الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

الوجدان

- 10 -

الامتحان

فائق بطي

لأهمية كتاب فائق بطي (الوجدان) الذي بث فيه سيرته الذاتية عبر نصف قرن من تاريخ العراق الحديث، آثرت (المدى) الثقافي أن تنشر بين وقت وآخر حلقات من هذا الكتاب الذي سيصدر عن (المدى) بدمشق قريباً لما يلقيه الكتاب من ضوء على مفصل مهم من نشوء الصحافة العراقية، وتطورها وأثرها في المعترك السياسي، واثر التحول من النظام الملكي إلى الجمهوري وما رافقه من أحداث وانقلابات. والكتاب من زاوية أخرى يكشف أسراراً وحلقات مؤثرة من تاريخ العراق السياسي والثقافي.

(المدى الثقافي)

الساعة الرابعة عصرا. عانقه جورج طويلا. نزل السلالم مسرعا، ثم غاب في السيارة الواقفة عند المنعطف الايسر للفندق.

انطلقت السيارة (المأمونة) مسرعة تخترق الشوارع المسكونة بالخطر والموت، وكلما لاح عن بعد متراس او تلة من اكياس الرمل في الوسط او على جانبي الطريق، يطالبه الشاب الهادىء الذي يقود السيارة بالانحناء واخفاء رأسه ، فالتعرف على الهوية قد يكلفه حياته.

بعد مسيرة محفوفة بالمخاطر، توقفت السيارة في شارع ضيق مظلم، وطلب منه السائق المقاتل ان يترجل منها بسرعة. لم يسعفه بكلمة شكر، بل زمجرت اطارات السيارة وقفزت في الوسط تلاحقها رصاصات الرجال وراء المتاريس. انه يدخل منطقة الحرام في القاطع الغربي من المدينة المستباحة.

وقف مشدوها على حافة الرصيف تلاحقه نظرات لا يعرف هوية اصحابها، ان كانوا من الاصدقاء العرب، ام العرب الاجانب، كما ينعتهم اعداء لبنان. من بعيد، لمح رجلا ضخما يلوح له ويطالبه بالاسراع الى حيث يقف والمسلحون الاخرون امام مبنى كبير. ادرك ببساطة ان المكان مقر امين لجماعة مسلحة تبسط سيطرتها على الشطر من بيروت.

قادته خطواته المثقلة برعب وهو يتعثربخراطيش فارغة لانواع من الاسلحة، واتجه الى المكان الذي يقف فيه الرجل. احس ان المسافة التي تربط منذ ترجله من السيارة ليصل الى المكان المجهول، طويلة جدا، بينما هي لا تتعدى خمسين مترا. اعلن عن اسمه وهويته، فعانقه الرجل وسلمه الى مسلح يقف بسيارته علامة فيات الايطالية البيضاء يجلس في داخلها مسلح اخر وانطلقا به الى مطار بيروت الدولي.

لم ينطق راكبو السيارة بحرف واحد، وبدأ بمراقبة تلك الشوارع التي بدت وكأنها قد هجرت منذ زمن سحيق، ناظرا الى العمارات التي شوهتها قذائف المقاتلين. فهناك بقايا محلات ومقاهٍ كانت قبل،الانفجار الغاضب، تعجب الناس والمصطافين والمثقفين اللبنانيين والعرب. تساءل مع نفسه: ألم تكن بيروت واحة المثقفين ينهلون من منابعها الفكرية ليكتبواعن  ذلك للاجيال اللاحقة؟ ازدحمت الافكار في ذاكرته فتألم وحزن.

امام المدخل الرئيسي لمبنى المطار يقف جنود لبنانيون وفلسطينيون، البعض منهم يحمل السلاح. طلب منه الشاب الفلسطيني الذي اوصله الى المطار مبلغ الف ليرة لبنانية ثمن وقود السيارة كما قال.

ولج البوابة الرئيسية، فشاهد قاعات المطار الواسعة مزدحمة بالمسافرين، كانت الساعة تشير الى السادسة مساء حين دوت اصوات اطلاقات متراشقة صاحبتها انفجارات شديدة من بعيد وكأنها رصاصات طائشة داخل المبنى. رمى بنفسه مع الجموع على الارض، بينما اختبأ اخرون وراء المقاعد الخشبية. بعد لحظات قليلة، علا صوت مكبرات المطار معلنا عن انتصار الانقلاب السلمي للعقيد عزيز الاحدب كمحاولة لانقاذ لبنان من المذابح.

تنفست الحشود المتراكمة في المطار الصعداء، وراحوا يهنئون بعضهم البعض، متمنين للعقيد الاحدب النجاح لانقاذ هذا البلد  من الضياع، الا ان الانقلاب لم يستمر الا ساعات معدودة، ولم ينقذ عروبة لبنان، بل زاد في تمزيق الجيش واضعاف دوره في حماية الوطن.

سأل عن طائرة خطوط الشرق الاوسط المتجهة الى بغداد، فقالوا له بأن السفر محظور هذه الليلة. استسلم للامر الواقع واتخذ له مقعدا في مكان قصي في المطار منتظرا الرحيل في صباح اليوم التالي، اثناء ذلك لمح عالية ممدوح التي دخلت المطار في حالة مرتبكة، فسلم عليها واخبرها بأمر تأجيل كل الرحلات هذه الليلة، فاستدارت عائدة من حيث أتت.

صعد الى قاعة (الترانزيت) في الطابق الثاني وانزوى في ركن هادىء منتظرا الساعات المقبلة، بعد ان هده التعب منذ الصباح. تقدم اليه ضابط برتبة نقيب مستفسرا منه عن سبب بقائه هذه الليلة في المطار. عرف الضابط انه عراقي في طريقه الى العراق، فأرتاح له واصطحبه الى صالة المطعم الخالية، فجلسا يتبادلان حديثا وديا.

نظر الى الضابط اللبناني وقال له:

-لماذا تقاتلون الفلسطينيين؟

-نحن لا نقاتل، انهم محترفو قتال لا سياسة.

-بل انكم تهاجمون مقراتهم ومعسكراتهم وتطوقون تل الزعتر بالدبابات.

رد الضابط بنبرة يشوبها الغضب:

-نحن لا نهاجم بل ندافع عنهم ونحميهم من هجمات الغرباء.

-ومن هم الغرباء؟

اجاب بسرعة:

-الذين يحملون السلاح القادم لهم من خارج الحدود.

-هل تقصد الكتائب والاحرار؟ انهم لبنانيون.

-يقولون انهم يريدون لبنان دون دخلاء.

سأله:

-ومن هم الدخلاء؟

-اللاجئون!

-اذن يحارب اللبناني اخاه الفلسطيني!

استطرد الضابط قائلا:

-الحقيقة هي ان اللبناني يقاتل اللبناني قبل ان تصله رصاصة الفلسطيني. انها الطائفية.

سأله:

-والفلسطينيون؟

-انهم كبش الفداء،و يدفعون ثمن اخطائهم  السياسية على ارض لبنان.

-اذن لهذا السبب وقع انقلاب الاحدب في هذا المساء؟

أجابه:

-يحاول الاحدب حماية كرامة الجيش اللبناني، بعد ان فقد واجبه كحام للبنان. ان حركة الاحدب احتجاج وليست انقلاباً، يستعرض عضلاته داخل معسكرات الجيش. الامر ليس بيد الاحدب او جيش لبنان. المسلحون والمقاتلون في لبنان اكثر عددا من الجيش اللبناني، ولديهم كل انواع الاسلحة، والخارجون عن القانون يريدون ذبح ديمقراطية هذا البلد وتمزيقه ارضاء لشهوات الحكام المتربصين بهذا النموذج.

نهض النقيب محمود، وعاد اليه بعد دقائق حاملا وسادة وبطانية، ولم ينس ان يترك له على الطاولة الصغيرة علبة سجائر (كريفن أيه)، متمنيا له نوما هادئا، وغاب عن الانظار.

لم يتمكن من النوم بسبب القلق والارهاق، ثم بدأت الصور تتلاحق في مخيلته لتبدأ بالتلاشي تدريجيا واستغرق في نومه ثم استيقظ وكانت خيوط ضياء الصباح قد بدأت تنير السماء، فهرع مسرعا الى مكتب الخطوط الجوية،  حيث وجد طابورا طويلا من المسافرين قد سبقوه، ومن بينهم لمح ثانية عالية ممدوح. ظفرا بالمقعدين، واقلعت بهما الطائرة مسرعة الى بغداد.

نظر عبر النافذة الى بيروت الحزينة وجالت في خاطره  تلك الصور التي يحتفظ بها هو ووالده عن لبنان الخلابة، بجبالها ووديانها التي تشبه بالفعل مدينة سويسرا، راح يطوي وراءه صفحات تاريخ كتب عليه ان يكون هو شاهدا جديدا على احداث امة ابتلت بزعماء عرب قبل ان تبتلي بالغرباء الاجانب.

                                              ***

تشرين الاول .. في موسكو

انهى الصحفيون مؤتمرهم العالمي الثامن في مدينة هلسنكي الفنلندية. كان الوفد العراقي يضم الى جانبه، كعضو دائم في مجلس النقابة، سعد قاسم حمودي، النقيب البعثي ورئيس تحرير جريدة الجمهورية الرسمية، فخري كريم، مدير تحرير جريدة طريق الشعب للحزب الشيوعي العراقي، نائبا للنقيب، وضياء حسن، البعثي والمحرر في صحف حزب البعث منذ ثورة 14 تموز 1958، امينا للسر، وعثمان فائق، مدير دائرة الثقافة الكردية (اغتيل امام مبنى المديرية بعد سنوات قليلة).

في فندق( راسيا) الكبير المطل على الساحة الحمراء، جاءه الصديق جلال الماشطة، الصحفي الكاتب والناشط السياسي الذي توسم فيه الاخلاص والثبات على المبادىء منذ ان كان شيوعيا وبعد ان اصبح متمرسا بالعمل السري في الازمات والملاحقات، جاءه ليخبره بأن رئيس قسم الصحافة في اكاديمية العلوم السوفييتية يرغب في لقائه في اليوم التالي.

استغرب للوهلة الاولى، فرد عليه جلال بضحكته المألوفة والتي عُرف بها، حتى عندما يكون جادا، وقال له:

-طلب مني استاذي ابراهيموف في القسم ان اقنعك بالانضمام الى الاكاديمية قبل ان نلقاه في الغد.

-

التفت الى فخري كريم ، وقال له:

-تصور يا ابا نبيل، يريدون مني ان اعود الى الدراسة بعد عشرين عاما من النضال والعمل في الصحافة ؟

-       

قاطعه جلال قبل ان يرد عليه فخري :

-يقول ابراهيموف بأنك زودت المكتبة بكتب عديدة عن تاريخ الصحافة العراقية، وهم يعرفون بان طلاب المعهد يترجمون فصولا منها لينالوا درجاتهم العلمية، مما يؤهلك ان تنال اعلى درجة اكاديمية، وهي استحقاقك العلمي.


رأي في كتاب (العين) ونسبته للفراهيدي

باسم عبد الحميد حمودي

يعد كتاب (العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي أول محاولة فكرية وعملية ناجحة لوضع معجم عربي، وقد رتبت مفرداته على الأساس الصوتي حيث تبدأ بالحروف الحلقية فاللسانية فالشفهية ثم الهوائية.

وقبل أن ندخل في تفاصيل ترتيب (العين) نقف عند قضية أساسية تتعلق بصاحب الكتاب ذاته أثارها د. صلاح الفرطوسي وهو يصدر الجزءين الأول والثاني من تحقيقه لـ(مختصر العين) لأبي بكر الزبيدي الإشبيلي وهي قضية صحة نسبة (العين) ذاته للفراهيدي.

إن الكثير من محققي (العين) يشكون أو يشككون في صحة نسبة هذا الكتاب لصاحبه، ومن ذلك أن الأب الكرملي الذي حقق قسماً من الكتاب عام 1913 وطبعه في مطبعة الآداب ببغداد ينسب (العين) إلى تلميذ الفراهيدي، الليث بن سيار، لكن د. مهدي المخزومي أحد أبرز محققي (العين) أصدر كتاباً تحت عنوان (عبقري من البصرة) عن سيرة الفراهيدي وأشار إلى (العين) كمؤلف خاص بالخليل ساعده على جمعه وتبويبه تلميذه الليث، ثم أكمل المغفور له الدكتور مهدي المخزومي إعادة تحقيق (العين) وحده. بطبعة منقحة مفصوله عن الطبعة التي شاركه فيها زميلة المغفور له د. إبراهيم السامرائي لكن المنية وافته قبل إظهار مشروعه للنور.

والمهم هنا أن المخزومي والسامرائي لا يشككان في صحة نسبة العين للفراهيدي وإن أبديا بعض الملاحظات بشأن ذلك.

وأنت تجد هذا الشك موجوداً في الدراسات الحديثة عن الفراهيدي والتي منها (قصة عبقري) ليوسف العش و(المعجمات العربية) لنورية ذاكر العاني كما تجده في مقدمة الجزء الأول من تحقيق د. صلاح الفرطوسي لكتاب الزبيدي (مختصر العين) ويجمل لك الفصل التاسع عشر من (قصة عبقري) تفاصيل الشك واليقين في صحة نسبة هذا الكتاب للفراهيدي، حيث يبدأ برحلته إلى خراسان حيث دعاه ثريها ورجلها الليث بن المظفر بن نصر بن سيار للراحة من هموم العيش عنده والعمل من أجل لغة القرآن من دون أن يشغله في شيخوخته شاغل من مطالب الدنيا فلبى الدعوة مودعاً من تلامذته ومريديه.

وهناك في خراسان فاتح الفراهيدي الشيخ تلميذه الليث بما يشغله من أمر العربية وحفظ ألفاظها وصارحه بطريقة العمل التي ابتدعها في إنشاء العين لكي يتكون عنده من ألفاظ العربية 12305412 لفظاً باعتبار المقترح التالي الذي جاء بلغة يوسف العش على لسان الفراهيدي (عدد حروف اللغة العربية تسعة وعشرون حرفاً، إذا اجتمعت كونت الكلمة، ومن هنا يخطر على البال خاطر وهو: ألا يمكن أن يعرف تراكيب كل حرف من الحروف مع الأخرى، فالألف إذا اجتمعت مع الباء كونت (أ ب) وإذا اجتمعت مع التاء كونت (أ ت) ثم إذا ضربت هكذا ببقية الحروف أخرجت ألفاظاً عددها ثمان وعشرون لفظاً وكل لفظ يضرب بدوره مع حروف العربية فيخرج أبت، أبث، أبج وهكذا)(1) مما يوصل الألفاظ إلى الرقم المذكور.

ووسط حديث الخليل مع الليث أصيب بالحمى ومرض مرضاً شديداً ولكنه استمر في مشروعه فقال لتلميذه كما يصور العش (اسمع وقيد في دفترك، لن يحصر من ألفاظ العربية إلا مصادرها أما ما تبقى فيخرج من المصدر ويعول عليه فيه والمصادر لا يمكن أن تتكون أكثر من خمسة حروف والحروف لن يضرب بعضها ببعض أكثر من خمس مرات وفي هذا تخفيف للعمل عظيم)(2) ثم سافر الليث للحج تاركاً الخليل مريضاً وعاد ليجده في حال أحسن فاستمر في التباحث في المشروع، الخليل يفكر ويتحدث والليث يكتب بعد أن يسأل وكان ابتداع الخليل لفكرة العين كالتالي:

(أنت تعلم أن لكل حرف مكاناً في الفم يحدث منه، فالعين والحاء والهاء والخاء والغين تخرج من الحلق وتحدث فيه والقاف والكاف تحدث فيه اللهة، والفاء والباء والميم تحدث في الشفة وهلم جراً، ولمكان حدوث الحرف أثر في إمكان تأليف لفظ مستعمل منها أو عدم إمكان ذلك، فأكثر الحروف المهملة إنما تتكون من حروف تحدث من مكان/ متقارب أو من الكلمات التي لا تدخلها الحروف الزولقية التي تحدث في الأسنان، فترتيب الحروف على سياق نطقها يقرب معرفة المهمل من المستعمل وفصلها بعضها عن بعض، وهذه النتيجة تستدعي أن تؤخذ تراكيب الحروف لا بضرب كل حرف بالتتالي مع الحروف الأخرى بل بأخذ تراكيبه مع بقية الحروف دفعة واحدة، فإذا جمعت مضاريب القاف مع العين استخرجنا منها قع وعق وهكذا)(3) ثم قال الخليل لليث (أراني أصبت النهج الصالح وسادعو الكتاب كتاب العين).

وهنا عكف الخليل على العمل واستخرج تراكيب الحروف مميزاً المهمل من المستعمل ووضع مقدمة الكتاب.

ويقول العش هنا أن الخليل دعا الليث للعمل على وفق نهجه هذا وهو مستشاره فوافق الليث على أن يكون الخليل صاحب الكتاب باعتبار أن الليث تلميذه وقد أخذ عنه فكره واماليه ودفاتره فوافق الخليل أيضاً على هذا وعلى تلبية شرط الليث بالإشراف المباشر على ما ينتجه.

ويخرج الخليل للحج ويعود إلى البصرة والليث يعمل وحيداً، وفي البصرة يلتقي الخليل بتلميذه الجديد سيبويه فيقربه إليه لحسن نقاشه وسؤاله حتى دفعه لتأليف كتاب في النحو أسماه (الكتاب) الذي نسب إلى سيبويه وللخليل الفضل الأكبر فيه.

هنا نعود إلى مقدمة تحقيق (مختصر العين)(4) الذي قام به د. الفرطوسي حيث يحاور المحقق الروايات المتعددة في نسبة كتاب (العين) للفراهيدي وعلاقة كتاب (مختصر العين) بكتاب (العين).

يناقش الفرطوسي آراء مؤيدي نسبة الكتاب إلى الفراهيدي وناكري هذه النسبة فيجد في المؤيدين: ابن دريد ومحمد بن منصور وابن فارس وابن خير والمفضل بن سلمة ويجد في المنكرين القالي والسجستاني والزبيدي والأزهري ولكل واحد منهم حججه وأسبابه ويجد أن هناك من ينكر النسبة مرة ويؤيدها مرة أخرى مثل النصر، ويجد من يقول أن الخليل قد بدأ بالكتاب وأكمله الليث ومنهم اسحق بن راهويه ويجد كذلك أن شيخ العربية ثعلب ينسب (العين) إلى الخليل ولكنه يتهم الوراقين بالحشو.

ولا يقطع الفرطوسي بيقين لكننا نرى أن الوراقين قد عبثوا بالكتاب وأضافوا إليه ما يضعفه وحذفوا منه ما يفيد فاستكمل العلماء الذين أعقبوا الخليل عمله وكتبوا مستدركاتهم استكمالاً لجهد الخليل ومنهم الزبيدي الإشبيلي الذي ينكر نسبة (العين) للخليل ولكنه يأخذ مادته مستدركاً على بعض الحشوات غير الصحيحة التي دونها الوراقون ونسبت إلى الخليل زوراً.

وأنت تجد في نسخ المختصر ما يجعلك تشك في نسبته للزبيدي كما تجد في مقدمة تحقيق كتاب (تهذيب إصلاح المنطق) للتبريزي الذي قام به الدكتور فوزي عبد العزيز مسعود ما يجعلك شاكاً في التثبيت من كامل متن الكتاب وفي اعتماد التبريزي على شرح السيرافي لكتاب (إصلاح المنطق) لابن إسحاق السكيت.

أخيراً فإن دور المحقق لا يمكن في التثبت من صحة متن الكتاب بل من نسبته إلى صاحبه ومن تأييد هذا النسب أو عدمه وقد فعل الفرطوسي ود. مسعود وغيرها ذلك لكن من الواضح أن النقول عن الوراقين هي التي أفسدت الكثير بحيث أضافوا وحذفوا والمحقق البارع من استطاع أن يثبت على النسخة الأم صحيح الأمر من غلطه بل أن يدرس جو المؤلف وعلو كعبه في مادته ويميز الرديء من المسنوب إليه فيحذفه بعد الإشارة في الهامش ويثبت الصحيح الممكن المتوائم مع فكر المنشئ والمدون وتلك مسألة أساسية من مسائل (التحقيق) تبقى أساساً لكل عمل جديد أو قديم.


شعوب ومباهج وعادات

صادق مشعل

لتراث الشعوب الوانه المختلفة وعاداته وتقاليده الاصيلة المتنوعة التي تنبني على اساس وقد راينا ان نطوف ببعض هذه العادات لدى بعض شعوب العالم.

من اعياد اليابان

اعياد اليابان كثيرة ولا يخلو شهر من السنة منها ففي اليوم الثالث من الشهر الثالث من السنة اليابانية نشهد حركة متصلة في كل بيت لان عيد الالعاب قادم، حيث تخرج العائلة الالعاب التي تحتفظ بها من مخابئها وتعرض على رفوف مغطاة بقماش قرمزي لانها جزء من تراث العائلة حيث تزور العوائل بعضها البعض لتبارك بالعيد وتشهد معرض العائلة لالعابها.

وتحفظ بعض العائلات دمى صنعت منذ قرون ولكل دمية ثياب خاصة تدل على زمنها التاريخي حيث يتعلم اطفال العائلة ماذا كان يرتدي اجدادهم في حقب متعددة.

ان اعظم عيد في اليابان هو عيد الرايات وهو في اليوم الخامس من الشهر الخامس وكل منزل فيه اولاد يضع عموداً من الخيزران تعلق في اعلاه صورة سمكة من نوع الشبوط وقد اختار اليابانيون هذا النوع من السمك لانهم يؤمنون بقدرة الشبوط على مقاومة التيار والقفز بين الشلالات.

رقصة جودرا المغربية

في مدينة أغادير المغربية رقصة فولكلورية مشهورة تسمى جودرا تؤديها مجموعة من النساء المطوقات بحلقة من الرجال يلبسون جميعاً جلابيب زرقاء يصاحب الراقصين موسيقيون يضربون على طبول مصنوعة من الطين ضربات ايقاعية تؤديها النساء بتحريك اذرعهن في الهواء وعندما تبلغ الرقصة قمتها تتسارع الحركات فتتهاوى الحجب عن رؤوس النساء ووجوههن وتختتم الرقصة.

ان رقصة جودرا في اغادير المغربية جزء من حياة الصحراء وتقام عادة في سوق الجمال في يوم من ايام السبت.

المنديل الروماني

يدعى منديل الرأس في رومانيا -ماراميد- وهو جزء من الملابس الشعبية التقليدية ووسيلة لاظهار جمال المرأة وحسن زينتها حيث تستعمله عادة النساء المتزوجات وتدل طريقة وضع المنديل على الراس على سن المرأة، وتضع هذه المناديل من مواد مختلفة تبعاً للمناطق الرومانية ففي منطقة (اوليتينيا) تصنع المناديل من خيوط شفافة طويلة عليها نقوش موردة وفي نهايتي المنديل نقوش على هيئة كواكب واعناب ويكون المنديل ذا لون اصفر فاتح، وفي منطقة (والاشيا) يصنع منديل الراس من القطن وفي منطقة (براهوما) تكون نقوش المناديل على هيئة اشكال هندسية.

عيد كافادي

في جزر مورشيوس يقام عيد كافادي وهو عيد طائفة التاميل في مورشيوس ويتم العيد في الشهر الاول من السنة ويحدد ايامه كاهن خاص ضمن حسابات معينة ويتم الاحتفال بعيد كافادي التاميلي في مورشيوس بأن يقوم بعض الناس بالصوم عن اكل اللحوم او أي طعام دهني والامتناع عن الكحول وعن التدخين قبل عشرة ايام من اول ايام العيد، والاكثر ايذاءً بالنسبة لهؤلاء انهم يضعون ابراً طويلة تخترق الفم من احد الجهات مع ابرٍ اخرى صغيرة داخل الجلد عند الصدر والاكتاف يعلق عليها الليمون الحامض الصغير الحجم واذا تألم المحتفل فمعنى ذلك انه اخل بصيامه. المحتفلون الآخرون في عيد كافادي في مورشيوس يقومون بالرقص في اليوم الاخير من العيد وهم يرتدون الملابس المزركشة بالزهور.

الفلامنكو= بلاغ منك!

غناء الفلامنكو الاسباني غناء شعبي اصيل ويرى البعض ان الكلمة منحدرة من المصطلح العربي / بلاغ منك، ويرى البعض الاخر ان هذا النوع من الغناء ادخله الفلامنك الذين عاشوا في بلاط الملك شارل الاول ويرى اخرون انه آت من اجسام الراقصين النحيلة/ وللفلامنكو انواع ومسميات ففي جنوب اسبانيا تسمى فاندانغو ويدعي الاسبان الجنوبيون ان اصول الفلامنكو لديهم هندية وهناك نوع في شمال اسبانيا تسمى النانجو الفلامنكو وتشبه الاغاني المغربية العربية.

العروس الافغانية

في مدينة وارداك الافغانية يقدم والد العروس قطعة من ملح وحبة حنطة وحلوى وقطعة نقود محمولات على وشاح الى والديّ العريس المقبل وذلك دلالة على قبول العرض واعلان الخطبة بعد ثلاثة ايام تبدأ احتفالات اهل العريس وبعد بضعة اشهر وفي يوم الزفاف يذهب اصدقاء العريس وإخوته الى بيت العروس فيأخذونها مع والدها محمولين على جمل وهم يقرعون الطبول مبتهجين ويستضيفهم العريس على حصانه، وفي بيت العرس تقبل العروس اقدم تنور في البيت رمزاً لاحترام الخبز والخير ثم تضع القرآن الكريم على رأسها وهي تدخل بيت الزوجية.

عروسان من الايار

الايار مجموعة شعبية هندية كبيرة لهم عاداتهم وتقاليدهم التي تثير الانتباه وخصوصاً في مراسيم الزواج فعند الزفاف يخرج العريس الى الطريق العام حاملاً على رأسه مظلة ويتوكأ على عصا من شجرة جوز الهند فيقابله في الطريق والد العروس ليقنعه بالرجوع والزواج من ابنته فيوافق طبعاً، اما الزوجة التي ارتدت اجمل ثيابها فتحمل مع كامل زينتها على كتف خالها بينما يحمل العريس من قبل خاله المسكين ايضاً وعند اللقاء يتبادل عروسا الايار قلائد الورد ويجلسان على ارجوحة وتقدم لهما العجائز ماءاَ وخروفاً وفاكهة ويدرن حولهما ثلاث مرات منعاً للحسد والشر.

يقوم والد العروس الايارية بغسل رجل العريس ويقوم العريس بالمشي مع عروسه سبع خطوات وهما يرددان بالخطوات السبع اصبحنا رفيقين وتبدأ احتفالات الزفاف العامة بعد ذلك.


حكاية بنت المعيدي

زياد مسعود

تشكل حكاية فاطمة بنت المعيدي شبه اسطورة شعبية يتداولها الناس في المدينة والهور وتنتشر صورتها هذه التي رسمها عاشقها الكابتن نكسن الذي تزوجها -يقولون- واخذها معه الى لندن.ويقال ان فاطمة هذه ولت ولداً له هناك وان زوجته الاولى استطاعت خطف الولد وقتله وتقديم جزء منه شواء لفاطمة، وان فاطمة بنت المعيدي جن جنونها عندما ادركت بذلك وقتلت زوجة الكابتن نكسن وهربت من لندن، بلد (يشيلها) وارض (تحطها) حتى وصلت الهور مرة اخرى وهذه الحكاية مشابهة لحكاية الطير الاخضر الشعبية ..وتقول حكاية اخرى إنها قتلت نكسن هذا امام باب المعسكر وانه لم يصحبها الى لندن ثم فرت الى عمق الهور تماماً حيث (حفيظ) الذي حفظها واسكنها عنده مع حبيبها حميد.وتبدأ حكاية فاطمة بنت المعيدي المتداولة منذ عشرينيات القرن العشرين انها كانت فتاة جميلة تصطاد السمك من الهور وتبيعه في سوق العمارة لترعى والدها المريض واخوتها الصغار، وان الكابتن نكسن الذي كان مع الحامية البريطانية بعد ثورة العشرين عشقها، عشق جمالها واستقلاليتها فرسمها وهي تسبح في الهور لكن احد لم يشاهد هذه الصورة بل انتشرت بين الناس صورتها التي نراها منذ ذلك الحين على ورقة او على بساط وانه استطاع اقناعها بالزواج منه ثم تتشظى الحكاية بعد ذلك وتأخذ مسارات متعددة منها انها ذهبت معه الى لندن وانها عادت بعد ان مات او قتل لتعيش في الهور مرة اخرى، ولا احد يدري التفاصيل.ولكن حكاية فاطمة بنت المعيدي تظل حكاية متداولة بروايات متعددة حتى يومنا هذا فيها الغريب وفيها اللا مألوف ولكن جميع الروايات تؤكد جمال الفتاة ومغامرتها مع نكسن.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة