ذاكرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

بورتريت: د.نوري جعفر

باسم عبد الحميد حمودي

ولد د.نوري جعفر في احدى قرى مدينة القرنة في اسرة فلاحية سنة 1914 واستطاع اكمال دراسته الاعدادية بتفوق وكان أمله كبيرا في دراسة الطب واستطاع الوصول الى بغداد وهو صبي عن طريق النقل النهري ليقابل سندرسن باشا عميد الكلية الطبية الملكية الذي قابله ولكنه لم يقبله فدخل دار المعلمين العالية وتخرج فيها بتفوق ليحصل على احدى بعثات وزارة المعارف الى الولايات المتحدة حيث درس في معهد التربية العالي هناك على يد كبار اساتذة التربية وفي مقدمتهم الدكتور جون دوي واستكمل نوري جعفر دراسة الدكتوراه سنة 1949 ليعود الى وطنه كواحد من ابرز علماء التربية وعلم النفس حيث افاد اثناء دراساته بعد الدكتوراه من ابحاث فايكو تزكي وليونتيف وليوريا واستاذ نظرية الارتباط الشرطي، بافلوف.
اصدر الدكتور نوري جعفر 31 كتابا في التربية وعلم النفس والتاريخ وفسلجة الدماغ والفلسفة والفكر والادب، ومن كتبه الشهيرة التاريخ مجاله وفلسفته 1959، الفكر طبيعته وتطوره 1970، الجهاز العصبي المركزي 1970 طبيعة الانسان في ضوء فسلجة بافلوف 1971، الحب بين القلب والدماغ 1987، جذور الابداع لكل الناس 1986.
من كتب نوري جعفر الاخرى: جون دوي حياته وفلسفته
العلوم الطبيعية واثارها الحضارية، فلسفة التربية، بين الفلسفة وعلم النفس.
تخرج على يد نوري جعفر الاف الطلبة في معاهد الكليات بغداد وطرابلس وتونس ونيويورك وعندما تقاعد عن عمله الجامعي ببغداد سافر الى ليبيا مدعوا من قبل حكومتها كأستاذ زائر ثم اختير رئيسا لاحدى جامعاتها وقبل ان يباشر عمله استدعته جامعة لندن لالقاء بعض المحاضرات في علوم الابداع وكان ذلك في اليوم السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني سنة 1991 ولم يكن يحمل في حقيبته سوى ملابسه القليلة وبعض كتبه عندما ظن سائق السيارة التي قادته الى مطار طرابلس انه يحمل نقودا كثيرة في تلك الحقيبة فعاجله بضربات عديدة على رأسه ادت الى وفاته مباشرة وهو الانسان العالم وغير القادر على حماية نفسه من قسوة البشر وهكذا ضاعت حياة العلامة نوري جعفر هدرا دون ذنب جناه سوى احترامه لكتبه وعلمه وظن ذلك المجرم بأنه يملك الكثير الذي يحتفظ به في حقيبته المشؤومة.. ظلت الحقيبة مفتوحة بكتبها الى جانب جسد نوري جعفر المهشم الرأس وهو الحريص في كل فترات حياته على احترام الفكر الانساني والباحث في فسلجة دماغه والكاشف عن اسراره باستمرار.
ضاع منا ذلك الشيخ العالم ابن الثالثة والثمانين غريبا مدمى وبقيت اثاره الشاخصة العديدة التي اخترنا منها فصلا من كتابه (اللغة والفكر) الذي اصدره في تونس عام 1971.


اللغة والفكر

  • الصلة العضوية بين اللغة والفكر
  • ظاهرة الهمس ولغة الطفل
  • هل يذوب الفكر باللغة؟!
     

د.نوري جعفر

أ: ملاحظات تمهيدية:
لا شك في ان قضية الصلة بين اللغة والفكر لا تقتصر دراستها على العلوم البايولوجية وفي مقدمتها علم تشريح الدماغ وفسلجة المخ، وانما هي تمتد ايضا وبالدرجة نفسها من الاهمية الى العلوم الاجتماعية وفي مقدمتها الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وبخاصة علم النفس الاجتماعي.
ويبدو ان العلوم الاجتماعية هذه لم تقم لحد الان بدراسة جدية تتعلق بموضوع الصلة بين اللغة والفكر بالاستناد الى معطيات العلوم البايولوجية المشار اليها. كما ان علماء فسلجة المخ لم يستوعبوا بدورهم معطيات العلوم الاجتماعية عند بحثهم علاقة الفكر باللغة. فلا غرو ان وجدنا كلا من الجانبين يدرس هذه الصلة بمعزل عن الاخر مما جعل دراستهم تتصف بالنقص او بعدم الاستيعاب او الشمول. فقد ضحى علماء الاجتماع بفسلجة المخ لجهلهم اياها، وحدث العكس لدى علماء الفسلجة.. وقد فاتهم جميعا ان هذه الصلة او الرابطة ذات جانبين متلاحمين كما ذكرناهما الجانب الفسلجي المخي الذي هو اساس اللغة والفكر من ناحية والجانب الاجتماعي الذي يمد كلا منهما بمحتواه من ناحية اخرى.

وقد ثبت بشكل لا يقبل الشك او الجدل انه من غير الممكن ان يكشف الباحث عن جوهر اللغة والفكر دون ان يستوعب الصلة العضوية بينهما والاثر المتبادل الذي يتركه كل منهما في صاحبه من الناحية التطورية في النوع الانساني بأسره وفي مجرى حياة الفرد.. مع العلم ان دراسة العلاقة بين اللغة والفكر من حيث نشوء كل منهما وتطوره عبر الاجيال المتعاقبة وفي مجرى حياة الفرد تدل على انتقاء وجود اعتماد متقابل بين الجذور النشوئية للفكر واللغة، معنى هذا ان الارتباط المتداخل الذي نلاحظه بينهما في الوقت الحاضر لم يكن شرطا مسبقا ضروريا لحدوث التطور التاريخي في ادراك الانسان بل هو نتيجته.
ب:نظريات تفسير صلة اللغة بالفكر:
لو استعرضنا الاتجاهات الفلسفية والسايكولوجية ومحاولات علماء الاجتماع والمختصين بفسلجة المخ المتعلقة بتفسير طبيعة الصلة بين اللغة والفكر لوجدناها تنقسم في ملامحها الكبرى الى ثلاث نظريات هي حسب تسلسلها التاريخي:
اولا: نظرية العزل المطلق بين اللغة والفكر ونكران وجود أي اثر لاحدهما في الاخر.. وهي اقدم النظريات ويمثلها في الوقت الحاضر بيركسون (1857-1941) الفيلسوف الفرنسي ومفادها: انتفاء وجود اية رابطة او علاقة او صلة بين اللغة والفكر وذلك لاحتلافهما من وجهة النظر هذه في الطبيعة والوظيفة. معنى هذا ان اللغة لا تؤثر في الفكر ولا تتأثر به لانها وعاؤه او اداته المادية او الوسيلة التي يعبر بها عن نفسه.. ومثلها في هذا الشأن كمثل الاناء بالنسبة للسائل الذي يملأه او كمثل الطائرة بالنسبة لركابها او كاللباس بالنسبة للجسم. فلدينا فكر نقي او محض او خالص من ناحية ولغة هي الاخرى محضة تجسده او تغلفه وان كانت تختلف عنه جذريا من ناحية اخرى.
يتضح اذاً ان نظرية العزل تحلل او تبضع او تقطع او تجزئ جسم اللغة المتماسك الى عنصرين منعزلين هما اصوات الكلمات عند نطقها ورموزها او اشاراتها المكتوبة من جهة ومعناها او الفكر الذي تحمله او تحتوي عليه من جهة اخرى تماما كما يفعل الكيماوي في مختبره عندما يحلل الماء الى عنصريه المتلاحمين الاوكسجين والهايدروجين، ومعلوم ان الماء غير الاوكسجين وغير الهايدروجين لانه كيان مستقل جديد له خواصه التي تختلف اختلافا جذريا عن خواص كل من الاوكسجين والهايدروجين على انفراد. فالماء سائل وهما غازان.. والماء يستعمل للشرب وللتنظيف وطهي الطعام واطفاء الحريق وللنقل البحري والنهري وسقي المزارع وهما لا يستعملان في اوجه النشاط الانساني المشار اليها. وكذا الحال في اللغة التي تختلف اختلافا جذريا عن الاصوات المنطوق بها وعن الاشارات او الرموز المكتوبة المبهمة او غير ذات المعنى من جهة وعن المعنى او الفكر المعزول عزلا اصطناعيا عن تلك الاصوات والرموز المكتوبة الذي لا سبيل لمعرفته وتجسيده ونقله الا عن طريق الاصوات والرموز المكتوبة من جهة اخرى.
لا شك في ان اصوات الكلمات ورموزها المكتوبة ظواهر مادية محسوسة كما سلف ان ذكرنا، في حين ان معانيها او الافكار التي تحملها او الصور الذهنية التي تعبر عنها او تشير اليها او تدل عليها ظواهر لا مادية. وان الكلمات تفقد جوهرها الفكري اذا اعتبرناها مجرد اصوات او رموز مكتوبة لان اهميتها الفكرية تكمن في انها تنقل ذهن السامع او القارئ الى اشياء اخرى تختلف عن وجودها المادي المحسوس، فالفكر اذا يأخذ منطلقه من معاني الكلمات. وبما ان احدى وظائف الكلام الجوهرية كما هو معلوم هي الاتصال الفكري بين الافراد فان هذه الوظيفة تفقد اهميتها عندما تبضع الكلمة الى صوت او رمز مكتوب والى معنى منعزل عنهما. لان هذا التبضيع يعزل الوظيفة الاجتماعية للغة من حيث هي اداة الاتصال الفكري بين افراد المجتمع عن وظيفتها الفكرية الملتحمة بوظيفة الاتصال الاجتماعي ويفكك عرى الروابط العضوية النشوئية او التطورية التي نشأت بينهما.
صحيح ان من ان يتتبع تطور الطفل منذ ولادته يلاحظ انه يمر في اول الامر بمرحلة فكر بدائي غير مرتبط باللغة كما ان لغته هي الاخرى منعزلة عن الفكر وذلك لعدم وجود صلة في الاساس الفسلجي المخي بين محتوى اللغة والفكر لان هذه الصلة التي تحدث بعد ذلك بينهما هي رابطة مكتسبة من البيئة المحيطة تنشأ في مجرى تطور الفرد. وقد حدث شيء مشابه بالنسبة لتأريخ تطور النوع الانساني من الناحية التاريخية، غير ان هذا ينبغي له الا يفسر بأن اللغة والفكر عمليتان منعزلتان عن بعضهما كل الانعزال ولا توجد رابطة عضوية بينهما وان العلاقات التي تحصل بينهما في مجرى نمو الفرد التي حصلت في مجرى نمو النوع الانساني هي علاقات ميكانيكية او آلية، أي ان فقدان الرابطة الفسلجية المخية بينهما لا يعني ان ارتباطهما المكتسب الذي يحصل اثناء نمو الفرد والذي حصل بالفعل في مجرى تاريخ النوع الانساني هو ارتباط ميكانيكي عارض يظهر على هيئة فكر لفظي او فكر معبر عنه بالكلمات المنطوق بها او المكتوبة وان هذا الفكر اللفظي هو عملية اندماج او انصهار او ذوبان تحصل بين الفكر المحض الذي لا يرتبط باللغة في الاساس وبين اللغة الصرفة التي لا علاقة لها في الاصل بهذا الفكر المحض كما ظن اصحاب هذه النظرية.
لقد احدثت نظرية عزل اللغة عن الفكر التي حصرت اللغة بالاصوات المتحدث بها وبالرموز المكتوبة واعتبرت كلا من اللغة والفكر مستقلا عن زميله أضرارا بالغة في دراسة جانب اللغة الصوتي وجانب المعنى: فدرست اصوات الكلمات بمعزل عن معانيها او دلالاتها او ارتباطاتها بالفكر. كما درست من الجهة الثانية تلك المعاني المجردة باعتبارها فكراً لا يرتبط باصوات الكلمات ورموزها المكتوبة، وهذا تقطيع مصطنع لاوصال اللغة المتماسكة يسيء الى طبيعة اللغة بمعناها الانساني الاجتماعي الذي يتضمن كما ذكرنا تلاحم اصوات الكلمات واشاراتها المكتوبة بمعانيها التي لا يمكن عزلها عنها دون الاساءة اليها. وقد نتج عن ذلك العزل المبدئي اللغوي المغلوط الذي اشرنا اليه والذي مفاده ان علم الاصوات علم مستقل في حد ذاته ومنعزل عن علم المعاني وان العلاقة بينهما علاقة آلية خارجية عارضة مؤقتة مما ادى الى دراسة هذين العلمين المتلاحمين او هذا العلم الواحد بجانبيه بالطريقة الكلاسيكية القديمة.
ثانيا: نظرية انصهار او ذوبان الفكر باللغة التي يعتبر ووتسن (1878-1958) عالم النفس الامريكي اول من صاغها في علم النفس بشكلها الحديث.. وملخصها انتفاء وجود فكر مستقل قائم في حد ذاته بمعزل عن اللغة، أي ان الفكر لغة صامتة يتحدث بها المرء مع نفسه او لغة خفية خالية من الصوت. ولا يرث الفرد عند الولادة شيئا اخر سوى امكانات لغوية فسلجية تتعلق بجهاز الصوت تعينه على التحدث باللغة مع الاخرين بصوت جهوري وعن طريق الهمس وعلى التحدث مع نفسه بلغة خفية، فإذا تحدث المرء مع نفسه همسا دعونا ذلك التحدث فكرا.
يمر الطفل على ما يقول اصحاب هذه النظرية في مجرى نموه اللغوي بثلاث مراحل هي:
أ-مرحلة الكلام الجهوري الموجه نحو الاخرين او اللغة التي يستمر على استعمالها طوال حياته تحدثا وكتابة وقراءة.
ب-مرحلة الهمس القصيرة الامد التي يضطر فيها الطفل احيانا الى ان يهمس في احدى اذني غيره عندما يريد التعبير عن نفسه. والهمس هو الوجه الاخر من وجهي الكلام الموجه الى الاخرين.
جـ- مرحلة الكلام الخفي الذي يوجهه الطفل الى نفسه في فترة من فترات نموه او مرحلة التحدث مع النفس بلغة صامتة وهي مرحلة نشوء الفكر.
تلك هي ملامح نظرية ذوبان الفكر في اللغة.. وقد ثبت ان حملتها لا يضعون قضية الصلة بين اللغة والفكر في نصابها الصحيح. ويعود سبب ذلك في الاساس الى انهم افترضوا دون وجه حق ان الكلام الخفي او الحديث مع النفس الذي يبدأ عند الطفل في مرحلة متأخرة نسبيا من مراحل نموه ينشأ بصورة اوتوماتيكية في اعقاب تضاؤل تدريجي ينتاب ظاهرة الهمس التي يتحدث بها الطفل مع غيره في مرحلة نموه السابق لا سيما في السنة الثالثة من عمره في حين ان الهمس في اذن شخص اخر عند التحدث اليه هو احدى وسائل تعبير الطفل عن نفسه كما ان كلامه الجهوري ايضا الذي يسبق ذلك الهمس هما من حيث الجوهر عملية لغوية واحدة وان الاختلافات الموجودة بينهما طفيفة لا تتعدى اسلوب التعبير نفسه، والطفل يلجأ الى اسلوب الهمس في السنة الثالثة من عمره مثلا تحت ضغط الظروف الاجتماعية فيضطر الى ان يوطئ صوته او يهمس لانه يجد صعوبة كبيرة احيانا في التعبير الصريح الذي يحتاج الى جهد كبير يتعذر عليه القيام به في بعض المناسبات، والهمس على ما يبدو هو حلقة انتقالية وسطى بين الكلام الصريح الجهوري الموجه الى الاخرين وبين الكلام الخفي الذي يوجهه المرء الى نفسه.
يبدأ الطفل في اول الامر بالاتصال بالراشدين المحيطين به بكلمة واحدة تتضمن معنى جملة بكاملها ينقلها اليهم ذلك لان فكره ما زال بدائيا بسيطا غير متبلور تكفي الكلمة الواحدة للتعبير عنه. ثم تتطور اللغة عنده مع نموه فيستعمل جملة قصيرة ذات كلمتين فثلاث وهكذا صعدا من الجمل البسيطة الى المعقدة حتى ينتهي به الحال الى استعمال الكلام المتسلسل المترابط المؤلف من عدة جمل، أي انه بعبارة اخرى يسير من الجزء الى الكل. وهذا دليل على تطور الفكر عنده اضافة بالطبع الى تطور لغته وزيادة ثروته الكلامية، وينعكس الترتيب بالنسبة للمعنى لان كلمة الطفل في بادئ الامر تنطوي على معنى جملة بحذافيرها، أي انه هنا يسير من الكل الى الجزء. معنى هذا ان الجانب التعبيري عند الطفل وجانب المعنى يتطوران باتجاهين متعارضين.. يبدأ احدهما بالكل وينتهي بالجزء او بالفرد وينتهي بالجمع، ويسير الثاني بالاتجاه المعاكس، فلا بد اذاً من التمييز بين الجانب اللفظي التعبيري للغة الطفل وبين الجانب المختص بالمعنى، وهذا تفنيد واضح لنظرية انصهار الفكر في اللغة، غير ان هذا التمييز يجب الا يفسر بأنه يعني الانعزال التام بين اللغة والفكر كما ظن اصحاب النظرية الاولى.
لا شك في ان حديث المرء صامتا مع نفسه ينشأ عبر الكلام الجهوري الموجه الى الاخرين، أي انه ليس الكلام السابق ينقصه الصوت كما يزعم اصحاب هذه النظرية، بل هو كلام من نوع جديد له خواصه النوعية التي ينفرد بها مع احتفاظه بجوهر الكلام المتداول بين الناس من ناحية ارتباط الاصوات او الرموز المكتوبة بالفكر، غير انه يتميز عن الكلام الجهوري الذي يتقمص الفكر فيه الاصوات او الرموز المكتوبة ليعبر عن نفسه في ان الاصوات في الكلام الخفي تتلاشى او تزول عندما تؤدي الى نشوء الفكر، أي ان الكلام الخفي او كلام المرء مع نفسه هو في الاساس فكر عبر المعاني الصرفة الخالية من الاصوات اللغوية.
يتطور الكلام الخفي عبر تجمع تغيرات تركيبية ووظيفية تحدث بشكل متدرج. وهو متفرع في الاصل كما ذكرنا من الكلام الجهوري الموجه الى الاخرين. ويحدث معه جنبا الى جنب مع احتفاظه بميزات الكلام الخاصة عموما. ويصبح بدوره اساس الفكر عند الطفل. أي ان كلام المرء مع نفسه موجه الى الذات بدل الموضوع او الى النفس بدل الاخرين.
يتضح اذا ان العلاقة بين الفكر واللغة تفقد وجودها ناهيك عن اهميتها لدى اصحاب هذه النظرية لان الفكر اذا كان لغة صامتة فلا يبقى أي وجود لعلاقته باللغة، اما عند اصحاب نظرية العزل فان العلاقة بين الفكر واللغة تصبح آلية ميكانيكية كما بينا على غرار علاقة الاناء بالسائل الذي يملأه.
فأصحاب نظرية العزل يجردون الفكر من جميع ارتباطاته الحسية المادية باللغة وينظرون الى كل منهما بمعزل تام عن رفيقه. ولكنهم يضطرون تحت الرابطة التي يلاحظونها بينهما بالفعل الى تفسير هذه الرابطة تفسيرا اليا كما ذكرنا باعتبارها صلة عارضة الية تحصل بين شيئين مختلفين تمام الاختلاف في الطبيعة والوظيفة، غير ان النظريتين معا تستندان برغم تعارضهما الواضح الى افتراض مشترك لا تاريخي يأخذ منطلقه من اللغة والفكر في وضعهما الراهن عند الانسان الحديث دون اهتمام بمجرى تطورهما عبر العصور من حيث النشوء والارتقاء.
ثالثا: نظرية استقلال الفكر عن اللغة استقلالا نسبيا مع تلاحمه العضوي بها، والاثر المتبادل بينهما ويمثلها فايكوتيزكي (1896-1934) عالم النفس السوفييتي وجون ديوى (1859-1952) الفيلسوف الامريكي وفحواها: ان اللغة وان كانت غير الفكر من حيث طبيعتها ووظيفتها من ناحية نشوئها التاريخي الا انها مع ذلك ملتحمة به التحاما عضويا غير قابل للعزل في مجرى تطور النوع الانساني وضمن حدود تطور الفرد من المهد الى اللحد. ومع ان هذا الالتحام او الاندماج ليس بذي جذور فسلجية فطرية في الاصل الا ان جذوره تاريخية نشوئية على الصعيدين الفردي والنوعي على حد سواء. فاللغة والفكر جانبان مشتركان ملتحمان ومتكاملان وان كانا متميزين في عملية واحدة او كيان متماسك موحد.
يعبر الفكر عن ظواهر البيئة المحيطة على هيئة صور ذهنية او انطباعات فكرية تحمل المعرفة في شتى فروعها.. معنى هذا ان الفكر يرتبط بالبيئة المحيطة الطبيعية والاجتماعية ارتباطا مباشرا: أي انه يصور الظواهر البيئية او يسجلها مع ارتباطاتها الفعلية الموضوعية، وقوانينها على صفحة المخ ويساعد الانسان على فهمها والسيطرة عليها. اما اللغة فهي في الاساس وسيلة تجسيد الفكر ذاته ونقله وتداوله بين الناس في التحدث والكتابة. ولهذا فانها ترتبط بالبيئة ارتباطا غير مباشر وذلك عن طريق الفكر: أي ان اللغة تعين الانسان على تجسيد فكره او بلورته وصوغه وتداوله.. ولولاها لاستحال ذلك، والفكر بدوره يعين اللغة على الدقة ويثريها بالمصطلحات وهكذا دواليك.
يعبر معنى الكلمة عن رابطة التلاحم العضوي بين الفكر والرموز التي تشير اليه تلفظا وبالكتابة لان المعنى ظاهرة لغوية وفكرية في ان واحد.. فالصوت المنطوق به دون معنى هو صوت أجوف مبهم او أعجم لا يدخل في حيز اللغة. وكذا الحال في الرمز المكتوب، فالمعنى من هذه الزاوية ظاهرة لغوية تعبيرية لانه يعبر عن الصورة الذهنية على هيئة تجريد وتعميم تحملهما الاصوات والرموز المكتوبة.. فهو من هذه الناحية عملية فكرية دون منازع.. وهذا يدل على ان معنى الصوت والاشارة المكتوبة ظاهرة فكرية اذاً نظرنا الى الكلمة من ناحية كونها اداة التعبير تحدثا وبالكتابة التي تحمل ذلك المعنى الذي لولاه لما اعتبر ذلك الصوت وتلك الاشارة المكتوبة ضمن حدود اللغة. اما الكلمة من حيث هي رسم مكتوب او صوت منطوق به فهي ظاهرة لغوية اذا نظرنا اليها من حيث كونها الاداة الاجتماعية التي تحمل الفكر وتجسده وتوضحه وتنقله بين الناس. فالكلمة اذا كيان واحد متماسك فكري وأداة في الوقت نفسه تعبر عن الفكر على هيئة صوت ورمز مكتوب، وهذا هو جوهر اللغة واصغر وحدة في بنائها، أي ان الكلمة بالتعبير الكيمياوي جزيء (
Moleccles) اللغة وهي كجزيء الماء الذي هو اصغر وحدة متماسكة فيه مؤلفة من الهيدروجين والاوكسجين وكالخلية في حالة النبات والحيوان (مؤلفة من النواة السايتوبلازم بالدرجة الاولى) وكالذرة بالنسبة للجماد (مؤلفة من الجزيئات (particles) والكلمة تجريد وتعميم من حيث معناها، أي ان المعنى جزء لا يتجزأ من الكلمة. والمعنى فكر في الوقت نفسه.
فالكلمة فكر ملتحم بصوت يشير اليه ورمز مكتوب يدل عليه. وان الاتصال الفكري الحقيقي الذي يحدث بين الناس يستلزم المعنى التام كما يستلزم الاصوات والرموز المدونة التي تجسده وهذا الذي تفتقر اليه الحيوانات لانها تنقل الى بعضها الاصوات البدائية المبهمة، والحركات الجسمية التي تعبر عن حالاتها الانفعالية، فالطائر الذي يخفق بجناحيه اثناء الذعر ويصيح لا يقوم بنقل المعرفة الى زملائه بل هو يعبر عن مخاوفة، كما ان العلاقة بين الفكر واللغة تنتفي ايضا عند كثير من الفنانين والشعراء لاستعمالها أداة للتعبير عن مشاعرهم بصرف النظر عن صدقها او كذبها.
يتضح هذا عند كبار الشعراء العرب على هيئة مسخ للحقائق لغرض المبالغة في المدح او القدح، ولا بد من التنبيه هنا الى ان قولنا هذا ينبغي الا يفسر بأنه يغض من منزلة الشعر او مكانته في حياة الانسان او انه يجعل دراسته ثانوية الاهمية بالنسبة للعلوم الطبيعية التي تقع وإياه على طرفي نقيض، ذلك لان جميع فروع المعرفة الانسانية ابتداء من الشعر والفنون الرفيعة الاخرى صعدا الى الرياضيات عبر العلوم الاجتماعية والطبيعية اطراف متكاملة في ثقافة انسانية مشتركة، عندئذ لا ينعزل الشعر الذي هو سجل المشاعر الانسانية عن العلوم الطبيعية التي هي اساس الحضارة المادية الحديثة بل يتمم كل منهما صاحبه.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة