الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

الوجدان

- 7 -

المخاض

فائق بطي

لأهمية كتاب فائق بطي (الوجدان) الذي بث فيه سيرته الذاتية عبر نصف قرن من تاريخ العراق الحديث، آثرت (المدى) الثقافي أن تنشر بين وقت وآخر حلقات من هذا الكتاب الذي سيصدر عن (المدى) بدمشق قريباً لما يلقيه الكتاب من ضوء على مفصل مهم من نشوء الصحافة العراقية، وتطورها وأثرها في المعترك السياسي، واثر التحول من النظام الملكي إلى الجمهوري وما رافقه من أحداث وانقلابات. والكتاب من زاوية أخرى يكشف أسراراً وحلقات مؤثرة من تاريخ العراق السياسي والثقافي.

(المدى الثقافي)

17 تموز 1968

لم يكن ذلك التشويه بداية المشوار الصعب مع مسيرة حكم بدأه حزب البعث بانقلاب داخل انقلاب في 30 تموز، بل كانت حوادث اغتيال وتصفيات جسدية هي البداية لمشوار عبده (محمد الخضري) و(ستار خضير) و(شاكر محمود) بدمائهم الزكية وهي تنساب ساخنة على جانبي (قناة الجيش) وفي شوارع الكرخ والرصافة. كان الحكام يختطفون ويعذبون ويقتلون المناضلين في الظلام، وينعونهم في الصباح في جريدتهم (الثورة).

ثم جاء الصدام المباشر، حين اشعل العامل والطالب (مطشر حواس) فتيل الحريق، تحّول بقدرة قادر من مناضل ثوري، وهو يدافع عن نفسه بالرصاص ضد اعتداءات رجال المخابرات، الى (جاسوس) و (عميل) على لسان رئيس الجمهورية، البكر، في خطاب له امام مسيرة بعثية، وما اكثرها في تلك الايام.

 تسلق مطشر سلم المشنقة في باحة السجن المركزي وهو يرد بقوة ويسفه اتهامات رئيس الجمهورية.

تدلت جثته في فجر ذلك اليوم، لتضيع معالم الجريمة.

يلحق بمطشر، العشرات من رفاق دربه الذين غرر بهم المنشقون عن الحزب الشيوعي، واعترفوا داخل زنزانات قصر النهاية، سيء الصيت، لتضاف اسماء لامعة في سجل الشهداء: احمد الحلاق، ومتي هندو وهما يصمدان بوجه معذبيهم القساة  يلعنان اولئك الذين خانوا الحزب، فخانوا رفاقهم، وتمرغوا في الوحل بعد ان تنكروا لشعبهم ووطنهم.

كانت السلطات البعثية قد منحت امتياز مجلة شهرية للحزب الشيوعي العراقي (الثقافة الجديدة) في 4 آذار 1969، لصاحبها د. صلاح خالص ورئيس تحريرها، د. صفاء الحافظ. كما منحت امتياز اصدار جريدة يومية سياسية لجناح من الحزب الديمقراطي الكردستاني - جماعة جلال الطالباني وابراهيم احمد - بأسم (النور) في 26 ايلول 1968-

من بعيد.. جاءه صوت الزميل (حلمي شريف) رئيس تحرير جريدة (النور) يدغدغ سماعه عبر اسلاك الهاتف في مطبعته (التقدم)، يطلب منه اللقاء في مقر الجريدة في منطقة السنك بشارع الرشيد حيث كانت ادارة تحرير جريدة (عراق تايمس) القديمة تحتلها.

في الموعد المقرر، كان في الادارة، بضيافة جلال الطالباني و(محمد حسن برزو). كان مام جلال متخصرا بمسدس (توكاريوف) وباللباس القومي الكردي. آخر لقاء بينه وبين جلال يعود الى ايام الخدمة العسكرية في كلية الاحتياط قبل عشر سنوات تقريبا.

لم ينطق احدهم بحرف في اللقاء المتفق عليه مع (حلمي شريف)، بل دخل مسرعا الى الادارة، (منير رزوق) المحرر في الجريدة وهو يقول لرئيس التحرير بأن الغرفة جاهزة.

التفت جلال الطالباني الى حلمي، ثم اليه ، وبابتسامة حلوة، قال:

- ما هو رأيك يا ابا رافد؟

- حول اي موضوع يا كاكا جلال؟

- نريدك سكرتيرا للتحرير في الجريدة.

- عندكم الشاعر كاظم السماوي سكرتيرا، ونعم الاختيار.

تدخل حلمي في الحديث وقال:

- الاستاذ كاظم شاعر واديب، ونحن نريد صحفيا ممتهنا.

حاول ان يعتذر بلباقة ودبلوماسية، فرد على رئيس التحرير:

- الا تكفي مساهماتي بالكتابة عندكم منذ صدور الجريدة؟

اتجه جلال اليه ومد يده مصافحا مؤكدا له بأن (الجماعة الكردية) رشحته للعمل استنادا لامانته الصحفية والسياسية.

اجابه:

- ولكنكم تعرفون جيدا اني..

- هذا لا يؤثر على امانتك الصحفية.

لم تنفع الحجج والاعتذارات.. وجد نفسه بعد ذلك اللقاء يخوض ثانية العمل المهني الصحفي من موقع المسؤولية المباشرة. قرر ان يفعل شيئا جديدا بعد ان اتاحوا له الفرصة. كان سعيدا بلقاء زملاء سبق لهم ان عملوا في (البلاد): سلوى زكو، منير رزوق، وائل العاني وعزيز سباهي .ضايقه وجود (صادق الازدي) بين المحررين.

سأل (حلمي) عن سبب وجود صادق في جريدة لا يتفق مع سياستها، فرد عليه:

- توسط له بعض الاصدقاء لحاجته المادية.

- والمبادىء، ما هو ثمنها؟

- الحياة.. وفيها النقيض ...

- انا لا افهم مثل هذا الكلام يا كاكا حلمي.

- ضعه على الورق، وليجد مكانه في الجريدة.

                                           ***

كان الوقت قصيرا، والمصائب تنزل عليه من كل صوب. ففي شهر يتشاءم منه في كل عام، غيّب الموت شقيقه الاكبر (بديع) في نيويورك، ووالدته في بغداد. مات اخوه في ديار الغربة بالسكتة القلبية ولم يتجاوز الثانية والاربعين من عمره. وماتت امه في اربعينية ابنها البكر.

تألم وحزن بشدة لفقدان الاخ الاكبر خارج الوطن، رغم انه لم يكن صديقا قريبا الى قلبه منذ الطفولة كما كان (سامي) والى حد ما (كمال). فقد كان بديع مغرورا متجبرا مدللا عند والديه، يحاول ان يستغل مكانته ليفرض سيطرته بالقوة التي طالما استعملها ضده واذاقه العذاب ضربا مبرحا بسبب او دون سبب. شاب وسيم طويل القامة ممتلئ الجسم بديع الصورة. وبالنظر لأنشغال الوالد بالسياسة والجريدة ودخوله السجن مرات عديدة، بسط (بديع) بتشجيع من امه، نفوذه، وحاول ان يكون قاسيا للحفاظ على تلك السطوة، والا تمرد الاولاد وازاحوه عن (جبروته) كما حدث يوما في عيد الميلاد.

اراد هو وسامي ان يزورا في عصر اليوم الاول للعيد، اولاد الخالة في منطقة الوزيرية الجميلة، كجزء من مراسيم الزيارات في مثل هذه المناسبات التي لا تتكرر الا مرتين في السنة. كان فرحا بالبدلة الجديدة والحذاء الاسود والرباط الذي يشده على رقبته للمرة الاولى، ودس في جيب سرواله مائة فلس هي عيدية الوالدة.

وقف وراء باب الدار الرئيسي بانتظار خروج سامي اليه. جاءه بديع بدلا من سامي بعد ان عرف بأنهما ذاهبان الى الزيارة المتفق عليها. صفعه بقوة، رنت في اذنه كطبل ينقر. حاول الاستفسار منه عن السبب، الحقها بالثانية. ركض اليهما سامي وكمال يخلصانه من ايدي بديع، فاشتبكوا الاربعة في المعركة بينما وقفت الوالدة المسكينة تلطم خدها وتندب حظها لغياب الوالد في (معتقل العمارة). استجمع قواه للمرة الاولى وعلا صراخه وهو يكيل الشتائم لبديع وشعر بأنه يمتلك الحق هذه المرة للوقوف بوجه الاعتداء، خصوصا ان بديع يعتدي دون حق، وهو ايضا لا يرتاح لتصرفاته الفردية. امسك به من الخلف وطوقه سامي ايضا ليتسنى لهما السيطرة على بديع، وراح يوسعه ضربا حتى اسقطوه ارضا، وتسابقوا بالفرار.

احس بأن الغلبة لا يمكن ان تتم الا اذا تظافرت جهود الاخوة للوقوف بوجه المعتدي، تماما كما شعر بديع بأن (جبهة) الاولاد اقوى منه، فحاول ان يلين وان يبتعد عن اسلوب العنف غير المبرر. الا انه بقي مكابرا منفردا برأيه واعماله التي سببت له الكثير من المشاكل والمصاعب في حياته اللاحقة مع الاصدقاء وافراد العائلة.

اراد بديع ان يستقل في حياته الاجتماعية عندما كان طالبا في القاهرة، فابتعد عن تقاليد العائلة العريقة واختار طريقا يخالف تقاليد تلك العائلة، وكان سببا في سفره الى بيروت للاشتغال هناك.

كما اراد ان يسيطر على الجريدة بعد ثورة 14 تموز وان يختط لها مسارا سياسيا مغايرا لخط الاخوة بحجة الانتماء القومي. كانت حجته اضعف من ان يقنع الآخرين بها، وسببا في قبول وظيفة دبلوماسية والسفر الى واشنطن حتى وافاه الاجل المحتوم هناك وهو في سلك هيئة الامم المتحدة.

لم يخف حزنه لخسارة فارس من الفرسان الاربعة بهذه السرعة، وبالسكتة القلبية وهو في مطلع الاربعين من عمره القصير.

كانت صدمة الموت قوية، وكان النعي مؤلما، والاخوة يحاولون تخفيف وقع الموت على والدته المريضة والمبتلية بمرض القلب الذي لازمها سنوات. الا ان المصيبة كانت شديدة واقوى منهم جميعا. انه فلذة كبدها البكر الذي ينادونها بأسمه. وفي اربعينيته، وكراسي الفاتحة في الدار لا تزال في اماكنها الموزعة على غرف الدار الواسعة، صرعها الموت، ليواصل الاخوة الثلاثة مراسيم العزاء في الدار التي شهدت مراسيم الأربعينية لأخوهم الكبير، في ليلة الأمس.

وقف امام النعش بخشوع وراح يستعرض شريط حياة هذه الانسانة المكافحة التي اعطت لعائلتها الكثير من راحتها وسعادتها، فلم تمنحها الحياة شيئا سوى الآلام والمصائب. سنوات طوال من الحرمان والترحال تخللتها سجون ومطاردة لزوجها واولادها، لكنها صمدت بوجه كل تلك الاعاصير رغم المرض العضال الذي هاجمها في القاهرة عام 1953. تحملت كل تلك السنوات، الا انها لم تستطع ان تتحمل موت ابنها الكبير. كان الهبوط المتسارع  في قلبها هو كل ما تبقى من نبضات ذابت في مستشفى (الراهبات) لتغمض عينيها بهدوء وسلام.  اجهش بالبكاء المر، وبقيت صورتها الجميلة عالقة في ذاكرته حتى الآن.


فوزي كريم في كتابه الجديد : (العودة الى كاردينيا) السيرة غير المكتملة لشعر الستينيات العراقي 

فاطمة المحسن

بعد صدور كتب فاضل العزاوي وسامي مهدي وعبد القادر الجنابي عن الشعر العراقي الستيني،نشر فوزي كريم مجموعة مقالات يتذكر فيها تلك السيرة التي كان هو احد فرسانها.فهو من بين الاسماء التي وقعّت ماسمي ببيان الحداثة الشعري الصادر ببغداد العام 1969،بديباجته التي كتبها فاضل العزاوي وباركها صحبه وبينهم سامي مهدي وفوزي كريم وخالد علي مصطفى.   أعلن فوزي كريم  ندمه على المشاركة في هذه الموجة التي حوت الكثير من الزيف والخداع الادبي والسياسي، كما وصفها في أكثر من موقع بعد مضي اقل من عقد من انتسابه اليها، وكان كتابه ثياب الامبراطور الذي صدر قبل سنوات قد حوى الكثير من الاراء التي تتوجه بالنقد الى شعراء جيله.

في كتابه الاخير( العودة الى كاردينيا) الصادر عن دار المدى، يتذكر المؤلف فيما يشبه السيرة الذاتية تلك الفترة في حياته،ويمضي الى تفصيلات في الحياة الثقافية العراقية  خلال ازمنة مختلفة وبينها تلك التي أحكم فيها البعث سيطرته، كاشفا عن أدوار قام بها جمعة اللامي وسامي مهدي وعزيز السيد جاسم في خدمة الاجهزة الحزبية والامنية التي أدرات الثقافة العراقية اوانذاك، كما تطرق الى دور المثقفين العرب الذين قدموا بغداد في تثبيت قيم الارتزاق والتعامل السلبي بين المثقف والسلطة.

 يبدأ فوزي كريم سيرته من  طفولته في (العباسية) وهي من أرياف بغداد التي أضحت جزءا من كرادة مريم في فترة قريبة، ثم يعّرج على رحلته التي قطعها من محلته الصغيرة الى قلب بغداد الستينيات،حيث تصخب المقاهي بالاصوات المتضاربة للحداثة،مابين متشبث بالوجودية او الماركسية او مازج الحالين ضمن تعريفات هي اقرب الى السذاجة والوصف الشعبي للافكار..كان فوزي يصنف نفسه حسب تسمية أهل محلته بالوجودي، وتلك إستذكارات تعيد الى الحاضر بعض ما افتقده من براءة، فالوجودية هي تهمة اللامنتمي الى جهة حزبية، وبما ان فوزي كريم لم ينتم الى البعثيين ولا الى الشيوعيين، فان الوجودية هي أقرب إليه في حق اقتسام الافكار!. تغيم في الذاكرة مرحلة الطفولة وعبثها لتحل بدلها الايام التي يمارس فيها الشاب حرية العبور من الواقع الى الخيال، قبل ان يزحف الخوف مثل حيوان خرافي ليحطم كل شيء في العراق.   

يمضي المؤلف الى جمع شتات ذكرياته في بيروت التي شهدت  محاولته الاولى للاقامة في مكان خارج الوطن. عشقه مثقفة ثرية،ومقارنته الحياة الفقيرة التي يعيشها وحياتها المترفة، ثم فشل مشروعه وعودته الى بغداد. غير ان محطته التي إستقر فيها لاحقا، اي لندن التي يبدأ منها شريط ذكرياته،هي التي رسمت له ملامح الستينيات الشعرية على ضوء الكثير من التجارب الادبية والحياتية التي تفاعل معها في هذا المضطرب.

ولعل الذي يشرع به فوزي كريم يؤكد جانبا مهما من وعي الكاتب بمفهوم السيرة الذاتية، فهو يقول أنه كتب ذكرياته: (( على ضوء مشاعر الحاضر ورؤاه وأفكاره،حتى لتبدو غير وفية بالضرورة للتاريخ قدر وفائها للذاكرة. والذاكرة ليست التاريخ، ولا تتطابق معه، بل هي فاعلية شخصية مستقلة، وعلى قدر من الحرية. )).

(كاردينيا) الحانة التي يلتقي فيها الاصدقاء تتخذ صورة مستعادة من واقع يحوي الكثير من العبث والتمرد، فزمن هذا المكان يطل على فسحة من الحرية لم يدركها أصحابها لحين ما انتهى امرهم الى حصار لف كل الاماكن ببغداد. فوزي كريم يرصد التحول الاول في حياته من فتى يعيش يومه بين وقت خيالي يرحل فيه الاصدقاء الى عالم الكتب متلمسين تجارب تسع العالم وتلامس الاماكن القصية، يرصد قراءاته وتصوراته عن الواقع، ثم ينتهي بصدمة السياسة التي يؤرخها بمقتل نوري السعيد، بعد اندلاع ثورة تموز وسحله مع عبد الاله  في شوارع بغداد. هذه الحوادث يستعيدها عبر فقرات مطولة ينقلها من كتاب أحد العسكريين الذين شاركوا في الانقلاب، ويصف فيها بالتفصيل طريقة قتل العائلة المالكة. وان كانت رائحة الجثة المحترقة لنوري السعيد تلاحق الفتى الصغير الذي خرج الى الشارع فرحا، والذي وزع والده الفقير بائع الخضار بطيخه فرحا بالثورة، فقد تحولت تلك الثورة في سنواته اللاحقة الى كوابيس يحاول ان يحمي فيها نفسه من مد هذه الاندفاعة الجارفة.

عبر شريط الذكريات يرى فوزي كريم نفسه صورة للمثقف المستقل الذي تحاصره حراب السياسة، فلا يجد منها فكاكا سوى بالهرب الى الخارج. غير ان نزعة الافتخار بإمتياز إستقلاله عن الاحزاب، تجعل من تصوراته عن صراع الافكار في منحاه الادبي وفي تمثلاته التي يعيشها المثقف، يتخذ بعدا تبسيطيا، وان حوى الكثير من الانتباهات المهمة.فالمشكلة الاساسية في تلك الفترة والفترة التي سبقتها ولحقتها، كما نتخيل، ليست مشكلة سياسية حسب، بل هي مشكلة مفاهيم وقيم ثقافية، فالوعي بالحرية بقي في أعراف الجمع الثقافي الذي تمثل صيغ التجديد الغربي أوانذاك، يفتقد كفاية الايمان بفردانية او ذاتية المثقف، سواء كان داخل حزب معين او مؤسسة او خارجهما.و الفردانية او الاستقلالية لاتتحقق عبر موقف سياسي غير منتم الى حزب او تنظيم،فالكثير من المستقلين كانت طروحاتهم أقرب الى المساطر الايديولوجية منها الى الاراء المنفتحة.بل ان ذاتية المثقف او استقلاله يتوضحان ضمن إطار مشروع ثقافي  تنبثق فيه ومن خلاله مفاهيم  وانماط من التفكير تصبح موقع جذب معرفي قبل ان تدرج في باب المواقف الشخصية.

كانت مرحلة الستينيات او السبعينيات في العراق أفقر من أن تنتج بدائلها الفكرية الناضجة، فهي قامت على تراث شعري صخاب كان يكتسح العراق، وهو بالضرورة ثوري ومسيس، ولم تكن الهوامش التي أتت بها الستينيات سواء على مستوى الابداع او الفاعلية الاجتماعية، سوى الامتداد الطبيعي لهذا التراث.

 يتحدث فوزي كريم في كتابه، عن النزعة الانقلابية في حداثة الستينيين، التي لايرى كبير إختلاف بينها وبين نزعة الحزبيين او العسكر الذين كان همهم  الاستيلاء على السلطة، وهؤلاء كما يقول المؤلف : يعمدون لتحقيق هدفهم  على توفير اكبر عدد من الاعداء النوعيين، والاتجاه نحو حرق المراحل والاجهاز على الماضي، وادعاء التكافؤ الحداثي مع الغرب، او محاولة تسفيهه دائما، والتزام النزعة الثورية العدمية. يستشهد المؤلف بقول شعري لفاضل العزاوي اشتهر حينذاك :(( أخرجوا الى الشوارع وانسفوا العالم القديم بالقنابل)).التفاصيل


من على الارصفة جمعت وطني صورة صورة!

جمعة الحلفي

عندما صدر (كتاب العراق) عام 1995 وهو مجلد ضخم وانيق يضم اكثر من 700 صورة فوتوغرافية تؤرخ للحياة العراقية منذ مطلع القرن الماضي حتى منتصفه، أعددت بعض الاسئلة لحوار مفتوح مع صاحب الكتاب، الصديق عامر بدر حسون، وكان من بين تلك الاسئلة السؤال التالي: في بحثك الدؤوب والمضني عن الصور والوثائق القديمة، تبدو وكأنك تبحث، في هذا الركام، عن وطن مضاع، فهل عثرت على مبتغاك وماذا تعني لك صورة العراق القديمة مقارنة بصورته الحالية؟

ولظروف مختلفة لم تتح الفرصة حينها لاجراء ذلك الحوار مع عامر بدر حسون، لكنني وبعد خمس سنوات، وجدت جواباً على سؤالي ذاك مجسداً في ثنايا كتابه الجديد (كتاب سوريا) وهو الاخر مجلد ضخم وانيق ايضاً يضم المئات من الصور عن الحياة السورية، خلال الخمسين سنة الاولى من القرن الماضي، جمعها عامر من المكتبات والمؤسسات ومن الارصفة، حيث باعة الكتب والمجلات القديمة (وراقو القرن العشرين كما يسميهم) وكذلك من بيوت الاصدقاء (السوريين طبعاً!).

يقول عامر، في مقدمة كتابه، بما يشبه الاجابة عن سؤال مضمر: في سوريا استطيع ان احن الى العراق دون ان اتذمر من المكان الذي انا فيه على عادة المنفيين عن بلادهم لعلني احبها لهذا السبب، او لعلها هي التي تذكرني، عامدة، ببغداد، بل هي التي تطلبني بأن تبقى دجلة في البال وبغداد في القلب!

إذن الحنين هو الذي حمل عامر ليقضي سنوات عدة في البحث عن صورة الوطن فوق الارصفة او في ازقة المنافي، فبعد ان تاكد انه لن يعثر عليه لا في المكتبات الكبرى ولا في مراكز البحوث، ولافي الواقع، راح يبحث عنه على الارصفة.. هكذا يقول: من على الرصيف جمعت وطني صورة صورة.. خمسة عشر عاماً احتجتها كي اجمع صور الوطن الذي نأى عن اهله في فوضاه وحروبه وقسوته.

والى جانب الحنين هناك أسباب اخرى حملت عامر على خوض هذه المغامرة المرهقة، مغامرة البحث عن الوطن في الصور القديمة، من بينها محاولة سد النقص في ميدان التوثيق بالصورة، الذي اهملته الحكومات المتعاقبة في العراق، فمنذ مئات السنين والعراق يعيش حالة فقدان الاستقرار، اما الحكام الذين مروا عليه فقد كانوا يتصرفون، كحكام عابرين، كانوا قليلي الوعي بأهمية الماضي او التراث، كما يقول عامر، ولان الانسان عدوا لما يجهل، لهذا طالما شعر هؤلاء الحكام بانهم مهددون من ذلك الماضي اكثر مما هم مهددون بالمستقبل، والحال انك لا تجد في العراق، الا نادراً، لوحة على مدرسة او جامع او شارع، تشير الى انه افتتح من قبل ملك او حاكم سابق.

لكن ماالذي يميز الصورة عن بقية الفنون الاخرى، كالشعر والقصة والرسم، فهي ايضا تملك القدرة على التوثيق وعلى استعادة المكان والمشاعر والملامح والذكريات، فلماذا الصورة بالذات؟ يجيب عامر متسائلاً: لكن من قال ان الكلمات محايدة ودقيقة؟ من يضمن ان استعارة الذاكرة المكتوبة ونقلها من كاتب لاخر، يمكن ان يوصلها كما هي دون اضافات؟ حتى اللوحة الفنية تعبر عن راي او رؤية صاحبها اكثر مما تعبر عن الواقع، فهل تحول صورة البلاد البعيدة الى ارض ميعاد اخرى مشغولة بالحليب والعسل؟ قد يكون هذا جميلاً للوهلة الاولى، لكنه في النهاية ضد اشياء عديدة، ضد التاريخ وضد الحقيقة، وضد الواقع الذي مازال ممتداً هناك وهناك، لهذا فمن بين جميع هذه الوسائل (هذه الفنون) تقف الصورة مميزة في حياديتها وانشغالها بتصوير المكان والحياة كما هي.. في هذه اللحظة.

أجل، ان زاوية الكاميرا.. قد تعبر عن رأي ما، عن وجهة نظر ورغبة في ابراز شيء واخفاء اخر، لكنها رغم ذلك تبقى الاكثر حيادية.. فهي تقول لك: الحياة كانت هنا، في هذه اللحظة بالذات، ومن هذه الزاوية كما تراها الان في الصورة.. كما تراها الان وليس شيئاً اخر، فالشيء الاخر خارج عين الكاميرا.

في كتاب سورية يكرر عامر بدر حسون لعبة البحث عن الوطن في الصور القديمة، لكن هذه المرة في حارات دمشق وازقتها، فمن بين مدن كثيرة زارها أو عاش فيها، استهوته فكرة العيش او النفي في دمشق وحدها، وهكذا قررت، كما يقول (البقاء فيها منذ اول زيارة لها، لكنني احتجت الى وقت طويل لاعرف لماذا اخترتها، فهل هي ذاكرة المكان؟) نعم ذاكرة المكان، فالانسان لايألف المكان بسهولة ان لم يجد في ذاكرته مايشبهه، وفي دمشق كان عامر، ومن دون قصد، يفتش عن بغداد وعن مدن عراقية وكان يجد بعضاً من هذا.

يقول عامر: في دمشق، القديمة تحديداً، كنت أرى عتبة باب البيت والدربونة والشناشيل التي توشك على عناق بعضها، والاسواق المسقفة.. فتهدأ روحي قليلاً ويقل احساسي بالغربة وانا اجد مايذكرني بمدينتي العراقية في هذه الازقة.

حتى في الصور التي تؤرخ للحياة السورية ينقب عامر عما يمت بصلة الى العراق، فهذه صورة للحفلة التي اقيمت ايار العام 1933 احتفاء بوفد كشافة العراق، وتلك لحفل تكريم الشاعر العراقي احمد الصافي النجفي في العام 1935 وثالثة لوفد المحامين ورابعة لسيارات النيرن القديمة التي كانت تنقل الركاب بين دمشق وبغداد، ولكن ليس في هذا بالطبع ما يقلل من القيمة التوثيقية الخاصة بالحياة السورية، فهذه الصورة او تلك لاتشكل في الواقع سوى نسبة ضئيلة امام صور الحياة السورية، بل هي جزء من هذه الحياة نفسها ولاتحمل من العراق سوى تلك الرائحة التي تثير شهية عامر وتدفعه الى المزيد من البحث والتنقيب.

في (كتاب سوريا) حشد عجيب ومثير من صور الحياة بمختلف مناخاتها واحداثها ومفارقاتها وتاريخيتها، فهناك صور لرسومات فنانين ومستشرقين من امثال البريطاني شالز روبرتسون والاميركي ادوار تروي، تعود الى نهاية القرن الثامن عشر، وهناك صور للاسواق والخانات والجوامع والكنائس والمقامات المقدسة، تعود الى بداية القرن الماضي، وهناك صور لمواقع واحداث كبرى من مثل دخول قوات الثورة العربية الى دمشق 1918، وكان على رأسها الملك فيصل والجنرال اللنبي، وحريق دمشق الشهير 1925 والجلسة الافتتاحية للبرلمان السوري 1932 وتظاهرات أهالي لواء الاسكندرونه احتجاجاً على ضم تركيا له 1929 هذا اضافة الى صور نادرة لقادة سوريا ووجوهها الاجتماعية والثقافية والفكرية والمهنية من بينهم عبد الرحمن الشهبندر وحقي العظم وابراهيم هنانو وتاج الدين الحسني ومحمد علي العابد وشكري القوتلي وحسني الزعيم واديب الشيشكلي وعطا الايوبي وسعيد الجزائري وطاهر الجزائري وفخر البارودي وابو خليل القباني وعلي درويش وعمر البطش وصالح الجندي وغيرهم العشرات.

(كتاب سوريا) بمقياس الجهد والتوثيق وحسن الاختيار، اثمن واجمل هدية يمكن ان يقدمها المرء لمكان احبه.. وعامر بدر حسون ناب عن العراقيين، ممن احبوا الشام وتآلفوا معها، في تقديمه لهذه الهدية الثمينة.


مقهى بغداد الشعري يحتفي في دورته الرابعة بالشعر السياسي

يقدم مهرجان (مقهى بغداد الشعري) السنوي في السويد في دورته الرابعة التي عقدت في الفترة 3 - 5 ايلول (سبتمبر) الجاري نماذجاً من الشعر السياسي من بقاع متمايزة من العالم. ومن الاسماء المشاركة في هذه الدورة: فوزي كريم، ابراهيم عبد الملك (العراق) مريم هولا (ايران) ماريا هولا (اليونان) دانيال دستلكو، نجمة شهبون (السويد)، إلى جانب شعراء سويديين آخرين.

وستشهد هذه الدورة مسابقة القصة القصيرة المحكية، وسيكون الجمهور بمثابة لجنة التحكيم المفترضة لتقييم المواد المشاركة وتوزيع الجوائر على الفائزين.

من الموسيقيين المشاركين في الدورة الرابعة للمهرجان: امين ميرشاهي، عازف ومغن صوفي (ايران) كونا نوكوتوكو (ناميبيا)، اما المؤلف الموسيقي وعازف العود العراقي احمد مختار الذي سيفتتح المهرجان ويختتمه ايضاً، ستكون مشاركته بعنوان (اصوات من بغداد) وسيقدم خلالها مجموعة من مؤلفاته الموسيقية واخرى من التراث العراقي والعربي.

كما ستكون ثمة قراءات باللغة السويدية للنصوص المقدمة في المهرجان ترجمة الشاعر محمد جاسم المدير التنفيذي للمهرجان.


 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة