الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

الآثار السلبية لهيمنة الأدباء على الصحافة ودور وزارة الثقافة واتحاد الادباء في انقاذ الأدب والأدباء

عادل العامل

يمكنني تشبيه هيمنة الأدباء على الصحافة في العالم الثالث بظاهرة استيلاء العسكر على السلطة في بلدانه النامية. فكلاهما سيطرة على أمور ليست من اختصاص المسيطرين عليهما، وكلاهما ناجم عن حالة التخلف السائدة في هذه البلدان. وبقدر ما هما ناجمان عن حالة التخلف هذه، فإنهما يكرسانها لما يسببانه للمجال الذي هيمنا عليه وللوطن عموماً من خسائر وتعثر في سيرورة العمل والتقدم.

وقد برزت ظاهرة هيمنة الأدباء على العمل الصحفي في البلدان النامية، أو لنقل انجرارهم في الأول إلى هذا العمل بعد الاستقلال، بفعل ارتباطهم بحركات التحرر والاحزاب الوطنية والثورات والانقلابات العسكرية، ولكونهم النخبة المثقفة القادرة والجاهزة لتسيير الماكنة الاعلامية، ولقلة أو انعدام وجود العناصر الصحافية المحترفة المؤهلة لذلك. وهكذا تحول الادباء من وظائفهم وأعمالهم السابقة، أو أخذوا يتوجهون اصلاً، إلى الصحافة والوسائل الاعلامية الأخر، التي اصبحت تقليدياً المكان المفضل للأدباء باعتبارها وسيلة بأيديهم لنشر اعمالهم الابداعية وكمصدرٍ للرزق اكثر متعةً واقل عناءً من الوظائف الإدارية والتعليمية، اضافةً للاسباب الايديولوجية الآنفة الذكر.

وهكذا اصبح هؤلاء الادباء، بحكم الحاجة وليس الاختصاص، رؤساء وسكرتيري ومديري تحرير ومحررين ومراسلين وحتى مصممين ومصححين وموظفي علاقات عامة، وهم في الاصل شعراء وكتاب قصة وروائيون ونقاد لا علاقة لمواهبهم الابداعية الفكرية بالعمل الصحفي الذي يتطلب التأهيل الدراسي المهني والتمكن من فن كتابة المقالة الصحفية وصياغة الخبر واجراء التحقيق والمقابلة والتغطية الاعلامية وفقاً لأمورٍ كثيرة منها اهمية الموضوع وسياسة الصحيفة والاسلوب الممتع وخصائص الوضع المحلي ومستجدات الساحة الدولية وغيرها من مؤشرات العمل الصحفي.

فكانت النتيجة، ولا أقول جميعها بسبب الادباء وانما لأمور تتصل بذلك بشكل ما، ان هبط المستوى المهني والفني لصحافة هذه البلدان بوجه عام إلى درجة المهزلة، أو الاحباط، بتعبير آخر. والشواهد على ذلك كثيرة جداً ولا داعي للإطالة بذكرها هنا، لأنها معروفة للجميع.

ومثلما كان لهيمنة الأدباء على العمل الصحفي هذه الآثار السلبية على مستوى الصحافة واخلاقيات المهنة وتقاليدها العملية الرصينة، فقد تركت الصحافة، وكأنها تثأر لنفسها، آثارها السلبية، هي الأخرى، على غالبية الأدباء العاملين فيها من الناحية الإبداعية والتألق والمستوى الانتاجي المتميز. وكيف يكون هناك تألق وانتاج متميز والأدباء عموماً مستغرقون في العمل الصحفي الذي لم يترك لهم وقتاً كافياً للقراءة الجادة ومتابعة مستجدات المشهد الثقافي العالمي والتأمل.

والتسكع الاستكشافي ومعايشة الواقع الانساني اليومي وانتظار التجربة الابداعية حتى تنضج قبل الاسراع بتقديمها للنشر؟ وما هو الاديب اصلاً من دون هذه المكونات وغيرها من أسس الإبداع والتألق؟

أليس غريباً ان لا يشهد العراق منذ ستينيات القرن الماضي بروز شعراء وروائيين وكتاب قصة ونقاد بمستوى الجواهري والسياب والبياتي وعبد الملك نوري وغائب طعمة فرمان وذو النون ايوب وعلي جواد الطاهر وغيرهم من الاسماء اللامعة الآخر في سماء الادب العراقي؟!

وإذا قال قائل: نعم، هناك فلان وفلان.. فإني أقول له: ربما، لكنك ستجدهم من النزر اليسير جدا الذي نأى بموهبته بدرجةٍ ما عن استهلاك الصحافة لقدرات صاحبها الإبداعية، ولم يرق مع هذا بإبداعه إلى تلك المستويات الرفيعة من العطاء الأدبي.

فما الحل إذن، والظاهرة ستتفاقم بنشوء هذا الكم الكثيف من الصحف والمجلات والفضائيات والمراكز الاعلامية المتنوعة الأخر التي ستستهلك المزيد من الطاقات الادبية الابداعية وتهبط بالابداع، شعراً وقصة ورواية ونقداً بالتالي إلى مستويات أدنى فأدنى؟!

لا أرى من ناحيتي إلا ان تسارع وزارة الثقافة بالتعاون والتنسيق مع اتحاد الادباء والهيئة العليا للاعلام وكليات واقسام الصحافة والاعلام لوضع خطة وطنية ستراتيجية تهدف إلى توفير العناصر الصحافية والاعلامية بمختلف الاختصاصات والمؤهلة جيداً لتحل تدريجياً محل الادباء في مواقع العمل الصحفي من خلال اشتراط الحصول على شهادة تخرج في اختصاص الصحافة والاعلام للعمل في هذا المجال والزام اصحاب الصحف والوسائل الاعلامية الآخر قانونياً بتنفيذ ذلك. اما الأدباء، فيمكنهم الاستمرار في عملهم في الصحف والوسائل المذكورة، لكن كمستشارين فقط في مجالات اللغة والشعر والقصة والرواية والنقد بحكم القانون ايضاً، وتتولى وزارة الثقافة واتحاد الادباء والمؤسسات الثقافية الأخر امتصاص الزائد من الأدباء عن حاجة وسائل الاعلام عموماً أو يتدبرون هم انفسهم اختيار للعمل المناسب.

وهكذا سيبقى الادب والادباء ضحية للصحافة، مثلما ستبقى الصحافة ضحية للأدباء، إلى ان تستقيم الامور ويأخذ كل حقه من مجاله المهني أو الإبداعي. وعندها تكون النتيجة المستقبلية، بالتأكيد، صحافة حرفية محترمة بعيدة عن العشوائية والمزاجية والارتجال، وادباءً متفرغين لأنواعهم الابداعية على النحو الذي ينقذ الادب العراقي من حالة التردي السائدة الآن، والارتقاء به مجدداً إلى مسار التمييز والابداع.

 


عندما رسم فوزي كريم حسين مردان بقلم الرصاص

عواد ناصر

الشعراء، دائما، يعيدون تشكيل الكائنات والأشياء.

الكائنات والأشياء بأشكالها الراهنة لا تعجبهم. ثم أنهم أكثر من غيرهم عرضة للضجر، والأشكال الراهنة مضجرة، مدعاة للكآبة والسخرية.

لم يكتف أبولونيير بكتابة الرسائل الى أصدقائه وهو مختبئ في أحد خنادق الحرب،.. فرسم الرسائل على هيئة أشكال تشبه رسوم الأطفال ليبدد الضجر ويضفي على الخندق الحربي براءة اللعب والتخفيف من وطأة الرماد والدخان. سمع جماعتنا بهذا فقلدوه وأطلقوا طيورا صناعية اسمها (القصائد البصرية).

ورسم إنطون إكزوبري(الأمير الصغير) فخدعنا، صغارا وكبارا، بتلك القبعة التي لم تكن قبعة بل ثعبانا يبتلع فيلا. الأمير الصغير، وحده، اكتشف الخدعة. اكتشف سر الرسم، بعد أن تقمص بصيرة الرسام.

فوزي كريم يعرف هذا لكني لا أدري إذا كان حسين مردان يعرفه أو لا، كلما أعرفه أن حسين كائن مسكون بالحرية أكثر من موهوم بالكتب، لأن من لا يملكون لا يخافون، ومن لا يخاف كائن حر لا شكل راهنا له، ومن هذه النقطة انطلق فوزي كريم ليخطط حسين مردان بالقلم الرصاص الذي يشبه لون حسين: الرمادي المضبب القابل للحضور والمحو معا.

يجد رسام حسين مردان صعوبة ما في رسمه، لأنه كائن غير ساكن، ومن يرسم شاعرا غير الذي يرسم طبيعة ساكنة.

يجلس حسين في اتحاد الأدباء، على مضض، فكم هي ضرورية مهمة القفص في حبس الطير، لكن مسافات الطيور أبعد شأوا من مليون قفص مصفوفة جنبا الى جنب.. وعلى فوزي كريم أن يرسم طيرا اسمه حسين مردان لا يستجيب لأي قفص حتى لوكان ورقة للرسم بالرصاص أو قماشة للرسم بالزيت.

يقرع الشاعران كأسيهما، تطفر قطرة عرق أبيض وتستقر على يد حسين لولؤة صغيرة توشك على التلاشي. ينهض فوزي. يمد يدا تسند حسين، الذ ي يحتاج دائما من يسنده، يخرجان باتجاه الجسر.

الجسور لا تغري الرسامين، حسب، مثل مونيه، ولا المعماريين، ولا العابرين بين الضفاف لسبب ومن دون سبب، فجسر حسين الذي رسمه فوزي هو مسافة البندول التي يقطعها الحائرون فوق العادة، وفي لحظة رعاية ودلال غامرين يجعل الرسام من الشخص عريسا:

(وذات اليمين وذات الشمال النساء يمتن ويحيين ظلك)

في مشهد يختصر أكبر أحلام عبد الأمير وأكثرها تركيبا وبؤسا: شاعر بلا امرأة. بالرسم أو الشعر يهدي الشاعر/ الرسام صديقه الشاعر المحروم باقة من النساء يمتن ويحيين ظله.

( وخطوك ما حل في الجسر

ما جاوز الجسر

كنت وحيدا وكنت على الجسر واقف).

ألم أقل قبل قليل إن الجسر هو المسافة الوهمية التي يؤتيها البندول الحائر.. القلق؟

فخطو حسين مردان ما حل في الجسر ولا جاوز الجسر، ثم ها هو وحيد على الجسر واقف،

لم تغره ضفة، ولم يستجب لخندق..هو شاعر في منتصف الجسر، لكأنه بؤرة النهر والضفاف والمجرى.

ولم يقف إلا ليحدق في الماء مثل نرسيس، وهو أدق وصف يليق بشاعر.

علاقة فوزي كريم بحسين روحية أكثر مما هي إجتماعية، فقد وجد الأول في الثاني بديلا موضوعيا، وليس حلا شعريا، في مرحلة ملتبسة تشي بالإحتمال ونقيضه. لعل الجسر نقطة افتراق، أكثر مما هو واصلة بين ضفتين. الجسر لحظة ابتلاء عندما يتحتم عليك أن تكون في ضفة دون سواها.

تكتمل الصورة (البورتريه) - وهل ثمة صورة مكتملة؟ التي رسمها فوزي كريم بالقلم الرصاص لحسين مردان، على هيئة شاعر حائر، تتجاذبه ضفتان، والأمر لا يخلو من صعوبة لأن الشاعر/ الرسام يرسم شاعرا لا طبيعة ساكنة.

بتنافذ الشعر والرسم خرجت تلك الروح الأمارة بالفن في لوحة وأكثر من قصيدة وضع فيها فوزي عبد الأمير كتميمة خضراء عبر سنوات الرحيل والإقامة تشهد عذابات الشعراء خصوصا أولئك الذين يرقبون جريان الأنهار وهم يقفون في منتصفات الجسور.

 


مشاريع اعادة قراءة التراث فك اشتباك الحاضر بالماضي أم توطيده؟

جمعة الحلفي

اكتظت المكتبة العربية، خلال العقود الثلاثة المنصرمة، بالابحاث والدراسات والمناظرات والاجتهادات التي تريد (التأسيس لمنهج تاريخي) يكون أساساً (لمشروع نهضوي عربي) عبر ما اصطلح على تسميته بـ (اعادة قراءة) التراث العربي ـ الاسلامي، قراءة نقدية، لاستنباط دروسه ومعانيه وتوظيف الجوانب الايجابية والمضيئة فيه. وتبعاً لاختلاف مشارب وآيديولجيات وأهواء المتصدين لهذا المشروع الكبير والخطير (ماركسيون وقوميون وحداثيون واسلاميون متنورون) فقد اختلفت عوامل البحث وتعددت مناهج النقد وتشعبت وتنوعت مجالات الرؤية حتى تفارقت، تالياً، النتائج والمحصلات، فاصبح مشروع (اعادة قراءة) التراث العربي ـ الاسلامي هو الأكثر حاجة لإعادة القراءة من التراث نفسه، إما أريد البحث (حقاً) عن ممكنات وعوامل التأسيس الموضوعية لمنهج البحث التاريخي العتيد، من جهة، وفي سياق الربط (أو التفكيك) بين الهوية المجتمعية الراهنة، والخصوصية التاريخية التي مرت بها المنطقة العربية من جهة أخرى..

وفي واحد من سياقات البحث، التي أرادت التأسيس لرؤية عقلانية من خارج نطاق الأهواء والعصبيات والشموليات، كتب الباحث الراحل الدكتور فاضل الانصاري (قصة الطوائف/ الاسلام بين المذهبية والطائفية) في محاولة اخرى لتقصي الاصول وتفحص تاريخيتها وتتبع صيرورتها المأساوية، من اجل بلوغ خلاصات تستهدف (فك اشتباك الحاضر بالماضي) وصولاً إلى صيغة للتعايش المنفتح بين المذاهب (تجعل امتنا أقدر على الموائمة مع مشروع نهضوي ثوري جديد حاسم في مستقبل حياتنا) كما يأمل في مقدمة كتابه.

والكتاب، الذي يقول مؤلفه انه جزء من دراسة مطولة عمل عليها سنوات عدة وتتناول تاريخ المنطقة العربية جغرافياً واجتماعياً (لكنه رحل للأسف قبل ان يرى مشروعه يكتمل ويرى النور) يقوم اساساً على تتبع اسباب وعوامل نشوء المذاهب في الاسلام ومن ثم تحولها إلى الطائفية، واخيراً بلوغها مراحل التصادم والصراع والتفتت. وباختصار شديد يعيد الدكتور الانصاري نشوء المذهبية إلى حاضنة النص القرآني (المرن والمنفتح) الذي استوجب (بذاته) الاجتهاد والتأويل، تبعاً لمتطلبات التطور والتبدلات المجتمعية، اما الطائفية (أو تطوؤف المذاهب) فهي لا حقة، مبعثها الاساس اختلال توازن مركزية الدولة الاسلامية و(بلوغها عتبة التغيير الشمولي) إبان فترة الازدهار العباسية المتأخرة، حيث دخلت المنطقة، في هذه الفترة (مخاضات الانتقال ودوامات الصراع بين القديم والجديد) وحيث (جرى تحويل الافتاء إلى وظيفة رسمية) فبدأت المذاهب بالتمترس والاصطفاف (نشداناً للحفاظ على الذات أو تقرباً من السلطة، أو طمعاً في امتيازات) ثم (وجد المتربصون، من وراء الحدود، فرصتهم لولوج المنطقة، سلماً، في البداية، أو حرباً واجتياحات متوالية) في ما بعد.

وإذ يحاول الانصاري نبش (الايجابي) و (المضيء) و(العقلاني) في التراث العربي، الاسلامي، مسلطاً الضوء على فترات ازدهار الفقه والتسامح بين المذاهب، التي ترافقت مع تمركز الدولة الاسلامية وتطور العلوم والفلسفة، داعياً لإعادة تقديم (أو إنتاج) ذلك كنموذج لحكمة الاجداد يمكن استعادته لترميم حاضرنا المفتت والمتداعي، يخلص إلى اقتراح التعايش (مجدداً) بين المذاهب، والى التسامح والمجادلة بالتي هي أحسن ونبذ العنف والكراهية والبغض بما يضمن (نزع مقومات الفرقة واعادة حيوية المشتركات وزخمها القائم على قواسم واحدة تعزز الدور الايجابي الممكن للديانة، على قاعدة تضامن اجتماعي عام). إلا ان كل هذه (التمنيات) التي يحرص الباحث الراحل على تأكيدها مراراً، في كتابه الضخم، لن تفلح لا في وضع اللبنات لـ (تأسيس المنهج التاريخي) المطلوب، ولا في اجتراح معجزة المشروع النهضوي العربي الجديد، فالجديد ينبع، دائماً من الجديد نفسه والحكمة ابنة اليوم.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة