مواقف

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

جيل كارول تستعيد ذكرى اختطافها في بغداد _ الحلقة الاخيرة
 

ترجمة: المدى

عن:كريستيانسانيس مونيتر
الحرية
وتمضي جيل كارول في سرد الأحداث:
سارت هاجر وهي (تحجل) وبيدها جزء من القرآن. كانت متوجهة نحو ماكينة الخياطة، حيث جذبت انتباهها قطعة من الحلوى ملفوفة بورق زاهي اللون. أمسكت بالحلوى ثم أرتني كنزها. كانت لم تتجاوز العامين من عمرها، صغيرة الحجم جداً بحيث أن أعيننا كانت في مستوى واحد وأنا مرتعبة على الأرض، في منزل غرب الفلوجة. وكان قد مضى على وجودي هناك نحو أسبوعين وشهر آذار قارب على الانتهاء.
قلت بإعجاب: "ما هذا؟ ما هذا؟ أوه.. واو.." كنت ألعب مع هاجر، وتلك متعتي في تلك الأيام، على الرغم من أن ملابسها غالباً ما تكون مبقعة باللبن أو بأنواع أخرى من الأطعمة. وأحياناً، كانت تدق باب غرفتي كي أسمح لها بالدخول. هاجر، صديقتي الوحيدة والشخص الوحيد في منزل المجاهدين غير المسؤولة عن احتجازي.
وفي ذلك الوقت وبينما قطعة الحلوى تتوهج في يدها، فتح الباب فجأة، تطلعت متوقعة رؤية والد هاجر أو والدتها قادمين يحملان الشاي أو الطعام، كما هو معتاد، ولكني بدلاً عن ذلك، لمحت أبو نور، وهو يدخل. وكالعادة فإن قائد المجاهدين قد جاء من اللامكان، مثل طيف أو شبح. خفضت عيني نحو الأرض، خوفاً من أن يشعر بأنني أعرف الكثير عن ملامح وجهه.
قفزت هاجر إلى حضني واخفت وجهها في قماش القطيفة لدشداشتي، خائفة من الغريب.
قلت في نفسي: "أنا أعرف بماذا تشعرين أيتها الطفلة". وانا اداعب شعرها الجميل وظهرها الصغير الساكن بلا حراك.
ماذا يريد صاحب العينين الحبريين. لم أكن رأيته منذ ثلاثة أسابيع، وكان قد وعدني بإطلاق سراحي في غضون ثلاثة أيام - كان وعداً بلا قيمة كالوعود السابقة التي أكدها لي من قبل من أنني سأنال حريتي.
كنت بدأت لا أؤمن بالوعود، من أجل حماية نفسي من الكدر الشديد لما يدعى، الأمل.
اعتدت في تلك الأيام التعلق بأية كلمة يقولها أبو نور، محللة أياها لأيام بعدئذ للتوصل إلى أية علامة تشير إلى مصيري. والآن وبعد ثلاثة أشهر على احتجازي، لم تعد لدي الطاقة الذهنية التي تسمح بذلك. بدلاً عن ذلك، حاولت قدر الإمكان تقليص الألم والحصول على أيام طيبة. دقائق من اللعب مع طفلة أو مساعدة المرأة في المطبخ كان هدفاً مطلوباً. أما رؤية أفراد عائلتي ثانية، فكان حلماً بعيداً غير قابل للتحقيق.
داعبت شعر هاجر، نصف مصغية لأبي نور. كنت أريد فقط ذهابه، كي نلعب ونستمر في ألعابنا.
وقال أبو نور: "حسناً، اليوم هو الاثنين وغداً الثلاثاء، إذن، قد نطلق سراحك في غضون ثلاثة أيام".
ثم أضاف: "قبل إطلاق سراحك بأربع وعشرين ساعة سأعود لنتحدث حول المجاهدين، حديثاً أخيراً".
كنت قد سمعت ذلك مليون مرة.
وقلت: "حسناً، شكراً أيها السيد" محاولة الابتسام وهو يغادر الغرفة. وفكرت مع نفسي، "حسناً، جيل، لا تستمعي إليه. لا تصعدي أحلامك وآمالك، جيل لا تفعلي ذلك".
وكانت نظريتي كالتالي: لقد قلقوا بسبب تدهور حالتي الذهنية، ومنذ، مناوشاتي، مع الأخوة المجاهدين، أبي كرار وأبي حسن، اعتقد المجاهدين اني هشة، سهلة الانكسار. وأبو نور قد جاء ليضخ جرعة من أمل يمنعني من فعل عنيف.
كنا في أواخر شهر آذار، تذكرت أن عيد ميلاد والدي هو السادس من أيار، "إن سمحوا بإطلاق سراحي، سيكون ذلك مناسباً، ذلك كل ما اريده حقاً".
غدا، سنطلق سراحك
جاء أبو نور، يوم الاثنين، الثلاثاء كان يوماً حسناً: لعبت مع هاجر. ثم جاء الأربعاء، ولا أدري كيف، ولكني فقدت أعصابي. بكيت طوال اليوم بصمت كي لا يسمعوني. كنت متعبة جداً، منهكة تماماً. كنت أخدع نفسي بقولي أن بعض الأيام كانت سعيدة. فقد مضت ثلاثة أشهر، وأنا ابتعد وابتعد عن عائلتي، عن حياتي. كفى. صرخت لنفسي "اطلقوا سراحي، اطلقوا سراحي".
في تلك الليلة، جلست في غرفتي قلقة في العتمة، وسمعت صوت أبو نور.
أخذوني إلى غرفة المعيشة بعد العشاء. وكالمعتاد، شممت رائحة، الكولونيا المتميزة قبل رؤيته. جلس أبو نور متربعاً على الأرض، رأسه منخفض نحو الأرض.
كان قد أخبرني أنه قبل 24 ساعة من إطلاق سراحي سيتحدث معي.
وقال لي: "غداً سنطلق سراحك. سنأخذك بالسيارة إلى مقر الحزب الإسلامي العراقي، وستتصلين بصحيفتك وستكونين حرة".
لم أبد ردة فعل ما. ثم دعاني إلى تناول الشاي، وبعد ذلك جاء الطلب: "كنت في حاجة إلى فيلم - فيديو آخر". وكنت أريد أن أنسى الكثير مما حدثني عن نفسه وجماعته وأيضاً مما رأيته.
كان علي أن أنسى المجاهدين ومجلس المجاهدين الذي أدعى أنه يقوده: وأن أقول أن منظمتهم متوسط الحجم، لا هي كبيرة ولا هي صغيرة.
وقال لي: "لن تتحدثي عن النساء والأطفال، عليك أن تقولي، إنك كنت في غرفة واحدة طوال الوقت.. وإنك عوملت معاملة حسنة".
وكان علي إجراء مقابلة معه للمرة الأخيرة، وهو سيخبرني ما علي قوله للعالم. سلمني دفتر ملاحظات، لأكتب فيه كلماته. وقال: "كل شيء خارج الدفتر ممنوع".
أراد أبو نور، أن يصور - الفيديو - في تلك الليلة، ولكن انقطاع الكهرباء حال دون ذلك. ولذلك السبب صور الفيلم صباحاً. ولم أعرف حينئذ أنه سيبث على الهواء في خلال يوم واحد.
بعد التصوير، وضعوني في غرفتي، وفي الليلة السابقة، أخبرت من قبلهم أنهم سيعوضونني عن جهاز الكومبيوتر، الذي سيحتفظون به، وأنهم سيقدمون لي هدية.
كان أبو رشا، الرجل الضخم الذي يقود خلية للمجاهدين، والذي أمضيت أغلب أوقاتي معه، كان قد أخبرني يوماً، أنه عندما يتم إطلاق سراحي فإنهم سيقدمون لي هدية عبارة عن عقد ذهبي، كما فعلوا مرة مع جوليانا سيغرينا، وهي صحيفة إيطالية اختطفت في بغداد في أوائل عام 2005، واحتجزت لمدة شهر.
حتى هذا الوقت، لم أكن متحمسة. النقود والذهب، لم تكن بطاقتي للحرية. وفكرت لو إنهم أعطوني تلك الحاجيات حقاً، فإن النهاية آتية حتماً.
مع السلامة، وإلى الحزب الإسلامي العراقي
مع السلامة، قال أبو نور، غمغمت ببضع كلمات ثم انتظرت وانتظرت. وأخيراً، جاءت المرأة من الدار مسرعة مع ملابس جديدة لي لارتدائها. الحذاء كان غير ملائم لقدمي، ولذلك أعطتني المرأة (صندلها) بالكعب المرتفع ووجدته ملائماً لي تماماً.
أخذوني بسرعة إلى سيارة تنتظر في الخارج، لكني مع ذلك لم أمنح الذهب، ولا النقود أيضاً. بدأ الخوف يتسلل إلي.
أبو رشا، كان جالساً في المقعد الخلفي إلى جواري، وكنت محجبة بثلاث ايشاربات سود، وقال لي:
"جيل، لقد طلبنا من الأمريكيين إطلاق سراح النسوة في أبو غريب ولم يطلقوا حتى واحدة. بدا صوته، اعتيادياً، خفيضاً وبطيئاً، لكنه آنذاك كان عالياً.
قلت: "أوه، منسحبة، منطوية على نفسي في العتمة والحر، مختنقة الأنفاس.
وقال: "ثم طلبنا من الحكومة مالاً، ولم يعطونا شيئاً".
قلت: "أجل.. أعرف ذلك".
وقال مهتاجاً: "والآن سنقوم بقتلك".
ظننت إنهم سيفعلون ذلك. تخيلت البندقية، كل ما قالوا لي كذب. علمت بأني لن أكون خائفة. كان علي أن أجعلهم أناساً طيبين وإنهم لم يقدروا على قتلي.
انتزعت ضحكة وقلت: "لا، أبو رشا، انت أخي، وإنك لن تفعل ذلك" محاولة قدر الإمكان إخفاء اليأس عن نبرات صوتي.
ضحك أبو رشا، ضحكة أكثر إقناعاً مني.
وقال لي: "لا، لن نقتلك، نحن ذاهبون لتسليمك إلى الحزب الإسلامي".
تخلخلت قواي، متعبة، متجمدة، منهكة، لم أعرف ما الذي يجري فيما حولي، لم استطع التفكير أو تحليل الأمر. لم يتبق لي شيء.
وسارت السيارة وسارت وسارت. ظلوا يتصلون بالهواتف النقالة مع السيارة التي كانت أمامنا، للتأكد من خلو الطريق. وأخيراً أخبرني أبو رشا، أن أرفع حجابي وأن احتفظ بعيني منخفضتين تحت ثم بدأ بوضع أوراق 100 دولار، في يدي، عوضاً عن جهازي الكومبيوتر. تسلمت 400 دولار، ثم 400 دولار أخرى عوضاً عن ما تسبب لي. ثم قال:
"أوه.. نعم.. جلبنا لك هذه"، ووضع صندوقاً أمام مرأى عيني، فتحه وأخرج سلسلة ذهبية تتدلى منها قطعة من ذهب.
النقود. الذهب. ربما أنهم جادون في إطلاق سراحي. ثم تغيرت السيارات. أصبحت في المقعد الأمامي، وابو رشا يقود السيارة. وبدأ يتحدث بصوت غاضب، لم اسمعه منه من قبل. وأخذ يسب ويشتم بالإنكليزية الجنود الأمريكيين. وتحدث بقسوة كثيراً عن الاحتلال والحرب وسجن أبو غريب. وأكدت له، إن لن أعلم العسكرية الأمريكية أو الحكومة الأمريكية بإطلاق سراحي، وكنت أعني ذلك، وإنني سأتصل فقط بصحيفتي وأطلب منهم اقتيادي إلى المطار. لقد أمضيت ثلاثة اشهر، أحاول خلالها جهدي إقناع المختطفين بأني لست عميلة (سي. آي. أي) ولو إني ذهبت بعد إطلاق سراحي لطلب المساعدة من المسؤولين الأمريكيين فإن المجاهدين سيعتقدون أني جاسوسة حقاً.
وكنت خائفة مما سيفعلون. فالمجاهدون حاولوا في خلال الأشهر الثلاثة وبكل الطرق نقل رسالة لي تقول: إنهم عالمون بكل شيء، موجودون في كل مكان، قادرون على كل شيء. لا وسيلة للهرب منهم حتى في المنطقة الخضراء، وربما حتى في الولايات المتحدة الأمريكية.
كان أبو نور قد أخبرني مرة أن لديهم أعيناً في كل مكان وأنهم سيراقبونني بعد إطلاق سراحي. وكثيراً ما تخيلت سيارة مفخخة تصطدم بسيارة همفي العسكرية التي ستقلني. وبعد قليل أوقف، أبو رشا السيارة، أعطاني ورقة مكتوباً عليها بالعربية اسمي وشخصيتي وطلب مني الخروج، رفع حجابي والسير بضعة أمتار نحو الخلف.
انفتح باب السيارة، وكان أبو كرار، أحد الحراس المجاهدين الذي ظهر من اللامكان. ناولني الهدايا وحقيبة كبيرة مليئة بكل الملابس التي ارتديتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة. وهكذا فإن مختطفي المفضل كان آخر من شاهدت.
قلت: "حسناً، أبو كرار، حسناً، مع السلامة، مع السلامة، مع السلامة". ثم تحركت. أسير مرتدية، صندل، زوجة أحد المتمردين، اتعثر بما أحمل، وحواشي الإيشارات على وجهي، رهينة سابقة، تحمل حقيبة، تعود إلى العالم.
وجدت مكتب الحزب الإسلامي العراقي وسلمت الرجل الجالس خلف منضدة الورقة. كنت مذعورة أرتجف خوفاً. كل ما أردته هو استعمال الهاتف، وغمغمت بالعربية ذلك. بدلاً من أن يجيبني الرجل، فإنه هرع لإعلام مدير مكتب الفرع الإسلامي. وقال المدير: "هي ذات الصحفية!" وهو يقرأ الورقة. وماذا سيفعلون الآن. أحسست أني ضعيفة، ضائعة. كل ما أعلمه، أني كنت اريد الاتصال بالفندق الذي كنت فيه.
تسارعت الأمور فيما بعد. حاولوا أخذي إلى سيارة بيضاء تقودني إلى مقر الحزب الإسلامي العراقي، ولكني قاومت، كنت اريد الذهاب إلى الفندق. طلبت ثانية استخدام الهاتف، ولكنهم أعلموني بأن جهازي الهاتف عاطلان.
عند ذاك، برز هاتف خلوي مع نداء لي. كان المتحدث، طارق الهاشمي، قائد الحزب الإسلامي العراقي، الذي أصبح فيما بعد، نائباً للرئيس في الحكومة الجديدة. طلبت من السيد الهاشمي الاتصال بالفندق، وإن لم يجد أحداً من الصحيفة، المونيتور، فعليه الاتصال بمكتب الواشنطن بوست والطلب منهم المجيء لأخذي. وأجابني بأنه سيفعل ذلك وسيتصل أيضاً بالسفارة الأمريكية - الححت عليه ألا يفعل، ولكنه أصر على الأمر. ثم جاءت سيارات نيسان بيضاء وأخرى ناقلات، ذات أنوار ساطعة، ورجال مسلحون ملأوا مدخل المبنى والشوارع المحيطة به. أخذني المسؤولون عن الحزب إلى الطابق الأسفل، ثم إلى سيارة فاخرة، ضد الرصاص، بمقاعد جلدية أصيلة. وعلمت أنها تابعة لحرس الهاشمي.
الجو المزدحم بالأنوار والبنادق أخافني.
أردت أن أصيح، "لا أريد عمل هذا" ونحن نتحرك بعيداً. الأمور كانت تسير بشكل خاطئ. سيراني المجاهدون. سيقتلوننا. سيعتقدون أني كذبت عليهم، وأنني لم اتصل بزملائي كي يأتوا لأخذي. جلست منحنية في السيارة، مختفية تحت حافة النافذة.
وقال رجل كان جالساً بجواري ضاحكاً: "لماذا تفعلين هذا؟" وقلت: "لا أريدهم أن يروني". لا أدري إن فهم مغزى قولي. كنت أريد أن أصرخ بأن يدعوني حرة، التوقف، أن تبتعد السيارات ذات الأنوار الساطعة المتذبذبة. قطعنا شوارع بغداد، سيارة كبيرة، ذات صوت صاعق، وبنادق مصوبة في كل اتجاه. كنت خائفة من أن أي سيارة اعتيادية نجتازها، كانت مفخخة أرسلت من قبل المجاهدين لقتلي لأني لم التزم بتعهداتي لهم.
وقلت بالعربية لسائق السيارة، "كن حذراً من السيارات المفخخة، كن حذراً" تحسست موضع القفل والذراع التي تفتح الباب، كي أكون مستعدة إن احترقت السيارة فجأة واحتجت إلى الخروج منها. كان الحراس مسرورين، وطلبوا مني ألا أقلق.
وبالنسبة لي، فإن إطلاق سراحي هو من أسوأ ذكريات فترة بقائي رهينة، لا أعرف السبب في ذلك. انهار كياني فجأة. لم يكن هناك أحد ما ليخبرني ما افعل.
لقد تحرر جسدي، ولكن ذلك لم يشمل عقلي، كان هناك شرط أن أكون في المكان الذي يريده المحيطون بي. لم تكن لي أفكار معينة، لا إرادة أيضاً. لم أعرف كيف أتخذ القرارات. كان مقر الحزب الإسلامي العراقي بمثابة لطخة. لقد أرادوا تصوير فيلم - فيديو عني، وأرادوا مني أن اكتب رسالة شكر وتسجيلاً صوتياً، وذلك لعدم اتهامهم من قبل أحد بأنهم قاموا باختطافي، كما أكدوا لي ذلك. فيلم - فيديو بث عالمياً. صديقان مقربان لي ظهرا فجأة وأحدهما، إيلين نيكماير، رئيس مكتب الواشنطن بوست في العراق. أحدهم ناولني هاتفاً، اتصلت بشقيقتي التوأم، كاثي.
صدر فيلم - الفيديو للمكتب الإسلامي. كنت أخرت تصويره بسبب حرصي على الاتصال بأفراد أسرتي. علمت أن سكوت بيترسون، كان لا يزال في بغداد. وكان في مكتب سي أن أن حيث كان يعد مجموعة من أفلام - الفيديو، عني.
كنت لا أزال أتحدث مع سكوت، عند وصول القوات الأمريكية. كنت أخاف الجنود. "ما الذي أفعله يا سكوت؟ فقال لي: إنهم إن كانوا هناك، فإن تلك الوسيلة الوحيدة لضمان سلامتي. أمسكت بيد زميلي سكوت ونحن ننزل السلم.
جلسنا في عربة مسلحة. وكنت لا أزال أمسك بحقيبة حاجياتي الكبيرة. تصورت أن المجاهدين يراقبون المكان. كانوا يراقبون كل شيء.
بدأت السيارة بالتحرك. بدأت اشعر بالأمان والراحة.
أحد الجنود أخرج صورة لي كان يحملها معه وأعطاها لي قائلاً: "لم أعد بحاجة إليها بعد الآن".
آخر سحب علماً وقدمه لي. ثالث جالس بجواري قال: لقد بحثنا عنك طويلاً.
كيف يعلم هؤلاء الرجال من أكون. لا افهم لماذا يحملون صورتي. لم تكن لدي فكرة عن التغطية الكبيرة الواسعة التي تمت حول اختطافي.
جلست وتحدثت مع إيلين، قالت بعد قليل: "بإمكانك خلع الحجاب الآن".
قلت: "لا، لا".
انتظرت دقيقة، وقلت بعدها: "حسناً، في الواقع، اعتقد أنه بإمكاني".


حكمة التراجع  .. ثلاث عـِـبـَـر على الولايات المتحدة تعلُّمها من الأزمة اللبنانية
 

ترجمة :المدى
عن: الواشنطن بوست

بدت دبلوماسية ادارة بوش حول لبنان مثل مشهد سينمائي طويل، حتى قبل محاولة وقف ناقوس القتل قبل ايام، والهدف كما يفسره مسؤولو الادارة ضمان وقف لإطلاق النار ينزع التهديد الذي يشكله حزب الله على اسرائيل، غير ان وظيفة حزب الله الرئيسة هي تهديد اسرائيل، ومن غير المحتمل ان يتخلى حزب الله عن سبب وجوده في سير المفاوضات، اما حافظو السلام الدوليون الموعودون فسيقع عليهم ضغط شديد لاحتواء مقاتلي حزب اثبت قدرته على مقاومة اسرائيل.

فاذا فشلت دبلوماسية ادارة بوش فأنها ستواجه مأزقاً تتجنبه الآن، الا وهو فيما اذا كانت تدعم وقفاً غير محدد لإطلاق النار يتجاوز تعليق الضربات الجوية لـ 24 ساعة تم اعلانه قبل ايام ولكنه لا يـُـحيّـد حزب الله، ولدعم نتيجة كهذه سيتوجب التراجع علناً، مما سوف يشجع اطرافا اخرى مثل ايران على تحدي الغرب بخصوص برنامجها النووي، ومع ذلك فأن رفض دعم وقف ناقص لإطلاق النار سيكون خطأ ً اكبر، حيث انه سيقتضي ضمناً التغاضي عن ثلاث عـِـبـَـر تنبثق من سجل الادارة نفسها.
العبرة الاولى هي ان الحلفاء يشكلون اهمية بالفعل وكذلك هو الرأي العام الذي يخلق، او يفشل في خلق، مناخ سياسي تشعر فيه الحكومات بقدرتها على العمل مع الولايات المتحدة، وقد أشارت ادارة بوش من حين لآخر في الماضي الى هذه الحقيقة، معتقدة ً اعتقاداً صحيحاً بأن فعل الامر الصحيح يمكن ان يشكل اهمية أكثر مما هو فعل الامر الشائع، بيد أنها تعلمت، ببطء وبمشقة، أن فعل الامر الصحيح يصبح مستحيلاً اذا أصبحت عدم شعبيتك سامة ً، ولتوجيه أي تحد كبير لسياسة خارجية، من ايران الى كوريا الشمالية الى دارفور، فأنك تحتاج الى عون دولي.
وفي مساندة قصف لبنان بالقنابل تبدو الادارة انها تنسى هذه العبرة، فقد احتضنت عملية عسكرية تـُـظهـِـر صور المدنيين الملطخين بالدماء على شاشات التلفزة العالمية، مما يضر بصورة الولايات المتحدة ويوقع الفوضى في السياسات الامريكية الحيوية، فحلفاء أمريكا في المنطقة، مثل السعودية ومصر والاردن ، قد تحولوا من انتقاد حزب الله الى انتقاد الانتقام الذي تؤيده الولايات المتحدة، اما اعداء امريكا فينتهزون الفرصة لنصر تسجله الدعاية، اذ اطلقت القاعدة شريط فيديو جديدا مـُـنجـَـزا بوجود ستارة مسرح خلفية جديدة من النوعية الموجودة في الاستوديوهات، اما الصين فقد لمَّـحت الى ان احباط الولايات المتحدة لإصدار قرار ضد اسرائيل الاسبوع المنصرم في الامم المتحدة سيبرر المقاومة الصينية لإجراء الامم المتحدة ضد خطة ايران النووية.
اما العبرة الثانية فهي انه، مجرد بسبب اقامة الدبلوماسيين الاوربيين في أرض الخيال الجامح لا يستتبع ان يكون المعارضون للسياسة الاوربية قويمين، وقد تم تجاهل هذه الحقيقة في الفترة السابقة لحرب العراق عندما دعا الفرنسيون والآخرون الى احتواء سياسي لصدام حسين على الرغم من أنهم أنفسهم كانوا قد قوضوا أساس خيار العقوبات، وهذا الرياء الباعث على الغيظ وعدم جدواه الجليّـة في التعامل مع وكالات الاستخبارات الغربية المـُـعتقـَـد أنها حقيقية، سمحت للسياسة البديلة التي تقدمها ادارة بوش بالافلات من التدقيق، وأنفق المسؤولون الامريكيون وقتهم في تفسير عدم كون الخيار الفرنسي عملياً
وهي مسألة من السهل القيام بها، غير أنهم لم يـُـجبـَـروا على الاجابة على ما يكفي من الاسئلة عما اذا كانت الاستخبارات عن برنامج الاسلحة العراقية حقيقية او اذا كانوا متأهبين لتحديات اعادة الاعمار الديمقراطية.
ويكمن الخطر الآن في ان سياسة الادارة الخاصة بلبنان ستأخذ نفس المنحى السهل، وتقول بعض الحكومات الاوربية انه ينبغي ان يتم نشر قوات حفظ السلام الدولية فقط بوجود اتفاقية مع حزب الله وعليها ان لا تقوم حتى بمحاولة نزع سلاح المليشيا ضد ارادتها، ولكننا بالفعل لدينا هذا النوع المهذب من قوة حفظ السلام في لبنان وقد وقفت موقف المتفرج بدون جدوى فيما كان حزب الله يكدس أحمال شاحنات من الصواريخ، ومرة اخرى قد يعطي عجز اوربا لمسؤولي الادارة جواز مرور، انه الهاء عن الاسئلة الصعبة عن الحكمة من سياسة الولايات المتحدة الا وهي الدعم اللا محدود للهجوم الاسرائيلي.
وهذا يصل بنا الى العبرة الثالثة الخاصة بالسياسة الخارجية، وهي ان بدء الحروب أسهل بكثير من الانتصار فيها، وليس العراق فقط هو الذي يعطي مثلاً لذلك، بل انظر فقط الى افغانستان حيث يواصل الطالبان القتال، غير ان ادارة بوش، بعد ان تعلمت بشكل واضح التشكك في الخيارات العسكرية منذ وقوع الوضع المعقد في العراق، قد مالت الى الوراء بأتجاه سرعة تصديق الامر عندما جاء من لبنان.
ومن الصعب رؤية كيف يستطيع الجنود الاسرائيليون من النجاح في القضاء على حزب الله، بافتراض ان الحرب تبدأ بأن تصبح أفضل وأنهم يقاتلون من قرية الى قرية الى ان يدمروا البنية التحتية للمليشيا، ولكن ماذا يعقب ذلك؟ سيغادر الاسرائيليون، مفسحين المجال للسكان الشيعة المؤيدين لحزب الله للمطالبة باسترداد أرضهم - .
وفي العراق فقط تساند الولايات المتحدة حرباً ممكنا الدفاع عنها في مفهومها. نعم لقد كان حزب الله هو الذي أثار هذه المعركة، ونعم ان تدمير هذه المليشيا التي هي عبارة عن دولة داخل الدولة سيكون نعمة للامن الاسرائيلي، ونعم لا تعـِـد الخيارات الدبلوماسية للتعامل مع حزب الله بأي تقدم سريع، بيد أنه من المؤكد ان العراق يقدم العبرة بأن الحروب يجب أن تكون أكثر من حروب ممكن الدفاع عنها في مفهومها، بل تكون الحروب يمكن الدفاع عنها فقط اذا كانت حروباً دائرة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة