خصبة للغش والفساد والرشوة.
*هل ما زال النقاش مستمراً على قضية تملك الأرض؟
- هناك قناعات كثيرة، فثمة من يتحمس لموضوع التملك، في حين هناك من يوافق على الإيجار الطويل للأرض، بل هناك من يستكثر حتى هذا الإيجار الطويل، ويجب أن تذكر أن التملك جائز ولكن أن يكون بعنوان شركة، فمن حق الشركة أن تتملك الأرض.
*وطلبنا من د. عادل عبد المهدي أن يحدثنا عن الخصخصة وهل حكومتنا ستبيع المؤسسات الخاسرة أم إن العكس سيحصل كبيع معامل الأسمنت؟
- قال د. عادل عبد المهدي: الخصخصة موجة لمواجهة التأميم، كل إجراء منهما ممكن أن يكون صحيحاً، وممكن أن يكون خاطئاً وبذلك يجب أن يستند كل منهما الى الواقع القائم ومتطلباته، وحتى العوامل الربحية قد لا تكون السبب، فهناك دول تقدم على بيع مصالح رابحة انطلاقاً من قناعتها بأن تكون إدارتها أفضل لأن المنافسات العامة لم تعد تسمح بإدارة عامة حكومية تنافس شركات تتمتع بمرونة عالية في الحركة والقرار. القطاع العام قطاع ناشئ وبطئ الحركة، فيما يمتاز القطاع الخاص بسرعة الحركة، لذلك تعتمد على حركته الأوضاع والأسواق، ولا اعتقد إننا في حالة حساسة إزاء هذه الأوضاع. أنا اعتقد إننا لا نمتلك أصولاً كبيرة لشمولها بالخصخصة باستثناء النفط والمعادن، لذلك فأصول المشاريع الموجودة لا تشكل أثماناً كبيرة، إلا إذا صدقنا بأن ما حدث عام 1964 كان تاميماً، والذي لم يزد معدله الحقيقي على 25 مليون دينار!
الآن تتبع الدولة أساليب الخصخصة، حين تكون عندها مصلحة وتريد منحها أصولاً عالية أو تتيح لها الدخول للسوق تبدأ ببيع أسهمها، خصوصاً الأصول الناجحة عنها فتعرض 10% أو 5% من أسهمها في البورصة وعبر إشراك المستثمر أو رجل الأعمال في امتلاك أصول تلك المصالح والمشاريع وبذلك تتابع التجربة وتقاس أبعادها وهكذا فمن الممكن أن تعرض كل الأسهم على المستثمرين، أو 50% منها، هذه المظاهر تقيم ستراتيجياً وسوقياً وليست ثمة قاعدة واحدة لاعتمادها، واعتقد لا توجد لدينا مشكلة كبيرة في هذا الميدان لأن معظم أصولنا مدمرة، الغاية كم سنتمكن أن نشغل من هذه الأصول، فلو كان هناك معمل اسمنت لا يعمل، إذا كان رأس المال قادراً على تشغيله، فيجب أن لا نشغله أما بعقد إدارة أو بعقد إيجار أو حتى بعقد تملك، كل حالة تدرس على حدة، فأما أن نعمل لغرض ثوابت ومعرقلات، وأما أن نكون أكثر مرونة اعتماداً على استحالة وجود طريقة إنتاج واحدة، وبالتالي إيجاد منهج عمل يتلاءم وكل حالة وصولاً إلى تشغيل المشروع، فليس ثمة قاعدة نقول هذا صحيح وذلك خطأ.
*أعلن البنك المركزي نهاية الشهر الفائت قراره المفاجئ بزيادة نسبة الفائدة التي يعتمدها في تعاملاته من 10% إلى 12%، بسبب ما أعلنه من صعود التضخم إلى حالة بائسة بلغت 53 بالمئة، وبغض النظر عن دقة هذه النسبة حيث يجد الكثيرون أنها متواضعة، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه، هل يمكن لرفع سعر الفائدة الذي بقى محصوراً في إجراءات البنك المركزي ولم تقدم أي من المصارف الأهلية على ترجمة هذا الإجراء رغم استفادتها المباشرة من رفع نسبة الفائدة. هل ستزيد نسبة الفائدة من توجه المواطنين لإيداع أموالهم بما يحد من السيولة الفائضة تحديداً لتصاعد التضخم؟
- تكون درجة الفائدة هبوطاً أو صعوداً عند الصفر بالنسبة لما يعرف بميل حد الإدخار والاستثمار، ومع ذلك فقد تؤثر عملية رفع الفائدة تأثيراً نسبياً، فعموماً في بلد لم تنتشر فيه التقاليد المصرفية، حيث المواطن لم يدخر كل مداخيله في المصرف ونظام الاستثمار القائم لم يعمل على آليات التسليف والائتمانات، دور الفائدة عادة ما يكون هامشياً، حيث يتوقف على فعاليات المصارف فيما بينها والبنك المركزي عبر الإيداعات الكبرى. والأخيرة قد تساعد على امتصاص بعض السيولة.
مشكلة التضخم أسبابها واضحة، هناك عرض متزايد للعملة العراقية وليس لدينا قدرة في ميدان الامتصاص المصرفي نحن جميعاً نضع مدخراتنا في خزائننا، ولم نحمل أنفسنا عناء التعاطي مع المصارف، كانت العقود الفائتة كفيلة بتدمير آليات التعامل مع المصارف لأسباب شتى.
التضخم حالة غير صحية إلا إذا كان بنسب بسيطة وبمعدلات مسيطر عليها، ويشكل أحياناً عاملاً محفزاً لاستلهام عوامل إنتاج عاطلة ولاشك أن عندنا عوامل إنتاج عاطلة في العراق بعض التضخم يساهم في هذا الميدان لكن بحدود منضبطة. وهناك دراسات اقتصادية وجهود لمتابعة تلك الإشكالية، لم نستطع السيطرة تماماً على التضخم إلا إذا أعدنا بناء النظام المصرفي وتعاطينا معه بثقة أكبر، قد يمتص الإدخارات ويحولها من صيغتها الحالية كحالة اكتناز إلى إدخار والإدخار بالمعنى الاقتصادي يساوي الاستثمار وهذا ما تؤكده المعادلة الاقتصادية، فأي إدخار يتحول إلى استثمار إذا وظفته المصارف بسياقات تسليف وقروض وتسهيلات، ويساهم في إدارة الدورة الاقتصادية.
وهذا عامل ليس فقط نقدياً، ليس فقط مالياً وإنما بنياني وتاريخي، فلدينا خلل في البنية المصرفية وهناك خلل في طريقة السداد، وهذا يتطلب عملاً هيكلياً من جهة والوسائل المالية والنقدية أن تخفف الأزمة وتروض الاختناقات. لكن في تصوري عامل سعر الفائدة مهم لكنه يظل محدوداً.
*برغم ما أشيع عن عهد، أو عقد المشاركة بين العراق والأمم المتحدة، والذي تكفل بتمويله البنك الدولي، واستهدف برامج الإعمار والتنمية، إلا أن الكثير مما ينبغي أن يعرف عن مثل هذا المشروع الضخم ظل مجهولاً، ما توجهات العقد وهل يرتبط ببرنامج زمني محدد وكم تقدر التمويلات المنتظرة لتنفيذه أو المواقع التي ينجزها؟
- معنى العقد هو تطوير لفكرة الدول المانحة، أي إن هناك جانباً أو طرفاً يوفر التمويل، وآخر وهو العراق يتحمل مهمة التعهد بإنجاز المشاريع المتفق عليها، بمعنى أنه ليس تمويلاً بلا تعهد، مثل هذا المشروع لم يتحدد برقم، إنما يستند الى تقديرات كم من الدول ستتعاون وكم من التعهدات سيتحملها الجانب العراقي انطلقت الفكرة عبر اجتماع جرى في روما وحصل اتفاق أولي مع الأمم المتحدة كان مفترضاً أن يعلن في الأسبوع الأخير من تموز في اجتماع يحضره كبار المسؤولين، لكن اجتماعاً في روما عقد مرة أخرى وما زلنا بانتظار تطور المشروع، وهو ليس مقاولة أو مناقصة لمشروع واحد يمكن أن نتبين حجمه وطريقة المقاولة في تنفيذه، وإنما هو عملية إطلاق حركة التزام بين العراق وعدد متكافل من الدول التي قدمت للعراق حجماً من المساعدات، حين تبنت تقديم استثمارات في الساحة العراقية تقابلها تعهدات عراقية بضمان هذه الاستثمارات، هذه العملية سندخلها عبر أسلوب شبيه بالمزاد، هذه القطعة الأثرية مثلاً، كم سعرها وممكن أن لا تباع القطعة المعينة في هذا العرض لأن البائع مثلاً يجد عرض الشراء غير مناسب لتباع في جلسة أخرى حينما يتحقق السعر المناسب. هكذا يتحقق بناء مشروع متكامل بالنسبة لعقد الدولة له ضوابط تحكم الطرفين.
*أما سؤالنا الأخير فهو نود أن نتطرق فيه إلى آلية اعتمدت عبر كل تاريخنا المعاصر حينما ظل القرار الاقتصادي مهما كان خطراً وكبير الأهمية بما يهم عموم العراقيين ظل رهن إرادة المطبخ السياسي حين يتخذه السياسيون من دون أن يكون للمعنيين بالجانب الاقتصادي حتى مجرد المشورة، ألا تعتقد بأن الأوان قد حان ليكون القرار الاقتصادي في العراق يصدر من مطبخ اقتصادي يضم المعنيين بالشأن الاقتصادي والخبراء الأكاديميين والمشتغلين بالفعاليات الاقتصادية والتجارية؟.
- أجابنا د. عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية بما يلي:
إن الشأن الاقتصادي يجب أن يكون نتاج المطبخ الاقتصادي، ويا حبذا لو خضعت السياسة لمتطلبات الاقتصاد، وبذلك اعتقد إننا يجب أن نشرك في كل مشاوراتنا ولجاننا رجال الأعمال والصيارفة وأصحاب الخبرة من الاقتصاديين المعنيين بالشؤون المالية والنقدية ونحجم من دور السياسيين في هذه الحقول، وأقول بصراحة الدولة (متغولة) تسطير على كل شيء وأنا من دعاة تحرير الدولة من هذا القيد ونطلق الحركة الاجتماعية، فالمجتمع أهل لتقديم ملايين المبادرات، في حين أن مبادرة الدولة واحدة، وبذلك يجب أن نعيد ترتيب الأمور في أداء الدولة ومؤسساتها وفق متطلباتها الحقيقية، وأنا أؤيد تماماً أن يتولى الاقتصاديون زمام إصدار وتشريع القرار الاقتصادي.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة