المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

القارئ والكتاب .. الكتب التي تسبقها الشائعات هي الأكثر رواجاً!
 

محمد درويش علي
إنها رحلة البحث عن كتاب، كتاب تتفاعل معه، ويحرك فيك سواكن كثيرة ويجعلك على اتصال دائم مع اهتماماتك الفكرية والثقافية. الكتاب خير جليس في الزمان، هذا ما قالته العرب. والكتاب هو المغير، وهو المحرك، وهو الذي يقود التاريخ، ويغير مسراه. فكل التغييرات التي حصلت وتحصل في العالم، تنطلق من الكتاب عبر فضاء الفكر فيه، ذلك الفضاء الواسع. فمن يستطيع أن ينسى نظرية داروين، ورأس المال، وثروة الأمم، وجدليات هيغل، وروايات دستويفسكي، وتولستوي، واميل زولا، وفوكنر، وهمنغواي، وكوخ العم توم، ونهج البلاغة، وقصة الحضارة، والكوميديا الإلهية، ودون كيشوت، وعشرات الكتب الأخرى، فبما أن الإنسان يحلم، ويسعى إلى التغيير، فهو بحاجة إلى مرتكزات نظرية لكي ينطلق منها إلى عوالمه التي يريد. انطلاقاً من هذا، كتبنا هذا التقرير الذي نبغي من ورائه، رأي القارئ ورأي البائع، لمعرفة الكتب التي تطلب الآن في السوق وماذا يقرأ القارئ العراقي صاحب الاختصاص وسواه.
ستار الذهبي، بائع كتب وكان يتردد على سوق المتنبي منذ سبعينيات القرن الماضي، واستقر به الحال في بيع الكتب منذ الثمانينيات ما بين شارع المتنبي، وشارع فلسطين، وأرصفة بغداد الجديدة يقول: ما زال القارئ العراقي يتلهف لقراءة الكتب الجيدة، مثل الكتب الفلسفية، وعلم النفس، والنقد الأدبي، لاسيما الدراسات الحديثة لأدونيس وصلاح فضل، وكمال أبو ديب. ويضيف الذهبي: إن الكتب التي تتحدث عن تاريخ العراق، رواجها كبير، فعلي الوردي كتبه في كل الأزمان مطلوبة، وكذلك طه باقر وأحمد سوسة، والحسني.
يشاطره الرأي البائع كريم حنش، صاحب مكتبة الحنش وهي مكتبة كبيرة، تحوي مجموعة كبيرة من الكتب المستنسخة الخاصة بالدراسات العليا، وكذلك الكتب العلمية والفلسفية والفكرية.
هو الآخر يؤكد على ازدياد الطلب على الكتب التاريخية ولاسيما التي تركز على تاريخ العراق ومذكرات اليساريين مثل مذكرات رحيم عجينة وباقر إبراهيم وبهاء الدين نوري وزكي خيري وصالح مهدي دكلة.
يبدو أن القارئ يريد معرفة تاريخه من جديد، وهو يعيش في ظرف مثل هذا، لا يستطيع استيعاب تفاصيله، وهو الظرف المتشابك والمتداخل. إن العودة إلى كتب التاريخ، ربما كانت تعني التخلص من ركام الحاضر المليء بكل ما هو غير طبيعي.
مازن لطيف علي بائع كتب في المتنبي أيضاً يقول: منذ أن نشرت جريدة المدى حلقات من مذكرات بول بريمر في العراق، والطلب إنهال على هذه المذكرات، وعندما طبع الكتاب ووزع بترجمة أخرى، لم تستطع النسخ الأصلية تلبية حاجات القراء، فقام بعض أصحاب المكتبات باستنساخه وبيعه، والطلب عليه ما زال في تزايد. ويضيف: القارئ أحياناً يسعى وراء الشائعة الأدبية، ويبحث عن الكتاب الذي يعرض في جريدة، مثلاً عندما ظهر أحمد فؤاد نجم في إحدى الفضائيات، بدأ القارئ يسأل عن أشعاره، فلو كان لدي عشرات النسخ من دواوينه لنفدت. ولا أخفيك أن الشعر الشعبي مرغوب الآن جداً.
أما محيي عيدان وهو الذي يحمل ثلاث شهادات في الإحصاء والحاسبات واللغة الفرنسية وتنقل على أكثر من رصيف ليبيع الكتب.
غاير زملاءه الرأي وهو يقول: القارئ يريد التسلية ولا يريد الكتب الجدية، وهنالك من يبحث عن الرواية مثلاً عندما تشاع حول واحدة منها الشائعات ويقال إنها رواية متميزة. فإذا ما كانت الدعاية أو الشائعة تحومان حول الكتب الجادة فإن القارئ يسعى إليها بلا تردد. فالقارئ يبحث عن الشعر المنبري، وليس الشعر الذي يقرأ في كتاب. فالوضع الحالي غير الكثير من الأذواق وجعلها تسير عكس الاتجاه الصحيح.
ويضيف: لكي لا أظلم القراء الذين تعودت عليهم منذ زمن طويل، فهؤلاء لوحدهم ما زالوا يبحثون عن الكتب الجادة، الكتب التي من شأنها أن تقول الصحيح، وأن ترتكز على أسس فنية وفكرية صحيحة، بعيداً عن أي شيء آخر.
أما أنمار محمد فيقول: الكتب السياسية والكتب الفلسفية والفكرية محدودة التداول. واي كتاب يتعلق بوضع العراق الراهن، مطلوب بشكل غير طبيعي وكذلك الكتب التي تتحدث عن الإسلام السياسي فهي الأخرى مطلوبة أيضاً.
إما نعيم الشطري الذي بات علامة متميزة في شارع المتنبي فيقول هو الآخر: الكتب العلمية والدراسات الحديثة والسياسية مطلوبة على مدى كل الفترات الزمنية. لدي رواد ثابتون أتعامل معهم، ولدي قراء جدد يزدادون يوماً بعد آخر، يريدون الشعر الشعبي ودواوين الجواهري والقباني.
المثقفون ماذا يقرأون
المثقف حينما يختار كتاباً، يختلف عن القارئ الآخر، ربما كان يريد الكتاب متطابقاً مع الحقل الذي يعمل فيه، أو يديم من خلاله ثقافته النظرية في المجال الذي يريد. المثقف لديه أكثر من هاجس، وأكثر من اختيار، وأكثر من مزاج في انتقاء ما يريد قراءته.
أحد الأصدقاء من الكتاب المعروفين، حينما أراد أن يكتب كتاباً، جمع كتباً كثيرة، قرأها ثم عاد إلى المكتبات واقتنى كتباً أخرى حتى استطاع أن يرضي غروره الثقافي، ويبدأ في كتابة العمل الذي يريد. فكتاب يحيل إلى كتاب، مثل حبات المسبحة، حتى تكتمل دورة الإشباع لديه.
الأديب علي دنيف يقول: اقرأ الكتب الستراتيجية لأنها تتعلق بعملي في جريدة الصباح، وأتواصل مع هذه الكتب يومياً. لكني لا أبقى أسيراً لهذه الكتب فقط، فالموازنة مطلوبة، فأقرأ الرواية والشعر وأحرص على متابعة الكتاب الشهري لـ(المدى). آخر رواية قرأتها هي رواية "الخيميائي" لباولو كويلفو وأعيد قراءة أشعار أمل دنقل.
وهل تؤثر الفضائيات على قراءاتك، أجابنا: لا أشاهد الفضائيات وأحب القراءة، وأركز عليها، وقراءاتي في السنوات الأخيرة، هي في الشتاء لأن الطقس يساعد على ذلك. فالكهرباء كما تعلم تقتلنا في الصيف.
مرة قرأت مقالاً للأديب العربي الكبير عباس محمود العقاد، يقول فيه: أن المثقف الذي يتوقف عند نوع واحد من الكتب، هو مثل المريض الذي يأكل نوعاً واحداً من الطعام.
إذاً المثقف مطلوب منه، أن يقرأ كل شيء مفيد يصب في ثقافته، ويدعم وضعه الفكري. أما الصحفي علي حسين القيسي، فيقول: أعود لقراءة الأعمال الإبداعية القديمة مثل الشيخ والبحر لهمنغواي، وموسم الهجرة إلى الشمال، واقرأ تاريخ العراق الحديث، واعتز بكتاب حنا بطاطو (العراق) الذي أقرأ فيه باستمرار، وأعدو إليه حينما انتهي من قراءته. فضلاً عن قراءاتي للمجلات الثقافية العربية.
فيما قال كاظم الحسن وهو الذي يكتب في مواضيع سياسية واجتماعية في معظم صحفنا!
أقرأ الكتب الأدبية بشكل غير طبيعي، وقراءاتي تتركز عند فصل الشتاء لأن فصل الصيف لا يسمح لنا بذلك، وأحرص على قراءة كتاب المدى الشهري، واحتفظ بكل ما صدر منه.
الشعر يستهويني مثلما الرواية والكتب السياسية أيضاً.
أربعة قراء يدلون بدلوهم
هاشم جبار عبد الحسين يقول: أقرأ الكتب الدينية، وبعض الكتب الخفيفة، مثل كتب مشاهير الفنانين، والكتب التي تتحدث عن الأبراج والحظ.
أسامة البياتي قال: أحب الشعر الشعبي، ولا اقترب من الكتب الجدية لأنني لا أفهم منها شيئاً.
مرتضى حميد قال هو الآخر: أقرأ منذ صباي وحتى الآن، أقرأ التاريخ، وكتب السيرة، وبعض الروايات التاريخية مثل روايات جرجي زيدان، ولا استطيع التخلي عن القراءة أبداً، برغم كل إغراءات الفضائيات.
فاتن عبد الرزاق تقول: همي هو الحصول على رواية متميزة، وقصيدة حب جميلة. لدي كتاب فاروق شوشة مائة قصيدة حب وأشعار نزار قباني وغيرهما.
الآن ماذا تبقى من الكتاب؟ وهل استطاعت المرئيات أن تزاحمه؟ يبدو أن الحاجة إلى القراءة، هي مسألة أهم وأخطر من كل ما ينافسها! وتبقى الكتب التي أشرنا إليها في البداية هي المؤشر الحقيقي لخلق موازنة موضوعية مع تطورات الحياة وما يريده الإنسان.


كيف يعيش الصحفيون العراقيون حياتهم؟ .. الصحفيون يتحدثون بصراحة

 

عدنان الفضلي
إن المهام الجسام الملقاة على عاتق وسائل الإعلام العراقية بمختلف أشكالها لا تقل أهمية عن تلك المسؤولية الكبيرة المنوطة بالدوائر الحكومية وباقي المؤسسات الرسمية، فاختلال الأمن وحمى الفساد الإداري المستشري في معظم دوائرنا الحكومية لن تنتهي بسهولة ما لم تحاصر بقوة رادعة وجدية على اكثر من صعيد، بدء من نصوص القانون مرورا باشاعة قيم اعتقادية جديدة وليس انتهاء بماكنة الإعلام الذي يتوجب عليه وهو الرقيب المبصر - أن يعري ويدين كل تلك المظاهر التي تستهين بحقوق الناس المشروعة في حياة كريمة وهي تمارس علنا كل اشكال التسويف واللعب بمصالحهم. هكذا كانت بداية حديث الصحفي والناقد السينمائي احمد ثامر جهاد (جريدة المنارة) حول الواقع الصحفي في العراق وكيف يعيش الصحفيون حياتهم في ظل ما يدور في العراق من احداث غير طبيعية واضاف:
قد يبدو واضحا اليوم إن صحافة وطنية حرة تمارس دورها الإعلامي بمسؤولية مهنية وأخلاقية عالية لن يكون بوسعها أن تمنع وجود ظواهر أخرى بين ثناياها، تسيء إليها بشكل أو بآخر عبر سلوكيات انتهازية رخيصة ينساق إليها البعض منتفعا أو مجاملا أو متزلفا لهذا المسؤول أو تلك الدائرة، متغافلا في خضم اندفاعه هذا عن قدسية عمله ونبل رسالته. فيما تفرض الظروف الملتبسة لغياب القانون والمؤسسات المدنية على البعض الآخر تجنب الخوض في الإشكاليات الحقيقية التي يعاني منها مواطننا ومدننا على اكثر من صعيد. لذا يلزمنا الإدراك أن عمل الصحافة ليس هواية طارئة وانما احتراف مهني وأخلاقي صرف، يفرض على ممثليه اتباع تكتيك خاص يشير ويفسر ويكشف ويستطلع ويحقق في كل ما يشكل واقعا ملموسا بالنسبة لعموم المواطنين. وربما عليه في الوقت نفسه أن يستغل بذكاء ومسؤولية رغبة الناس في فهم الواقع وتغييره، وان اقتضى ذلك أحيانا كشف المستور وزحزحة المهيمن ومساندة المهمش وإن غابت بشائر الحلول الناجعة لحين.
ليس بعيدا عن ذلك بدا لنا أن ما يثيره الاعلام العراقي عبر نوافذ صحافتنا المحلية، رغم سياسة التحفظ في تقييد اليد هنا او هناك، عن مفارقات عمل مؤسسات الدولة وفسادها أو عن الامن والبرلمان وهموم الثقافة وخليط تلك الفوضى والوجع اليومي وما إلى ذلك من كوارث وطنية نراها تحصنت بسوء مكين ضد آراء الآخرين، سيرسم هنا المدى المؤسي للحساسية والتعصب والسلطوية الفاعلة في تشكيل واقعنا الراهن وصياغة صورته وقيمه، واقع هو ابعد ما يكون عن الشفافية والسلوكيات الديمقراطية المتحضرة. فعلى الدوام وفي غير مكان، ثمة همس في السر يحوك المؤامرات ويشكك في النوايا، وان أرغمت أحيانا مشروعية مطالب الناس المعلنة بعض المسؤولين على التراجع عن مواقفهم وآرائهم الأشد عرضة للنقد والإدانة إعلاميا.
الصحفي والشاعر كاظم غيلان (جريدة الصباح) تحدث عن الواقع قائلا:
قالوا عنها مهنة البحث عن المتاعب،الا انها وضمن واقع العراق المأساوي الراهن اصبحت مهنة التحدي الحقيقي والفاعل الذي يكلف الصحفي حياته من الفها إلى يائها. الصحافة العراقية الان تشهد انفلاتا حيث عمل بها كل من هب ودب من سقط متاع صحافة البعث واذيال عدي ايام وسنوات تربعه على عرش الصحافة العراقية ولربما اسهم الانفلات لعودة الاقلام التي استبدلت الحبر بالسم فتجدها (تجاهد) بطريقة ادنى حتى من 0(البذيئة) لاشاعة العنف الطائفي والأخبار المفبركة التي تفتقر لدقة المعلومة الصحفية الصائبة، وبهذا تحول الخطاب الاعلامي وعبر القنوات (المرئية والمسموعة،والمقروءة)إلى جهة معتمدة للارهاب الذي امتهن سفك الدم العراقي.
الصحفي العراقي الشريف والملتزم بقضايا شعبه والناقل الامين لمجريات الحدث العراقي هو المعاني وهو المجابه الفاعل والكاشف الدقيق لما ترتكبه بعض الميليشيات من جرائم، ولا يمكن ان نرتقي لشرف الصحافة ورسالتها العظيمة بدون غربلة حقيقية الان وقبل استفحال ازمة الاعلام.
معاناة الصحفي في ظل هذه الاوضاع الشاذة في العراق لا حصر لها، تبدا من الايقاع الاول لليوم العراقي الدامي. فهو يفتقر للامن ومحاط بعصابات تمتلك كامل حريتها للتصفية وتجيد فن التحريض بين طائفة واخرى، الصحافة العراقية الان مطالبة بان تقول الحقيقة ولتكن التضحية اولا لانها من المتطلبات الحياتية في العراق .
فيما يقول الصحفي والقاص كاظم الجماسي (صحيفة الاتحاد) :
في خضمّ وضع متدهور على شتى الاصعدة بات يعاني منه المواطن العراقي بنحو عام، وصاريشكل تهديدا خطيرا لشريحة الاعلاميين بنحو خاص، في هذا الخضم امست حياة العراقيين واستمراريتها رهن المفخخات والعبوات والاحزمة الناسفة هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى تشكل ظاهرة غياب الشفافية والمكاشفة بين شتى الكتل والاحزاب التي اخذت بزمام امور البلاد بعد التغيير. تشكل تلك الظاهرة عقبة كبرى امام المهمة الرئيسة المنوطة بالاعلام في شتى مناحيه والمتمثلة برقابتها على اداء السلطات الثلاث، القضائية والتشريعية والتنفيذية بوصف الصحافة السلطة الرابعة، كما ان هناك مشكلة ولدت بعد التغيير الا وهي اعلام الاحزاب والكتل الذي دل اداؤه على جهل وعدم حيادية في نقل وتحليل المعلومة. وكان الخائضون فيه جهلة من خارج الوسط الاعلامي مما اسهم في ارباك العملية الاعلامية، وخلق منها رقصة عرجان.. ولكننا سنظل امام خيار لا بديل عنه الا وهو خيار التضحية التي لا تمتلك من سلاح سوى سلاح الصدق والصدق وحده والزمن كفيل باسقاط كل اليافطات الكاذبة والدعية.
اما الصحفية هديل كامل الجواري (صحيفة البينة الجديدة) فقد قالت:
الوضع الصحفي في البلد يعاني من اضطهادات سياسية واجتماعية واقتصادية بالاضافة إلى الوضع الامني المتردي وانشغال القوى السياسية بصراعها حول الكراسي، وانشغلت بهموم الامن والخطط الامنية الفاشلة، تاركة السلطة الرابعة تصطدم بمن هب ودب، فاصبح الصحفي اليوم لقمة سهلة للارهابيين وضاعت حقوقه وسط بلد اختلفت به كافة المسميات، لذا فاننا نتمنى ان تكون هنالك قوانين وتشريعات تضمن حقوق العاملين في الوسط الصحفي والاعلامي، كونهم يحتاجون لمثل تلك القوانين ليعرفوا طريقهم جيدا ويحسون بانهم فعلا السلطة الرابعة. وانا كعاملة في هذا المجال اطالب بان يكون لنا نحن النساء العاملات في الوسط الاعلامي حقوق خاصة كوننا وفي ظل مثل هذه الاوضاع فان امر حمايتنا هو الاهم الان.
وتشاطرها الراي الصحفية سهام جاسم الحمداني (جريدة الدستور) بالقول:
مانحتاجه الان هو ان نجد مسؤولا يقرا مانكتب،فالاحباط قد لازمنا ونحن نكتب عن مايدور في البلد من احداث متسارعة، كما ان هنالك العديد من الصحفيين راحوا ضحية تلك الاحداث دون ان يعير لهم اولئك المسؤولون أي التفاته. واعتقد انه لابد من ان تكون هنالك وزارة خاصة بالاعلام وفصلها عن وزارة الثقافة. ولانعرف لماذا لم تتشكل تلك الوزارة لحد الان،برايي الشخصي انه بدون وزارة حقيقية مختصة لن يتطور العمل الصحفي في العراق. كما لابد من الاهتمام بالطاقات الصحفية الشابة، ومنحها الفرص الكافية لتحقيق طوحاتهم، وياتي ذلك من خلال ادخالهم في دورات متخصصة لتطوير مهاراتهم الاعلامية. حتى يستطيعوا تادية المهام المنوطة بهم على اكمل وجه.
اما الصحفي عمار سيف (جريدة الدستور) فقد عبر عن رايه بالقول:
ان الوضع غير الطبيعي الذي يعيشه البلد فتح المجال امام الصحافة لتكون متنوعة وتمتلك من الحريات مايؤهلها لان تكون خارج حدود القيود والخطوط الحمر، ولكن وللاسف مازال بعض رؤساء التحرير يمارسون سلطة الابوة على الصحفيين العاملين تحت امرتهم، وقد نقل لي العديد من الزملاء عبر احاديث نتداولها،عن بعض الخطوط الحمر التي يرسمها رؤساء تحرير الصحف التي يعملون بها، وهذا يعد امرا خطيرا، فالحرية الصحفية مكفولة دستوريا، وعلى المسؤول الاعلامي ان يكون قدوة للصحفيين العاملين معه. وهناك موضوع اخر يمكن الحديث عنه، وهو ادلجة بعض الصحفيين، فبعض صحف الاحزاب تفرض نظام الادلجة على العاملين معها، وتوجههم نحو ما ينفع الاحزاب التي ينتمون لها.متناسية ان العراق والمواطن العراقي هو الهدف في العمل الاعلامي. لذلك اتمنى ان تتخلص تلك الصحف من هذا التخندق، وان تخرج للشارع وتعلن عن نفسها مؤدية واجباً ينتمي للوطن وحده بعيدا عن التحزب والطائفية.


هاشم حنون...مناسبة للكتابة

خالد خضير الصالحي


الجزء الأول:إختزال الفيض.. والأثر.. والذاكرة
حينما كان الآخرون يسألونني صراحة، وأحياناً ضمناً، وأحياناً أسائل نفسي: كتبت عن هاشم حنون كثيراً، فما الخصيصة التي يتفرد بها، خصيصته التي لا يختص بها غيره؟، أو هو يختص بها دون غيره، كنت أجيب نفسي، واحياناً أجيب الآخرين، نحن لا ننكر ان هاشم حنون لا يخلو من ان يكون مناسبة للكتابة!، فنحن معشر نقاد الفن التشكيلي وكتابه، قد نتخذ الرسامين مناسبات لطرح تكنيكاتنا في الكتابة، الأمر لا يخلو من ذلك حتماً مثلما ندعي ان الموضوعات، بالنسبة للرسامين، تشكل ايضاً، مناسبات لوضع اللون، وإظهار القدرة التقنية في استخدام مادة الرسم، على سطح اللوحة. ذلك حقيقي، لاشك في ذلك، ولكن لهاشم حنون فرادة تتوفر للقليلين، للقليل من الرسامين، انها (الانقطاع)، الانقطاع الأسلوبي عن المنجز السابق، وعن الموضة الأسلوبية التي تسود مرحلة من مراحل الرسم، فكان هاشم حنون مناسبة ممتازة للعديد من الكتاب للكتابة عبره، عبر تجربته.
استعراض الروح
كتب فاروق يوسف (1990) تحت عنوان (هاشم حنون وهو يستعرض روحه)، يعترف بدايتها ان هاشم حنون يستدرجه (أكثر من مرة) للكتابة عنه، ويعترف (ان الكثيرين اتفقوا على ان فضيلة معرض جماعة الاربعة تكمن في انه استضاف اعمال هاشم حنون) ثم يؤكد ان لتجربة هاشم حنون "سحراً عاطفياً لا يقاوم، ومن الصعب تفسيره، أو تفكيك عناصره" ويؤكد ان فرادة هاشم حنون تكمن في أسلوبه الذي ينشد ذاته من خلال "سحر حزن عاصف تطلقه لوحاته، يأتينا من جهة واحدة، هي جهة القلب.. وعلى من يتلقى لوحات هاشم حنون ان يبحث عما ينقصه فيها، لا عما ينقصها فيه، لوحات تنشد ذاتها، غارقة في غناء صوفي قادر على " استحضار مفردات الحياة بكل تنويعاتها.. والنظر الى الامام أكثر من النظر الى الخلف، وستظل هذه الميزة ملائمة له"، فعلى خلاف أفراد جيله الذين التجؤوا الى التعبيرية، فانتجوا فناً متخلفاً في معظمه، وقف هاشم موقفاً مضاداً من هذا التيار" من خلال اتجاه "يظهر ما لا يراه لينعشه بالحياة ويدفعه باتجاه الخلود" في " واقع ينتمي الى ما لايظهره أكثر مما ينتمي الى ما يظهره.. فان ما نراه في لوحات هاشم حنون هو الجانب الخفي في ذلك الموت المقدس"، "انه الشاهد الذي رأى ما لم نره. وأظهر ما لم يره" ذلك كان معرضه الأول.
لغة الاختزال
كتبت خولة ابراهيم تحت عنوان (العناوين مفاتيح والاختزال لغة) تلمست فيه جوانب الفرادة في تجربة هاشم حنون من خلال متحققين هما: " ما يميز موضوعه، من خلال التحدي القائم على مواجهة الموت بالحياة، فصاغ لنا تجربة الحرب التي عاشها قاسية عنيفة" ومن خلال " التنوع في طريقة تعبيره، حيث يلجأ الى الاكريليك على الورق من مواد مختلفة، فتزدحم التفاصيل، والتكوينات، وتنوع المواد" مما يؤكد فرادته من خلال "قدرات لونية متفوقة"، ومن خلال التجريب المتواصل، والإحساس العميق بدور اللون في عملية إخراج اللوحة، والاهم هو في عملية الاختزال".
القوس المحمول
يكتفي القاص محمد خضير "الاستدلال بلوحة واحدة من لوحات هاشم حنون لتلخيص مدلولات رؤية كلية موزعة على اللوحات"، حيث " تحققت بأسلوب اختزالي جعل الأشكال المشخصة تخلي مسرح اللوحة لمصلحة شبح الفكرة.. الفكرة المحمولة على الأكتاف في حركة خفية متجانسة مع الاقدام الثقيلة في لوحة الشهيد المحمول".
وكانت الأزاحة التي يحددها محمد خضير هي إزاحة ذات طابع شكلي إضافة للإزاحة في الجانب الدلالي، فقدم هاشم حنون من خلاله " تصوراً طقسياً أصيلاً متصلاً بالتضحية المقدمة في وضع افقي، مغايراً بها وضع العروج العمودي للشهداء.. ثم يستأنف هاشم عمله في لوحة (الجريح المحمول) محولاً الخط الأفقي الى قوس يستكمل وضع الشكل المحمول في فضاء اللوحة بشظايا وخدوش وأشكال هامشية" وبذلك يركز محمد خضير على بنية خفية يبني من خلالها هاشم حنون تجربة مرحلة أسلوبية ضخمة.
أعمال بصرية
تنتهي نادية احمد الى ان فرادة هاشم حنون "في استخدامه اللون وتعاملة معه، فهو ينطلق مرة وتتدفق الوانه جميلة زاهية .. وتخبو مرة أخرى وتغدو الواناً معتمة يعلوها الدخان والعتمة والحزن الساكن في الوجدان".
حوارية الجسد
انتهى سعد القصاب في مقال بهذا العنوان (1990) الى ان فرادة تجربة هاشم حنون ذات جوانب متعددة تمتد من "محاولة دائمة لاكتشاف صورية.. وتجريبية التكوين في اللوحة" الى " الاستعانة بانشائية تتداخل فيها تفاصيل بريئة للواقع مع توظيف رموز وأشارات ذات منحى بدائي في نسيج الشكل وخلفيته.. حيث تتقدم مشهدية التكوين قبل مقتربه التعبيري"، ويخلص الى ان "أثر التجريبية المتحقق ساعد في أطلاق مديات تحاور المتخيل وتصور معنى.. لحضور حدود جديدة للمادة".
اختزال العناصر
أقام هاشم حنون عام 1995 معرضاً شخصياً شكل حدثاً في نيسان على قاعة حوار في بغداد تداعى للكتابة في مطويته ثلاثة من كتاب البصرة: محمد خضير، وحسين عبد اللطيف وكاتب هذه السطور اضافة لمجتزءات من ثلاثة كتاب آخرين: مي مظفر التي تقول (1990) ان تجربة هاشم حنون فيها " تحول الانغمار في الحدث الى مشاهدة متأملة متأنية في الذاكرة، وتحول الإنسان الى أثر تمثل في مشاهد القبر أو في قوس أو حجر، أثر يحمل اشارات تاريخية، فمأساته وجرحه وانتصاراته خطوط تزين ذلك الأثر".
وفاروق يوسف الذي اجتزئ جزء من مقالته التي تطرقنا اليها في مفتتح موضوعنا هذا، وعاصم عبد الامير في مقال نشره في مجلة الاقلام (1993) ويخلص فيه الى اهمية الطابع الشعري في لوحة هاشم حنون الى ان "الوقائع لدى هاشم حنون تمثل طبقة تالية، وتصل الينا كما لو كانت نداءات بعيدة لكنها لاهثة، فهو يعول كثيراً على هذا النمط من القراءة بمعنى تأييده لفكرة استدراج العين واعتبارها طرفاً ستراتيجياً في الحوار البصري المقترح كي تفعل الإشارات بعدئذ- فعلها على الذهن، هناك حيث يتراءى لنا اننا إزاء فناء يرقى بالنوازع والتراجيديات نحو تخوم الشعرية".
تناول كتاب البصرة مختلف جوانب تجربة هاشم حنون في تلك المرحلة الا انهم، ثلاثتهم، كانوا مأخوذين بقدرة تجربة هاشم حنون على الاختزال، اختزال متعدد السمات، يتساوق وضخامة تجربة هاشم حنون، فمن خلال موضوعة (اختزال الفيض) يؤكد محمد خضير، القاص البَصريّ، ان الرسام قد "اختار ان تكون اللوحة مجالاً اساسياً لجاذبية متوحدة، لاجزءاً صادراً من موضوع، بل اكتنافاً لموضوعية اللون وتعبيرية الاشارة في رؤيا جمالية مختزلة" فقد سبق وان "اختزل أشكال الفراغ في اصغر مساحة تصويرية".
ويلخص الشاعر حسين عبد اللطيف تجربة هاشم حنون في "تمركزها حول (إحساس) لا حول (موضوع) ذي سردية، كانت التفاصيل فيها غير محتشدة أو زاخرة بل مختزلة الى حدودها القصوى.. وضمن توجه وزهد في استعمال اللون".
وركز كاتب هذه السطور في موضوعة (هاشم حنون.. العين والذاكرة) على التحولات الأسلوبية لدى هاشم حنون "ومسبباتها الجوهرية" بسبب "تغير فهمه لدور السطح التصويري.. باتجاه محاولة تحقيق اقتراب اكبر من شيئية اللوحة، و "تحول فهمه للوحة باعتبارها سطحاً مسكوناً بالألوان والخطوط والأشكال.. ويخضع لضروب شتى من التجارب الشكلية والتقنية" وانتهى كاتب السطور الى ان "ذاكرة هاشم حنون خزنت نماذج لا حصر لها من (كتابات أولى) مثلتها مختزلات صورية انفصلت عن وجودها اللغوي" والتشخيصي الأول.
يمكن القول إذن ان فرادة تجربة هاشم حنون هي المناسبة التي لها القوة على "استدراج" الآخرين لها.. فرادة تنوعت واغتنت قدر تنوع وغنى تجربة هاشم حنون ذاتها.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة