المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

نجيب محفوظ يطوي تاريخا لمصر

فاطمة المحسن

لايصح رثاء نجيب محفوظ وهو يطوي الصفحة الاخيرة من كتابه، فقد أكمل شوطه الى النهاية، وما من أديب عربي معاصر بلغ الذي بلغه في حياته من تكريم، وما من أديب كُتب عنه وأشبع أدبه دراسة وتشريحا مثلما كان الحال معه.
هو اليوم إرتقى الى مرتبة الرمز والايقونة في حياة مصر والمصريين، وختمت نوبل على إسمه بالجدارة الأولى بين العرب. ولكن أهمية محفوظ تكمن في كونه الأديب العربي الذي لم تستطع الانظمة ولا الجماهير تشويه فردانيتة كسلوك واعتقاد،ومع ان رواياته وقصصه لاتؤكد على التمايز في فعل الفرد بإعتباره المقرر والمواجه لمصيره الشخصي والسياسي، ولم تستطع تلمس مفهوم الفردانية،بيد ان محفوظ لم ينغمر في موجة الحماس السياسي العربي، ولم يستخدم اسمه ضمن إتجاه أو معتقد، واستطاع فرض مواقفه على كل المجاميع والشلل التي تعامل معها بما فيها السلطات.ومع كل أجواء الحماس التي تسود الجو الثقافي المصري، وبالاخص إزاء القضية الفلسطينية ومصير السلام في الشرق الاوسط، غير أنه بقي كما هو ولم يكن بمقدور الجماهير المزايدة على مواقفه.
استطاع محفوظ فرض إحترام مواقفه تلك حتى على الشلة من القصاصين والأدباء التي أحاطت به في سنواته الأخيرة، ويختلف أكثرهم عنه في المنحى والتطلعات والأفكار، والمواقف السياسية لديهم تعني الكثير، تعني الأحلاف والتجمعات، وبعضهم يحمل رايات التخوين لمن يخالفه المعتقد، ولكنهم يتهيبون عند الخوض في آراء محفوظ، ويحاولون استنطاقا لما لايستوي مع صلابته في الدفاع عن أفكاره.
هو يشبه مصر البراغماتية ونيلها الذي عُرف بالهرب من الضفاف الحادة الناتئة. مصر التي أنجبت طه حسين أول الليبراليين العرب فكرا وسلوكا،ولعل محفوظ أحد تلامذة مدرسته التي لم تخّلف أحفادا ومريدين، فأستأثر سيد قطب بفكره على روح الثقافة المصرية الراديكالية الى يومنا.
نجيب محفوظ حيث هو أديب خاض الدروب كلها كي تكون الرواية حرفة وتقليدا عند العرب، والى ان كّل بصره وضعفت يداه لم يكف يوما عن كتاباته القصصية. وما عرفه العرب كاتب مقال اومشاركا في الجدل الثقافي، مع أن بداياته هي عمود فكري في مجلة سلامة موسى، فهو أديب متخصص بجنس لايحيد عنه، و موظف إسبارطي في عالم الكلمة، فلم تكن الكتابة جزءا من عالمه، بل كان عالمه ينتظم حولها.
الكتابة عند محفوظ سعي الى استخلاص معنى الأفكار والتأملات في الممارسات الفردية والجماعية. السلوكيات المندفعة نحو مصالح و صراع إرادات،يوتوبيات وتطرفّات وأقوال ومزايدات. حضور ساطع للعقل وغياب عنه. فالتاريخ الاجتماعي والثقافي كان يخرج من بين يديه وهو يجتاز دروبه المتعرجة منذ محمد علي حتى يومنا. مصر التي حاول العودة بها الى الأصول الفرعونية، فانتهى سريعا من يوتوبيا سكنته قبل أن تسكن أبطاله.
هو يشبه تركيب حارته الأولى، حيث المدينية تعني الإنتقال التدريجي والتحول، فلم يكن فضاؤه مفتوحا على حداثة صادمة ولم تشدّه جذور التحجر الى محدودية فنية، فقد كانت تجريبيته حذرة مثل ثقافته، يحب الاستقرار على متعارف ويستنكر كل إدعاء وتعال على المحيط . ولعل التواضع ومكر العارف الذكي سمة من سمات لمساته الفنية على الشخصيات والحوادث وسياقها ومنطق القص.
محفوظ بدأ حياته ببعض ترجمات رأى اهميتها للثقافة العربية، ولكنه قال في ثمانينيات القرن المنصرم أن ليس لديه الوقت كي يقرأ بلغات غير العربية فهو يعتمد على ترجمات غيره. ولعل الوقت تغير بين بداياته ونهاياته، وقته هو الذي لم ينشغل عن الكتابة بالقراءات الصعبة،فجنّب نفسه امتحانات المعرفة ونظريات النقد والأفكار الجديدة.
كل متابع لرواياته وقصصه يدرك عمق الثقافة الشفاهية في إسلوبه، هو ابن المقهى ومدمن الصحف وفنجان القهوة على الناصية. والى أن أنحنى ظهره بقي وفيا لعاداته، يقطع الشارع متأبطا مجموعة من الصحف، مثل كل الموظفين المواظبين على معرفة العالم عبر الجريدة والمذياع.
وجد محفوظ نفسه امام خيارات مجتمع حديث،فكانت روايته "القاهرة الجديدة" 1945 تشي بعجز عن استيعاب تجليات الفعل الأداتي وتسليع الانسان، فكان مسارها الأخلاقي يصب في تحديد منابع الخير والشر،حيث ينقسم الناس الى جبهتين. هي رواية اعتراضية، بل رثاء لمصر البراءة،مصر القديمة. وعندما انخطف الأدباء ببريق الثورة والناصرية،لم يعترض على المسار، ولكنه صنع مجموعة من الروايات التي قرأها الناس في هذا الباب: "اللص والكلاب" 1961، "السمان والخريف" 1962 " ميرامار" 1978 وكلها تأملات في مصير السلطة والقوة الهشة والزعامة والجماهير. المستقبل المجهول،وإغترابات الفرد، من بين أكثر خيارات محفوظ لتصوير الفترة التي عاشها.. كانت مجموعته القصصية "المرايا " التي اعقبت هزيمة حزيران، تمثل انتقالة في ادبه، فرمزيته ارتقت الى مستويات التعبير عن خرس المرحلة وعقمها.
لم يكف محفوظ عن أن يكون كاتبا معترضا على طريقته، وفي منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم، صّور الدكتاتور العربي من خلال مشهد واحد يطل فيه على حياة عائلة ورجل في شيخوخته في روايته المهمة" يوم قتل الزعيم" 1985.
كانت محاولة قتل محفوظ بسبب روايته الأهم في مسيرته (أولاد حارتنا)، قد أظهرت فداحة الخراب في مصر السلام والجمال التي كتب عنها.ولعل قبوله وهو الشيخ الضعيف مباركة الأزهر للرواية، الفصل الأخير في حكاية مصر المحروسة التي حاول محفوظ ان يلتقط كل اشاراتها في أدبه.


متى ينتهي زمن الأسماء المستعارة؟


في ربيع بهي من رباع دمشق، حيث انتشر يوماً مئات المنفيين العراقيين، وصلتنا قصائد مهربة من "العراق البعيد". قصائد قليلة انتقلت من يد ليد، وقطعت المسافات من جنوب الوطن، الذي كانت تفوح منه روائح المقابر الجماعية النافذة، ومع ذلك لم تشمها بعض الأنوف، إلى كردستان التي كانت رئتاها لاتزالان تتنفسان رائحة الغاز الكيمياوي. ومن هناك، وصلتنا تلك القصائد العزيزة، التي لاتزال تبعث في جسدي قشعريرة غريبة كلما تذكرتها. إنها القصائد الاولى التي تصلنا من ذلك البلد البعيد لشعراء من جيلنا التالي، شعراء من مواليد برج الموت العراقي، عرفوا ما لم يعرفه أقرانهم من شعوب الله السعيدة: حربان طاحنتان في جيل واحد، وحصار ملعون، ومطحنة قمع رهيبة لا تكف عن الدوران يوماً طوال ثلاثين عاماً، هي عمر هؤلاء الشعراء الشباب- هل كانوا شباباً-؟ ورحى كلامية استطاع عبرها البعثيون العراقيون تحويل ثقافة عريقة إلى ماكينة إعلامية جبارة انتجت مع الزمن ثقافة فاشية بدوية رثة لاتزال تلفنا بخيوطها المتشابكة لحد الآن.

قرأنا القصائد في الهواء الطلق فرحين، لشعراء اختفوا وراء اسماء مستعارة، ومن يجرؤ على ذلك في" العراق القديم"؟.

بعد ذلك بسنوات، صدرت رواية عراقية باسم مستعار، رغم إن كاتبها يعيش في المنفى! اسم الرواية" عالم صدام حسين". وهي سيرة جميلة عن العالم الرهيب لهذا الرجل، وأوهامه وقسوته، وصعوده الغريب والسريع من طفل شقي شبه جاهل، وقاتل محترف الى اعلى منصب في الدولة، كما انها تفكيك لمجتمع تسيّره قوى تتحرك في الظلام بلا هدى، مثل قطط سود في ليل اسود، في مجتمع سمح في لحظة ضعف رهيبة لذلك الرجل ان يتسلق اعلى درجة في سلمه. ولم نعرف اسم الكاتب لحد الآن.
وفي هذه الأيام، وفي العراق الجديد، وصلتنا يوميات مهربة من بغداد بعنوان" بغداد تحترق". وهذه المرة، كان التهريب عصرياً: عبر الانترنيت، وباللغة الانجليزية وباسم انجليزي شاعري:

( منحنى النهر)
Riverbent

ويقال أن كاتبتها فتاة في السابعة والعشرين من عمرها. "منحنى النهر" كانت أكثر حظاً من زملائها الآخرين أصحاب الأسماء المستعارة. فسرعان ما حولت اليوميات إلى مسرحية تقدمها الآن فرقة اميركية في مهرجان" ادنبرة" العريق. وقبل ذلك، رشحت لجوائز عدة منها جائزة" صامويل جونسون" البالغة قيمتها 30 ألف جنيه استرليني، وهي من أبرز الجوائز البريطانية التي تمنح لأعمال خارج نطاق الأعمال الأدبية. وحصلت اليوميات أيضاً على الترتيب الثالث لجائزة" ليتر اوليسيس" في فن الريبورتاج الصحفي.
وتروي اليوميات مشاهد القتل والخطف اليومية، وصعود العنف والأصولية، ومعاناة المرأة العراقية، والتدخل الفج حتى في طريقة لبسها في مجتمع احترم الحرية الشخصية منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
"منحنى النهر" ترفض أن تكشف عن اسمها الحقيقي خوفاً على حياتها في" العراق الجديد"، تماماً كما فعل زملاء لها كثيرون في" العراق القديم".
إنه الخوف مرة أخرى، وكأن زمن تلك القوى التي تتحرك في الظلام بلا هدي مثل قطط سود في ليل اسود، لم ينته بعد، وكأن زمن الفاشية العسكرية- الاجتماعية، في أحط درجاتها، يعيد إنتاج نفسه بأشكال وألوان أخرى، فنسكت خوفاً، أو نلجأ إلى أسمائنا المستعارة.

إلى أي عراق،إذاً، ننتمي الآن؟


البيان الصحفي للعدد الجديد من مجلة بانيبال صيف 2006
 

المدى الثقافي
صدر العدد الجديد (رقم 26 صيف 2006) من مجلة بانيبال التي تعنى بترجمة الأدب العربي الى الانكليزية، وتصدر عن لندن. وقد خصصت محررة المجلة مارغريت أوبانك افتتاحيتها عن جولة بانيبال الادبية لعام 2006 التي شارك فيها الكاتبة المصرية منصورة عز الدين، الكاتب الفلسطيني علاء حليحل، والشاعر السوري عابد اسماعيل، ولمم تتمكن الشاعرة اللبنانية جمانة حداد من المشاركة بسبب الحرب الاسرائيلية على لبنان.
الكاتب السوداني جمال محجوب يفتتح العدد الجديد بقصة قصيرة، يليه الكاتب التونسي حسن نصر، حيث تنشر له المجلة فصلا من رواية "دار الباشا" (ترجمة وليم هتشنس)،بعدها نقرأ ثلاث قصائد للشاعرة المغربية، بالفرنسية، سهام بوهلال (ترجمة جيمس كيركب).
خصصت المجلة زاوية "التأثيرات الأدبية" للكاتب الأردني الراحل غالب هلسا، الذي يتحدث عن طفولته وكيفية اكتشافه عالم القراءة والكتابة، وما تعلمه من الادباء العالميين الذين قرأهم وتأثر بأعمالهم، مثل وليم فوكنر وارنست همنغواي وروبرت ستيفنسن ودوس باسوس واخرين (ترجمة ياسمين حنوش).
ثم تفرد المجلة ملفا صغيرا للرواية العراقية، فنقرأ فصولا من روايات لكل من سعدي يوسف (رواية "مثلث الدائرة" ترجمة المؤلف)، محمد خضير (رواية "بصرياثا" ترجمة وليم هتشنس)، لطفية الدليمي (رواية "حديقة حياة" ترجمة شاكر مصطفى)، فاضل العزاوي (من رواية "آخر الملائكة" ترجمة وليم هتشنس)، كاظم الحلاق (من رواية "أبي وزوجاته الست" ترجمة المؤلف مع دون ستايمان)، انعام كجه جي (من رواية "سواقي القلوب" ترجمة مهيمن جميل).
في العدد الجديد تواصل "بانيبال" متابعة ملفها الكبير عن "الكتابة الجديدة في مصر" فتنشر فصولا من روايات لكل من ياسر عبد اللطيف (رواية "قانون الوراثة" ترجمة طارق شريف)، حمدي الجزار (رواية "سحر أسود" ترجمة همفري ديفيز)، مصطفى ذكري ("أربع حكايات" ترجمة وائل عشري)، وقصة قصيرة ليوسف رخا (ترجمة المؤلف)، أربع قصائد لجرجس شكري (ترجمة خالد مطاوع). وتعمل المجلة على استكمال هذا الملف، حيث ستنشر نصوصا لعدد كبير من المؤلفين المصريين في العدد 28 ربيع 2007.
في زاوية التحقيقات أو "حكاية السفر" نقرأ نصا ممتعا بعنوان "يوميات اسطنبول" للكاتب التونسي علي مصباح (ترجمة علي أزرياح).
وخصصت مقابلة العدد للمحررين عدنان حيدر وماكيل بيرد، المشرفين على مطبوعات جامعة سيراكيوس الاميركية، التي تنشر الكثير من الانتاج الادبي العربي، وقد اصدرت مؤخرا روايات لرضوى عاشور وغادة السمان وهدى بركات، ومجموعة شعرية لأدونيس بعنوان "بين الرماد والورود".
في زاوية مراجعات الكتب نقرا سوزانا طربوش عن رواية "في بلاد الرجال" للكاتب الليبي هشام مطر، زوزانا كراتكه عن "الرواية العربية" للشاعر والباحث العراقي كاظم جهاد، مارغريت أوبانك عن "طبز وتشعيل مقام" للكاتب السوري سهيل شدود، وحسين الموزاني عن رواية "صوفيا" للكاتب السعودي محمد حسن. علوان.
كما نشرت المجلة مقالات عن رحيل الكاتب العراقي مهدي عيسى الصقر، والكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج.
واختارت بانيبال غلافها الخارجي وأغلفتها الملونة الداخلية لوحات للفنان العراقي المقيم في هولندا ستار كاووش.


مستويات تحليل الخطاب الشعري: (عبدئيل) موفق محمد إنموذجا ً

باقر جاسم محمد

1 -
إذا كان الشعر مما يدرك و لا يعرف فأن هذا يعني أننا نحتكم، في معرفة الشعر، إلى تجربة القراءة و التلقي لأن الإدراك و المعرفة إنما يحدثان في نطاق صيرورة عملية القراءة نفسها. بيد أن هذا الفهم لن يعفينا من محاولة البدء بتعريف ما للشعر على جسامة الخطورة التي تنطوي عليها مثل هذه المحاولة. ولسوف نسعى أن يكون هذا التعريف جامعا ً لمزايا الشعر الفنية البنيوية من جهة، ومزاياه الدلالية والتأويلية من جهة أخرى. أي أنه تعريف يصف البنية والمكونات ويصف ووظيفة الشعر في آن واحد. كما سنحرص على أن يتسم التعريف بالمرونة الإجرائية الضرورية التي تنأى به عن أن يكون تعريفا ً لاتجاه بعينه في إنشاء الشعر قولا ً أو كتابة. و انطلاقا ً من كل هذا، فسيكون التعريف هو ما يحتوي ضمنا ً على بعض المنطلقات الفلسفية في فهم التجربة الشعرية التي تعد جزءا ً أصيلا ً من التعريف. ونردف بالقول أن الشعر يمكن أن يعرف بأنه (رؤيا ذاتية مجازية للعالم مصوغة بلغة الاستعارة و المجاز و الرمز بحيث تكون قادرة على إنتاج أثر جمالي كنائي شامل عند التلقي). وهذا يعني أيضا ً أن المزايا النصية البنيوية من استعارة ومجاز ورمز وخصائص أسلوبية أخرى ستكون موضع عناية عند القراءة النقدية التي هي قراءة مختلفة بالضرورة عن قراءة القارئ العادي. وهذه المزايا النصية سينظر إليها على أنها " مولدة " للأثر الجمالي الكنائي ؛ ذلك الأثر الذي يجمع بين الخصائص النصية وفعالية الذات القارئة و المؤولة للنص في وحدة متفردة نسميها تجربة القراءة الجمالية. وننبه هنا إلى أن هذا التسلسل( رؤيا ذاتية مجازية للعالم، ثم مزايا فنية ونصية، ثم أثر جمالي و كنائي ) لا يعبر عن تعاقب أو تسلسل منهجي عند التحليل النقدي؛ فلسوف نعتمد المرونة في الانتقال من مستوى تحليل المزايا الفنية إلى محاولة استخلاص الرؤيا الذاتية للعالم ومن ثم سنسعى إلى تحديد معالم القراءة التأويلية لمجموعة موفق محمد " عبدئيل " على نحو من الحرية دون أن نلزم أنفسنا باقتفاء هذا التسلسل المنهجي.
2.
من الخصائص التي تكررت حتى غدت سمة أسلوبية مميزة لأغلب نصوص المجموعة هي تلك الإهداءات التي تعقب العنوانات. فمثلا كانت " ثلاث قصائد" مهداة إلى ناجح المعموري، و كان نص " النهر والمقصلة " إلى كريم الموسوي؛ وهكذا تتوالى أسماء رياض محمد وعلي النداف وسلمان داود محمد و حسن عمران و أحمد خلف. ونود القول أن هذه الإهداءات تمثل موجهات خارجية للقراءة، ذلك إن قراء المجموعة يمكن أن يكونوا ممن يعرفون الشخصيات التي أهديت لها القصائد، وبعضها شخصيات أدبية مرموقة ولها مواقف فكرية واضحة. كما يمكن أن يكونوا ممن لا يعرف شيئا عن هذه الشخصيات أو يعرفون بعضها ويجهلون بعضها الآخر. وفي كل الأحوال فأن القارئ سيسعى جاهدا في إستكناه العلاقة بين دلالة النص وما تبثه شخصية من أهديت لهم النصوص وما يرتبط بذلك من معان ٍ ومواقف في الحياة والفكر . أما الذين لا يعرفون من أهديت إليهم النصوص فأنهم سيجدون أنفسهم أمام حقيقة أن العتمة تحيط بمنطقة خاصة من النص لأننا نعتقد أن كل ما يكتبه الشاعر في النص، والإهداء جزء منه،إنما يكون لغاية فنية و فكرية في آن واحد، وهو ينتج دلالة من نوع ما تؤثر في التأويل النهائي للنص.
ففي نص "بيوض العمى " وهو أول نصوص المجموعة وقد أهداه الشاعر إلى ناجح المعموري، نقرأ:
في عيني تفتض الغيوم بكارتها لتبدأ البكاء
و في عيني يضع العمى بيوضه و ينام
فلا غرابة
من هذا المطر المتشح بالسواد
حزنا على رجولته التي يلوط بها اليباب
فلم تعد الأرض أنثى
بل هي الذكر الوحيد الذي يلقح السماء
بناطحات السحاب
لتلد لنا المقابر.
و ليلحظ القارئ كيف أن نسيج هذا النص يحفل بالمجاز وبما يفضي إلى تشكيل صورة كنائية شاملة. وفضلا عن ذلك فأن النص يستمد طاقته التعبيرية من تعاضد ألفاظه التي تمتاح من نفس يهيمن عليها الإحساس بالفجيعة . فالعمى هو السيد الذي يضع بيوضه كناية عن التكاثر، والمطر يتشح بالسواد متخليا عن الوعد بالخصوبة مما يذكرنا بقول السياب " أتعلمين أي حزن يبعث المطر"، كما أن الرجولة قد ارتدت إلى حالة الاستلاب . وينتهي النص بلفظة لها مغزاها الكئيب وهي لفظة المقابر لتكون ملمحا ً دلاليا ً بارزا ً في هذا النص. وهذه اللفظة ليست الوحيدة في هذا الإيحاء السوداوي، فنحن نجد ألفاظا ً من قبيل التوابيت والموت تشيع في نصوص المجموعة لتشكل مهيمنات دلالية تفصح عن حدود الرؤيا الذاتية المجازية المأساوية للعالم. ففي النص المركزي " عبدئيل " الذي يحمل سمة خاصة جعلت من عنوانه عنوانا ً شاملا ً للمجموعة يضيف الشاعر عناصر أخرى إذ نقرأ:
مرٌّ طعم الروح
و طازجة فاكهة الموت
و الخمر جميل و صديق
الخمر طريق
ديناصور أعمى يزحف فوق الروح
الخمر خيول و جروح.
و هنا نلاحظ تكرار لفظة مرتبطة بالعمى، و لكن ما يفتتحه هذا النص هو ذكر الخمر التي تمثل مهيمنة أخرى، و لسوف يرد ذكرها في نصوص أخرى على نحو مباشر أو غير مباشر لتمثل عنصرا فاعلا في توليد المغزى الشامل للنص الشعري عند موفق محمد حين يورد لها تعريفا ً شعريا ًطريفا ً آخر إذ يقول في " الثلج المقلي ":
فالثورة.... .. ..... .. .. ..
لا يمكن أن توجد إلا بالخمر
الخمر.. ..
الخمر.. ..
وطن للزاني
و السافل
و القديس .
هكذا تغدو الخمرة رمزا ً للخلاص النفسي بعد أن صار الخلاص الفعلي مستحيلا ً. والواقع أن الخمرة ترمز إلى الروح الديونيزي الذي يسكن قلب النص الشعري، وهي بذلك تكون العنصر الثاني بعد عنصر الموت الذي يسهم في تكوين الثنائية الضدية المولدة لجدلية النص الشعري . وتتضمن المجموعة إشارات لمسكوت عنه هو فكرة الفداء والثورة . ففي نص " النهر والمقصلة " يتحول هذا المسكوت عنه إلى عنصر مهيمن آخر إذ نقرأ:
إنا ابتكرنا لغة للموت تفهم بالإشارة
هل كان آدم قبل آدم
من يا ترى لف الجريمة بالجريمة و استراح
من الداء؟
الموت قبل الناي يعزف في عروق الأرض
يبتكر السلالم للصعود إلى السماء
الريح تعوي في الجماجم
و المصاحف في الرماح.
ها هنا نرى الموت رمزا للسكوت الأبدي والصمت عن ذكر الحقيقة الذي هو بداية الثورة والفداء. ويتضمن النص إشارة إلى واقعة رفع المصاحف التاريخية المعروفة في إعادة إنتاج لها بغية توكيد فكرة تواصل الخديعة مما يفرض ضرورة الثورة . أما التساؤل عن آدم الذي قبل آدم فهو إشارة إلى إمكانات التأويل للتصور الديني للتأريخ، ونتذكر هنا أن الدكتور عبد الصبور شاهين قد قال بمثل هذا الرأي لكن غرض الشاعر من هذه الإشارة ليس إثباتها أو نفيها وإنما التذكير باحتمال وجود دور تأريخي متكرر قد يعني الأمل بنهاية الليل . بيد أن هذا الاستثمار الديني والتاريخي يمتد ليشمل اللغة أو الأداء اللغوي في القرآن الكريم .ويعود النص الشعري إلى الارتباط بالجذر المجازي المعبر عن التوق إلى الحرية، فنقرأ :
النهر قيد بالسلاسل
و الموج يحلم بالخلاص
إن فر أو قصد السواقي
مات رميا بالرصاص.
ولسوف تكون نبوءة الثورة أكثر وضوحا حين نقرأ:
لا تبتئس يا صاح
إن دما سيغلي في جذور الأرض، في
الأشجار في قمم الجبال
و لسوف تنهمر الدما
حمما تطوح بالطغاة
لا فلك ينفع إن موجا كالجبال
سيفور من عين السماء .
هكذا يدمج الديني بالتاريخي بالواقعي لتكون رؤيا النص منطوية على الأمثولة التي تشتق من الماضي عبرة للمستقبل . و لكي يعضد النص هذا الإحساس بالزمن الآتي فإنه يمتاح من الموروث مرة أخرى حين يورد رمزا للثورة هو الحسين (ع) . فالحسين هو الثائر الحلم الذي يقترن أسمه بالظمأ بمعنى العطش، والظمأ إلى العدالة بمعنى التعطش لها . لذلك فأن نهر الفرات سيكون رمزا لوعد لم يتحقق فنقرأ:
يا أيها النهر الذي ما ذاق من ظمأ
الحسين
لو ذقت منه
لسار موجك بالضياء و بالحياة الى الأبد
ولصرت قبلة كل ماء في السماء
وتوضأت فيك البحار
ورتلت:
يا أيها النهر الصمد
يا أيها النهر الصمد.
هكذا تتكشف الرؤيا المأساوية للثورة المتكررة دون أمل بالنصر . فقوله " لو ذقت من " يعني امتناع الامتناع مما يعني التعذر المطلق . لذلك فأن كل الأحلام المرتبطة بالنهر، و نتساءل هنا: أهو نهر أم رمز للشعب الذي خذل الحسين؟، نقول أن كل هذه الأحلام ستظل مجهضة لأن النهر لم يرتق إلى مصاف التفاعل مع عطش الحسين لذلك فهو سيظل ملاحقا بلعنة " الموج الذي يقتل بعضه بعضا " كما جاء في موضع آخر من النص نفسه .
وهكذا، ومرة أخرى، تتكامل عناصر الخلق الشعري لتؤدي أثرها الشامل منجزة فعلها عند المتلقي، مؤكدة على أن الشعر يمكن أن يتناول أكثر عناصر الواقع سخونة دون أن يتنازل عن شروط الأداء الرفيع، وأن الرسالة الفكرية في الشعر يمكن أن تؤدي غرضها دون أن تخمد جمرة الفعل الجمالي، وهو أمر حققته مجموعة " عبدئيل " بامتياز.


بحضور عدد من المثقفين والكُتبيين .. جمعة المتنبي تشهد حريقاً للكتب والمؤلفات!
 

علي ياسين - بغداد

شهد شارع المتنبي امس، وهو أهم بورصة ثقافية وكتبية، في العراق، وبحضورعدد من الادباء والمثقفين والاعلاميين والكتبيين، حريقاً أليماً، لبعض العناوين من الكتب والمؤلفات، حريقاً، اشعل ثقابه الكتبي نعيم الشطري وكتبيون آخرون، لألفات نظر الحكومة إلى قرارها بفرض حظر التجوال على العاصمة بغداد، يوم الجمعة من كل اسبوع، وخلال ساعات الذروة من النهار، هذا الحظر الذي يبدأ من الساعة الحادية عشرة وحتى الساعة الثالثة بعد الظهر، احال شارع المتنبي واسواقاًَ جمعوية اخرى، إلى مساحات مقفرة، بل شبحية، وبهذا يكون حظر التجوال، قد حظر على الكثير من المهنيين واصحاب المصالح رزقهم الحلال، لكن مما لا يخفى على احد، ان القرار لم يأت لذات الحظر، بل جاء لدرء مخاطر الارهابيين الذين اخذوا يستهدفون، بلا رحمة، من خلال جرائم التفخيخ والتنسيف والتفجير، أرواح الابرياء من العراقيين في اماكن العبادة والاسواق التي تزدحم بالمتبضعين في مثل هذا اليوم.

وفي جمعة المتنبي، يلتقي الادباء والمثقفون العراقيون، ليتبادلوا الرأي ويقتنوا النفيس من جديد الآداب والفنون والمعرفة، إلا ان الحظر المفروض أسكت الحياة في هذا الشارع الثقافي الحيوي، كما قطع - كما يحصل في الاسواق الاخرى - عن اصحاب المكتبات المنتشرة من على جانبيه، رزقهم في مثل هذا اليوم - الذي يكتظ بالزائرين والمشترين. في صباح "حريق المتنبي" أمس، (المدى) كان لها حضور لتشهد الرماد وتلتقي ببعض المشاركين الالفاتيين!

د. عقيل مهدي: علينا أن لا نفقد الأمل

في البداية تحدث الينا الدكتور عقيل مهدي قائلاً:
في الحقيقة ان جريدة (المدى) تتميز بارتباطها بالتحولات الاجتماعية في هذا الزمن بالذات، وهي بالتأكيد ترصد، حالة فارقة، وهي ان اسواق الجمعة للكتب، باتت شبه معطلة أو مقفرة، وبالتأكيد هذه قضية تؤلم المثقف العراقي قبل غيره، كذلك فان شارع المتنبي عرف على الصعيد العربي لانني في اكثر من مكان وفي اكثر من عاصمة، يحدثونني عن هذا الشارع وعن الكتب المتداولة فيه، وبالتأكيد هي نوع من الاحالات اللا شعورية إلى تراثنا الزاهر في بغداد وعصرها الذهبي، حيث احتشد فيها، عدد كبير من الكتبيين والوراقين، وغير ذلك من مظاهر الثقافة، لكنني، اجد بالامكان بعد ان تردت الاوضاع الامنية، ان يقوم الباعة بمبادرة، لان الحل مرهون بهم، اذ يستطيعون أن ياتوا كما كانوا يفعلون من قبل، حيث سيفد إلى السوق بعض رواده من الذين يقطنون بمناطق قريبة. وهم، كما ارى يشكلون نسبة لا بأس بها، كما ان هناك الكثير من القراء سيأتون بطريقة او باخرى، صحيح ان هذه الحالة مزرية ومتعبة، ولكن علينا أن لا نفقد الامل وأن نعتقد ان الحالة طارئة وتعتري هذا الشارع بشكل سطحي ولا تمس العمق، أو بنية السوق، ولا كذلك يمكن لها ان تلغي القراء الذين يفدون من أماكن بعيدة لكي يقتنوا هذا الكتاب او ذاك، او يلتقوا مع هذا الصديق او ذاك، واعتقد ان هذه الحالة لن تدوم، وانا ارى ان هذا الاهتمام من صحيفتكم بالذات وايضاً من بعض الاخوة الآخرين، سيكون الحافز لاعادة ماكنا معتادين عليه من تداول وشراء ولقاءات في المقاهي الثقافية التي تطل على هذا الحيز الثقافي الجميل.

كاظم مرشد: ان تجمعنا ليس احتجاجاً

ويعلق السينمائي كاظم مرشد عن تأثير حظر التجوال على شارع المتنبي بالقول: إن هذا التجمع تمّ لالفات نظر اصحاب القرار السياسي في البلاد، وكذلك اصحاب القرار الامني، لرفع الحظر ايام الجمع المفروض على العاصمة بغداد، من الساعة الحادية عشرة صباحاً وحتى الثالثة بعد الظهر، لما يشكله الحظر من قتل لروح ونفس هذا الشارع، هذا الشارع الذي كنا نلتقي فيه باحبتنا واصدقائنا من المثقفين والكتاب بغير موعد.
وكذلك فان كل المهتمين بالادب والثقافة، يأتون يوم الجمعة، باحثين عن زادهم من المصادر لبحوثهم ودراساتهم، ولا يفوتني ان أذكر، ان اكثر العوائل التي تتبضع لابنائها من القرطاسية واللوازم المدرسية، تأتي يوم الجمعة إلى هذا الشارع، فهو يومها المفضل. ان شارع المتنبي والذي يعد خامس شارع في العالم من نوعه، كان متنفسنا الوحيد في ظل حظر التجوال المسائي بعد ان اغتيل ليل بغداد، واغتيلت شوارع بغداد نتيجة الاعمال الارهابية والاجرامية التي طالت كل ساحات الحياة. كل هذا دعانا إلى هذا التجمع اليوم، مثلما ذكرت لالفات نظر الحكومة والمعنيين، أن ارزاق الناس بدأت تنقطع، بسبب هذا الحظر، ليس في شارع المتنبي، تحديداً، بل هناك، اسواق اخرى عديدة، مثل سوق الباب الشرقي، وسوق الغزل - هذا السوق الذي يعتبر، ايضاً، من الاسواق النوعية المعدودة في العالم. في الحقيقة ان تجمعنا ليس احتجاجاً بقدر ما هو الفات نظر. واعادة تقييم لهذا الحظر، اذ بامكان الحكومة توفير حمايات اضافية للمصلين وبالامكان الانفتاح على الحياة ومقارعة الارهاب بكل اشكاله.

سعدون هليل: اعترف أنني مع قرار الحكومة ولكن!

ويرى الكتبي سعدون هليل في حظر التجوال ليوم الجمعة وانعكاسه على شارع المتنبي، تحديداً:
في الحقيقة، قبل الخوض في التفاصيل، اقول انني انطلق من شعار، الدين لله والوطن للجميع، وحظر التجوال في بغداد ليوم الجمعة ولخمس ساعات متصلة من نهاره، اعتبره كارثة علينا، نحن الكتبيين هنا في شارع المتنبي، لأنه يعد البورصة الحقيقية للثقافة العراقية، للاسف، هناك اعمال ارهابية وعنف مسلح في البلاد، من هنا، اعترف انني مع قرار الحكومة ، ولكن علينا أن نكون بمستوى التحدي، وأن يرفع الحظر عن هذا اليوم، كما تقع على الجميع مسؤولية تثقيف الناس، أن الدين ليس وسيلة للعنف والقتل والارهاب، فاليوم، كما ترى، فان شارع المتنبي خاوٍ وحزين، لأن هذا الشارع كانت تملأه جماعات المثقفين من العراقيين والعرب والاجانب لانه شارع الثقافة العراقية بامتياز، الآن الكتب مكدسة في المكتبات فليس هناك من مشتر او متبضع، نتمنى ان تنظر الحكومة في قرار حظر التجوال وتبحث عن كل ما هو جديد وفاعل لخدمة الشعب العراقي.

الكتبي نعيم الشطري: اصبح شارع المتنبي قفراً لا يطاق

ويقول العراب والكتبي نعيم الشطري: في الحقيقة إن المطالبة برفع حظر التجوال. هي من حق كل المثقفين، وبما أننا نتجمع، اليوم، في شارع المتنبي الذي تضرر كبيراً من هذا الحظر، بل أصبح قفراً لا يطاق، بل اصبح منظره مثل هذا اليوم، مؤلماً، لما حلّ به من فراغ واغلاق محال ومكتبات. ففيما مضى، كنت أفاخر الآخرين من كوني مؤسساً ليوم الجمعة المحتفي برواده من الادباء والمثقفين ومغرمي المطالعة والقراءة. اما اليوم - فبماذا أفاخر؟! فالشارع يملأه الصمت وانقطع عنه عشاقه - بعد ان كان حاضنة للزاد الفكري والمعرفي لكل مثقف عراقي. بل وعربي، فضلاً عن ذلك علامة ارثية من علامات ذاكرة الثقافة العراقية. لذلك نرجو الحكومة العراقية المنتخبة من قبل الشعب العراقي، أن تعيد النظر في قرار حظر التجوال ليوم الجمعة ومن ثم رفعه.

كريم حنش: شارع المتنبي حيز التقاء الثقافة العراقية
وفي السياق ذاته يضيف الباحث والكتبي كريم حنش قائلاً: من وجهة نظري فيما يخص حظر التجوال ليوم الجمعة، أرى بامكان الجهات الامنية ان تكثف اجراءاتها الامنية من اجل التصدي للاعمال الارهابية، وبخاصة في الاسواق او اماكن العبادة، وبهذا يمكن للحياة ان تسير بشكلها الطبيعي. ولو وفرت الدولة مثل هذا التكثيف، اعتقد ان الوضع الامني سيتحسن، بل سيستقر، بعد ذلك سيبطل مفعول حظر التجوال المفروض على يوم الجمعة من كل اسبوع وخلال ساعات ذروة نهاره، فشارع المتنبي الذي اشبهه بسوق عكاظ، ويمثل حيز التقاء الحضارة العراقية، حيث يلتقي المثقفون والمتبضعون من كل مناحي المدن العراقية، أقول إذا بقي هذا الشارع مهجوراً في يوم الجمعة، بسبب الحظر، فان مظاهر الحياة الثقافة فيه ستسوء إذا لم تتعطل!


رسالة الاردن الثقافية: رقية كنعان تعبر الروبيكون
 

عمان / خاص بالمدى

عن دار الشروق في عمّان، صدرت المجموعة القصصية الأولى للكاتبة رقية كنعان بعنوان عبور الروبيكون، و المجموعة تقع في 112 صفحة وتتنوع بين قصص سبق لها النشر في الانترنت والمجلات الأدبية المختلفة وأخرى تظهر للمرة الأولى.
من قصص الكتاب: خفقات متقاطعة، أشيلوس، ريموت كنترول، حق الليلة الأولى، عمّان بلا خسائر وغيرها. الكاتبة معروفة بحبها للتنقل بين أكثر من غصن أدبي وتفضل أن لا تحصر باسم قاصة أو شاعرة إلى آخر ما هنالك من ألقاب تخصصية، وهي تمارس الترجمة الأدبية أيضا و سبق ان أصدرت من ترجمتها وعن دار الشروق مجموعة قصصية بعنوان بيت الأشباح للكاتبة الأشهر فرجينيا وولف.
يقول محمد جبر الحربي
رقية كنعان اسم شعري موجع يشدك إلى فضاء الألم الذي عاشته أمة لم يتوقف نزفها, ولكنه في نفس الوقت يحيلك إلى أفق الفأل بكاتبة بديعة تعيد للقصة القصيرة جمالها وحضورها الذي أفسده التجريب الذي لا يستند إلى قاعدة ثرية, ولا إلى ذائقة تتكحل بضوء إرث حميم, ومفردات حياة تختزن من اللون ما لا تستطيع المدارس الفنية جمعه.
تمكنت القاصة رقية برقيّ, وبشكل يبعث على الفرح الصادق غير العابر على إذابة مخزونها ومرجعياتها الثقافية داخل البنية القصصية.
وهاهي بمهارتها تبعث زوربا للرقص من جديد, حينما تمسح نتوءات الادعاء المعرفي الذي يشكل عائقاً أمام كثير من النماذج القصصية التي نقرأها اليوم, والتي أصبحت معضلة مزعجة أمام تواصل المثقف مع هذا الإبداع الرفيع, ناهيك عن القارئ العادي الذي هو في النهاية أس للكتابة, وللفعل الثقافي.
لقد أمسكت رقية بكل أدوات القص, ولكنها وبحذر باد وصلت إلى تخوم التحديث دونما بهرجة أو اصطناع.
رقية كنعان اسم سنتذكره دائماً لقاصة ومبدعة تدهش البياض حقا, وتزيد أعيننا دهشة حين نعلم أن هذا هو عملها الأول, وكنزها الذي تريد إشراك الجميع في فتح غموضه, محاره, وذهبه المدفون منذ عصور.
في هذه المجموعة التي أطربتني بإيقاعاتها السحرية تدفق أنهار, وإحالات روافد لا تنتهي لمرجعيات ثقافية واجتماعية رصدتها عين مدربة, وعقل جميل, وهي لا تمر برتابة كما في كثير من الكتابات القصصية التي نطالعها اليوم, ولا بغموض من أجل نرجسية التعالي الذي يصيح بالناس ولا يُسمع, بل بجمال متناسق سلس يدفعك للوقوف إجلالاً لتقول: وهذه قاصة عربية تضع نفسها في الصف الأمامي لمبدعاتنا العربيات, دون مضخات إعلامية, ودون بريق زائف.
رقية كنعان الكاتبة الجديدة, موغلة في تقاليد الكتابة حتى لكأنها تكتب قبل أعمارنا اللاهثة..
وهي هنا تمطرنا بتجربة خصبة في زمن مجدب, أو هكذا ظننا حينما ظلمناه خطأً.
وقال: د. مقداد رحيم
رقية كنعان قاصة أردنية ذات منحى، وهي كذلك لأنها متأنية صابرة حتى الكسل، وإذا كان الكسل من الصفات غير الحسنة على أية حال إلاَّ أنها صفة ساعدت رقية على أن تتحف قارئها بما هو أنيق من الكلام الذي يتشكَّل قصة آناً، ونصاً شعرياً آناً آخر، وروايةً تلوح في الأفق آناً ثالثاً، ونصاً مفتوحاً آناً رابعاً.
وإذْ أقول هي ذات منحى فلأنها تهتمُّ بنظم الكلام، بمعنى أنها تهتمُّ برصف ألفاظها لتشكل منها نصوصاً ممتعة في ذاتها، وهذا ما أردتُهُ بالأنيق من الكلام، فهي لا تفرِّقُ كثيراً بين أنْ تكتب نصاً قصصياً أو نصاً شعرياً أو نصاً بلا هوية، فهويته الكلام المُتقَن الذي يسيل عذوبةً وجمالاً، ولهذا السبب فإنَّ قصصها لا تسمح للقارئ بالملل مهما كانت موضوعاتها، وإذا كان لابد من التمثيل فلابد من الإشارة إلى قصة "عبور الروبيكون" وقصة "أشيلوس" اللتين نالتا من القاصة الدرجة الرفيعة من التجلّي والاعتناء اللغوي.
إنَّ " عبور الروبيكون " مجموعة قصصية جديرة بالقراءة، ولاشكَّ في أنها ستثير الكثير من الجدل في الأوساط الأدبية.
ويقول: د.عزيز التميمي
حتى نرى الشمس علينا أن نزاول برؤوسنا بين الجدران، وحتى نتلمس الدروب لأحلامنا علينا أن نواجه متاهة الحوار مع الوثن المتجسد في سطوة الشارع الملتف حول قاماتنا، وحتى نتمكن من تدوين حكاية العشق فينا علينا عبور غابة التأريخ الهجري والميلادي، وفي لحظة اعتقادنا الابتسامة نجدنا نبلل شفاه غادرها المطر ونرسم للعيون حيرة أليفة تمدنا بما يجعل من سبيل الهروب يسيراً، لماذا نلتقي ونحن لانملك خرائط واضحة المعالم ترشدنا لخيوط حيرتنا التالية؟ كل شيء فينا يتقاطع مع الآخر، نحضر في أماسينا الباردة حتى نؤكد تلاشينا في بخار فناجين القهوة، نمد كفوفنا لتصافح لحن البكاء فينا، ننسج الحلم في دفاترنا مثل طفل بريء وجميل ونطوي أيامنا لنجعل من الحكاية وريقات صفر متكسرة، تجمعنا المنافي في خيام المأساة وتفرقنا اللغات التي لم نألفها يوماً، نخوض المشي فوق جمر الفجيعة لنقترب، وحينما نتقابل جالسين ندرك عري المسافات في جسد الطاولة التي تلمنا .
الكتابة لحظة هدم أحياناً، ولحظة خبل أحيان أخرى، وفي كلا الحالتين نحدس أننا نتعرى لكثرة الهدم من حولنا حتى لنشك في سقوط قاماتنا، نحاول التمرد على نمطيات التنظير فنمارس الخبل اللذيذ، الخبل الذي يهيئ لنا رؤية حقول الخيبة فينا، نرتجف في أحايين كثيرة ونحن نتوقع لحظات التحول التي تبذر المرارة في مفاهيمنا، تحاصرنا، تفضحنا، تمزق كل مقدماتنا الاستهلالية، تسمعنا شيئاً من تعامينا، تغابينا، حتى لتدعنا نفقد لحظة صوابنا ووصايتنا على أبجديات الطاعة في طقوسنا، وحتى نرى البدر لابد لنا من ثغرة في شفة الغروب تمكننا من تعليق مسوداتنا وتناقضاتنا على هدب الليل، ولحظة الكتابة في هذا التجاسر السردي لهي لحظة تعرية للتشويه الذي تراكم وشكل صدأ الخطيئة في رؤية الواقع المرتكز على ملابسات وتلفيقات تداخل فيها الإرثي بالاجتماعي، والأخلاقي بالديني حتى أُنتج التقليدي النمطي الذي يحاكي الآني من خلال منظومة مشوهة معتلة، في زمن تكدس المخطوطات التي ترث الكساد، تتطاير عند أفق المجالس المتخمة بالتبجيل والتنكيل صحائف الخوف من الذوات المقهورة، التماثيل المحرمة وخدور الجواري الممنوعات من الصرف، هناك عند مشارف الحواري تبعثر الريح الأوراق الصفر وتسمي الكنى والحقائق، تعلق الرموز والأوثان في مقابض الريح والسراب، وتجعل لحظة الارتجاف مساس حروف عناوين المرارة.
ان قصص عبور الروبيكون تشبهنا، تحاكي صورنا لحظة انبثاق الخجل، البكاء، الندم، التأرق، تفند الخرس فينا، تفضح انكسارنا في برد التقاليد، تشتمنا، تشير إلى ملامحنا المكسوة بغبار التباريك، تهزأ من كرات الظل المتدحرجة وراءنا، تبصق في أخيلتنا المحتفلة بأنانا ونرجسيتنا، ترافقنا ونحن نندس خلسة في هيكل المدينة، في الأنفاق المهجورة حينما ترفضنا الحانات والألفة، قصص عبور الروبيكون تواسينا لحظة فقدان الوضوح، تشاطرنا البؤس الموروث بصحائف ومدونات أسلافنا، تنادي فينا ما تبقى منا، تتحسس خلجات الحزن المؤبن في سكوت ملامحنا، تسيح معنا، في ذات الدروب المكسوة بآهاتنا وعذاباتنا، تشاطرنا رقصاتنا المجنونة ونحن نطارد فراشات الأحلام في الأزقة المخنوقة بأنفاسها، في الطرقات الهاربة من عويل الكائنات، في المقاهي والساحات العامة، في تدوينات العشق المفترضة عند حواف السنين المكبوتة في صناديق التقليد والقداسة، بجمل مرهفة واسترسالات رشيقة تغرينا هذه التنويعات السردية في ممارسة يوغا التخيل بذاكرة متوثبة مستفزة، ذاكرة متواصلة دوماً وارتحالنا الأبدي في سفر كينونتنا المتجسد أبداً بذات الفصول والوجوه، بانوراما الوجع تتجانس وسيمفونية الوجدان في إشراقة أدبية لافتة لا نملك حيالها إلا التواصل.


رسالة البصرة: أدباء البصرة يستذكرون الكاتب الراحل جليل القيسي

عبد الحسين الغراوي
اقام اتحاد ادباء البصرة جلسة استذكارية للكاتب الراحل جليل القيسي، حيث قدمت ثلاث دراسات نقدية تناولت المنجز الابداعي القصصي والمسرحي للراحل القيسي.
الدراسات الثلاث قدمها النقاد جاسم العايف ومقداد مسعود وجميل الشبيبي وأدار الجلسة القاص محمد سهيل احمد الذي بدأ حديثه بوقوف ادباء البصرة دقيقة حداد على روح جليل القيسي، ثم اشار الى انه كتب دراسة نقدية باللغة الانكليزية عن مجموعة الراحل الاولى (صهيل المارة حول العالم) الصادرة عام 1968. موضحاً ان المنجزات الابداعية للراحل التي صدرت هي (صهيل المارة حول العالم) عام 1968 و (زليخة البعد يقترب) 1974 و(في زورق واحد) 1980 و (مملكة الانعكاسات الضوئية) عام 1995 أما اعماله المسرحية فهي (جيفارا عاد افتحوا الابواب)عام 1972. و(شفاه حزينة) عام 1979 .
و (وداعاً ايها الشعراء) عام 1988 .
تحدث بعد ذلك الناقد جاسم العايف عن تجربة جليل القيسي القصصية حيث أوضح
ان القاص الراحل اعتمدت كتاباته القصصية والمسرحية الاجواء الكافكوية واعتبر الراحل من القصاصين الذين رسموا سمات فنه القصصي معتمداً على السمات الاجتماعية مؤكداً ان القاص جليل القيسي استطاع في تجربته الرائدة ادخال عناصر غير مألوفة خلال الحرب من خلال دمجه للأسطورة واهتمامه بحقيقة مأساة الإنسان، وخلص العايف الى ان اعمال الراحل القيسي تتمتع بعذوبة الجمل وقدرة القاص التحليلية وقوة في استخدام التقنية لاسيما في قصصه القصيرة جداً.
اما الشاعر والناقد مقداد مسعود، فقد تطرق في دراسته النقدية عن المرحوم جليل القيسي الى ان اعماله القصصية أو المسرحية تتسع لمكان يمكن ان يكون الصحراء، وان الاجواء النفسية غالباً ما تأخذ حيزاً من اعمال الراحل لدرجة ان شخصياته تشعر بالظمأ وطالب الناقد مقداد مسعود بأن تلتفت دار الشؤون الثقافية الى طبع اعماله القصصية والمسرحية لأهميتها الإبداعية والمكانة التي يتمتع بها هذا القاص في الساحة الادبية العراقية والعربية.
الناقد جميل الشبيبي تعرض في دراسته المطولة الى تجربة القاص جليل القيسي معتمداً على توصيف اربع تجارب للقصاصين محمود جنداري، محمد خضير، لطفية الدليمي، جليل القيسي الذين نشرت اعمالهم في مجلة الاقلاام، ورأى الناقد الشبيبي ان اعمالهم كانت متشابهة، اعتمدت في ثيماتها الخيال المجنح وتاريخ العراق القديم والاسطورة، واعتبر الاعمال الاربعة مدناً خيالية تناولتها آليات قصصية متشابهة- مشيراً الى ان السارد في قصص جليل القيسي هو نفسه مؤكداً ان القصاصين محمود جنداري، محمد خضير، لطفية الدليمي والراحل جليل القيسي يكتبون دون اتفاق مسبق، وبين الشبيبي انه خلال دراسته لمجموعته، مملكة الانعكاسات الضوئية، يكتشف انها رؤيا خالصة وان السارد في اعماله يمتلك حرية السياحة والحركة في النوم، وان جليل القيسي لا يتخفى في تقنيات قصصه، بل انه يحاول كسر الايهام بين القصة والراوي.. وفي ختام الجلسة الاستذكارية التي عبر من خلالها ادباء البصرة ومثقفوها عن حبهم واعتزازهم بالقاص جليل القيسي، جرت مداخلات نقاشية شارك فيها عدد من ادباء البصرة الذين حضروا هذه الجلسة الاستذكارية تناولت جوانب عديدة من تجربة القاص الراحل جليل القيسي.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة