مواقف

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

(اخوة المجاهدين) .. جيل كارول تستعيد ذكرى اختطافها في بغداد

ترجمة: المدى

عن:كريستيانسانيس مونيتر

وتمضي جيل كارول في سردها للاحداث
كان، ابو كرار، شاباً مستديراً، ويبدو انه انضم حديثاً للمجاهدين، ولم يكن يحفظ الكثير من القرآن وبعكس اقرانه. وكان احياناً يتفرج على قنوات الاغاني في التلفزيون عنمدما يكون متأكداً من عدم وجود احد حوله. ومن اجل إظهار قوته، يركض في المكان، ويركل قدمه اليمنى في الهواء ويدفع ذراعيه اماماً، في حركة خرقاء لـ كونغ فو.
ابو حسن كان اكبر سناً، رياضياً، منتمياً إلى الجهاد بكل مشاعره، وكان مقاتلاً ايضاً، وهو مثل ابي كرار، يحب افلام كارتون، (القط والفأر)، نعم كانا يشاهدان، (توم وجيري).
وعندما كان يضجر، وغالباً ما يحدث ذلك، فانه يبدأ بتلاوة الآذان، مسجلاً صوته على (هاتفه النقال)، واقفاً في اعلى درجة من السلم، مقلداً المؤذنين في منارات الجوامع، ثم يستمع إلى صوته المسجل ليرى مدى جودة ادائه.
هذان الرجلان كانا حارسيّ الاكثر ملازمة لي، وكانا ينقلان لأبي أحمد تحركاتي (وهو احد رجال ابو نور). اما ابو احمد فكان باحثاً اسلامياً، وقد انهى قريباً ترجمة سيرة، هنري كيسنجر، إلى العربية، وكان يقرأ "كيف تكسب الاصدقاء وتؤثر في الناس، تأليف ديل كارينجي.
لم يرافقني هذان الحارسان في كل منزل احتجزت فيه، وكان آخرون يأتون ويذهبون حتى في حضور الاثنين. ولكني في فترة احتجازي امضيت فترة اطول معهما، واصبحا بالنسبة لي مثالين قريبين للمجاهدين العراقيين.
ابو كرار وأبو حسن كانا شخصين مختلفين تماماً، على الرغم من ان احدهما يدعو الآخر بـ (الاخ)، وهما لذلك كانا نموذجاً للتناقض الذي رأيته في مجموعة اكبر من المجاهدين. بعضهم كان ذكياً جداً، البعض الآخر ليس كثيراً. بعضهم بدا خطراً، والغالبية منهم، كان ورعاً وتقياً ومخلصاً، البعض كان متعاطفاً، البعض كان متعلماً. وفي الأقل، بدت إمراة واحدة غير راضية عن حظها في الحياة.
وبقدر ما عرفت، كانوا جميعاً عراقيين.
وبينما امتدّت اسابيعي في الاحتجاز إلى اشهر. اصبح كل من ابي كرار وابي حسن يتسمان بالتوتر والضجر، وذلك بسبب طول فترة بقائهما في الحراسة ودون أي نشاط آخر. والنتيجة كانت، انهما اصبحا اكثر نزقاً ومشاكسة معي.
وفي الوقت نفسه، اصبحت اكثر يأساً وخوفاً وغضباً. أحسست اني بدأت افقد السيطرة على نفسي. وقد ادى ذلك إلى صراع بيني وبينهما حول اتفه الاشياء وكأننا حيوانات في قفص مغلق تماماً.
ادعى ابو كرار انه من ضمن الفريق الذي اختطفني، ولكنه ان كان حقاً، فاني لم اره. لكني اتذكر اني رأيته واقفاً خارج غرفة نومي في الليلة التي احتجزت فيها. على أي حال، فانه شخص لا يمكن إهماله، بخصره العريض، دلالة على عاداته في الاكل، وايضاً بسبب الوشم على ذراعه اليسرى، يحمل كتابه بالعربية.
لقد اخبرني انه في السادسة والعشرين من عمره، وقد تزوج حديثاً جداً. وقد حصل مؤخراً على اجازة للزواج بفتاة عمرها (13 سنة).
لم يكن يعرف ماذا يعني الـ
E-mail لم ير جهاز كومبيوتر. كان يتعجب كيف تعمل - فتاحة العلب. كانت هناك اوقات بدت فيها علاقتنا حسنة. ولكنه، على العموم، تصرف مثل فتى صغير يستمتع بامتلاكه سلطة على انسان آخر - وهو أنا. وقد علمت منه ايضاً، انه في اثناء نوبة حراسته، في الليلة الاولى ظل ينظر إلى الغرفة من ثقب الباب خوفاً من ان أهرب. وكنت اعلم ان محاولة الرهائن في ترك انطباع لدى الخاطفين، كونهم اناساً عاديين، هي الطريقة الافضل للحصول على عطفهم ولذلك حاولت التحدث معه وطلبت منه مساعدتي في تعلم اللغة العربية. كنت اشير إلى بعض الحاجيات واطلب منهم اسماءها بالعربية. كنت اتعامل معه بود، وكان ذلك خطأً كبيراً. اذ لا يمكن لفتاة ان تتصرف بذلك الشكل مع الرجال في مجتمع محافظ كهذا. فهم في الغالب يفهمون الامر بشكل خاطئ.
ولذلك تغير ابو كرار واصبح يطالبني ببعض الامور، ومنها ان دبوس حجابي سقط وانفتح حجابي، وعندما اخذت في ربطه ثانية، قال، لا، افتحيه، خفضت بصري وهمست، "لا".
كرر قوله، "افتحيه" وهو يتطلع إليّ بعينين واسعتين وبجدية.
وبالنسبة للغربيين لاغرابة في مثل هذا الامر ولكنه بالنسبة لسكان الشرق الاوسط فانه يعتبر غير لائق تماماً. وكان عليّ اسكاته، جمدت في مكاني دون حراك منحنية الرأس واضعة يدي في حجري. وغادر، ابو كرار، اخيراً واغلق الباب وقفله ايضاً. وكان يعود بين كل ساعة واخرى، دون ان أتطلع اليه.
ابو حسن، الذي التقيت به بعدئذ، كان اكبر سناً، في حوالي (32 سنة)، متزوجاً ولديه اطفال. وبينما كان ابو كرار غير رياضي، فان ابا حسن كان ذا لياقة. وقد اخبرني انه كان مدرس جمناستك. ولبعض الاسباب ترك لدي انطباعاً انه كان ضمن الحرس الجمهوري الخاص بصدام حسين.
في بادئ الامر وجدته الاكثر تعاطفاً من بين الاخوة عمره جعله اكثر نضجاً واكثر مسؤولية. وفيما بعد تزايد لديه الاحساس بالاحتجاز واخذ يضيق بجموده. كان يذرع المكان جيئة وذهاباً، ا ويتلو سورة الفاتحة - اولى سور القرآن.
العلاقة بين الاثنين لم تكن متكافئة، فكان ابو حسن في بعض الاحيان، يعامل ابا كرار وكأنه تحت التمرين في الجهاد، فمثلاً الاكبر كان يعلم الاصغر، كيف ينظف سلاحه ويغلقه، هذا الامر كان حسناً بالنسبة لي ولسلامتي، لان ابا كرار كان غالباً ما يوجه سلاحه نحوي متظاهراً باطلاق النار عليّ.
ابو حسن كان معتاداً على الخروج ليلاً لزرع المتفجرات ثم يذهب صباحاً لتفجيرها، وفي يوم كنا في - المنزل - النادي، عندما قال، ابو حسن، انه سيتأخر قليلاً عن الذهاب لاداء مهمته بسبب تواجد الجنود الامريكيين.
وعند ذلك تظاهر، ابو كرار، انه سيمثل دور المجاهدين، امسك بكوفية، سوداء - بيضاء، المفضلة لديهم والقاها على كتفيه بطريقة مسرحية، ثم اعلن انه سيذهب لقتال الامريكيين مهما يكن الامر.
وكما الاستاذ يواجه تلميذه المتمرد، امسك ابو حسن بكتفي ابي كرار وانتزع الكوفية منه مع اعتراضات الاخير العالية. الرجل الاصغر لم يكن يسمح له باختيار معاركه. وعرف ابو حسن الكوفية، بأنها علامة هائلة تشير لأي جندي امريكي وتقول، "اطلق عليّ، انا مجاهد".

افلام فيديو
بعد مضي شهرين على احتجازي، بدأت معنوياتي تتراجع بحدة كان من مشاكلي الكبرى انني كنت قد زرعت في نفسي الامل. مرات عدة كان قائد المتمردين، ابو نور، ذو العينين السوداوين، اعلمني ان قضية اطلاق سراحي، مجرد مسألة اتفاق على التفاصيل. بالتأكيد، ان مزاجي يتحسن اثر ذلك، ثم لا يتم اطلاق سراحي، "لمشكلة ما"، ثم يصبح مزاجي أسوأ من ذي قبل.
وبعدئذ كان الفيديو، لقد تعجبوا كيف ان فيلم الفيديو الاول لي، من اجل اطلاق سراح نسوة سجينات في ابو غريب، قد جاء مع اطلاق سراح خمس من النسوة، ولذلك بدأوا يفكرون فيما سيحصلون عليه مقابل حريتي.
ظلوا يطالبون بافلام اخرى، وطلبات اخرى، موجهة لمشاهدين مختلفين.
مرة طلبت من ملك الاردن اطلاق سراح ساجدة الريشاوي، إمراة حاولت تفجير فندق اردني في 9 تشرين الثاني 2005 - حيث فشل حزامها المتفجر وتعطل عن العمل، ثم القي القبض عليها. في مرة اخرى رجوت المساعدة من قائد الامارات العربية المتحدة. وصورت آخر اهاجمه فيه.
اربعة افلام - فيديو من التي صورتها وصلت إلى العالم الخارجي، في حين اني صورت حوالي (12) فلماً، من ضمنها اعادة التصوير في بعضها لانني لم ابك كما هو المطلوب. وانا لم احب عمليات التصوير تلك، ليس لانه من الصعب على المرء ان يقف امام الكاميرا ويرجو الآخرين انقاذ حياته. بل لانه كان يعني ان مدة احتجازي ستطول، مضافاً إلى ذلك خيار آخر وهو ان التهديدات بقتلي والتواريخ التي تعلن، ستكون حقيقية.
يوم ممتع
وفي تلك الاثناء ساءت علاقتي بحارسيّ. الضجر واليأس بدآ يختفيان ليحل بدلهما مظاهر اخرى.
فبدلاً من ان اكون ضيفة لديهما، اخذا في تبادل التعليقات والنكات عني، بالعربية، معتقدين عدم فهمي لها، كما قلصا ساعات مكوثي في الشمس او التمشي حتى في الممر الداخلي.
لقد تغيرت لغتهم معي. فمثلاً، ذات يوم، كنا نتناول الشاي، وكنت احرك قدمي بعكس عقرب الساعة. فنظر إليّ ابو كرار وقال، (لا، مع عقرب الساعة!).
لقد ضقت ذرعاً بتلك التصرفات. وعندما انتقلنا إلى منزل، ابي احمد، غرب الفلوجة، اصررت على نيل المزيد من الحرية، وذلك بالبقاء مع المرأة الموجودة في المنزل. ولم يستطع (الحارسان) من دخول المنزل لعدم وجود زوج المرأة فيه. وتمتعت في ذلك اليوم بحريتي. قطعت مع المرأة الخضراوات، طبخت، غسلت الاطباق، كنست ارضية الدار، صنعت الشاي ولعبت مع ابنتها الصغرى. ولمست تعاطفاً من المرأة تجاهي، بمدحها طريقتي في تقشير البطاطس، وسألتني عن نوعية الافطار الذي يتناوله الامريكيون.
بعد بضعة ايام، عدنا إلى، (المنزل - النادي) حيث لا امرأة فيه. وبعد وصولي إليه، اغلقوا الباب عليّ، كانوا يفتحون الباب لأخرج واتناول الطعام وحدي، ولا يشاركني فيه احد، وفي الشرق الاوسط، يعتبر هذا التصرف غير لائق، وبعد الطعام كنت اقتاد إلى الغرفة ثانية وكنت على الدوام احاول ان ابدو متوافقة معهم، ولكني كنت لا استطيع الاستجابة لاسئلة من نوع: "لماذا انت غير مسلمة؟" "لماذا لا تحبين الزرقاوي؟"، لماذا لا تريدين قيادة سيارة مفخخة؟".
وكنت انام اثر ذلك وانا يائسة من الامر كله. ومنذ ذلك بدأت بالاستسلام من اجل هدف اكبر وهو البقاء على قيد الحياة. وان كان الاخوة المجاهدون قد كسبوا معركة معي، فان ذلك لا يعني أنهم كسبوا الحرب. وفي الايام التالية، كان ابو حسن قليل النوم، وقال لي يوماً: "الجنود الامريكيون لن يغادروا العراق ابداً، حتى بعد 300 سنة".
كانت تلك هي المرة الاولى التي ارى فيها احد المجاهدين يعبر عن شيء غير التفاؤل تجاه المستقبل.
تدهورت حالتي. كنت ابكي في الفراش بشدة وبصوت منخفض. وطوال تلك الايام والاسابيع، لم اؤد الصلاة، تصورت ذلك نوعاً من النفاق، فجميع افراد العائلة من الكاثوليك، وانا لم اذهب إلى الكنيسة منذ زمن طويل..
لم يكن لدي التزام ديني شديد.. ولكني كنت اريد تهدئة نفسي قلت لنفسي حسناً سأطلب من الله القوة والصبر.
"شكراً يا الهي، لقد نجوت حتى الآن، رجاء اعطني القوة للاستمرار.. امنح القوة لافراد عائلتي، انا اعرف اني لم آت اليك من قبل، ومجيئي اليوم يبدو سيئاً وانا في وضع صعب يا الهي، ابق معي.. ابق معي.


الديمقراطية والسذاجة السياسية

بقلم :كينيث مينوغيو
ترجمة: عادل العامل

عن: the new Criterion

ان المشكلة الرئيسة مع الديمقراطية هي حماقة مواطنينا نحن، وقد يبدو هذا أشبه بملاحظة حزبيه على نحو متعجرف، لكنه ليس كذلك، فأينما كنا من الطيف السياسي، فاننا نتفق على ذلك جميعاً، وسيصف كل واحدٍ منا هذه الحماقة على نحوٍ مختلف، من دون شك، لكن لا أحد منا ينكر انها موجودة، وذلك ما يثير هنا إمكانية مهمة، فهل سيمكن الاتفاق، بالنسبة لليمين واليسار، على التصنيف العام للحماقة في السياسة

إنني، وانا أتكلم سياسياً هنا، على مبعدة مما يدعى على نحوٍ مضلل في الغالب بـ"اليمين" و (أعني الاحرار والمحافظين)، غير ان وجهة نظري العامة سيردد صداها بالتأكيد افراد من الجناح اليساري، الذين يندهشون بشكل ثابت من الطريقة الغبية التي يصوت بها الامريكيون لبوش أو التي سلكها البريطانيون مع نفاقات توني بلير بشأن حرب العراق، ومتى ما اشتدت التوترات فيما يتعلق بهجرة العالم الثالث، فان الكثير من الناس يعبرون عن الفزع من فكرة ان "متطرفي الجناح اليميني" يمكن ان يصيبهم الهياج. وان محاولة ضبط "خطاب الكراهية" تفترض ان الناس الرهيبين والبسطاء "خارجاً هناك" وسط الجماهير يمتلكون القليل جداً من العقلانية بحيث ان الكلمات المحرضة يمكن ان تغريهم بارتكاب أفعال حقيرة.
وهذه المخاوف معقولة، ومع هذا فاننا كديمقراطيين ملزمون، بفعل الاستمرارية أو الثبات، باحترام آراء الآخرين لاننا نعارض سلب حقهم في التصويت، واستنتج من هذا حقهم في التصويت، واستنتج من هذا ان دراسة السذاجة السياسية، أو الحماقة
footishness، أو ربما الغباء بكل معنى الكلمة، هي مقولة تجاهلناها طويلاً انطلاقاً من التقوى أو التهذيب. ولو أوليناه شيئاً من التفكير، فاننا يمكن ان نكون جميعاً قادرين على الاتفاق على عدد من المبادئ الاساسية.
ان دراسة كهذه سيتوجب ان تبدأ من حقيقة ان بعض طبقات الناس أكثر سذاجة من غيره على نحو خطير، وكان هذا ما تضمنه المبدأ الذي قيدت به الاجيال الاسبق الامتياز لاصحاب الملكية، فإذا كان لديك عقار تديره فانك تمتلك شيئاً من الخبرة وربما المهارة ايضاً في التفكير بشأن مسؤوليات السياسة العامة.
وبالتناظر فقد كان محسوساً ان "سواد الناس
mob" أو (بتعبير اجتماعي لاحق) "الجمهور crowd" كان يشكل مجموعة من الناس المتهورين وغير المتعلقين الذين يجب ابقاؤهم بكل التكاليف بعيداً عن عتلات السلطة. وان كون هذا الرأي ليس بالاحمق على الاطلاق يمكن فهمه من حقيقة ان الاكراه المنظم لسوادات الناس، (أو غوغائها) قد سهل التدمير التوتاليتاري للديمقراطية في بلدان كثيرة خلال القرن العشرين.
ان نوعاً خاصاً من اللاكفاءة أو اللا أهلية السياسية سيميز بالتالي فيما يبدو مجموعات معينة من الناس، وفي وقتنا هذا ينبغي ان يتوجب علينا البدء بالاشارة الى الممثلين والفنانين، في السينما، والمسرح، والتلفزيون، والفنون التشكيلية، فهؤلاء على نحوٍ واضح ليسوا بالناس الذين يستشيرهم المرء في نشدانه نماذج الذكاء أو الفهم السياسي، ان عدد نشاطات التسلية التي تم حشد المراتب المكتلة من العاملين بالفن لاقناعنا بان الحرب جحيم لهو مثال بارز للاخلاقية المنصقلة لدى اولئك الذين يشتغلون في الخيال. فالممثلون والفنانون يعيشون وسط الاعمال الخيالية
fictions.
ويمكن للمرء ان يقول تقريباً ان حيواتهم هي "تظاهر make believe" والاكثر من هذا، ان مهنتهم تتطلب ان يكون عليهم الاستجابة للاعمال القصصية أو الخيالية بانفعالات عاطفية وقوية، وكان الامر اللافت بشأن الايديولوجيات الشمولية في القرن العشرين انها تعاملت بطرق ميلودرامية- نضالات يائسة ما بين الخير والشر. وكان ذلك في الغالب الحدود الاخلاقية النظيفة للالتزام الايديولوجي الذي اجتذبت هكذا الممثلين والكتاب، وخلافاً لذلك، فان مهارة العمل السياسي تكمن في ابقاء الميلودراما في وضع حرجٍ لاطول وقت ممكن، فالدولة كما هو معروف " وحش بارد".
ان هناك بالطبع، استثناءات لهذه القاعدة، كما هي الحال بالنسبة لتعميم كهذا، فقد كان رونالد ريغان رئيساً مقتدراً جداً للولايات المتحدة، ويبدو ارنولد شوارزينيغر حاكماً متمكناً على نحو معقول لولاية كاليفورنيا، لكن هذين الرجلين تحركا ببطء الى داخل السياسة بعد فترة التمهن الأسبق للعمل السياسي، والاكثر من هذا، ان الاثنين من "الجناح اليميني" وهذا النوع من "الجناح اليميني" قائم على الواقع بطريقة لا تتوفر لوجهات نظر الجناح اليساري.
والسبب في ذلك من نواحٍ كثيرة ان "الجناح اليميني" قد اهتم بالمحافظة على نظام الامور الذي عمل حتى الان بنجاح معقول في الأجزاء الغربية على مدى المئة سنة القليلة الماضية، بينما ان تكون "جناحاً يسارياً" يعني المباشرة بمغامرة نحو شئ من النسخ غير المجربة بعد من الاصلاح أو الارتفاع الى مرتبة الكمال، وعليه فان المرء يمكن ان يفكر بان الفنانين يعانون من نقص مهني- وهو ما يدعوه الفرنسيون بتشوه مهني- في فهمهم الواقع السياسي.


بعد محاولة الهجوم الفاشلة

ترجمة: فاروق السعد

عن: الايكونومست

تعتقد اجهزة المخابرات البريطانية بانها احبطت هجوما كبيرا. فهيثرو، المطار الرئيس في لندن، عادة ما يعج بالمسافرين المستائين والمصطفين (بطوابير) في هذا الوقت من العام. ولكن الخطوط يوم الخميس 10 آب اصبحت ملتوية كالافاعي كما ان الناس فيها كان ينتابهم القلق اكثر مما يحسون به من غضب عندما انتشرت الاخبار حول قيام الشرطة والاجهزة الامنية باحباط مخطط لتفجير عدة طائرات كانت متجهة الى امريكا. فلو ان الارهابيين قد نجحوا ، كما قالت الشرطة البريطانية، فان ذلك سيسفر عن " قتل جماعي على نطاق لا يمكن تصوره". فقد اعتقل 24 شخصاً، جميعهم على ما يبدو مواطنون بريطانيون ومعظمهم من اصول باكستانية، من قبل الشرطة البريطانيه في لندن، برمنكهام وهاي ويكومب، وهي مدينة قريبة من هيثرو. ظهر بان المشتبه بهم تربطهم علاقات قوية مع باكستان. وقالت اجهزة الامن في ذلك البلد إنها قد اعتقلت ايضا عدة اشخاص مشتبه بهم على خلفية الهجوم الفاشل وانها قد ساعدت المخابرات البريطانية على اكتشاف المخطط.
اشارت المصادر الامريكية الى ان خمسة اخرين لا يزالون هاربين. و على اية حال، يزعم جون ريد، وزير الداخلية البريطاني، بان الشرطة البريطانية قد وضعت "اللاعبين الرئيسيين" رهن الاعتقال. وفي يوم الجمعة، امرت الحكومة البريطانية بنك انكلترا بتجميد حسابات 19 من المشتبه بهم. واصدر البنك الاسماء وبعض التفاصيل عن الاشخاص الذين تتراوح اعمارهم بين 17 و 35. يبدو ان المخطط قد تمت صياغته على غرار هجوم ارهابي فاشل آخر في مانيلا عام 1995. كانت تلك الخطة، التي شملت تفجير 11 طائرة جمبو فوق المحيط الهادي في فترة يومين، قد صممت من قبل جماعة عرقية باكستانية ذات ارتباطات بالكويت: رمزي يوسف وقريبه، خالد شيخ محمد، مهندس هجمات 11 أيلول 2001. ولكن يوجد هنالك فرق كبير بين المخططين: فلم تكن خطة مانيلا الرئيسية مصممة على أساس استخدام انتحاريين كما هو الحال مع هذه. في الحقيقة، كان الإرهابيون ينوون زرع قنابلهم خلال المرحلة الاولى من رحلتهم المتكونة من مرحلتين والابتعاد خلال فترة التوقف. وبعد عمليات الاعتقال التي جرت، لم يسمح لمسافري المطارات البريطانية بحمل سوى النقد، وجوازات السفر ووثائق السفر الاخرى في رحلاتهم، اما السوائل، واي شيء يمكن ان يخفي شحنة متفجرة، فقد تم استبعادها. وجعلت الأمهات ترتشف من حليب الطفل قبل السماح لهن بأخذه على متن الطائرة. وفي الوقت الراهن، على الاقل، سوف لن يسمح للمسافرين بأخذ حقائب اليد معهم في المطارات البريطانية. لم تقتصر الفوضى هناك. فالكثير من رحلات الطائرات البريطانية قد ألغيت الى مطارات لندن كما تم الغاء اكثر من 600 رحلة من هيثرو وحده. ويواجه ما يقارب 100000 مسافر تاخيرات في الوصول. وفي امريكا، منع المسافرون المتجهون الى بريطانيا من اخذ المشروبات، زيت الشعر او المحاليل الاخرى على متن الطائرة. وهذه ليست هي المحاولة الاولى التي تتضمن طائرات مسافرين التي كانت المخابرات البريطانية على بينة من امرها. ففي عام 2003 عزز توني بلير الاجراءات الامنية في هيثرو بمزيد من 450 جندي في عربات مصفحة و 1000 شرطي اضافي، رغم ان العديد قد انتقدوا وجود الجيش على انه ميلودرامي و غير ضروري. وفي اغسطس 2004 ادعى المسؤولون بانهم احبطوا محاولة ارهابية اخرى بعد ان تم الاستيلاء على خبير حاسبات مشتبه بانتمائه للقاعدة في باكستان ووجد بانها كانت تحتوي على صور للمطار. يقول السيد ريد ان ما مجموعه 20 من امثال هذه المؤامرة قد اكتشفت من قبل
M15، واجهزة الامن الداخلي، M16 ، اجهزة الامن الخارجي، والشرطة. ولكن المصادر الامنية تعتقد بان هذه المحاولة كان يمكن ان تصبح الاكثر دموية حتى الان. يبدو ان المخطط كان يتضمن اخذ سائل متفجر تم اخفاؤه على انه مشروب غير كحولي الى مقصورة الطائرة. كان يمكن ان تكون الخطة غير قابلة للاكتشاف عن طريق تدقيقات المطار التقليدية، وتقول الاجهزة الامنية بانها كان يمكن ان تنفجر بنجاح. فحتى ان اي انفجار صغير في نقطة حرجة على جسم الطائرة بامكانه ان يحدث ثقبا في الغلاف الخارجي، مسببا هبوطا سريعا للضغط و ارتطاما مميتا. اما اذا وضعت في خزان الحقائب، فان القنابل يمكن ان تكون اقل فعالية. فسيتوجب ان يتم اشعالها اما عن طريق ساعة توقيت او نوع من جهاز التفجير عن بعد، وكلاهما يمكن اكتشافهما بسهولة عند تفتيش الحقائب. كما تقول الاجهزة الامنية بان الخطة كانت تتضمن هجمات على مراحل، باستهداف عدة طائرات ومن المحتمل ان تتركز على الخطوط البريطانية والامريكية. وقالوا إن الهجمات قد احبطت بعد عملية مراقبة استغرقت عدة اشهر ولم يكن امامنا ربما سوى ايام. في واشنطن، اشار مسؤولو الامن بان حاملي القنابل قد استهدفوا الخطوط المتحدة، الامريكية والكونتينينتال. ولقد رفع قسم الامن الداخلي تحذيره المجفر بالالوان الى الاحمر، على بعض الرحلات، ولاول مرة منذ تاسيسه. كانت تلك هي المؤامرة الاولى التي تحبط في بريطانيا منذ ان قررت الحكومة الشهر الماضي بانها ستقوم ايضا بنشر تقييمات التهديدات التي يصدرها المركز المشترك لتحليل الارهاب العائد لها. وكان المستوى قد رفع طبقا لذلك، من "صارم" الى "خطير" . ولكن كلام السيد ريد في اليوم الذي سبق عملية الشرطة، الذي ذكر فيه بالغرم من انه كان "واثقا بان الاجهزة الامنية والشرطة سوف تقدم 100% جهداً و 100% تركيزاً، الا انها لن تضمن نجاحاً 100%، كان يمثل تذكرة بان درجة معينة من الخوف هو امر معقول. واستجابت اسواق المال بسرعة للاخبار في 10 آب. فقد هبطت الاسهم في الخطوط الجوية البريطانية 5.1% في اليوم التالي كما ان شركات اخرى مرتبطة بالسفر قد تكبدت خسائر. ولكن 100FTSE قد شفيت من الهزات السابقة، منهية اليوم بمجرد 0.6% . كانت الخطوط الجوية قد شهدت نموا قدره 6.7% خلال الشهور الستة الاولى من العام و كانت تامل بنفس القدر من الزيادة. رغم ان هنالك فرصة قليلة للحصول على ذلك الان وذلك لوجود بعض الاشارات على حدوث انعكاسات اوسع في الاسواق.

 
 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة