الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

المرجعية الدينية واستقرار العراق (1-2) حقائق ما بعد ازمة النجف

محمد سعيد المخزومي

استقرار العراق

في الوجود الحضاري للمرجعية الدينية

ارتباك الحياة, وانتشار المظالم, وكثرة الجرائم, وانتهاك الحرمات, وهتك الأعراض, والتعدي على المقدسات وتجاوز وغيرها من معطيات سطوة رجال الجاهلية وتسييرهم العباد وهيمنتهم على البلاد, ولا يتحقق ذلك إلا في مقابل تغييب رجال الحضارة, وتلك هي الكارثة الكبرى في أمم الأرض وشعوبها.

وبذلك صارت الحضارية والجاهلية مفهومين عميقين لمبدأين كبيرين يحدوان البشرية كما يحدو النهار الليل.

فالحضارية تعني حيوية الفكر والموقف والمشروع. وحيثما وجدت الحضارة ورجالها وجدت العدل والخير والرفاه وبناء الحياة, فيتذوق الإنسان فيها طعم الحرية, ويستأنس بناء الحياة, ويتحسس عمارة الأرض, ويعيش الأمن والمحبة بين بني النوع الإنساني على سطح الأرض.

بينما تعني الجاهلية: التجاهل للإنسانية, والتنكر للحضارة والحضارية, والتجهم في وجه رجال الفكر والحضارة, كما تعني: الإنكار لمنطق العقل, وتجاهل الفطرة.

وحيثما وجدت الجاهلية, والجاهل, وجدت الشر والعنف والأزمات, وخراب الحياة, وبوار الأرض, وفساد المجتمع, كما وجدت التناحر, والتباغض بين أبناء البشر.

ولأن الحضارة وروح التحضر هي بناء الإنسان وعمارة الحياة, فقد أمر الله عباده بعمارة  الأرض, ومكّنهم ليكونوا رجال الحضارة بحق بين الناس, فقال: ] هُوَ أنشأكُم مِنَ الأرضِ واسْتَعمَرَكُم فِيها[أي جعلكم مستخلفين فيها لتعمروها.

وحيث أن عمارة الأرض تحتاج إلى منهاج عمارة وطريقة بناء, فقد أمر الله بوجوب الاستجابة لدعوة الحضارة والبناء ونهى عن التمرد عليها لأنها دعوة إلى التحضر. فترابطت مفردات التحضر بعضها ببعضٍ, فلا تحضر من دون سلم وسلام, ولا سلام من دون احترام للإنسان, ولا احترام للإنسان من دون حرمة التجاوز على حريته, وعدم انتهاك كرامته.

فاستلزم بناء الحياة وعمارة الأرض, الاستجابة لأوامر رجال الحضارة, وتعاليم دعاة الحياة, فقال ] اسْتَجِيبُواْ للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [ 24/الأنفال.

ولكون الجهل والجاهلية لا تعني إلا الخراب والدمار والهلاك, ولا تساوي إلا الظلم والتردي, فقد نهى الله تَعالى عن العمل بها وأمر بالإعراض عنها, وعدّها من ابرز مشاريع الشيطان الذي أمر الله عباده بمعاداته فقال ] أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [6/فاطر.

كما أمر بالعمل وفق المنطق الحضاري القائم على العفو والأمر بالمعروف والصدق والإحسان والصفح وعدم التشدد والمُداقَّة, فقال سبحانه ]خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ[ 199/الأعراف.

كما نهى عن الجاهلية ذاتها لكونها العنوان الأكبر الذي ينطوي تحت لوائه مخالفة منطق الحياة, تلك المخالفة المؤدية إلى تجاوز كل قيمة إنسانية, وانتهاك كل مبدأ حضاري, وتدنيس كل منطلق حيوي, فقال تَعالى على لسان نبيه الكريم ] وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ [ 23/الأحقاف.

ثم أن مبنى الجهل هو الاستناد إلى مخالفة منطق الفطرة الإنسانية, والعمل على كل ما هو خلاف ما تستجيب له إنسانية الإنسان وفطرته، فقد سمّى مخالفة الفطرة جاهلية صريحة بقوله] أَئِنَّكُمْ لَتَـأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [ 55/النمل.

وبالتالي فان منطق الحضارة هو منطق الدين والحياة والعمارة, بينما منطق الجاهلية هو منطق الأنانية والعنف والقتل والإبادة والدمار والخراب.

وعراقنا اليوم يعيش البادرة الحضارية للمرجعية الدينية التي تحرك بها آيه الله العظمى السيد السيستاني لحل الأزمة التي استعصت على الدولة العراقية المؤقتة, حيث لم يكن بمقدورها البلوغ بانتهاك الحرمات للحد الذي  يضطرهم إلى نسف الحرم العلوي الشريف حيث المسلحون المتحصنون وقد اتخذوه مقرا لهم.

كما استعصت على الأمريكان الذين اقبلوا هم على تأجيجها وتغذيتها لمصلحتهم التي انتهى من تحقيقها (بريمر) بتأسيسه الحكومة المؤقتة, فقد استعصت للدرجة التي أدت بالنجف الأشرف وكربلاء المقدسة من قبل إلى الدمار والانتهاك والتعدي على الحرمات والتي أوشكت أن تفضي إلى الانتهاك الأعظم على حرمة المرقد الشريف للإمام علي عَلَيهِ السَلام.

هذه الأزمة, وقد لاحت بوادر انفراجها بتلك المبادرة التي لا تأتي إلا من رجال الحضارة فقط وفقط, حيث أن رجل الحضارة هو الرجل الذي يضطلع بأمور عديدة منها ما يلي:

الأمر الأول: الإقدام بالمبادرة الحيوية حينما يتعسر على الآخرين المبادرة المنقذة, وقول الكلمة الفصل في النِّزاع أو احتدام الصراع.

الأمر الثاني: المبادرة الجامعة للشتات، وليس الدافعة الى التمزق والتفكك والتشرذم .

الأمر الثالث: لا يقدم على القيام بالمبادرة الحيوية الجامعة إلا العالم الرباني وحده, وليس العالم الذي يلعب على حبال السياسة أو يعبث به الآخرون, حيث أن ربانيته هي التي تدفعه إلى اتخاذ قراره النابع من مصلحة الناس ورضا الله تَعالى, ذلك أن الناس مهما كانت معارفهم وكثرت دراساتهم واتسعت خبراتهم السياسية والمعرفية, لم يكونوا إلا واحدا من ثلاثة أصناف: ( عالم رباني, ومتعلم على سبيل نجاة, وهمج رعاع اتباع كل ناعق, يميلون مع كل ريح, لم يستضيئوا بنور العالِم, ولم يلجأوا إلى ركن وثيق) كما قال الإمام علي عَلَيهِ السَلام.

وعليه فالإنسان أما عالم رباني, وهو الذي يجب أن يُتِّبع لأنه الحضاري الأوحد, أو أن يتعلم من العالم الرباني , وهو الناجي في الحياة, أما إذا لم يكن هذا ولا ذاك فهو همج رعاع.

ولذلك فان المبادرات الحضارية والمشاريع الحيوية عادة ما يأتي بها رجال الحضارة فقط, لأن فاقد الشيء لا يعطيه, وأن غير الحضاريين لا يهبون للناس الموقف الحضاري,  ولا يمنحون المجتمع فكر التحضر, كما لا يشيعون فيه المحبة, ولا الألفة, ولا التسامح.

وعليه فان هذه المبادرة (مبادرة المرجعية الدينية) التي خرجت بالحرم العلوي من أزمة الانتهاك, وأنقذت العراق من بحر دموي جديد, وبشرت الناس بأمل جديد, قد كشفت عن حقائق عديدة, هي قطعا مما كانت خافية على الكثير من الساسة العراقيين, ورجال الحكومة المؤقتة, وسلطات الاحتلال على حد سواء, ومن تلك الحقائق التي يجب تسليط الضوء عليها ما يأتي:

الحقيقة الأولى: أن من الغلط الفادح هو إقدام الأمريكان على تجاهل المرجعية الدينية, وذلك منذ اليوم الأول الذي دخلت فيه العراق وأصرت على تجاوز المرجعية الدينية وتحجيمها.

 

الحقيقة الثانية: أثبتت أن المرجعية الدينية الربانية هي الإكسير الحضاري لمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية, لكونها السلطة الربانية التي لا تتعامل من منطلق سياسي ناتج عن دراسة ناقصة في معهد أو كلية أو جامعة محدودة المعارف وان كبرت, أو مخابرات دولية وان استطالت, بل من منطلق رباني يعالج الأمور وفق منهج دقيق في رعاية كافة المصالح اللازمة للمجتمع, بموجب منطق العقل والحكمة والفطرة الذي يحمي المصلحة العامة للناس.

 

الحقيقة الثالثة: أثبتت أن المرجعية الدينية هي صمام الأمان عند الأزمات الصغيرة منها والكبيرة على حد سواء, وان المرجعية التي تخلق جوا من الإرباك الاجتماعي, وتشحن النفوس بالبغضاء, وتدفع على التمزق والتشرذم, لهي مرجعية غير حضارية على الإطلاق, ذلك لان الإمام الذي عيّن المرجعية حدد هوية من يجب الالتزام به من العلماء الفقهاء بقوله: ( فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه, حافظا لدينه, مخالفا لهواه, مطيعا لأمر مولاه, فللعوام أن يقلدوه ) يعني فللعوام أن يتبعوه.

 

الحقيقة الرابعة: أثبتت أن العراقيين شعب حضاري لا تجتمع  كلمتهم إلا حول رجال الحضارة وحدهم, وان أُرغموا على العكس تحت الإهاب والإرعاب فذاك إلى أمد محدود لا يبلغ حد اقتلاع الجذور, وقد أثبتت الوقائع التاريخية ذلك.

كما لم يستطع أحد جمع كلمتهم ورص صفوفهم إلا رجال الحضارة دون سواهم. وما قولي بحضارية العراقيين بنافٍ وجود دعاة للجاهلية فيه.

الحقيقة الخامسة: أثبتت أن الشعب العراقي شعب أصيل الجذور مهما أرادت الأنظمة اقتلاعهم منها واجتثاثهم عنها, فإنها حيّة, وقلبه نابض بروح الحضارة والتدين مهما عبثت بهم الأنظمة الحاكمة والأحزاب السياسية الحالمة.

الحقيقة السادسة: أثبتت أن الحياة الاجتماعية والسياسية في عموم الأمة, وفي العراق على وجه الخصوص بحاجة إلى العودة لعلماء الدين الربانيين ومراجع المسلمين القيمين على الأمور, وحدهم دون من سواهم.

الحقيقة السابعة: أثبتت أن أنظمة الحكم المتحضرة ورجال السياسية الحضاريين قادرون على فهم رجال المرجعية الدينية, وانهم المتمكنون على إدارة دفة الحكم عبر احترامهم العلماء الربانيين والأخذ بآرائهم لأنها آراء حضارية ومناهج حيوية.

الحقيقة الثامنة: أثبتت أن المرجعية التي تدور مدار السلطات الحاكمة أو الخاضعة لها فهي غير ربانية. لأنها مأجورة لخدمة الحكام من جهة, وغير حضارية لدورانها في فلك الأنظمة التي تفتقر إلى مناهج الحضارة. إلا إذا انتخبها الشعب فتصبح عند ذلك حضارية من دون شك ولا ريب.

الحقيقة التاسعة: أثبتت أن الاستقرار الطبيعي للحياة السياسية, وما يترتب عليه من الازدهار الحضاري, مرهون بكون الحكومات على رأي المراجع الربانيين, وتلجا إليهم عند حل الأزمات, لا برجوع العالِم إلى السلطة, وقد وردت النصوص الحضارية بهذا الشان تقول ( إذا رأيت العلماء على أبواب الملوك فبئس العلماء وبئس الملوك, وإذا رأيت  الملوك على أبواب العلماء فنعم الملوك ونعم العلماء).

الحقيقة العاشرة: أثبتت هذه المبادرة أن تمرد الأحزاب أو القوى السياسية أو غير السياسية, الحاكمة منها أو المحكومة, وخروجها على طاعة العلماء الربانيين والمراجع الحضاريين, إنما يؤدي إلى دمار الحياة وخراب أمور الناس, لان الحياة والعمران بالاجتماع حول العلماء الأعلام والمراجع الربانيين, حيث أن  (الشارد من الناس للشيطان كما أن الشارد من الغنم للذئب), وبهذا فقد نهى إمام الحضارة والحضاريين في الحديث السابق بقوله ( إياكم والفرقة فان الشارد من الناس للشيطان..) .

الحقيقة الحادية عشرة: فقد كشفت الأحداث وما سبقها من مبادرات حيوية للعلماء الربانيين, ومشاريع حضارية للمراجع الدينيين وتكللت في هذه المرحلة بهذه المبادرة التي قادها المرجع السيستاني, كشفت للأعمى قبل المبصر أن حكومة الاحتلال لا تريد لتلك المبادرات النجاح, فكانت تسمح من طرف خفي مرة وعلني أخرى في خلق جو يشيع الاضطراب الأمني كي يقولوا : لا للانتخابات العامة...نعم لتعيين الاحتلال للحكومة المؤقتة التي يراد لها أن توقع لهم ما يريدون, وتبني العراق حسب إرادتهم وليس حسب إرادة الشعب.

كما أن الكثير من القوى القومية والسياسية والطائفية التي تكره أن يكون للدين دوره في حياة الأمة والشعب قد اجتمعت كلمتهم على إسقاط مبادرات المرجعية, ولا أدل من دليل على ذلك ابرز من الصيحات التي تعالت بوجه المرجعية الدينية يوم أطلقت دعوتها إلى القيام بالانتخابات العامة أولا وقبل تشكيل الحكومة المؤقتة, فتعالت الصيحات وارتفعت المنابر, وتدافع السياسيون, وتزاحمت وفود الأمم المتحدة عبر (الإبراهيمي) والجامعة العربية عبر( الحلي), وهاجت الأنظمة الإقليمية, وتدافعت القوى المحلية, واجمعوا على إلغاء مشروع الانتخابات, وحركوا الأسباب الموجبة للاختلال الأمني وإشاعة عدم الاستقرار من اجل القول بتعذر إمكانية قيام الانتخابات العامة. وقد دفع العراق والعراقيون ثمن ذلك باهظا.

الحقيقة الثانية عشرة: كما أثبتت أن على العراقيين الارتفاع إلى أعلى المستويات الحضارية عبر معرفة الحقائق قبل فوات الأوان من أن تقرير مصير العراق مرهون بهم وبقيادتهم المرجعية الواعية التي تعرف الحرام من الحلال, وتقدر مصلحة الشعب عند التحولات السياسية الحرجة, وبالخصوص عند اتخاذ قرار يؤدي إلى سفك الدماء, ذلك لأنهم القادرون وحدهم دون غيرهم على تغليب السلم على الحرب, وتغليب المصالح العامة على المصالح السياسية للأحزاب السياسية الحاكمة وغير الحاكمة على حد سواء, وبالتالي فيجب الالتفاف حول المرجعيات الدينية الواعية والعلماء الربانيين, والرجال الحضاريين.

 

 

مسؤوليات الشعب العراقي تجاه المبادرات الحضارية

وبعد بيان هذه الحقائق لابد من الإشارة إلى مستلزمات إتمام أمثال هذه المشاريع الحضارية للبلوغ بها مرتبة النضج والتمام والإتيان للعراقيين بكامل الأُكُلِ والرفاه, وتمام السعادة والاستقرار, ومن تلك المستلزمات ما يأتي:

 

المستلزمة الحضارية الأولى

 وتكمن في التعجيل والعمل الجاد في شورى الفقهاء المراجع, الجامعة لكل مراجع الدين الأعلام, من دون التفريط بأحد منهم.

 

المستلزمة الحضارية الثانية

الخطوة الثانية لشورى المرجعية هي اتخاذ القرارات الشرعية اللازمة لإيقاف كافة التحركات المؤدية إلى المزيد من إراقة الدماء والخوض في معارك لا يكون الخاسر فيها إلا الشعب المحروم الخارج لتوِّه من مطاحن النظام السابق, الأمر الذي يستلزم من الشعب أن يستعيد أنفاسه, ويلملم جراحه, ويعيد بناءه, وإلا فان الخاسر الوحيد هو شعب العراق,  بينما يكون الرابح الأساس هم سلطات الاحتلال إلى جانب القوى التي تريد تصفية حساباتها مع الأمريكان على ارض المقدسات.

 

المستلزمة الحضارية الثالثة

أن يتزايد التفاف الشعب حول المرجعية الدينية الربانية واللجوء إليها, لا إلى المرجعيات الداعية إلى التكفير والقتال ومؤسسات الذبح الإسلامي للبشر, وان يتعاظم وعي الشعب العراقي في فهم الأدوار الحضارية المنوطة به ومنه, لكونه شعب الحضارات, وشعب الرسالات, وشعب مقامات الأنبياء والأولياء, وأوصياء الأنبياء, وأبناء الأنبياء.

 

المستلزمة الحضارية الرابعة

 أن تعيد الحكومة العراقية المؤقتة حسابها خصوصا وهي التي لم تكن قد حضيت بشرعية انتخاب الشعب لها, وأن ينمو عندها معيار الوعي الحضاري لفهم العراق والعراقيين وهوية الشعب, وعدم المجازفة بالعمل ضده. وأن من ابرز مصاديق العمل ضد الشعب هو استعمالها أو تنصيبها في أجهزة الدولة الفاعلة رجالاً  المفروض أن يكونوا في خدمة الشعب, فتستوظف في مفاصل الدولة من كان ضالعا بتدمير الشعب, وخبيرا بانتهاك الحرمات, ومتمرسا على ثقافة العنف والكراهية والتمييز العنصري والقومي والإقليمي والطائفي ( وكلها مفردات متميزة في ثقافة رجال لا يمتّون إلى الحضارة بشيء).

 

المستلزمة الحضارية الخامسة

على جميع الأجهزة السياسية الإسلامية وغير الإسلامية العراقية أن لا تستبد برأيها خلاف الشعب والدين بتجاوزها رأي المرجعية الدينية, لكونها صاحبة الرؤية الحضارية والصدق النابع من إرادتهم الخير للناس. 

 

 

 

 المستلزمة الحضارية السادسة

 أن يتلاحم الشعب مع جميع المؤسسات الحضارية التي تعمل في بناء ثقافة إنسان الحضارة, الأمر الذي يتطلب من المؤسسات ذاتها العمل على نشر ثقافة المحبة والأخوّة ونشر المودة والتكاتف والتكافل بين أبناء الأمة والشعب الواحد.

 

المستلزمة الحضارية السابعة

 أن لا تقف الدولة من خلال قوانين تبتدعها أو رجال تنصبهم, في عرقلة المشاريع الحضارية التي تقوم بها المؤسسات الثقافية والاجتماعية والعمرانية الحيوية في المجتمع, والرامية إلى بناء الإنسان, وإصلاح المجتمع, وعمارة الحياة, لكون ذلك كله مما يخدم العراق والعراقيين. وان العمل ضده يعني العمل ضد الشعب وضد تقديم العراق إلى الإمام, بل يؤدي إلى إركاس العراق في أوحال الجهل والتخلف والتناحر الذي لا ينتفع منه إلا من يريد بالعراق شرا, وبمستقبله سوءا, ولثرواته نهبا.

 

المستلزمة الحضارية الثامنة

 أن تشد جميع القوى السياسية على يد المرجعية الدينية لكونها الصمام الوحيد الذي يمكن من خلاله تامين السعادة لكل فئات الشعب بما فيها الدولة والمؤسسات السياسية وغيرها.

المستلزمة الحضارية التاسعة

 أن يعمل الشعب جميع شرائحه السياسية والحكومية والاجتماعية على المنحى الحضاري وحده, وهذا ما لا يتحقق إلا باحترام آراء المرجعية الربانية وعدم تجاوزها, ذلك لأنها لا ترى إلا مصلحة الشعب, ورعاية شؤون العامة, وأنها القادرة على تحديد المصالح لكونها لا تبتغي من وراء ذلك إلا الدار الآخرة.

 

 

 

المستلزمة الحضارية العاشرة

 أن يدرك الشعب بجميع أصنافه ومكوناته أن استقلال العراق وسعادة العراقيين, وتقدم المجتمع, واستقرار البلاد, لا يحدوه إلا العمل على المبادئ الحضارية دون المنطلقات الجاهلية, وقد عرفنا أن الحضارية هي العمل على احترام الإنسان كانسان فلا يجوز أن يُتعامل معه كحشرة تُباد, أو خروف يُقاد, ثم يُقتل بكل وسيلة, أو يُهدَرُ دمه في أي واد.

كما يجب العمل على احترام حرية الإنسان فلا يتجاوز عليها أحد من الناس حاكما كان أو رعية, ذلك لأنها من منح الله له.

أضف إلى ذلك وجوب تقدير المجتمع, ووجوب احترام هويته وعدم التجاوز على خصوصياته, واحترام الفطرة الإنسانية وقوانينها, والعمل بمنطق العقل. ولا تجتمع تلك المنطلقاتِ الحيوية إلا بتحكيم نظام الشورى واحترام الإنسان وعقيدته وحريته.

وهذا يستوجب اجتثاث (قانون إلغاء الآخرين) سواء كان ذلك الإلغاء دينيا أو مذهبيا أو سياسيا, أو ثقافيا, كما يجب إلغاء جميع توابع هذا الإلغاء, كالإلغاء الاقتصادي والاجتماعي وغيره.

كما يستلزم العمل بثقافة احترام الإنسان وكامل حيثياته بمحو ثقافة العنف من القاموس الفردي والتربوية الاجتماعي, إبتداءا من البيت إلى المدرسة حتى دائرة العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والحكومي ومن جميع مرافق الحياة.

وباجتماع تلك المستلزمات إلى بعضها يكون الخير للعراق والعراقيين, إذ تعمل على توفير العلم والتزكية والتطهير معنوي والعلم والعمل بالعلم لا بالجهل, الأمر الذي صدحت به منطلقات الحضارة الرسالية يوم أعلن الله تَعالى انه] هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين[ 2/الجمعة.

وذلك كي تعيش البشرية الأمن والأمان, والحرية والرفاه, والسعادة والاستقرار.

إذ لا سعادة من دون احترام للإنسان.

ولا احترام أو كرامة مع مصادرة حريته التي وهبها الله إياها.

ولا حرية من دون استقلال.

ولا استقلال من دون سيادة .

ولا سيادة من دون سيادة الثقافة والفكر.

ولا سيادة الفكر والثقافة من دون العمل بتعاليم الحضارة والحياة.

ولا التزام بتعاليم الحياة ومبادئ الحضارة من دون الاستجابة لحملة الحضارة وتعاليم الحياة.

ولا الاستجابة لحملة الحضارة وتعاليم الحياة من دون العمل بتعاليمهم والالتزام بأوصيائهم وحملة لوائهم.

ولا التزام بتلك المناهج إلا بالتشبث بحملة علومهم ورعاة حديثهم وخزان معارفهم وهم العلماء الربانيين.

وبعد ذلك كله يقول الحق] فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون[ 32/يونس.  


 

بوش.. الخامسة والعشرون

عماد مجيد محمد الشمري

بعد سقوط السلطة في العراق في 9 / نيسان/ 2003 وانهيار اجهزة الدولة ومغادرة الجميع- حتى زبال الدولة- لمؤسساتها ومن ثم نهبها، وفي الوقت نفسه، بل قبله، انحلال القوات المسلحة تلقائياً (اعني بدون قرار)، ثم اصدار بريمر قرار الحل، وتتم، منذ شهور عملية اعادة بناء اجهزة الدولة، بما فيها القوات المسلحة، وفي الوقت نفسه، يتحدث كثير من عناصر النظام السابق (التي، والحق يقال، انضم عدد كبير منها لإعادة البناء هذه، بما في ذلك من محافظة ديالى)، ويتحدث بعض الناس (وقسم منهم لمجرد الحديث، وقسم للظهور بمظهر الوطني الحريص لكن غير العارف بتاريخ العراق)، يتحدثون عن عمالة الشرطة، وخيانة الموظفين.. يتحدثون وكأن شيئاً فريداً تجلى في تاريخ العراق، وكأن بغداد لم تتعرض الى خمسة وعشرين احتلالاً، وكأن اجهزة الدولة تبنى على يد قوات عسكرية اجنبية للمرة الاولى! غريب! فبغداد هي المدينة الوحيدة في العالم، العاصمة الوحيدة، التي تعرضت لهذا العدد من الاحتلالات (!) منذ ان انشأها المنصور العباسي (762م)، واول من احتلها (بلا حسد) كان حفيد المنصور الشهير (المأمون) وذلك قبل ان تكمل عامها الخمسين وقام بإعادة بناء اجهزة الدولة في العراق وضمناً القوات المسلحة (بذوقه الفارسي الرفيع) - طبعاً، وكالعادة، بعد احراق بغداد ونهبها.. - ثم احتلها  البويهيون والسلاجقة والعباسيون المتأخرون والمغول بقيادة هيوليجو (الذي جاء من اعالي جبال منغوليا الجميلة خصيصاً للتعامل الحنون مع البغداديين).. ثم اللازمة العراقية عبر التاريخ: يحل اجهزة دولتهم ويبنيها لهم من جديد بما فيها القوات المسلحة اياها.. ثم احتلها التركمان والصفويون والعثمانيون. ونحن لا نتكلم عن احتلالات صغيرة يرافقها (هجم) بغداد!!..

وفي بداية القرن العشرين، وفي اثناء الحرب العالمية الاولى، انسحب الجيش التركي من العراق وعاف بغداد مخربة ببرنامج تركي جميل يرتدي الثوب الاسلامي .. ولكن لبغداد عادة درجت عليها طوال عمرها: ان بغداد تنهض وتتمطى ثم تتكحل بسخامها الذي تخلفه حرائقها! وهكذا .. سحبت تركيا كل موظفيها.. ولم يعد للدولة وجود.. ووصلنا الى اللازمة البغدادية!! وفعلاً قام جماعة (العم) (ابو ناجي) وجيشهم هذه المرة مشكورين ببناء الدولة العراقية (الوطنية) بما في ذلك القوات المسلحة وضمناً ما سيسميه العراقيون (الشرطة التافلة) .. وعينوا الملك فيصل الاول- الذي كنا نغني له في المدارس ولأولاده حفظهم الله ورعاهم: مليكناً.. مليكنا نفديك بالارواح- .. ولكن هذا لم يمنع من امتلاء القطعات العسكرية بضباط وطنيين افذاذ، قلبوا كل المعادلات السياسية ومزقوا البرامج الاستعمارية بما فيها ما سمي بحلف بغداد.. نعم .. نعم .. انفسهم ضباط وابناء بغداد.. اقصد الجيش العراقي نفسه، الذي بناه الانجليز ودربوا بعضاً من ضباطه في لندن، قلب الطاولة في وجوههم وذبح عميلهم نوري السعيد (الذي كان، بالمناسبة، ضابطاً في الجيش التركي..) .. هذا الجيش نفسه قام بدور مشهود في 1948، ثم قام بثورة تموز 1958 ومنه عبد الكريم قاسم، والمهداوي، وماجد محمد امين، وجلال الاوقاتي (الذي تدرب على الطيران في لندن وليس غيرها).. واستشهد آلاف منهم تعذيباً او رمياً بالرصاص لمواقفهم الوطنية والتقدمية.. وزج بآلاف منهم في السجون.. طبعاً في الجانب الآخر، دخل القوات المسلحة سفلة ايضاً.. ونفس الشيء يمكن قوله عن الجيش والشرطة التي بناها النظام (الوطني) ايام البعث، فقد تخرج منه عناصر من النوعين.. وهكذا! القضية ليست من بنى او يبني الجيش، ولا من يدرب من واين.. القضية في الاصل الشعبي والعائلي والفكري لهذه العناصر. فإذا اضيف لهذا نظام ديمقراطي وحركة وطنية مؤثرة تكون اغلبية المتطلبات قد اكتملت.. ولن يعود لطريقة البناء دور حاسم. فالانسان يدخل الجيش وهو في عمر النضوج، وبناء شخصيته قد اكتمل. وما وصم شبيبتنا جميعهم بالعمالة لأن من يدربهم اجنبي، الا تجن ومجون سياسي ودليل على الفقر الفكري والاخلاقي لمروجي هذه الافكارـ التي اقل ما يمكن ان يقال فيها انها لا تعكس الواقع ولا تعرف التاريخ.. لأنها افكار ضحلة بائسة. اما شعبنا فجل ما يتمناه ان تكون الخامسة والعشرون.. هي الاخيرة!

 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة