الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

تحقيق:الفساد الإداري في مؤسسات الدولة العراقية .. المطلوب إعادة تأهيل شامل لشخصية الموظف العراقي ببعديها الأخلاقي والمهني

علي كاظم الشمري

جامعة واســط

- زيادة الرواتب لم تقض على الرشوة والمحسوبية بل زادت على ماكانت عليه من قبل

- الركود وضعف الرغبة بالتطوير أصبحت سمة شائعة لدى الكثير من المديرين

اعتاد البشر منذ القدم أن يعملوا ضمن مجموعات مهنية،لها أنساقها وتفاعلاتها وتقسيمات العمل فيها بين مرؤوس ورئيس.وقـد دلت على ذلك  الرموز والكتابات المكتشفة على جدران الكهوف للإنسان القديم،إذ يظهر ذلك الانسان في بعض هذه الصور واقفاً في وسط مجموعة من الأفراد وهو يؤشر بعصا حجرية على حيوانات يروم اصطيادها.كما يظهر في صورأخرى وامامه كومة من الثمار جمعها الأفراد الذين تجمعوا حوله وكأنهم ينتظرون توزيعها عليهم من قبله.ويعتقد بعض المختصين بأن السبب وراء ذلك يعود الى نزعة الفرد الفطرية الى الرعاية والانقياد من قبل فرد آخر يجده مؤهلا أكثر منه، بينما يعتقد فريق آخر بأن اعتراف الإنسان بالعبودية للإنسان هو تعبير رمزي للشعور بالضعف،فيما يفسر فريق ثالث الأمر بأنه نزعة الحكمة لدى الانسان باختيار قدوة له في من يجده متفوقاً عليه في القدرة والمؤهلات. ومع تلك التفسيرات وغيرها نجد إن صورة النظام والادارة وتقسيم العمل أخذت دلالة أكثر وضوحاً في الحضارات اللاحقة للإنسان الأول،مثل حضارة وادي النيل ووادي الرافدين،اذ جاءت الصور والرموز فيها أكثر تعبيراً عن وجود هذا التنظيم في المهن الحياتية المختلفة.ولعل مسلة حمورابي بما فيها من تعاليم وقوانين اهتمت بتنظيم شتى الاعمال في الزراعة والتجارة والصناعة،تعد أبرز مثال على ذلك؛وهكذا وصولاً الى الحضارات الوسطى المتمثلة بالاغريق والرومان حيث بدأت الحياة تأخذ نمطاً يعتمد منهج العلم والفكر بدرجة أكبر من السابق في التعامل مع متطلبات الصراع المتأجج بين الأمم آنذاك0وهنا بدأ العالم يشهد بزوغ هيكلية الدولة الامبراطورية،وتعدد وتنوع الاقسام والدوائر المشرفة على شؤون الدولة وتعاملاتها مع الرعية،حتى جاء عصر النهضة الحديث الذي شهد انبثاق العلوم من رحم الفلسفة المعاصرة،ومنها (علم النفس) الذي وضع في سلم أولوياته قضية الادارة،مؤطراً إياها ضمن حقل معرفي صار يعرف بـ(علم النفس الاداري). ولعل ما أسهم في تفعيل هذا الحقل،مابدء يسود العالم من أنماط العمل الرأسمالي التي تعتمد على سلطة رب عمل يستخدم آلاف الأفراد ويستنفذ جهدهم بما يصب في تنمية رأس ماله،هذا الأمر جعل للادارة أهمية اسثنائية،إذ إنه أفرز مشكلات بدأت تنعكس سلباً على صحة العامل البدنية والنفسية والاجتماعية،الأمر الذي دفع علماء النفس المهتمين بالمجال الصناعي بشكل خاص الى أن يركزوا اهتمامهم على تلك المشكلات،من خلال إجراء كم هائل من البحوث والدراسات التي أدت الى رفد نظريات علم النفس عموماً بمعلومات مهمة وجوهرية عن قضايا أساسية في سلوك الفرد وشخصيته،فضلاً عن تأسيس نظريات جديدة متخصصة في المجالين الصناعي والاداري0

ونلمس في واقعنا الإداري  العراقي السائد حالياً أو سابقاً في مؤسسات الدولة،قصوراً أو عدم اتفاق مع المعايير المتعارف عليها في تنظيم وإدارة العمل علمياً واخلاقيا ونفسياًً0فالملاحظ على الشخصية الادارية، في أروقة دوائرنا الحكومية عموماً،طابع التنصل من المسؤولية والاهتمام بالمصالح الشخصية على حساب العمل والصالح العام،حتى أصبح هناك نزوع سائد لدى أغلب مديري العمل نحو الاستفادة من مناصبهم الى اقصى حد ممكن،لأنهم على قناعة بأنهم سيغادرون مناصبهم خلال فترة محسوبة،ولذا عليهم أن يحققوا أكبر مقدار ممكن من المكاسب الشخصية خلالها،دون اعتبار كاف لما يتوجب عليهم من مسؤوليات تجاه دوائرهم ومصلحتها.فأصبح مألوفاً أن يوصف المسؤول الإداري بأنه الساعي دوماً الى تحقيق مصالحه الذاتية أولاً،ثم تأتي مصلحة الدائرة بعد ذلك.وحتى الأعمال التى تصب في مصلحة الدائرة فهي مرحب بها بقدر ماتنسجم مع مصالحه الشخصية.أما الأعمال التي تقترح من قبل البعض والتي يمكن أن تسهم في توسيع الدائرة وتطوير أدائها فانها غالباً ما ترفض تحت مبررات وحجج واهية مختلفة،حتى صار أمراً شائعاً ومتداولاً بين منتسبي الدوائر إن المسؤول أو المدير يحاول الوقوف دائما بوجه أي حالة تحديث أوتطوير في دائرته.

وبهذا الصدد،كان لنا هذا الاستطلاع  الميداني في عدد من الدوائر الحكومية  في محافظة واسط،التقينا  فيها مجموعة من الموظفين والموظفات بلغ عددهم (70) فرداً،مستفسرين منهم عن آرائهم  بالموضوع،من خلال السؤال الآتي: (كيف تقيّم أداء مديرك في العمل؟). وكانت حصيلة الآراء ما يأتي: أفاد (50%) من العينة بأن المدير دائم الرفض لمقترحات بعض الموظفين التي تصب في خدمة الدائرة. وعزوا سبب  ذلك الى خوف المدير أن يكون لتنفيذ ذلك المقترح أثر في تمكين الموظف من التأثير في محيطه الوظيفي، واتساع ذلك التأثير ليشمل المستقبل الاداري للمدير. بينما عبر (30%) عن اعتقادهم بوجود روح الانفراد بالادارة لدى المسؤول، وضعف استجابته لاقتراحات الآخرين وطلباتهم،بسبب افتقاره لإرادة القيام بفعل يعود بالفائدة على الآخرين0أما الرأي الثالث فقد عبر عنه (20% ) من العينة بقولهم : ان حالة الركود والاستكانة وضعف الرغبة في الانجاز والتطوير،أصبحت سمة شائعة لدى الكثيرين من عامة الشعب،ومنهم المسؤءلون او المديرون بوصفهم شريحة لها امتداداتها في كل فئات المجتمع.

أما من ناحية المرؤوس أو الموظف،فقد استطلعنا آراء عينة مـــــــــــن المواطنين المراجعين في الدوائر المختلفة لمدينة الكوت،بلغ عددهم ( 56) فرداً من الجنسين،موجهين اليهم السؤال الآتي: ((كيف تقيّم أداء الموظفين في دوائر الدولة؟)). وقد اشترك الجميع تقريباً في الرأي الموحد الآتي: ((أداء الموظفين ضعيف،ويتعمدون دائمــــــــــاً تعطيل المعاملات واختلاق العراقيل بشكل دائم، والاهتمام فقط بالمعاملات القائمة على الرشوة والمحسوبية. ولم تستطع الزيادة الاخيرة للرواتب القضاء على تلك السلوكيات بل زادت عــما قبل. فضلاً عن طابع المزاجية فـــــي العمل،والتهرب من المسؤولية،والانصياع لرغبات المسؤول وموافقته في كل قضية سواء كانت متماشية مع المعاير والأصول القانونية الإدارية أو لا، وضعف الشـعور بالاهتمام تجاه معاملات المواطنين مما ينجم عنه تسويف وإضاعة الكثير منها،حتى أصبحت العلاقة بين المواطن والموظف قائمة على ضعف الثقة أو انعدامها في حالات كثيرة، مما يدفع أغلب المراجعين الى تبني الشعار القائل: (اذا لم تتابع معاملتك بنفسك فلن تضمن انجازها).

إن هذه الآراء إنما تدل بوضوح على تردي الشخصية المهنية لموظفينا،سواء في ادائها الوظيفي،أو في تعاملها السلوكي،أو في غياب (الضمير المهني) الذي بات الكثيرون يستحضرون ذكرياته ويتأسون عليه،بترديدات ممزوجة بالحسرة: ((كان الموظف العراقي أيام زمان مثالاً للحرص والاخلاص والامانة)).ومن بين أكثر الامثلة الشائعة على ذلك مايتردد حول المعلم وكيف كان في حقبة الستينيات وما قبلها أميناً و مثابراً وأنيقاً، وكان تلاميذه يقلدونه في ذلك،وكيف كان يستحثهم بأستمرار على سلوكيات التعاون والامانة والحفاظ على الكتاب ومستلزمات المدرسة،فضلاً عن حب المعرفة والتنافس فـــــــي العلم0إن سياسة إفقار المعلم وغيره من موظفي الدولة،التي اتبعها النظام السابق،وما رافقها من إشاعة المحسوبية الحزبية والعشائرية،والتنكيل بأصحاب الكفاءات المهنية والإدارية،والترويج الظاهري والضمني لفلسفة: ((الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب))،أدى كل ذلك الى تجذر ظاهرة ((الفساد الإداري))في أروقة الدولة،التي لا نزال ندفع ثمنها كل يوم،إذ لا توجد مؤشرات بعد على وجود خطة اصلاحية جذرية شاملة لاستئصالها،فالأمر لم يعد يتعلق بزيادة الرواتب وتحسين الامتيازات المالية للموظف بمقدار ما يتعلق بإصلاح نفسي شامل لشخصيته المهنية،التي أقل ما نقول عنها إنها تعاني من اضطراب مزمن ببعديها القيمي والمهني.

نقترح إعادة تأهيل شامل للملاكات الأدارية كافة في مؤسسات دولتنا دون استثناء.فالنظام السابق تنازل عن سلطته السياسية المباشرة،لكن الأمراض النفسية والاجتماعية التي أشاعها في كل زاوية من زوايا حياتنا العامة والخاصة، مازالت تنفث قيحها في شرايين دولتنا ومجتمعنا،وكأن على العراقيين أن يدمنوا على قدر واحد لا يتغير، مضمونه الخراب والآلام، وإن جاء بمسميات جديدة أكثر تزويقاً ومقبولية.ولا ريب إن اعادة التأهيل الشامل هذه لا بد أن ترتبط بمشروع وطني واسع الأبعاد والغايات،تضطلع به التنظيمات السياسية والفكرية والثقافية والأكاديمية والمدنية كافة، ممن يتبنون حلم العراق الجديد.إلا أنه يبدو مشروعاً لايزال من المبكر الحديث عنه


الانترنيت النفسي : الــنــوم و إعادة التوازن لنمط الحياة اليومي

أثمار شاكر مجيد

جامعة بغداد

بالرغم من أن الإنسان يقضي قرابة ثلث حياته نائماً،إلا أن الأكثرية لا يعرفون الكثير عن النوم .هناك اعتقاد سائد بأن النوم عبارة عن خمول في وظائف الجسم الجسدية والعقلية يحتاجه الإنسان لتجديد نشاطه.والواقع المثبت علمياً خلاف ذلك تماماً،إذ يحدث أثناء النوم العديد من الأنشطة المعقدة على مستوى المخ والجسم بصفة عامة وليس كما يعتقد البعض،بل على العكس إن بعض الوظائف تكون انشط خلال النوم،كما إن بعض الأمراض تحدث خلال النوم فقط وتختفي مع استيقاظ المريض.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يحدث خلال النوم ؟النوم ليس فقداناً للوعي أو غيبوبة،و إنما حالة خاصة يمر بها الإنسان، تتم خلالها أنشطة معينة .فعندما يكون الإنسان مستيقظاً فان المخ يكون لديه نشاط كهربائي معين، ومع حلول النوم يبدأ هذا النشاط بالتغيير.ودراسة النوم  تساعدنا في تحديد ذلك تحديداً دقيقاً . فالنائم يمر خلال نومه بعدة مراحل  لكل منها دورها.فهناك المرحلة الأولى والثانية، يكون النوم خلالهما خفيفاً،بعد ذلك تبدأ المرحلة الثالثة والرابعة،أو ما يعرف بالنوم العميق،وهاتان المرحلتان مهمتان لاستعادة الجسم نشاطه، فنقصهما من النوم ينتج عنه النوم الخفيف غير المريح والتعب والإجهاد خلال النهار. وبعد زهاء تسعين دقيقة من بدء النوم، تبدأ مرحلة الأحلام أو ما يعرف بمرحلة حركة العينين السريعة، التي هي مرحلة مهمة لاستعادة الجسم نشاطه. والمرور بجميع مراحل النوم يعرف بدورة  النوم الكاملة. وخلال نوم الإنسان الطبيعي (6- 8 ساعات ) يمر الإنسان بــ(4-6) دورات نوم كاملة تقريباً.

يتفاوت عدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان الطبيعي تفاوتاً كبيراً من شخص لآخر.ولكن المؤكد إن عدد ساعات النوم التي يحتاجها الشخص نفسه تكون ثابتة دائماً .فبالرغم من أن الإنسان قد ينام في إحدى الليالي اكثر من ليلة أخرى،إلا أن عدد الساعات التي ينامها الشخص خلال الأسبوع أو الشهر تكون ثابتة.ويوجد اعتقاد غير دقيق منتشر بين الناس، بأن عدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان هي (8) ساعات،ولكن في الواقع ليس بالضرورة أن كل إنسان يحتاج ذلك العدد من الساعات. فنوم الإنسان يتراوح من (4)ساعات لدى البعض إلى (10) ساعات لدى البعض الآخر. ويدعى الأشخاص الذين ينامون اقل من (6) ساعات بأصحاب النوم القصير،والذين ينامون اكثر من (9) ساعات بأصحاب النوم الطويل.فـ (نابليون)  و(اديسون) كانا من أصحاب النوم القصير،في حين أن ( اينشتاين) كان من أصحاب النوم الطويل؛بمعنى أن عدد ساعات النوم التي يحتاجها الإنسان إذا كان طبيعياً ولا يعاني من أحد أمراض النوم لا يؤثر في إنتاجيته وإبداعه.

وعندما يتقدم الإنسان في العمر فان عدد ساعات النوم التي يحتاجها الجسم يختلف، وذلك لأن طبيعة النوم تتغير بتقدم العمر.فعند كبار السن يصبح النوم خفيفاً واقل فاعلية واقل راحة بالرغم من عدم تغير ساعات النوم. ويعود السبب في ذلك إلى أن نسبة كل مرحلة من مراحل النوم تتغير مع تقدم السن.فعندما يبلغ الرجل قرابة سن الخمسين والمرأة سن الستين فأن نسبة النوم العميق تكون قد وصلت عادة إلى نسبة بسيطة جداً من وقت النوم،وعند البعض قد تختفي تماماً.فتجد الأشخاص في هذا السن أسرع استيقاظاً نتيجة الضوضاء الخارجية مقارنة بمن هم اصغر سناً،ويكون نومهم خفيفاً متقطعاً طوال الليل،وهذا أحد أسباب النعاس خلال النهار الذي يصيب الكثير من كبار السن .

طرق ونصائح تساعد في النوم

* اخلد إلى السرير فقط عندما تشعر بالنعاس.

* قبل الذهاب للنوم عطر الغرفة بالزيوت العطرية لأنها تساعد في الاسترخاء.

* إذا لم تشعر بالنعاس،استفد من وقتك بالقراءة وسرعان ما ستشعر بالنعاس.هناك سبب نفسي يفسر هذا الأمر وهو انك عندما تستغرق في القراءة فانك تستغرق تدريجياً في حالة الاسترخاء .

* تجنب الذهاب إلى الفراش وأنت جائع بل تناول وجبة خفيفة عند المساء ويفضل أن تكون خالية من الدهون.

* اختر السرير والوسادة المناسبة كي لا تشعر بالقلق والتعب والاضطراب.

* تناول الحليب الدافئ ،فالحليب يعد شرابا طبيعياً يساعد في النوم لأنه يحتوي على الكالسيوم وحامض التريبوتوفان الأميني وكلاهما يساعد الجسد في الاسترخاء.

 * تمتع بحمام دافئ قبل النوم،حيث إن الحمام الدافئ ينتزع من عضلاتك كل توتر اليوم ويجعلك في حالة مزاجية افضل .

* تجنب النظر المتكرر إلى ساعة المنبه،لأن ذلك قد يزيد التوتر ومن ثم الأرق.

* يجب أن تجد الوقت لتهدأ قبل الذهاب إلى النوم،وأن تحاول إيجاد الحلول لمشكلاتك،إذ إن مجرد التفكير بالحلول قد يؤدي إلى حالة من الاطمئنان النفسي.

* ابتعد عن التلفزيون قبل النوم بساعة،لأن هناك أدلة تشير إلى أن النور المنبعث من شاشة التلفاز يؤثر سلباً في الغدة الصنوبرية.


في سيكولوجية السلوك الجمعي

عبد الكريم سليم علي

- الانفعالات الجمعية تحرر مكبوتات النفس من مخاوف وعقد وآمال وأفراح وأحقاد

- عندما تسود ايحاءات العقل الجمعي يفقد الفرد استقلاله الذاتي وقد يندفع في سلوكيات يندم عليها بعد صحوته

ما سر التغيير الملحوظ الذي يطرأ على سلوك الأفراد وقت تجمهرهم؟ ولِمَ يقوم البعض بأفعال غريبة وشاذة، غير تلك التي عهدناها منهم في سياقات حياتهم الاعتيادية؟ وما سبب ما نراه لديهم من سهولة الاستثارة والهياج والاندفاع وراء الشغب والعنف والصياح والسرقة والتخريب والقتل؟ لهذه الاسئلة وغيرها، يبحث علماء النفس والاجتماع عن إجابات مقنعة، تعين في فهم السلوك الإنساني وقت التجمهر. ومما تفيد به نتائج الدراسات في هذا المجال: إن سلوك الجماعة في المواقف المثيرة ربما يكون ناجماً عن ظهور (عقل جمعي) يسبغ تفاعل الناس بصفة الجمعية.وهذا العقل إن جاز التعبير،يعد قوة مهيمنة على كل فعاليات الجمهرة؛أي إن الناس عند تفاعلهم وبفعل قوة الايحاء يفقدون استقلالهم الذاتي وشعورهم بأنهم افراد مستقلون،فيندمجون وينصهرون في كلٍ تهيمن عليه هذه الروح أو العقل الجمعي، وتملي على الاعضاء فيه سلوكهم.وهذا العقل، طبقا لتحليلات (غوستاف ليبون)، يعد ناقصاً قياساً بعقل الفرد عندما يكون منفرداً.

وتفيد الدراسات، بأن مواقف السلوك الجمعي تخضع للتلقائية واللاتخطيط، بمعنى إنها تتسم بالنقص النسبي في التنظيم قياساً بمظاهر السلوك الفردي المنضبط، فضلاً عن إنها تعتمد على التنبيه الداخلي المتبادل بين الأفراد،والمتميز بسرعة تقبل الإيحاء والمحاكاة ومسايرة سلوك الرهط والخضوع لعقله الجمعي، وبخاصة عندما تسود الجماهير حالة هياج انفعالي ناشئة عن حدوث أو توقع حدوث كارثة أو حدث خطير يمس الجميع،أو عن الاعتقاد بأن أعراف وتقاليد معينة مهددة بالإساءة اليها (مع الانتباه الى أن أفراداً عديدين من بين تلك الحشود، ربما يمارسون أشكالاً متنوعة وخروقات عديدة  للمبادىء ذاتها التي استفز توقع المساس بها مشاعر الجماهير).

إن الحديث عن السلوك الجمعي لا يعني الإقرار بأنه صفة حتمية لأعضاء الرهط كافة، فربما يحافظ البعض على توازنه الى حد ما،ويتميز في تصرفاته عن الجماعة، إلا أن هذه الاختلافات في السلوك الفردي لا تلاحظ وتضمحل بفعل الحشد.وتلك الحالة بذاتها تسهم في تشجيع الإطاحة بالموانع والنواهي التي تضبط السلوك،مثل الخوف من الانتقام والمساءلة مستقبلاً.كما إن الكثير من الأفعال تجد لنفسها مبررات بفعل الاندماج في الجماعة وسيادة الشائع والمتبع حينها.ومن ناحية أخرى،فإن خاصية التمييز في إطار توجهات السلوك الجمعي تسهم أحياناً في أن يكون للجمهرة زعامة، إذ بسبب قلة تأثير المنطق والحكمة يكون سلوك الجماعة أكثر تأثراً بصيحة محرض أو منادٍ يؤشر لمخرج من الخطر،أو يوجه لنوع من السلوك، وبخاصة إذا كان لهذا الشخص هالة مسبقة في نظر الجماعة، فسرعان ما تصبح توجيهاته سلوكاً شائعاً عاماً قيد التنفيذ دون أي مراجعة للنيات والأهداف. فقد يوجه هذا الشخص غضب الجماهير نحو فئة أو شخص ما على أساس مخالفة الرأي،أو ربما يحث حشوداً معينة على رفض لائحة من القوانين والقواعد التي تهم الناس،فيستجاب له دون حتى أدنى اطلاع عليها.

ومسألة زعامة الجمهرة هي الأخرى مسألة نسبية وغير مستقرة كحال الجماهير. فالعديد من حالات الجمهرة تنشأ تلقائياً بفعل موقف مثير يؤلف بين الافراد، مثلاً: رد فعل جمهرة معينة تجاه الاضطهاد أو هدر حقوق معينة دون زعيم يقودها أو يوجهها، وقد ينهض من بين الصفوف على حين غرة زعيم يحاول تـنظيم صفوفها وتوجيه حركتها.لكن سمة الجمهرة هي عدم الاستقرار لأنها رعناء متحولة متفاعلة لا تلبث على نحو واحد. فقد ينهض زعيم آخر يضلها عن هداها وربما يسوقها الى رداها، وقد يختلط الأمر بينهما فيختفيان فجأة بين الحشد ويبتلعهم التيار وتمسي الجمهرة كما بدأت دون زعيم.

ولعل ما يميز الانفعالات والعواطف المتأججة، بوصفها معطيات سلوك جمعي، أنها لا تعد وليدة الصدفة أو نتائج سياقات حدث ما كلياً، بل تحريرات انفعالية ترتبط بماضي الأفراد وتجاربهم في مجتمعهم. فالعديد من الرغبات غير المشبعة والمخاوف والعقد والأفراح والآمال والأحقاد تستتر وتنكمش بفعل العواقب الوخيمة المتوقعة جراء التصريح بها أو التعبير عنها، وتصبح مقيدة أكثر عندما لا يجد الفرد حوله من يشاركه فيها، واذا ما وجدت تلك المكنونات النفسية لها مخرجاً -في إطار سلوك جمعي- فإنها ستندفع بقوة مضاعفة ناشئة عن تفاعل وتخصيب جميع الانفعالات والعواطف المكبوتة عبر سنوات متعددة من القهر،فضلاً عن تفاعل تلك الطاقة المحررة مع انفعالات وعواطف الآخرين في الرهط، فتكبر دائرة الإنفعال في وسط يغذيها،ويتعاظم شأنها ويمتد تأثيرها؛ بمعنى إن عواطف وانفعالات أي فرد في الجماعة يمكن أن تنال من الآخر، والعكس صحيح،فتنقلب بترابطاتها الى فزع ورعب واستفزاز وممارسات غير متوقعة وما الى ذلك من أمور ربما يندم على فعلها الفرد بعد صحوته من هيجانه .

إن تجارب ومعاناة الفرد المكبوتة عبر سنين حياته لا تستقر في عالمه الداخلي بوصفها أرشيفاً تاريخياً، بل ثمة طاقة نفسية مصاحبة لكل حدث أو تجربة تتداخل فيما بينها وتتفاعل فتعبر عن نفسها بأشكال سلوك جديدة غير مألوفة حتى بالنسبة للفرد ذاته.تلك الطاقة النفسية، ربما تدفع الفرد أحياناً، وحتى عندما يكون خارج الرهط، الى الشعور بحاجة ماسة لمشاركة الرهط أفعاله، فالإنسان يكره العزلة المعنوية أكثر من العزلة المادية، والحالات الانفعالية تبتغي لها التأييد، بمعنى إنها تريد أن يتوزعها الناس. فحالات غضبنا مثلاً، لا تجد الطمأنينة إلا إذا لقيت من حكم الغير إقراراً بها، بمعنى محاولة دسها في أذهان السامعين ليصبح الإقرار بها لزاماً على أنها ليست عواطفنا فحسب بل هي حقيقة تصلح للجميع وتلزم الجميع. إن الحالات الانفعالية في السلوك الجماهيري لها عدوى متفاوتة في درجة الحدة، إلا أنه كلما كان المحيط مؤتلفاً وإياها ومؤيداً لها، وكلما كانت مشاركته فيها واضحة وصريحة، ازداد عنفوان الهيجان، وتحررت الطاقة النفسية بقوة وبتيار عاليين.وبدون ذلك المحيط، وبدون تلك المشاركة، لا يحقق الهيجان جميع كوامن إمكاناته الذهنية والحركية.على ذلك فالقاعدة تقول:إن هيجاناتنا تولد ولها تأريخ طويل،وتكبر وتترعرع في محيط بشري يغذيها بالاضطراب الذي حملته هي إليه.

لمزيد من الاطلاع،يمكن العودة الى دراستين عراقيتين رائدتين في مجال السلوك الجمعي :

- دراسة حاتم الكعبي ((السلوك الجمعي))،مطبعة الديوانية الحديثة 1973 .

-اطروحة ناهدة عبد الكريم حافظ ((دراسة حالة رعب جمعي))،رسالة ماجستير،جامعة بغداد 1975 .


 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة