المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

بمناسبة رحيل القاص جليل القيسي .. اتحاد الأدباء يستذكر إبداعه القصصي والمسرحي

محمد درويش علي

اقام نادي القصة، في الاتحاد العام للأدباء والكتاب، اصبوحة استذكارية بمناسبة رحيل القاص والمسرحي الراحل جليل القيسي، الذي يعد واحداً من القصاصين المتميزين في جيل الستينيات، وظل متواصلاً مع ابداعه عبر القصص والمسرحيات التي كتبها، والتي ضمتها اربع مجاميع قصصية، هي صهيل المارة حول العالم، وزليخا البعد يقترب، وفي زورق واحد، ومملكة الانعكاسات الضوئية، والمسرحيات التي ضمها كتاب واحد، كان أبرزها جيفارا عاد .
وشارك في الاصبوحة التي ادارها القاص جهاد مجيد، الناقد فاضل ثامر، والناقد علي حسن الفواز، وسلط كل واحد منهما الضوء على المنجز الإبداعي للراحل، وتخلف عن حضور الاصبوحة القاص محيي الدين زنكنه، والناقد قحطان الطويل، اللذان اعدا دراستين مهمتين عن أدب الراحل، وفي نهاية الاصبوحة ساهم الشاعر الفريد سمعان ود. خليل محمد إبراهيم، في النقاش حول ما قيل في الاصبوحة.

بدأت الجلسة بكلمة القاص جهاد مجيد إذ قال:
ان ادب الستينيات من القرن الماضي لم يكن مرحلة واحدة متصلة ببعضها البعض لا من حيث تراتبها الزمني (فثمة تقطعات خلال بنى العقد نفسه) فضلاً عن امتداداتها في العقد الذي تلا ذلك العقد ولا من حيث توجهاتها أو اتجاهاتها.. ولكن ما تبلور منه -أي أدب الستينيات- وتبقى، فبلور ونقى سمات ثبتت نفسها نقدياً ورسخت في الوعي الفني العام هو ما يمثل الذروة في ذلك الأدب ويمثل مستواه الارقى الذي نضج عن مستويات متعددة تتباين في قيمتها الفنية والفكرية من الصفر حتى المائة.
غب الأنقلاب الدموي في شباط عام 1963 وبانكسار القوى التقدمية وانحسار فكرها الملتزم وتراجع نماذجها وتواريها في غياهب السجون والمعتقلات أو المنافي والمخابئ، سادت خيبة الأمل واستشرت روح الهزيمة على مستويات الفكر والفن والحياة.. ونشأ جيل جديد كافر بقيم الالتزام وناقم على كل تجاربه ورافض لكل معطياته فتكبل بالعبث واللاجدوى والانهزام لاعلى صعيد المضامين بل وعلى صعيد الوسائل الفنية لذا نجد بواكير الادب الستيني نصوصاً مترعة بالهلوسات والتهويمات لا يربطها رابط ولاينتظمها سياق وغدت الكتابة لهواً وضرباً من الفذلكة والفبركة وشهوة من الشهوات تؤطرها المزاعم والاوهام مارستها فئة افرزتها لجج الهزائم السياسية والاجتماعية في مطلع الستينيات، نصوص تعلن انتماءها زعماً الى السريالية والفانتازيا واللامعقول ولم تكن الا تسطير جمل لا تقوى على ان ترتصف الى جوار بعضها البعض وتنبو عنها جمل لا تكاد تفصح عن معانيها ناهيك عن ركاكة مبانيها..
كان جليل القيسي قريباً من هذه الثلة من الكتاب ان لم يكن بين ظهرانيهم، لكنه نجا من كل شوائبهم وشوائنهم لينسج نصاً قصصياً محتقناً بالرفض والغضب عبر صفاء من السريلة والفانتازيا ورؤيا لا تعوزها السخرية.. لكنه لم يفتقر الى العناصر الرئيسة للمتن القصصي التي جافاها مجايلوه اولئك. ابتدأ مع اوائل الموجة الستينية الا انه دخل مرحلتها الثانية، مرحلة نضجها وصحوتها بفعل ظروف تاريخية لسنا بصددها الان، دخلها بعدة رصينة ورصيد وفير وقدرة وخبرة كافيتين للمطاولة والبقاء في صف متقدم.. وبما تمسك به من ترسبات خلاقة في نصه من بواكير الستينيات اغنى به القصة العراقية وشكل منه ضرباً خاصاً به ونمطاً مميزاً ذا نكهة وطعم ولون فارق فيه كتابات مجايلية في مرحلة الستينيات الثانية مع منازعته اياهم في سماتهم التي نضجوها وميزوا بها العطاء القصصي وتحديداً غب حرب عام 1967 وانعكاساتها العميقة محلياً واقليمياً.
واضح ان جليل القيسي نهل من التراث القصصي العالمي أكثر مما نهل من التراث العربي، وتوغل في مسارات التراث الأول وتجاربه الحديثة المهمة فكسب منها المتانة، وواضح ايضاً انه لم يمد جذراً نحو تراث قومه لذا كانت لغته لغة الأدب المترجم، لغة تفتقر احياناً الى الفصاحة واحياناً الى سلامة التركيب لكنها لغة قصصية مقتصدة موفية تؤدي غرضها في تجسيد بلاغة المشهد ومن ثم الفكرة فالرؤيا.. لغة تخلصت من الاطناب والاسهاب كنصه..
هذه اطلالة سريعة على تجربة فريدة في ادبنا القصصي المعاصر لمبدع ابتدأ مشوارها في سماع صهيل المارة حول العالم وواصلها في زورق واحد وظل ينتظر مع زليخا البعد الذي يقترب.. فهل اقترب البعد يا أيها الجليل؟!
بعد ذلك ارتجل الناقد فاضل ثامر كلمة تناول فيها بالتفصيل، ابداع القاص جليل القيسي، والمناخ الذي عاش فيه، قائلاً: يعد القاص جليل القيسي واحداً من رواد الحركة الابداعية في الستينيات، ومن الجانب الآخر فهو انسان معجون من طينة خاصة، معروف عنه الرقة الهائلة وحب الناس، والانسانية واحترام الآخرين. وفي بعض الأحيان عندما يلتقيك وتود ان تحييه تشعر بالخجل، لفرط محبته وحبه للآخرين، انه يذكرني ببعض التقاليد اليابانية في الاحترام. وبخصوص ابداعه قال: جليل القيسي من الاسماء التي حفرت مجرى جديداً في الكتابة القصصية، اعقبت التجربة القصصية الخمسينية، دشنتها تجارب عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي والى حد ما مهدي عيسى الصقر، وغائب طعمة فرمان، ونزار عباس، ومحمد روزنامجي، ممن دشنوا الكتابة القصصية الخمسينية. وارى ان قامة جليل القيسي الإبداعية، ترتفع الى قامة قاص ستيني آخر ايضاً سلك طريقاً خاصاً هو محمد خضير على الرغم من ان القاصين لم يدخلا دخولاً مباشراً في التجربة الستينية، لأن التجربة الستينية كما اشار الى ذلك زميلي جهاد مجيد انهمكت في اشكالٍ من التجريب، احياناً المصطنع أو الملفق.
وتجربة القيسي كانت تحتوي على الكثير من التجريب، لكن التجريب الذي اعتمده، كان تجريباً واعياً مبنياً على أسس ومبادئ السرد القصصي الحقيقي. وعندما شرعت انا وزميلي الناقد ياسين النصير، باعداد مختارات قصصية من الادب الستيني تحت عنوان "قصص عراقية معاصرة" كان قد اصدر مجموعته القصصية الاولى "صهيل المارة حول العالم" فانتقينا له قصته القصيرة (ديوس ايكس مشينا) وهي قصة تجريبية حقيقية فيها الكثير من العالم الكابوسي خاصة عند كافكا وجويس وكتابات الوجوديين وعنوان القصة يعني: الاله المنقذ الذي يتدخل داخل الكتابة النصية أو القصصية أو داخل الحياة لإنقاذ البطل من خطر كبير.
واضاف الناقد فاضل ثامر: القصة في الستينيات اعتمدت ولأول مرّة على انماط المونولوغ الداخلي، وكان ذلك واضحاً لدى الراحل جليل القيسي الذي ابتعد عن التقريرية المباشرة، وارتقى بمستوى التعبير اللغوي والصوري داخل القصة بطريقة ناضجة، كما استخدم الرمز كثيراً وارتقى بمستوى التعبير الى الفضاءات الصوفية، من خلال الحالات التي كانت تصلها شخوصه القصصية.
واختتم حديثه بالقول: يمثل الزميل الراحل واحدة من ذروات الهرم الشامخ الذي نسميه القصة العراقية، عزاؤنا انه يعيش بيننا بكتاباته وفي المثال الذي قدمه لنا، في تواضعه، في بساطته، في حياته، في علاقاته مع الآخرين وأهم شيء في إخلاصه اللامتناهي بإبداعه.
بعد الناقد فاضل ثامر، القى الناقد علي حسن الفواز كلمة جاء فيها: كان القاص الراحل جليل القيسي، بحلم ان يكون بطلاً من أبطال السينما وكان متأثراً جداً بالممثل كلارك غيبل، وتحت إغواء هذا التأثير ذهب في بداية الستينيات الى هوليوود ليكون ممثلاً في السينما الأمريكية على غرار هذا الممثل الذي تأثر به.
وحول التكوين الثقافي لجليل القيسي، قال الزميل الفواز: شكلت كركوك عالماً خالصاً لدى جليل القيسي، من خلال انفتاحه على مجموعة لغات، هي الانكليزية والعربية والكردية والتركمانية وجعله هذا الانفتاح يرحل مبكراً صوب عوالم الابداع فقرأ الكتب والمجلات والانكليزية التي زودته بثقافة أصيلة ومن منابعها الحقيقية.
ثم تحدث عن جوانب كثيرة من حياة وابداع الراحل، وتأثيره في القصة العراقية الحديثة.
أما الشاعر الفريد سمعان فتحدث هو الآخر عن ابداع الكاتب الراحل، وأهميته في دائرة الإبداع العراقي المعاصر، وعن تأثره بالسينما ورموزها الكبار. موضحاً ان موته خسارة كبيرة للثقافة العراقية. اما الدكتور خليل محمد ابراهيم فقد اكد هو الآخر، على أهمية القاص الراحل ودوره في كتابة قصة قصيرة، تمتلك مؤهلات فنية عالية، مما جعل منه ان يكون قاصاً متميزاً بين مجايليه !
بعد انتهاء الاصبوحة، التقينا بالناقدين المسرحيين عباس لطيف، وعدنان منشد وحدثانا عن المسرحيات التي كتبها جليل القيسي إذ قال الناقد عباس لطيف ان مسرح جليل القيسي، مسرح استثنائي وذو خصوصية لم تتوفر الفرادة التي تميز بها لكاتب مسرحي آخر، فهو يكتب نمطاً من المسرحيات لا يشبه غيره، في اجوائها افاد كثيراً من عوالم السرد، والسمة التي لم ينتبه اليها النقاد، ان شخصيات جليل القيسي شخصيات قصصية حاول توظيفها أو نقلها من متون السرد الى الحاضنة الدرامية، وباعتقادي ان جليل تأثر تأثراً كبيراً بالأدب الروسي عموماً وبالذات مسرح جيكوف وأستطيع القول انه كان جايكوفياً سواء على مستوى بناء الحدث أو عزلة الشخصيات أو وجود الفعل الدرامي السايكولوجي، أي هنالك صراع داخلي بين الشخصيات وبين الشخصية نفسها، واغلب شخوصه يعاني من احباط واجترار ذكريات ومن حلم يراودها وهذه خصائص بطل جيكوف. في البدء استهوى المخرجين العراقيين للغة الشاعرية التي يكتب بها، لكن المخرجين صدموا بأدبية النص الدرامي ، ومن المعروف في المسرح ان هنالك نصاً أدبياً للعرض، لذا نرى التغييرات التي طرأت على مسرحياته حينما نقلت الى مفهوم العرض المسرحي.
اما الناقد المسرحي عدنان منشد فقال عن مسرح جليل القيسي:
في مرحلة مبكرة من العقد السبعيني المنصرم، قرأت قصص الراحل جليل القيسي والبعض من مسرحياته في مجلتي (السينما والمسرح) و(الاقلام) وقد ترسخت في ذهني من هذه المسرحيات، مسرحيتان أثيرتان، قام باخراجهما في ما بعد على منصة (مسرح بغداد) الأستاذ سامي عبد الحميد تحت عنوان (جيفارا عاد.. افتحوا الأبواب!) والفنان المغترب خليل الحركاني تحت عنوان (زفير الصحراء).
واتذكر ان بعد العرض الأول للمسرحيتين المذكورتين وفد الراحل جليل القيسي الى بغداد بصحبة زوجته الأرمنية الطيبة الشقراء، فألتقيت بهما في أمسية جميلة بحدائق اتحاد الأدباء. وكان الراحل المبدع في تلك الأمسية متألقاً مزهواً بثمار جهوده المسرحية بعد أن تكلل نجاحها على (مسرح بغداد) الأثير.
منذ تلك الجلسة الوحيدة النادرة، لم يحصل لي شرف الالتقاء ثانية براحلنا المبدع الكبير، على الرغم من متابعاتي لما ينشر في القصة والمسرحية طيلة العقود الثلاثة الماضية.
واشهد ان قصصه المستمرة، كانت مغايرة للمشهد القصصي العراقي المألوف انها قصص مكتوبة بقلم أرستقراطي أليف يذكرك بعوالم ديستويفسكي وجويس وكافكا ومترلينك وأبسن، لكن مسرحياته اللاحقة -للأسف الشديد- ظلت خاضعة لمخياله السردي، ولم تضع شروط المنصة المسرحية خياراً لأي مخرج مسرحي يقدم على الانهماك فيها. ولو قدر للقيسي الراحل ان يكون قريباً منا في بغداد، لكان بالامكان معالجة نصوصه المسرحية داخل فرقنا وورشنا المسرحية.
ولكن القيسي ظل في صومعته الكركوكلية البعيدة عن مركز بغداد، كأنه مستوطن في جمهورية (أرنجا) الآشورية القديمة.. وتلك هي المعضلة ونرجو ان نكون قد اقتربنا في طرحها من مشارف الصراحة، التي ينبغي ان تحكم حواراتنا، بعد ان فارقنا مبدع عراقي كبير.


وجهة نظر: أدباء المحافظات وثقافة العاصمة
 

محمد الحمراني

لا احد بامكانه ان ينكر تأثير ثقافة العاصمة على أدباء المحافظات،الذين كانوا ينزحون من مدنهم الفقيرة وقراهم،ليستقروا في الفنادق الرخيصة ويبدأوا رحلتهم مع عالم الشهرة والقراءة، والكثير من الأدباء الذين لم يأتوا الى بغداد ويتفاعلوا مع المشهد الثقافي اندثرو ولم تظهر اصواتهم بصورة واضحة في وسائل الاعلام.
أسهم أدباء المحافظات في اضافة أجواء مميزة للعاصمة فبعضهم اسهم في وجود ظاهرة المقاهي الادبية،وهي حالة اضطرارية، فالأديب بعد مشوار يوم مضنٍ يبحث عن القيلولة وحتما يجدها في احد المقاهى (شاي وماء بارد وحكايات ثقافية) وبدات التجمعات حول أدباء المحافظات،الذين كانت شهرتهم تبتدئ في المقاهي البغدادية ثم تنتقل الى الصحف ببطء...
اليوم أدباء المحافظات ومع التغيير الذي طرأ في المشهد السياسي تغيرت الكثير من احوالهم فهم اليوم لا يأتون الى العاصمة لشراء الكتب لان في مدنهم انتشرت مكتبات كبيرة تحتوي على كتب مميزة ولم يأتوا ليعطوا كتاباتهم الى محرري الصفحات الثقافية فكل واحد منهم لديه انترنت في البيت ويبعث برسالة الكترونية مع المادة التي كتبها..وفي حالة عدم نشر موضوعه في الصحف البغدادية .. فهو لايتخاصم مع المحرر في المقهى او قرب الجريدة فلديه حل اخر ينشر المادة في موقع الكتروني من تلك المواقع الكثيرة في الشبكة العنكبوتية ...أدباء المحافظات لا يأتون الى العاصمة هذه الأيام لطباعة كتبهم في دار الشؤون الثقافية الدار الوحيدة والعريقة التي اعتاد الكتاب النشر فيها لوجود العديد من دور النشر في بلدان مجاورة واغلب أدباء المحافظات لديهم ايميلات هذه الدور وبعضهم اتصل بها والبعض الاخر صدرت لهم كتب في عمان وسوريا والإمارات واليمن ومصر ومن لم يجد له فرصة لنشر كتابه عن دار نشر محترمة ينشره في موقع الكتروني متميز.
هناك موضوع اخر يمنع أدباء المحافظات من المجيء الى العاصمة وهو الموت اليومي والسيارات المفخخة التي لا تميز بين رجل واخر..المدن الصغيرة التي يعيش فيها أدباء المحافظات في الأغلب آمنة وهم يتجولون فيها مثل ملائكة.............
ولايوجد فيها رجال امن مثل رجال صدام والان الأدباء يقيمون انواع الأمسيات:
أمسية عن السينما واخرى عن السيد محمد باقر الصدر، أمسية عن الرواية واخرى عن ثقافة الانترنت،أمسية عن ثقافة العنف وأخرى تبحث في تطوير ثقافة المحافظة...بعض المحافظات أصدرت صحفاً ومجلات ثقافية رصينة واخرى اقامت مسابقات في الأدب وكرم الفائزون بمبالغ نقدية معتبرة واحتفى بهم المحافظون والسياسيون في محافظاتهم .....
العديد من أدباء المحافظات يقولون ان العاصمة لم تعد فيها فورة ثقافية،فالمقاهي اختفت، والامسيات الليلية كذلك والعديد من الأدباء اما هاجروا او منشغلون بصحف يعملون فيها... واللقاءات العابرة حتما لاتاتي بمردود ايجابي. شارعهم المفضل (شارع المتنبي) أغلق يوم الجمعة ولم يعد بالامكان مشاهدة الاصدقاء بحميمية مثل السابق ...او الجلوس في مقهى (الشاهبندر)....أدباء المحافظات بدأوا يعتمدون اعتمادا رئيسيا على قدراتهم الذاتية في تطوير نشاطاتهم، مستغلين ثورة الانترنت في توطيد العلاقة مع ثقافة العاصمة.


رسالة القاهرة

علي الشجيري  

 

بوادر التطويرفي هيئة الكتاب

يبدو أن سلاسل هيئة الكتاب المتعثرة أصلا، أصبحت نهباً لأفكار الرجعية والمغامرات الطائشة التي يقدم عليها البعض متصورين أنهم بذلك يقدمون خدمة للحياة الثقافية. والواقع أنهم لا يخدمون سوي أنفسهم.
وأيا كانت الملاحظات على الأسلوب الذي كانت الكاتبة سهير المصادفة تدير به سلسلة "كتابات جديدة" التي تصدرها هيئة الكتاب، فقد قدمت هذه السلسلة عددا كبيرا من الأعمال الجيدة والجديدة التي تعبر عن العنوان الذي تصدر السلسلة في إطاره "كتابات جديدة".
وفجأة. لأسباب غير معلومة، تمت تنحية سهير المصادفة عن رئاسة تحرير السلسلة. وربما يكون ذلك شأنا داخليا يخص رئيس الهيئة د. ناصر الأنصاري تم في إطار التغييرات التي يسعي إلي إجرائها داخل هيئته ويرى أنها ستسهم في أداء أفضل للهيئة.. لا بأس إذن من التغيير شريطة أن يكون للأفضل وليس للأسوأ.
الدكتور ناصر الأنصاري قام بتعيين الروائي فؤاد قنديل رئيسا لتحرير هذه السلسلة التي صدرت أصلا لنشر الكتابات الجديدة للشباب. ومع تقدير المثقفين الشديد والعميق لفؤاد قنديل كمبدع قدير، لكن يقال إنه ليس الرجل المناسب لهذه السلسلة. خاصة أنها تتطلب من المسؤول عنها أن يكون متابعا للكتابات الجديدة متفاعلا معها قادرا على فرز الغث من السمين منها.
وقد أثبت الروائي القدير فؤاد قنديل كما يثبت المثقفون بأنه ليس الرجل المناسب لهذه السلسلة بالفعل عندما قرر بجرة قلم تخصيص السلسلة لكبار الكتاب على حد قوله ومع التسليم بأنه لا يوجد كاتب كبير وآخر صغير، فإن كبار الكتاب الذين يعنيهم الروائي القدير هم من توقفوا عن التجديد والمغامرة وربما الابداع من أصله.. فكيف يستقيم الأمر إذن؟.. وكيف تتحول السلسلة التي تم تخصيصها للابداعات والكتابات الجديدة والمتمردة إلي سلسلة للموتي؟
لقد اتخذ فؤاد قنديل الروائي القدير قرارا باستبعاد كل الأعمال المجازة التي كانت رئيسة التحرير السابقة تستعد لاصدارها دون أن يقرأها أو يعرف ما فيها قائلا عبارته الأثيرة والخالدة: لن أنشر إلا لكبار الكتاب.
أحد الذين كانوا قد تقدموا بأعمالهم للنشر في هذه السلسلة وهو الشاعر فتحي عبد السميع الذي يعد من أبرز كتاب قصيدة النثر في مصر اتصل برئيس تحرير السلسلة الجديد وأخبره أن له ديوانا مجازا منذ ثلاث سنوات ولم ينشر. فإذا كان الديوان قد ضاع فإنه مستعد لتقديم ديوان غيره حتى يأخذ فرصته في النشر. فقال له الروائي القدير "يا فتحي انت لسه صغير وأنا لن أنشر إلا لكبار الكتاب".
من هم كبار الكتاب هؤلاء الذين سيتحفي بهم الروائي القدير؟ وأين ينشر الكتاب الجدد أعمالهم إذا لم ينشروها في سلسلة عنوانها "كتابات جديدة"؟
ان ما يحدث في هذه السلسلة والموقف الذي يتخذه فؤاد قنديل من الكتاب الجدد يؤكد الطريقة العبثية التي تدار بها المؤسسات الثقافية في مصر.. فبدلا من أن يسعي ناصر الانصاري إلي زيادة السلاسل وتطويرها وإعادة اصدار مجلات الهيئة المتوقفة يأتي علي سلسلة حققت قدرا من النجاح ليولي عليها روائياً قديراً هو ضد معظم الكتابات الجديدة أصلا ليقضي على البقية الباقية منها ويدمرها تدميرا.
ثمة من قال إن فؤاد قنديل عندما قدم مشروعه إلي رئيس الهيئة أخبره بأن الكتاب الجدد مزعجون ويكتبون أعمالا فيها خروج عن السائد والمألوف وبعضها ينجرف إلي الكتابة في السياسة والدين والجنس وأنه بامكانه منع كل هذا الازعاج بعد أن يتولى رئاسة تحرير السلسلة ويقصرها على من أسماهم الكتاب الكبار.. ولو صدق هذا الكلام تكون كارثة بكل المقاييس.. لا أحد بالطبع يشجع الكتابات الفجة التي تكتبها مجموعة من المبدعين بغرض الشهرة ولفت الأنظار لكن الكتابات الجديدة ليست كلها على هذا النحو فثمة كتابات جديدة ومتمردة تحمل قيماً فنية رفيعة وحتى لو تناولت الدين أو الجنس أو السياسة فهي تتناولها في إطار شفيف وبعيداً عن الفجاجة والافتعال وتوظفها فنيا بشكل جيد.. وتلك الكتابة أولى بالرعاية والاهتمام بدلا من اغلاق الأبواب في وجهها والاكتفاء بالموتي وبمن هم خارج التاريخ أصلا.

ثلاثية "آدم وحواء ".. كشفت خفايا العلاقات البشرية
ناقش نادي القصة في ندوته الأسبوعية المجموعة القصصية "ثلاثية آدم وحواء" للروائي عماد الدين عيسي تحدث عنها محمد قطب والدكتور حامد أبو أحمد وسمير عبد اللطيف وشوقي بدر يوسف وعدد كبير من الأدباء.
قال محمد قطب: العلاقة بين الرجل والمرأة.. هي رد فعل الواقع الاجتماعي الذي تتجاذبه أنواع التغيرات المتسارعة على أنماط الحياة التي يشعلها الصراع الإنساني.. لذلك فالتداعيات في قصص "ثلاثية آدم وحواء" دلالة انفجار في قواعد راسخة تنامت عليها العلاقات الأسرية.
ذكر د. حامد أبو أحمد: ان هذه القصص قد رصدت المرأة في شتى حالاتها.. الزوجة الخائنة والغيارة والنكدية والثائرة والأم العشيقة والابنة الخائنة.. ايضا تحمل المجموعة سمات فنية أخرى منها الصراع من خلال السرد كما في قصة "رغبة".. ان عماد عيسي يصور حالات إنسانية خصبة.. كما يرصد اشكاليات اجتماعية شديدة الحساسية.. ثم تحدث شوقي بدر يوسف فقال: إن هذه القصص يمكن أن يطلق عليها قصص لحظات التفاعل الإنساني الذي يتأجج في حالة صراع مع الذات ومع الشخصيات والقاص يقتحم أعماقاً بعيدة في الخفي والمستور ويوظف المعادل الموضوعي في القصص.. وقد يلجأ إلى الرمز الشفيف غير الغامض.. يري سمير عبد اللطيف: ان عماد عيسي تعمق في نفسيات شخصياته وتمكن من سبر أغوارها وتوصيفها من الخارج بالايحاء والتلميح.
ويقدم الروائي فتحي هاشم رؤيته لعنوان المجموعة فيقول: إن العنوان يبرز طرفي المعادلة في الحياة فالرجل في طرف والمرأة في الطرف الآخر أما العنصر الثالث فهو الشيطان وبهذا تكتمل الثلاثية.
ويضيف د. كمال الدين حسين: لقد كسر عماد عيسى تقليدية القص من بداية ووسط ونهاية.. فكان الفعل أو الصراع الدرامي من البداية أو الوسط وقد يأتي على قمة الحدث أو في نهاية القصة وبذلك خرج عن التقليدية في قصصه.
ويتحدث الأديب عدلي عبدالسلام: عماد عيسى يبدع قصصا من منظور الشخصية الفاعلة وهو أسلوب جديد وهذا يبرر كثرة الشخصيات التي كتب ملامحها باقتدار.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة