ذاكرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

فنانون من بغداد
 

باسم عبد الحميد حمودي

اصدر بدري حسون فريد كتيبه هذا العام 1954 وهو مجموعة مقالات عن فنانين (وادباء عراقيين لهم علاقة بالفنون) وبعض هؤلاء تكاملت شخصيتهم بوفاتهم مثل الفنان شهاب احمد الكصب الذي توفي شاباًُ، وبعضهم عمل في حقل الفن قليلا ثم ابتعد مثل (جرمين) لكن معظمهم له دور مهم في عملية البناء الفني الحديث مثل الفنانين الرواد: حقي الشبلي، عزيز علي، جعفر السعدي، يحيى فائق، خالد الرحال، وبقدر ما كان موقف الكاتب من الفنان الكبير حقي الشبلي سلبيا تماما هاجم من خلاله عمله في ادارة معهد الفنون الجميلة ومشاركته في فيلم القاهرة- بغداد بطريقة اثرنا بسببها عدم اعادة نشر موضوعه عنه، نجده يقف من شعر الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة موقفا سلبيا خصوصا في تحليله لجهدها الريادي التحديثي في ديوانها الثاني (شظايا ورماد) حيث وجد في (التلاعب) في نظام التفعيلة نوعا (من الحشو الذي لا فائدة منه) وواقع الامر ان (نازك) كانت تعمل ضمن مشروع ضخم وريادي في اثراء الشعر العربي الحديث وهو امر لم يكن الكاتب قريبا منه لغلبة القصيدة الخليلية انذاك على الذهن الثقافي.
اننا نجد في هذا الكتاب- البورتريت ملاحظات وخواطر عن الجو الثقافي منتصف القرن العشرين منها موقف الفنان بدري حسون فريد من نتائج مسابقة شعرية اقامتها كلية الاداب والعلوم انذاك فازت فيها الشاعرة فطينة النائب على خمسة شعراء من سائر الكليات العراقية والكاتب هنا يرى في نتائج المسابقة انحيازا من لجنة التحكيم للشاعرة اعتماداً على رأي المحرر الثقافي في جريدة الانقاذ وراي الاستاذ خيري العمري الذي نشره في جريدة الاهالي حول افضلية قصيدة الشاعر طه العبيدي (الشتاء) على سائر القصائد المشاركة.
في الكتاب ايضا نوع من التوثيق لعمل الفنان اكرم جبران في فيلم (عليا وعصام) وفيلم (ليلى في العراق) وتسجيل لجهد الفنان يحيى فائق في المسرح وفي بدايات السينما العراقية رغم مأخذه على بعض نشاطاته، وفي مذكرات الفنان فريد لون من التحية لجهد فنان عراقي راحل هو عبد الخالق السامرائي الذي عمل مهندسا للصوت لعدة افلام مصرية قبل ان يعود الى بغداد ليعمل في التصوير والاخراج السينمائي.
ان مشكلة كتب من هذا النوع انها تؤرخ لفترة وتخضع في تاريخها لمزاج وعواطف الكتاب وقد كان الفنان الكبير بدري حسون فريد حرا تماما في تسجيل انطباعاته عن الاسماء الفنية والثقافية التي اختارها وها نحن نقدمها للقارئ الكريم تعبيرا عن مرحلة ومشاركة في استذكارها.

 

يحيى فائق
من اعلام المسرح العراقي وفي طليعة ممثلينا القدامى الذين وضعوا اللبنة الاساسية لنهضة العراق التمثيلية ومن ثم قوموها بالتضحيات الغالية وذللوا الكثير من المصاعب لتصل النهضة التمثيلية الى مكانتها المرموقة آنذاك، ولقد تخرج الاستاذ يحيى فائق من معهد انطاكيا للتمثيل وحاز فيها على شهادة راقية جاء بها الى العراق ليريها باعتداد الى والده الذي أرسله الى انطاكيا ليدرس الطب. فكانت مفاجأة لا ينتظرها الاب الذي صرف على ابنه مبالغ كثيرة لا ليدرس الفن والتمثيل فأثرت تلك الحادثة في نفسيته وجعلته يحقد على ممثلنا البارع يحيى فائق.
ادواره الخالدة على المسرح دور (عنتر) فهو الممثل العراقي الوحيد الذي يصلح لذلك الدور ويتمكن من ان يعطي حقه فيه كممثل بارع ولا يقل نجاحه في دور الاب من رواية المساكين عن دوره السابق وله ادوار عديدة اخرى قام بها على المسرح في مناسبات وطنية فأبدع فيها ومثل باحساس وهتفت له الجماهير من الاعماق وصاحت بملء صوتها: ليعش يحيى فائق ممثل الجماهير الاول. اما دور (ذياب) الذي قام به في الفلم العراقي الاول (عليا وعصام) فقد سجل له فيه نصرا رائعا واثبت انه ممثل سينمائي لا يشق له غبار وله تلك الشخصية الخاصة به الذي يحسده عليه كثير من الفنانين،وقام بمهمة مساعد مخرج اضافة الى دوره السابق في ذلك الفلم، فكان نشطا وذكيا يراقب كل حركات المخرج الفرنسي وسكناته ويتفهم اصول الصناعة السينمائية.
اما اليوم فالاستاذ يحيى فائق ينتظر نجاح باكورة عمله كمخرج لفلم عراقي قصير ملون. ولقد عقد الاستاذ يحيى فائق الامال الجسام لنتيجة عرض ذلك الفلم ونجاحة.. وسينجح الاستاذ يحيى فائق في اخراجه لمثل هذه الافلام بالذات ولكني اود ان اهمس في اذن مخرجنا الجديد الذي اخذ على عاتقه مهمة اخراج افلام عراقية واقول: اذا كان نجاح الممثل يعتمد على الموهبة الكامنة مع الصقل والتمرين المستمر فان النجاح في الاخراج السينمائي يعتمد قبل كل شيء على البحث والتعمق والدراسة العلمية لفنون السينما في معاهد سينمائية خاصة ومن ثم يستوجب بعدها التطبيق لتلك الدراسات في استوديوهات انشئت خصيصا للتمرين على الاخراج الذي يؤهل المخرج الناشئ المجال لكي يصل الى مرتبة يتمكن بها من ان يخرج فلما ناجحا. ولكن الاستاذ يحيى فائق قد اختصر تلك المراحل ولم يهتم بتلك الحقائق التي ذكرتها الان، فشرع في اخراج فلم عراقي قصير وملون ايضا وبالتأكيد كما قلت سابقا سينجح الاستاذ فائق في اخراجه لهذا الفلم وذلك لاسباب عديدة تتعلق بموضوع الفلم الذي سنشاهد فيه العتبات الاسلامية المقدسة في العراق، هذا السبب مع غيره من الاسباب الفنية كموهبة الاستاذ يحيى فائق في الاخراج ومقدرة المصور كريم مجيد في اجادة التصوير والتمثيل الطبيعي الذي قام به بقية الممثلين في الفلم وشهرة المطربة الايرانية (فروخ خانم) كل هذه العوامل ستجعل الفلم ناجحا في العالم الاسلامي الى درجة عظيمة وحتى في العالم الاوروبي ايضا الذي سيشاهدون فيه للمرة الاولى مناظر العتبات الاسلامية المقدسة، ولكن كيف الحال بالنسبة الى اخراج الاستاذ يحيى فائق لافلامه القادمة؟ هل سيخرج فلما آخر عن العتبات الاسلامية المقدسة لكي يضمن له النجاح مرة اخرى؟ ام انه يعتمد على فنه وتجاربه الخاصة التي تلقنها من استديو بغداد عند قيام المسيو (شوتان) في اخراج فلم (عليا وعصام) عندما كان له مساعداً للاخراج؟ ام انه يعتمد على دراساته العديدة في كتب السينما والابحاث الفنية الاخرى؟ اذا كان هذا كل ما في جعبة الاستاذ فائق من فن ومعرفة بشؤون الاخراج السينمائي فهذا غير كفيل له مهما كانت قابلية الاستاذ يحيى فائق ومواهبه بأن يكون مخرجا ناجحا دائما لافلام مواضيعها غير موضوع العتبات الاسلامية المقدسة.
ولعلي لا اكون متشائما في قولي بأن الاستاذ يحيى فائق اذا لم يصقل مواهبه الفذة بالدراسة النظرية مع التطبيقات العملية في استديوهات تفسح له المجال على التمرين الكافي فانه سوف لا يحقق له النجاح المنشود وبالتالي سيطلق السينما ويرجع الى امه الحنون المسرح الشعبي مرة اخرى.


جعفر السعدي
عندما شاهدته للمرة الاولى على المسرح في دوره الخالد (العمدة) من رواية (تحت الرماد) جزمت القول بأنه ممثل عظيم وفنان مطبوع ومن جهابذة الفن في العراق.
ولما تعرفت عليه بعد ذلك وجدته عبقري الذهن جم النشاط يتدفق حسا وحيوية. ولما آخيته وعملت معه في المسرح الشعبي وتغلغلت في اعماق نفسه وجدته صاحب مدرسة في التمثيل المسرحي وله اهداف جريئة وغايات سامية من اشتغاله في ذلك (المسرح) ولا عجب اذا الفيناه مخلصا في عمله متفانيا في واجبه فان ايمانه الكبير لاهمية المسرح الشعبي ومدى تأثيره على الطبقات الشعبية حتم عليه ان يوقف حياته لخدمة تلك المدرسة التي يتعلم فيها الشعب وان يرفع من شأنه بكل عزيمة ويضحي لاجله بكل شيء.
حياته الخاصة سلسلة من المصائب والنكبات المريرة والمشكلات التي لا تنتهي ولقد تأثر فنه النابض بالحياة بواقعية حاله وراح اكثر من ذلك يتحسس بالام الناس وبواقعنا المر الذي نجرع كؤوسه الاخيرة... على مضض.
تخرج من معهد الفنون الجميلة لفرع التمثيل بدرجة شرف وقامت على اكتافه الحركة التمثيلية بالكاظمية وفي العام الدراسي المنصرم كان مرشدا لفن التمثيل في دار المعلمين الريفية في الكرادة الشرقية ولقد نظم فيها حفلات ناجحة واخرج شتى الروايات التي لا يزال صدى نجاحها داويا في الاوساط الفنية وفي دوائر المعارف.
ادواره الخالدة على المسرح دور (العمدة) من رواية (تحت الرماد الوطنية) ودور (الدكتور مونروا) في رواية القبلة القاتلة الاجتماعية ودور (القائد ميشيل برانكومير) من رواية في سبيل التاج الوطنية.. اما الدور الذي خلق لاجله الاستاذ جعفر السعدي هو دور (سيرانودي برجراك) من رواية (الشاعر).
ولقد اشترك الاستاذ جعفر السعدي في فلمين عراقيين كان في الاول منهما ناجحا في تمثيله لدور الجد في عليا وعصام الى حد كبير يستحق كل تهنئة واعجاب واما في الفلم الثاني فكان نجاحه على العموم لا بأس به غير اننا لا نرضى عليه في تمثيله ذاك الذي حاكى فشل الفلم الذريع بالرغم من انه كان اقوى الممثلين في ذلك الفلم المندحر.
قدس المسرح فاحتضنه كأبن بار وكان اهلا لذلك واشتغل في السينما لاسباب عديدة فأثبت كفاءة ومقدرة عظيمتين. محبوب من الكل ولطيف المعشر وابيض القلب غير انه عصبي المزاج الى حد كبير.. اسعد ايام حياته هي التي قضاها على خشبة المسرح وبين كواليسه.

شهاب احمد القصب
سيجف دمعك يا عيون وتظمئين فلا دموع.
هذا الذي يصل الفؤاد بمقلتيك غدا يضيع.
قبل ايام قليلة ومن شهر حزيران المنصرم حلت الذكرى الاربعينية لوفاة الفنان الموهوب شهاب احمد القصب الذي فقدنا فيه فنانا شعبيا وهو لما يزل في زهرة الشباب تتطلع اليه اعين الجماهير ليرفع من شأن المسرح الشعبي ويزيده ثقة وتدعيما.
نعم لقد هوى شهاب اثر مرض ادى به ان يفارقنا، فخبأ نوره الوضاح وعز علينا فراقه وهو في طلعة جذابة ونفسية صافية ثابتة وقدوة حسنة لشباب العراق الناهض، ولكن هيهات لقد افل شهاب وتركنا نجرع كؤوس الالم على مضض. وانتكس علم من اعلام المسرح الشعبي فترقرت في مآقينا الدموع لفقيد كان يعتبر أكثر الممثلين كفاءة واعمهم ثقافة واعلاهم كعبا في فنه.
كان الفقيد كوميديا محبوبا يقدس المسرح ويغار عليه ويتفانى في خدمته.. وقد سعى بجهده لخلق تمثيليات شعبية توافق مشارب الجمهور العراقي، وذوقه فنجح في مهمته الى حد بعيد لانه من صميم الطبقة الشعبية الذي ادرك حالها وتغلغل في اعماقها ودرس نفسية ابنائها ولا عجب اذا تفتحت عيناه على رؤية الفن من مناهله الاصلية.. وهل هناك فن اعمق واغزر من فن الحياة.
لقد حباه الفن باسراره وغذته الطبيعة بمواهب فذة ولقنته المصائب دروسا بليغة نقلها الى المسرح باسلوب ساخر في روايات شعبية انتقادية استطاع بها ان يملأ الفراغ الذي يشعر به المسرح الشعبي عندنا. فكان مؤلفا ناجحا وممثلا نابها لا يشق له غبار ومن اهم مسرحياته الشعبية (المعذبون في البيت) و(قيس وليلى) باللغة العامية التي حازت على اعجاب الجماهير في كل وقت مثلت سواء على المسرح او في الاذاعة و(عودة المهذب) الذي ساهم معه في تأليفها زميله الفنان (يوسف اسماعيل).
وللفقيد مسرحيات اجتماعية شعبية غير مطبوعة وهذه ثروة فنية لا تعوض ولقد عمل خيرا الزميل يوسف اسماعيل عندما فكر مع اصدقاء الفقيد في طبع تلك المسرحيات التي ستسد فراغا في التـأليف المسرحي الشعبي.. وهذا واجب يحتم على الاسرة الفنية الاهتمام بتلك الفكرة وتنفيذها التي تعطي الزمالة حقها تجاه الفقيد واسرته وهذه بادرة حسنة تدل على مدى التعاون الكبير بين الفنانين المثقفين.. وعسى ان يكون هذا التعاون دافعا الى التفكير في انشاء نقابة للفنانين التي ستأخذ على عاتقها القيام بالخدمات الجليلة، والواجبات التي تفرضها اصول الزمالة واخوة الهواية.
ولقد تخرج الفقيد من القسم العالي بدار المعلمين الابتدائية في هذا العام وكان كله امل بأنه سيستطيع من ازدياد نشاطه للمسرح الشعبي ويقوم فرقة الزبانية للتمثيل بانتاجه اللاذع الساخر.
ولكن شاءت الاقدار في ساعة لا ترحم بأن تخطف منا شهابا في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة الى جهوده ونشاطه فانطوت بذلك صفحة من صفحات الجهاد البطولي فالى الفنان الراحل الف سلام وسلام من ابناء شعبه الذين ما عتموا يذكرونه والدموع حرى في مآقيهم.

عزيز علي
منلوجست العراق الاول وملحن شعبي موهوب وزجال مبتكر يحالفه التوفيق دائما ويتميز بطابع خاص في منلوجاته الاجتماعية والانتقادية.
فنان مطبوع وله قابليات كبيرة يؤثر في الجمهور بمنلوجاته الشعبية ويتغلغل بها الى صميم الطبقات العراقية حتى لكأنه يردد امانيها وآمالها في منلوجاته الشجية فهو خير بلسم للنفوس الجريحة التي مزقتها المصائب وفتتتها النكبات من جراء هذا التناقض الظاهر في الميدان الاجتماعي والسياسي.
له قيمة اجتماعية كفنان في البلد وهو نجم من نجوم الاذاعة المحبوبين وقد اتحفها بأشهى ثمرات نبوغه حتى شهد له كبار الملحنين في مصر والعراق بشعبية الحانه وقوة تعبيرها وسلاسة ازجاله التي تنساب على السنة الناس في البيت والمقهى والطرقات.
هذا هو الاستاذ عزيز علي محبوب الجماهير وله من المعجبين على اختلاف الطبقات العراقية ولقد ساهم في الحركة الفنية عند نشأتها وضحى بالشيء الكثير لاعلاء كلمة الفن والموسيقى وحياته الفنية الحافلة بشتى المصائب قد اجتاحتها سلسلة من النكبات التي كان من نتيجتها ما كان.. ولكنه آثر ان يخدم فنه ويرفه عن الجماهير البائسة بموسيقاه الساحرة ويبعث فيها الهمة والنشاط ويذكر (الزمان) بما وصلت اليه حالتنا من تأخر وانحطاط.
وفعلا وصل الاستاذ عزيز علي الى ما يبتغيه من أمان وهو لما يزل ماضيا في سبيله بخطى وئيدة رائدة الفن وخدمة المجتمع.
والاستاذ عزيز علي ظريف واجتماعي ولطيف المعشر ومحدث لبق ترتسم على شفتيه ابتسامة جذابة عندما يتحدث ويناقش وله قامة مديدة ويمتاز بوجه معبر (فوتوجونيك) وله اصدقاء كثيرون في ميدان العلم والادب والسياسة.
وقد تملك القارئ الكريم الدهشة عندما يعرف ان الاستاذ عزيز علي الملحن الشعبي المعروف لا يجيد العزف على الة موسيقية ويلحن كل منلوجاته على اوزان المقامات العراقية التي يجيدها الى حد كبير.. ولكي تكون الحان منلوجاته مضبوطة وغير معرضة للاختلاط والضياع يسجلها على (النوتة) الغربية التي يجيد قراءتها فيتمكن بذلك من ضبط الحانه بصورة دقيقة.
ولقد اشترك الاستاذ عزيز علي في فلم (ابن الشرق) بدور ثانوي كان ناجحا فيه الى حد ما ولكننا لا نرضى لمنلوجست العراق الاول ان يقوم بدور تافه لا يتناسب مع مقامه الفني.
أحسن منلوجاته القديمة (الدكتور) و(يازمان) و(شوباش) والحديثة (كل منه) و(الراديو).
ولقد احسن عملا الاستاذ عزيز علي عندما ادخل الفرقة الموسيقية (كابروباند) في القائه لمنلوجاته الشعبية فكان موفقا الى حد كبير يستحق كل تهنئة واعجاب، ونرجو من الصميم ان يتحفنا منلوجست الشرق بأروع المنلوجات الاجتماعية الانتقادية التي لها الاثر الكلي في اصلاح المجتمع وتقدمه.


عبد الخالق السامرائي
اول مهندس صوت عراقي عمل في الحقل السينمائي المصري واستطاع بفنه وذكائه واخلاقه ان يكون في مصر صورة جميلة للفنان العراقي الطامح هذا ما تقوله الصحف المصرية عن الاستاذ عبد الخالق السامرائي والحق ان الاستاذ السامرائي هو جدير بتلك الثقة التي وضعتها الصحف المصرية فيه حيث انه قد برهن بكفاءته النادرة ومقدرته الواسعة في اثناء عمله في استديوهات مصر.. وقد اثبت ان له باعا طويلا في اجادة تسجيل الصوت ولقد توالت عليه تهاني الفوز والنجاح عندما سجل الصوت لعدة افلام مصرية مهمة نذكر منها (عادت الى قواعدها) (غدر وعذاب) (قبلني يا ابي) (العقل في اجازة) (عدل السماء) (عودة العقل) و(سجى الليل) وبهذه المناسبة نقول بأن فلم سجى الليل هو من ارقى الافلام المصرية بدون منازع ومن اهم عناصر النجاح فيه هو دقة تسجيل الصوت ووضوحه والفضل يرجع في ذلك الى مهندس الصوت الاستاذ عبد الخالق السامرائي.
وبعد ان تلقن السامرائي الفن في استديوهات مصر وكثرت تجاربه العديدة جاء الى العراق وهو واثق من ان الشركات السينمائية ستعتمد عليه لانفراده في هذا الفن الواسع وستطلب منه الكثير من العمل الفني والتضحيات.
ولما بدأ العمل الفني في استديو بغداد كان الاستاذ عبد الخالق السامرائي هو مهندس الصوت ولقد كافح في عمله كفنان مجرب عدة شهور حتى عرض علينا فلم عليا وعصام وكان تسجيل الصوت فيه دقيقا الى حد ما ونحن اذ نقدر الاستاذ السامرائي فان اقل ما نقدره فيه هو اعتداده بنفسه وتفانيه في عمله وفهمه لقيمة فنه الذي حتم عليه من ان يكون بعيدا عن الافلام الرخيصة كفلم (ليلى في العراق) المندحر.
والاستاذ السامرائي ظريف ومتواضع واجتماعي نافذ البصيرة الى ما وراء الاشكال والاشياء وله قابلية الابداع في فنه وهي ميزة مهمة في عمله والنهضة السينمائية في العراق ستقوم على اكتافه وعلى اكتاف امثاله في شتى فنون السينما المتشعبة.
فتقدم بفنك يا استاذ الى الامام فنحن قد ذخرناك الى هذا اليوم الذي ستضطلع اكبر المهام في انشاء نهضتنا السينمائية.

نازك الملائكة
نازك او عاشقة الليل اسمان اطلقا على شخصية الشاعرة العاطفية التي عشقت الليل فاستلهمت قصائدها الرائعة منه واستمدت من الظلام الدامس شعرا انسابت روحها في خلاله ادباً دافقا بالحياة.
والانسة نازك من بيت كله شعر، فالوالد صادق الملائكة والام ام نزار والاخ نزار والخال والعم... الخ.
ولقد ترعرعت في ذلك البيت الهادئ بين افراد يتغنون بالشعر والادب فلا عجب اذا نطقت نازك الشعر منذ نعومة اظفارها وهي تقول لأخيها:
نزار.. يا من يكشد القهقورا
وتدرك الخيبة او تخورا
الى آخر القصيدة وما ان يسمع نزار هذه الابيات حتى يهرول الى المنجد ثم يقول:
يا نازك الزهلوقة الاسلوبة
حضجمة حنقبة محجوبة
دخلت نازك الى دار المعلمين العالية وتخرجت منها كأحسن ما تدخل الطالبة الى دار المعلمين وتتخرج.. ودخلت معهد الفنون الجميلة
فرع التمثيل- ولكنها لم تمكث فيه الا سنتين فقط والسبب في ذلك يعزى الى انها عزفت عن التمثيل نفسه او لانها لم تجد المجال الكافي في ذلك المعهد الذي لم يقدر امثال هذه الشاعرة الموهوبة فخسرها المسرح العراقي الذي هو بأمس الحاجة الى امثال الشاعرة نازك ذات المواهب الرقيقة والاحاسيس المرهفة التي تنتمي الى عائلة كبيرة ومعروفة فكانت في عملها بالمسرح خير قدوة حسنة لممثلات مثقفات يبعدن بعملهن المشرف تلك النظرة التي وصمت بها كل فتاة عراقية تعتلي خشبة المسرح الجليلة.
ونازك الملائكة عاطفية حساسة ذات شعور رقيق تتأثر بالرجفة الذابلة من الوجه الحزين وتوحي لها رعشة الشفة الظمأى قصيدة رائعة. ولقد ولعت الاديبة نازك بدراسة الاداب الغربية وخاصة الانكليزية منها وهي لا تزال تدرس الان في المعهد الثقافي البريطاني لتتزود من الاداب الانكليزية ولتطلع على عيون الشعر الانكليزي.
ولقد ترجمت بعض القصائد الشعرية لفحول الشعراء الانكليز نجد بعضها في ديوانها الاول (عاشقة الليل) التي تظهر فيه روح نازك الشاعرة واضحة جلية. ومن القصائد البارزة منه عاشقة الليل التي عنونت الديوان بها التي تقول في مطلعها:
يا ظلام الليل... يا طاوي احزان القلوب
انظر الان فهذا شبح بادي الشحوب
جاء يسعى تحت استارك كالطيف الغريب
حاملا في كفه العود يغني للغيوب
ليس يعنيه سكون الليل في الوادي الكثيب
الى ان تقول وهو ما يعبر عن روح نازك ابلغ تعبير:
هو ذا الليل صدى وحي ورؤيا متمني
تضحك الدنيا وما انت سوى آهة حزني
فخذي العود عن العشب وضميه وغني
وصفي ما في السماء الحلو من سحري وفني
وليس هذه الرائعة هي الوحيدة في هذا الديوان.. بل هناك كثيرات اخص بالذكر منها (الحياة المحترقة) التي القت الشاعرة بمذكراتها الى النار.. (ومرثية غريق) و(نغمات مرتعشة) و(التماثيل) و(على وقع المطر) ومن القصائد المترجمة (البحر) للشاعر الانكليزي (ج.ك.بيرون) ومرثية في مقبرة ريفية للشاعر الانكليزي (توماس كوى) واعقبت الشاعرة نازك ديوانها الاول عاشقة الليل بثان هو (شظايا ورماد) فتلقفه الادباء وحكموا عليه بالنجاح قبل مطالعته قياسا على عاشقة الليل ولكن خاب ظنهم بعد قراءته ولم يجدوا روح الشاعرة نازك الا في بعض القصائد واخص الذكر منها قصيدتها ذات العنوان الطويل الا وهي (الخيط المشدود في شجرة السرو) وتلاعبت نازك في هذا الديوان بالقوافي وبعدد التفعيلات وهذا يبشر بالخير ويساير هذا العصر الذي لا بد من الشعر العربي من ان ينتفض من جموده الطويل وعللت هذا التلاعب او هذا التجديد بتعبير ادق بانه يريحنا من الحشو الذي لا فائدة منه ولكنها -مع الاسف- قد تغلب عليها هذا الحشو- وهي الداعية الى التحرر منه- في بعض القصائد والا فما معناه:
الليل يسأل من انا
أنا سره القلق العميق الاسود
هذه الكلمات الثلاث القلق، الاسود حشو لا فائدة فيه اضافة الى ان الترابط الموسيقي معدوم فيها ولا استطيع ان آتي على اشياء اخرى في هذه العجالة.
ونحن الان في انتظار مولد (مأساة الحياة) الملحمة الشعرية لنازك الملائكة وكلنا أمل بأن تظهر لنا في ملحمتها الشعرية فنا جديدا في الشعر العربي وتضفي عليه من روحها المعذبة سحرا وروعة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة