الانسان والمجتمع

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الأستاذ الجامعي وقلق الدفاع عن ثقافة الحياة

 

  • أكثر من (300) أستاذ عراقي اغتيلوا، و(3000) هاجروا

  • قلق الموت ظاهرة منتشرة في الوسط الأكاديمي

  • (91%) يخشون ميتة مؤلمة

  • (66%) يلاحقهم هاجس التعرض للقتل في أية لحظة؟!

بغداد/ المدى

ببصيرة يقطر منها الأمل، كتب الفيلسوف "سبينوزا" (1632-1677)م: (الإنسان الحر لا يفكر بالموت إلا أقل القليل، لأن حكمته هي تأمل الحياة لا الموت).
ولكن ماذا لو كان الموت هو الذي يفكر بالإنسان الحر دونما توقف...يلاحقه في شوارع المدينة، ويترصده في الزقاق إلى بيته، ويتجلى له حتى في منامه وفي أعمق هواجسه مع ذاته حين يكون قابعاً خلف جدران حجرته يفتش عن أي معنى للحياة؟! ماذا لو أن شعباً بأكمله يقف في (طابور) نهايته غير منظورة، وبدايته مقصلة تصعد وتهبط بالتحالف مع ذبذبات بندول الزمن

وهل هي مفارقة كونية أو ضرورة سيكو–تاريخية أن "قلق الموت" لدى العراقيين ارتبط لديهم منذ البدء ب"قلق الخلود" وبالبحث التراجيدي عن تفسير متسق لعبث الوجود والفناء؟! فعندما اكتشف "جلجامش" الذي ثلثاه إله وثلثه انسان أن الموت مكتوب عليه كما كتب على صديقه "انكيدو"، أنشد حزيناً:
(لقد أفزعني الموت حتى همتُ على وجهي
إذا متُ، أفلا يكون مصيري مثل "انكيدو"
وإلى "أتونابشتم" أخذتُ طريقي وحثثتُ الخطى
لأسأله عن لغز الحياة والموت!)
سيكولوجية الموت
بعيداً عن ماهية الموت، وجذره الديني أوالفلسفي، وعما إذا كان فناءً أم وجهاً آخر لحياة أخرى، يتناول علم النفس الحديث مفهوم الموت على أنه (كف تام للوعي أو الشعور، وتوقف المخ عن أداء دور المايسترو في قيادة العمليات الحركية والحسية الدنيا، والوظائف العقلية العليا)، دارساً بوسائله السريرية والميدانية استجابات الأشخاص الذين فقدوا عائلاً أو عزيزاً، والتي تتفاوت من الحزن والحداد إلى الاكتئاب والانتحار، وما يصاحب هذه الاستجابات من مظاهر انفعالية وحركية، وانعكاساتها على الصحة النفسية والجسمية والمهنية بوجه عام، ومساعدتهم للتغلب على أحزانهم والتكيف مع ظروفهم الجديدة.
كما يهتم علم النفس بدراسة انفعالات الناس ومشاعرهم واتجاهاتهم السلبية نحو مفهوم الموت، والتي تكوّن باجتماعها ما ندعوه ب(قلق الموت)
Death Anxiety، والذي عرّفه "ديكستاين" Dickstein بالقول: (إنه التأمل الشعوري في حقيقة الموت، والتقدير السلبي لهذه الحقيقة).
وذهب بعض النفسانيين أبعد من ذلك، إذ وجدت "ميلاني كلاين" أن الخوف من الموت هو أصل كل القلق الذي يصيب المرء في حياته، وأساس كل الأفكاروالتصرفات العدائية المشاكسة لدى البشر. وكتب "فرويد" (1856 – 1939)م في أحد أبحاثه عن الموت والحرب: (لايمكن تصور موتنا بالحقيقة، وإن تصورناه فإننا نعمل ذلك كأحياء متفرجين. لذلك فمدرسة التحليل النفسي تؤكد وتعتقد أن في قرارة الانسان "اللاشعورية" اقتناعاً بالخلود).
يتألف "قلق الموت" من ثلاثة أبعاد، هي: الخوف من الاحتضار، والخوف مما سيحدث بعد الموت، والخوف من توقف الحياة. كما يمكن تمييز أربعة جوانب فيه، هي: الخوف من موت الذات، ومن احتضار الذات، ومن موت الآخرين، ومن احتضار الآخرين. وبرؤية مقاربة، أمكن استخراج أربعة عوامل مستقلة لقلق الموت، هي: الخوف من المجهول، ومن المعاناة، ومن الوحدة، ومن التلاشي الشخصي.
قلق الموت عراقياً
إن هذه الأبعاد والجوانب والعوامل المكونة لسيكولوجية قلق الموت، أصبحت اليوم الظاهرة الأكثر حضوراً وهيمنة في الواقع العراقي، بل يمكن القول أن أغلب مفردات الحياة اليومية قد حُرّفت وشوهت لتتوافق في مضمونها البيولوجي والاجتماعي والنفسي مع "أحقية" الموت وسلطانه الشامل، إذ توصل الفرد العراقي بجميع فئاته وانتماءاته إلى اقتناع متين بأن الهدف الأغلى أصبح(عدم الموت) فحسب بدلاً من (الحياة)؛ مع ادراكه الدقيق أن المقصود بالموت هو الاغتيال والتفجير ورشقات الرصاص التائهة!
وتتصدر فئة المثقفين والتكنوقراط قائمة هؤلاء الباحثين عن "عدم الموت"، إلا أنه من العسير الحصول على أرقام دقيقة، غير أن الوقائع والدراسات توحي بأن الأطباء والأكاديميين عرضة للخطر بوجه خاص. ففي تقرير لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) صدر في تشرين الثاني 2005، أوضح بعض الأكاديميين العراقيين أن هذه الهجمات هي وسيلة للقضاء على النخبة المثقفة في العراق؛ إذ يقول نائب رئيس احدى الجامعات العراقية: (إن الضحايا يغطون طيفاً واسعاً من الاهتمامات البحثية، والتوجهات السياسية المختلفة، والعقائد الدينية المتباينة؛ والقاسم المشترك الوحيد بينهم هو نبوغهم؛ وأعتقد أن هناك خطة لتجريد العراق من عموده الفقري العلمي).
فطبقاً لإحصائية أعلنتها وزارة الصحة العراقية، أودت الأوضاع الأمنية المتدهورة منذ نيسان 2003م وحتى حزيران 2006م بحياة (720) طبيباً وملاكاً صحياً، فيما قدرت احصاءات أخرى غير رسمية عدد الذين هاجروا هرباً من القتل والاختطاف بحدود ألفي طبيب.
ووفقاً لدراسة سابقة قامت بها وزارة الصحة العراقية، وانتهت منها في نيسان 2005، فإن الجماعات المسلحة اختطفت ما يتراوح بين (160) و(300) طبيب عراقي منذ نيسان 2003، وقتلت أكثر من (25). وقد فر نحو (1000) طبيب من البلاد، حسبما جاء في الدراسة، ويتبعهم نحو (30) آخرين في المتوسط كل شهر.
وفي تصريح، أعلن رئيس رابطة التدريسيين الجامعيين في العراق أن عدد الذين تم اغتيالهم من التدريسيين الجامعيين حتى صيف 2006م، وصل إلى (172)، بينما بلغ من هاجر منهم (3000)، أما اذا شملنا الاستشاريين والمحاضرين فان العدد يتجاوز (300) قتيل، وهذا لايشمل الاطباء الاستشاريين والمهندسين وأئمة المساجد الحاصلين على الشهادات العليا.
وفي دراسة أعدها الطبيب الاستشاري العراقي (إسماعيل الجليلي)، وعُرضت في (المؤتمر الدولي حول اغتيال الأكاديميين العراقيين)، الذي عُقد في العاصمة الإسبانية مدريد في نيسان 2006م، أوضحت التحليلات الاحصائية أن (80%) من عمليات الاغتيال استهدفت العاملين في الجامعات، ويحمل أكثر من نصف القتلى لقب أستاذ وأستاذ مساعد، وأكثر من نصف الاغتيالات وقعت في جامعة بغداد، تلتها البصرة، ثم الموصل، والجامعة المستنصرية. و(62%) من العلماء المغتالين يحملون شهادات الدكتوراه، وثلثهم مختص بالعلوم والطب، و(17%) منهم أطباء ممارسون، وقد قتل ثلاثة أرباع العلماء، الذين تعرضوا لمحاولات الاغتيال. هذا القتل "المضبوط" يؤكد قناعة الدكتور الجليلي، أن عمليات الاغتيال والاختطاف تتبع النمط المعروف باسم "مجزرة السلفادور"، وهي في الواقع سلسلة مجازر أشرفت على تنفيذها وكالة المخابرات المركزية الأميركية في بلدان عدة في أميركا اللاتينية.
إن هذه المعطيات والاحصاءات (ومن دون الخوض في أبعادها السياسية والأمنية)، تقدم مؤشراً أولياً على حجم الآثار النفسية المدمرة التي قد يتركها قلق أساتذة الجامعة العراقيين من احتمالات الخطف والقتل. فقد كشفت دراسات أجريت في مجتمعات شرقية وغربية مستقرة نوعاً ما، أن قلق الموت يتناسب طردياً مع الاكتئاب، والانطواء الاجتماعي، وسهولة التأثر بالمشاعر، والتوتر، والأعراض العصابية، والأعراض الذهانية؛ وإنه يتناسب عكسياً مع الثقة بالنفس، والمهارات الاجتماعية، والانبساط، وقوة التحمل، وتوقير الذات، وتحقيق الذات، والاتجاهات الموجبة نحو الذات، وقوة الأنا، والاحساس بالغاية من الحياة. كما أشارت دراسات أخرى إلى أن ازدياد ذكاء الفرد يقلل من خوفه من الموت، وإن خوف الطبقة الوسطى من آلام الاحتضار أكثر من خوف الطبقات الدنيا والعليا منه، وإن الخوف من الموت يتناقص نتيجة التعرض لمستويات أعلى من التعليم، وإن النساء أكثر قلقاً حيال الموت من الرجال. إلا أنه لا يوجد اتفاق بين نتائج الدراسات حول طبيعة العلاقة بين قلق الموت وكل من التدين والعمر.
وللإسهام الريادي بتقصي المسارات النفسية التي يمكن لقلق الموت أن يسلكها في الشخصية العراقية المثقفة، قام فريق بحثي من الجمعية النفسية العراقية، بتصميم مقياس لقلق الموت مكون من (15) فقرة، تتم الاجابة عليه بخمسة بدائل تتراوح بين "موافق جداً" و"غير موافق اطلاقاً"، وتطبيقه على عينة من أساتذة جامعتي بغداد والمستنصرية، ذكوراً وإناثاُ، من حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه، ومن مختلف الفئات العمرية والرتب العلمية (أستاذ، أستاذ مساعد، مدرس، مدرس مساعد). وقد تمخض التحليل الاحصائي للنتائج عما يأتي:
* إن عينة الأساتذة تعاني قلق الموت.
* إن الإناث أكثر معاناة لقلق الموت من الذكور.
* لا يوجد ارتباط بين قلق الموت والرتبة العلمية، بمعنى أن قلق الموت يرتفع وينخفض بمعزل عن الرتبة العلمية للأستاذ الجامعي.
* لا يوجد ارتباط بين قلق الموت والفئة العمرية، بمعنى أن قلق الموت يرتفع وينخفض بمعزل عن عمر الأستاذ الجامعي.
أما نسب موافقة الأساتذة على فقرات المقياس، فتحددت بالآتي:
* أخشى أن أموت ميتة مؤلمة. (91%)
* أفكر في موت الأحباء. (81%)
* أخشى التدهور الجسدي الذي يصاحب الموت البطيء. (72%)
* يقلقني أن يكون الاحتضار مؤلماً جداً. (69%)
* يرعبني منظر جسد ميت. (66%)
* أشعر أن الموت في كل مكان. (66%)
* يلاحقني هاجس أن أتعرض للقتل في أي لحظة. (66%)
* أفكر في موتي الشخصي. (53%)
* أفضل أن أتجنب صديقاً يحتضر. (53%)
* أود تجنب الموت مهما كلفني الأمر. (50%)
* أفكر في الموت قبل ذهابي إلى النوم مباشرة. (47%)
* الموت أفضل من حياة مؤلمة. (38%)
* أشعر بانني أقرب إلى الموت مني إلى الحياة. (31%)
* أخاف بشدة أن أموت. (31%)
* ترعبني فكرة تفسخ الجسد بعد الموت. (28%)
استنتاجات
إن نظرة استقرائية لمجمل هذه النتائج، وأخرى انتقائية لبعض النتائج، ستقودانا إلى الآتي:
* إن "قلق الموت" ظاهرة منتشرة لدى هذه العينة من أساتذة الجامعة العراقيين، إذ لا يقترن هذا القلق بعمر معين أو رتبة علمية معينة، مما يدل على تأثيره المنتشر لديهم. أما النساء فأبدين قلقاً حيال الموت أكثر من الرجال، وهي نتيجة متسقة مع الأدبيات النفسية السابقة التي فسرت ذلك بالقول أن المرأة عموماً تشعر بأمان أقل، ومن ثم يكون قلقها من الموت أعلى، كما إن توقعات الأدوار الجندرية تتطلب في العادة من الذكور أن يكونوا "شجعاناً" لا يظهرون خوفاً أو قلقاُ بهذا الصدد، فضلاً عن إن قلق النساء المرتفع لا يتعلق فقط بموتهن شخصياً بل بموت أزواجهن أيضاً.
* تصدّر الخوف من (ميتة مؤلمة) اهتمامات أفراد العينة، وتبعه القلق من (موت الأحباء). وتؤشر هاتان الفكرتان مستوى الاحتراق النفسي والشعورالحاد بالتهديد اللذين يعانيهما الأستاذ الجامعي العراقي في رحلته اليومية بين بيته وقاعة المحاضرة.
* إن ثلثي أفراد العينة فأكثر، يساورهم القلق من ميتة مؤلمة، ومن منظرجسد ميت،إلى جانب أفكار اقتحامية بأن الموت يحيط بهم في كل مكان وإنهم معرضون للقتل في أي لحظة. وقد تعني هذه التوصيفات أن عناصر وسواسية وأخرى اضطهادية بدأت تتغلغل في تفكير الأستاذ الجامعي.
* تمحورت الأفكار (الفقرات) التي حازت تأييداً تراوح ما بين نصف أفراد العينة إلى ربعهم فقط، حول تجنب الموت، والتفكير به، والخوف منه، ومدى قرب الفرد منه، مما يعكس لامبالاة نسبية نحو المفهوم التقليدي للموت إذا ما طرح مجرداً من الألم والتهديد بالقتل.
* * *
إن المهمة الجوهرية التي تضطلع بها الشخصية الأكاديمية، هي صنع الحياة بأسمى غاياتها، ابتداء من المحاضرة الجامعية، ومروراً بالبحث العلمي النظري أو المختبري أو الميداني، ووصولاً إلى رص الحقائق الخالدة في مكتبة العقل البشري. فهل يمكن لدافع صنع الحياة هذا في النفس البشرية، أن يتعايش مع قلقها العميق والموضوعي من الاغتيال وآلام الموت؟!
يبرهن الواقع العراقي كل يوم على أن قلق الموت لدى أكاديميي الجامعات العراقية لم يشكل عائقاً أمام وعيهم الحضاري العميق بأن استماتتهم في الدفاع عن ثقافة الحياة، هو الوسيلة الوحيدة الناجعة على المدى البعيد، لنزع أنياب الموت الغادر، ورد الاعتبار لمفهوم "الخلود" بديلاً من كل ثقافات التغييب والإفناء!


من حمورابي إلى ماركس .. مفهوم العدالة في الفكر الاجتماعي (3-3)

فارس كمال نظمي

سوسيولوجيا العدالة
(العدالة الاجتماعية) فكرة تشير إلى نوع من المساواة له أهميته الجوهرية في تحقيق المصلحة العامة. وتتجسد هذه المساواة في تطبيق الأحكام والقوانين على الجميع بالتساوي. وهي فكرة قديمة ترجع إلى أصول تأريخية بعيدة، إلا أنها برزت بظهور المسيحية والإسلام، ثم ازدادت وضوحاً بظهور الثورة الصناعية الحديثة، فبدأً أصحاب المذهب الاشتراكي ينقدون مباديء المذهب الحر ويطالبون الدولة بالتدخل لتلبية الحاجات الأساسية للعمال، مؤكدين أن العمل الانساني ليس سلعة تخضع لقانون العرض والطلب كما يدعي أصحاب المذهب الحر.
تصنف العدالة الاجتماعية إلى ثلاثة أنواع:
(1) العدالة التوزيعية: وتقتضي وجود حكومة قادرة على توزيع موارد المجتمع على الأفراد مع مراعاة قدراتهم ومؤهلاتهم العلمية. كما تقتضي منح الناس الخدمات التعليمية والتربوية والصحية والترويحية والاجتماعية التي يحتاجونها بالتساوي، وعدم منح هذه الخدمات لفئات معينة دون غيرها.
(2) العدالة التصحيحية: وتقتضي أيضاً وجود سلطة قوية تعمل على تصحيح الضرر الذي يتعرض اليه المواطن والناجم عن اعتداء شخص آخر عليه، أو اعتداء مؤسسة أو جماعة على حقوقه. ويتم ذلك في دور العدالة التي يشرف عليها القضاة والمحلفون.
(3) العدالة التبادلية: وتعني المساواة والموازنة في الأخذ والعطاء بين الأفراد والجماعات والدول. فما يأخذه فرد من فرد آخر ينبغي أن يكون متساوياً مع ما يعطيه له، وبخلافه تختل موازين العدالة التبادلية.
أما مصطلح (المساواة) Equality فيشير إلى حالة التماثل بين الأفراد في المجتمع. والمساواة بالمفهوم البرجوازي تعني المساواة بين المواطنين أمام القانون، بينما يبقى الاستغلال والتفاوت بين أفراد الشعب من دون مساس. أما الماركسية فترى أن المساواة الاقتصادية والثقافية مستحيلة من دون الغاء الملكية الخاصة بسائل الانتاج وتصفية الطبقات المستغِلة.
ويشيع أيضاً مصطلح (التفاوت) (أو عدم المساواة) Inequality، الذي يعني التفرقة بين الأفراد على أساس العنصر، أو الجنس، أو اللغة، أو الرأي السياسي، أو أسس التمييز الأخرى في التعليم والعمل وأمام القانون، وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وينظر إلى التفاوت الاجتماعي على أنه نتيجة للفروق بين الخصائص الشخصية للأسر (كالقوة والذكاء والحافز)، ولإنتاجية أعضاء الأسرة، كما يظهر التفاوت بسبب وراثة الثروة Wealth والقوة (النفوذ) Power والهيبة Prestige داخل الأسرة، وبسبب أن الجماعات المسيطرة في كل المجتمعات الطبقية تكوّن أفكاراً ومعتقدات تبرر لها الأوضاع الاقتصادية والسياسية القائمة.
وتبرز من بين المنظورات السوسيولوجية نظريتان رئيستان حاولتا تفسير التفاوت الاجتماعي، هما (النظرية الوظيفية البنائية) Structural Functional Theory، و(النظرية الصراعية) Conflict Theory :
النظرية الوظيفية البنائية
وضع حجر أساسها (دوركهايم) Durkheim (1858-1917)م، وطورها (بارسونز) Parsons. ظلت مرتبطة بالعلم الطبيعي، لاسيما علوم الحياة والكيمياء والميكانيكا، إذ تتصور المجتمع على أنه (نسق) من الأفعال المحددة المنظمة. ويتألف هذا النسق من مجموعة من المتغيرات المترابطة بنائياً والمتساندة وظيفياً. وترى أن للمجتمع طبيعة سامية ومتعالية تتجاوز كل مكوناته بما فيها إرادة الإنسان، بحيث تلزم الأشخاص بالانصياع لقواعد الضبط والتنظيم الاجتماعيين، لأن أي انحراف عنها يهدد أساسيات بناء المجتمع الذي تعد المحافظة عليه وصيانته وتدعيم مسيرته غاية في حد ذاتها. فالمجتمع نسق يحقق توازنه الدينامي من دون تغيرات جوهرية، فحالما يتعرض النسق لضغط تمارسه قوى خارجية، تتأهب القوى الداخلية وتدفع بالنسق إلى إعادة توازنه. وتهتم هذه النظرية بدراسة العوامل المساعدة على ثبات الأنظمة لمدة طويلة من الزمن، وهي لا تنكر إمكانية حدوث صراع، لكنها لا ترى ضرورة للثورة، لكونها دموية ومهددة للكيان السياسي والاجتماعي. ولذلك شددت على ضرورة التفاوت الاجتماعي وقيمته ونتائجه الايجابية. فقد أكد Davis & Moore أهمية المكافآت غير المتساوية في تحفيز الناس على زيادة مهاراتهم في كل المجتمعات الطبقية. ولأن توزيع المكافآت لا يجري دوماً على أساس الموهبة أو الحافز، فقد أنتقدت هذه النظرية من قبل عدد من علماء الاجتماع، بسبب عدم أخذها بالحسبان أن أفراد الطبقة العليا لا يسهمون في الغالب بشيء مهم للمجتمعات التي يعيشون فيها، وبالرغم من ذلك تنتقل الثروات اليهم وراثياً.
النظرية الصراعية
أسسها (ماركس) Marx (1818 – 1883)م، و(انجلز) Engels (1820 – 1895)م، بناءً على المعلومات الانثروبولوجية والتاريخية التي حصلا عليها في عصرهما. ركزت هذه النظرية على الصراع الطبقي Class Conflict، وعلى مظاهر العجز الوظيفي للتفاوت الاجتماعي، كالآلام والتنافس والصراع الناشيء عن جهود الطبقات السائدة في الدفاع عن ثرواتها وامتيازاتها. ووجهت الأنظار إلى (القوة) Power بدل (الموهبة)Talent بوصفها مصدر الثروة، والى الايديولوجيا التي توظفها الحكومات لخدمة مصالح الطبقة السائدة، إذ أشار (ماركس) إلى أن الأفكار السائدة في أي عصر هي أفكار الطبقة السائدة، وأن ايمان الفقراء والضعفاء بأيديولوجيات الطبقة الحاكمة هو نتيجة وعيهم الخاطيء ولافتقارهم إلى ادراك مصالحهم الطبقية. واكد في منهجه الصراعي لتغيير العالم أن صواب الفكرة لا يتحقق إلا في نجاحها في التأثير في العالم الخارجي، فكتب: (إن الفلاسفة حتى الآن، قد اقتصر عملهم على تفسير العالم بطرائق مختلفة، ولكن الشيء المهم حقيقة هو تغييره).
وتعد (المادية التأريخية) الإطار السوسيولوجي للفكر الماركسي، إذ ترى أن كل نظرية في الأخلاق هي في التحليل الأخير نتاج للوضع الاقتصادي للمجتمع، ولا توجد مباديء أخلاقية سرمدية أو نهائية تقع فوق التأريخ. فكلما يزداد المجتمع تعقيداً يتطور تشريع القوانين إلى الحد الذي يبدو فيه هذا التشريع كما لو إنه مستقل عن ظروف المجتمع الاقتصادية الحالية. وبمرور الزمن وبتطور التشريعات، تتكون طائفة من رجال القانون، ومعهم يولد علم الحقوق، الذي يصبح هو المقياس المرجعي لمعرفة الحقوق الطبيعية، أي العدالة. وهذه العدالة في حقيقتها ليست إلا تعبيراً عن الظروف الاقتصادية القائمة، تارة ً حسب صورتها المحافظة، وتارة ً حسب صورتها الثورية. ولا تعني هذه الرؤية أن الدوافع الاقتصادية وحدها هي التي تحرك الناس عن وعي أو عن غير وعي، إذ كان مؤسسا النظرية الصراعية حريصين على توضيح الأبعاد الأخرى غير الاقتصادية في المجتمع أيضاً. فكتب (انجلز): (لا أنا ولا ماركس أكدنا أن الاقتصاد هو الوحيد، لأن للعناصر المختلفة للبناء الفوقي تأثيرها على مسارات التأريخ).
ويعد (الاغتراب) Alienationفي النظرية الماركسية، أبرز نتائج سوء توزيع الثروة في المجتمع، إذ ميز (ماركس) أربعة مظاهر متسلسلة للاغتراب: فاغتراب الانسان عن نشاطه الانتاجي المملوك لقوى خارجية لا يسيطر عليها، يجعله مغترباً عن ذاته، وبالتالي يصبح مغترباً عن قدراته والروابط الاجتماعية التي تميزه بوصفه إنساناً، ثم يصبح في النهاية مغترباً عن أقرانه وعن الناس عامة.
ومع ذلك تنظر الماركسية بتفاؤل إلى مستقبل العدالة والمساواة في المجتمع البشري، إذ ترى أن مفهومي العدل والظلم غير مطلقين، بل يتغيران من عهد إلى آخر تبعاً للتغيرات التي تطرأ على العلاقات الاجتماعية، وأن إقامة العدل يعني تحرير المجتمع من الاستغلال. فمع تطور التكنولوجيا وتزايد الاستثمارات، تنمو البروليتاريا (الطبقة العاملة) وتزداد سخطاً بسبب استغلال البرجوازية لها، ويتنامى وعيها بأن أصل مشاكلها هو نمط الانتاج الذي يحدد بناء العلاقات الاجتماعية. وحين تبلغ وسائل الانتاج أقصى مراحلها المتطورة، تتم الاطاحة بالبرجوازية، مقابل صعود البروليتاريا. وعند ذاك تقوم علاقات عادلة أصيلة من المساواة والصداقة الأخوية والتعاون بين جميع الناس، ضمن مجتمع شيوعي يسود فيه نظام اجتماعي لا طبقي يتحقق فيه توزيع الثروة حسب المبدأ النهائي القائل: (من كلٍ حسب مقدرته، ولكلٍ حسب احتياجاته). يتضح من هذا الايجاز لسوسيولوجية العدالة، أن النظرية الوظيفية البنائية تنحو منحى سكونياً محافظاً في تبريرها للتفاوتات الاجتماعية من خلال تمسكها بغائية التوازن في المجتمع. أما النظرية الصراعية فتنحو منحى حتمياً في نظرتها التثويرية للواقع الظالم بوصفه قابلاً للتغير بالضرورة نحو العدالة والمساواة. إن كلا النظريتين لها ما يسند وما يدحض طروحاتها في وقائع الحياة الاجتماعية، إذ كثيراً ما يشيح المظلومون بوجوههم عن إمكانية تغيير حياتهم، ويفضلون التكامل الوظيفي المتوازن مع ظالميهم. ويحدث العكس في أحيان أخرى عندما ينظر المظلومون إلى حياتهم على أنها مشروع يستحق الصراع والتغيير.
إن الذي يحدد طبيعة رد الفعل الجمعي نحو الظلم، هو العوامل النفسية الاجتماعية الكامنة خلف رد الفعل هذا، وهي عوامل تنتج عن العلاقة الجدلية بين المفهوم النفسي للعدالة والخصائص الشخصية والموقفية المرافقة له في لحظة تأريخية معينة. وهذا بحد ذاته يتطلب بحثاً منفصلاً في سيكولوجية العدالة!


علماء نفس البيئة:  الطبيعة هي العلاج الشافي لكل الناس

ترجمة: ماجدة تامر

أصبح معلوماً للجميع أن تلوث البيئة يؤدي إلى أمراض عضوية عديدة، كالسرطان وأمراض القلب والرئة والحساسية وغيرها. إلا أن أهم الأخطار التي تنتج عن تلوث البيئة هي إمكانية الإصابة بأمراض نفسية عديدة.
فثمة فرع جديد من فروع علم النفس بدأ يشق طريقه للظهور أطلق عليه (علم النفس البيئي) الذي يتخصص في دراسة المشكلات النفسية المتعلقة بالبيئة، وفي اقناع الناس بأن الطبيعة فيها العلاج الحقيقي لكثير من مشكلاتنا الصحية.
لقد وضعت الجمعية الأمريكية لعلم النفس، في قائمتها أكثر من 300 نوع من الأمراض النفسية والعقلية، من بينها تلك الاضطرابات النفسية الناتجة عن عوامل البيئة، كالاضطراب الموسمي الذي يعزى إلى تغير فصول السنة وغيره.
لقد ركز علماء النفس في الماضي على العوامل الشخصية والاجتماعية التي تؤدي إلى اضطرابات عصابية لدى الأشخاص. إلا أن اليوم بدأ فريق من العلماء يركز على العوامل البيئية التي قد تكون سبباً غير مباشر في العديد من أمراضنا النفسية. وهناك أيضا أنصار البيئة الذين يدافعون عن نظافتها وسلامتها ويحذرون من استنزاف طبقة الأوزون وتزايد كميات ثاني أوكسيد الكربون في الجو، وتقطيع الأشجار وتعذيب الحيوانات أو قتلها أو صيدها بشكل عشوائي للتجارة بلحومها وفرائها وفوائدها المتعددة، مما يؤدي إلى اختلال في التوازن البيئي والتنوع الحيوي وغير ذلك من وسائل العبث بالبيئة وبالتالي تدميرها بشكل أو بآخر، وفي النهاية ازدياد الأمراض النفسية لدى الأفراد بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
تمجيد الطبيعة
كان القدماء يمجدون الطبيعة، لأنها الملاذ الأخير للإنسان كما لجميع المخلوقات، وكانوا ينصحون المرضى باللجوء إليها، لأنهم سيعودون إلى الإيمان والى التفكير السليم، وستمتليء نفوسهم بالحب والسكينة والهدوء. واليوم يضع علماء نفس البيئة هذه الحقائق بعين الاعتبار ويحاولون توسيع مفهوم الاضطرابات العقلية والذهنية، لتشمل الأمراض الناتجة عن البيئة حيث يعود قسم كبير جدا منها إلى البيئة الطبيعية التي يعيش فيها الفرد. ويؤكدون أنه من الضروري الانفتاح على الطبيعة، لما فيها من علاج روحي و عقلي وجسدي معاً. فقد عقد مؤخراً في جامعة (هارفارد) في الولايات المتحدة الأمريكية، مؤتمر لعلماء نفس البيئة، طالبوا فيه باتباع أساليب ترغيبية تحث الأفراد على حب الطبيعة بشكل عام واعطاء أهمية خاصة للبيئة التي يعيشون فيها كضمان سلامتها وحمايتها من الأخطار المحدقة بها، لأن تدمير البيئة هو في المحصلة تدمير لمجمل حياتنا الجسدية والنفسية، ذلك أن الإنسان ليس كائناً معزولاً، عنها وما لم يحافظ عليها سيشمله التدمير عاجلاً أم آجلاً.
وهنا يتوجب على الأشخاص المعنيين من سياسيين واقتصاديين وغيرهم من أصحاب القرار، أن يولوا اهتماماً واسعاً للبيئة التي نعيش فيها، وأن يعلنوا بصراحة وبجميع الطرق بأن الاعتداء على البيئة يعني الاعتداء على الصحة النفسية للإنسان بالدرجة الأولى والحاق الأضرار أيضاً بالنبات والحيوان الضروريين لاستمرار الحياة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة