المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

هل يبقى تاريخنا العراقي خارج التدوين؟
 

فاضل السلطاني
إنه السؤال القديم- الجديد دائماً. لماذا لم ننتج أدباً أو فناً يرتفعان إلى مستوى التراجيديا العراقية النادرة؟ لماذا لم يكن لنا، نحن العراقيين، محفوظنا الخاص، كما تساءل أحد الزملاء في عدد سابق من "المدى الثقافي"؟ أين هي الشهادات، إذا تشعبت اسئلتنا، عن نصف قرن، في الأقل، من تاريخ بلد عج بما لم تعج به شعوب أخرى كثيرة ، في المنطقة وخارجها، من هبات وثورات وغليان دموي، وحروب، وقمع يحمل ماركة عراقية خاصة، وأجساد بالمئات، في العراقين القديم والجديد، لم تعرف حتى دفء القبور، مع أن انتيجونا أقامت طيبة ولم تقعدها حتى دفنت جثة أخيها بولينيسس، الذي قتله الطاغية كريون ورمى جثته في العراء.
إن " بطريرك" نا لا يقل قسوة وجنوناً، ومسخرة أيضاً، عن بطريرك الكولومبي غارسيا ماركيز، إن لم يكن يبزه كثيراً، وجلادنا، أو جلادونا، لا يقلون بشاعة عن جلاد البروني ماريا يوسا، الملقب ب" المعظم" ، في روايته الذائعة الصيت" حفلة التيس"، إن لم يكونوا يتجاوزونه كثيراً، هذا إذا أخذنا مثالين فقط من عشرات الأمثلة، في واقع شبيه إلى درجة كبيرة بواقعنا سياسياً واجتماعياً.
إنا نتبادل وقائع مرعبة من تاريخنا، حين نكون قادرين على تبادلها، في المقهى، والبيت، ونروي شفوياً ما نعرفه وشاهدناه من فواجع، ونصرخ أمام المرآة، بدل أن نفعل ذلك على الورق.
لا نتحدث، هنا، عن الإبداع فقط، الذي تتحكم به قوانينه الخاصة، وتتطلب شروطاً معينة، وأولها الشرط الذاتي الخاص بالمبدع ذاته، وقد يأتي أولا يأتي في لحظات تاريخية معينة، وإنما كذلك عن الشهادات التاريخية والسير والمذكرات التي نفتقدها إليها، ليس الآن فقط، وإنما منذ أمد بعيد، والتي لم تشكل يوماً ملمحاً في المشهد الأدبي العراقي، الذي اقتصر على الفنون الإبداعية، لأسباب عديدة متداخلة، بحاجة إلى التوقف عندها. لقد صدرت بالطبع، خاصة في المهجر العراقي، عدة أعمال مهمة، وخاصة فيما يتعلق بالسيرة والسيرة الذاتية، كان آخرها كتاب " الوجدان" بجزأيه للصحافي الرائد فائق بطي، وكتاب محمد حديد" ذكرياتي"، الذي صدر قبل أيام في العاصمة البريطانية بعد رحيل هذا الرجل الجليل، وكان هذا شرطه على أبنائه بعد أن وافق على كتابة مذكراته التاريخية، وهو في التسعين، مستجيباً للضغوط الكبيرة عليه.
إننا، للاسف، ننسى احيانا قوة الكلمة فنصمت، فيتحول هذا الصمت، من دون أن ندري، الى ما يشبه التواطؤ على الحقيقة. صمتنا عن كوارث كثيرة، عجزا او خوفا او يأسا. ولم نسجل للناس والتاريخ ما كان يجب ان نسجله، فضاع منا الشيء الكثير.
لا نتحدث هنا عن التقارير الصحافية والوثائق التي سرعان ما ينساها الناس، كما نسوا من قبل، انما عن الكتابة التي ترتفع بها لتحولها الى قيمة باقية تتجاوز الزمان والمكان، دون ان تفقد واقعيتها المهولة.
لقد انتجت الامم الاخرى، ولا تزال تنتج، آلاف الكتب عن مآسي الماضي التي مرت بها حتى قبل قرون، سواء أكانت كتبا تاريخية ام ادبية. وفي السنوات الثلاث الاخيرة، على سبيل المثال، ظهر في بريطانيا اكثر من كتاب عن الحرب العالمية الاولى برؤى جديدة، اضافة الى روايات استلهمت احداثا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وبالمقارنة، وهي ربما لا تجوز، نجد اننا لسنا مهددين فقط بنسيان ماضينا، وإنما حقيقتنا الجوهرية المهددة بالضياع.
كل شيء سيضيع في مجرى التاريخ اذا لم تأسره الكلمات.


أغنية في الحب

خالد مطلك

مع ذلك ....
لا تنسي الحب، لا تتجاهلي الموسيقى
اسمعي أغنيات قلبي الحزين ...
وتذكري الشتاء
والأرصفة
والساحات

تمسكي بالغيمة الملونة ... وقولي لورد محبتنا : اقترب من الساقية
مع ذلك .... وبرغم ما تشاهدين من خراب
انشري السنوات القديمة في الصباح
1993
1994
1995
1996
حتى عام 2000 لا تتجاهليه
كان عاما مناسبا للحب
وعلى الرغم من انك كنت ضجرة
ويائسة
ومحبطة
لكن المطر كان يأتي
والمدينة كانت تردد صدى الأغنيات
كانت أعواما مرة بالتأكيد .. مرة وحزينة
كانت الصباحات تشهق الأشجار
وكان الدكتاتور تلفزيونا ..
مجرد صورة في التلفزيون
ورغم إن الهواء ملوث
لكنني .. لكنك ... لكننا
كنا نسمع خطوات الموسيقى على الرصيف
.. ياه .. هل تتذكرين رصيف الوزيرية
هل تتذكرين أكاديمية الفنون
هل تتذكرين الشارع الذي يقود الى مقبرة الانكليز
هل تتذكرين انك كنت متعبة وكنت أنا حزين
مع ذلك أرجوك لا تيأسي
تمسكي بالغيمة الملونة
الأمطار قادمة
وها أنا اقرأ كتاب الفصول ...
النوارس قادمة وتحت جسر الجمهورية
سنقف منبهرين بالذكرى ..
لا تخافي الأرصفة
العبوات لاتقتل البنات الحلوات !!
لا تخافي السيارات....
لا تخافي الوحشة
لا تخافي السكون
لا تخافي منع التجوال
لا تخافي الدبابات
فوسط كل هذا الخراب
اسمع نشيدك
وتحت قوس الألم
سأقف مذهولا لأكتب قصيدة جديدة
ليس لأنني لا أخاف
لكنه الحب يا حبيبتي... الحب الذي يصنع كل هذا المستحيل
مع ذلك
لاتنسي إن تحبيني
اسمعي صوت قلبي الحزين
قلبي الذي يقف تمثالا في شارع الرشيد
" رجل لا اعرفه يعبر الطريق
رجل تطير فوق رأسه الفراشات
ومن تعبه تتساقط السنوات على الرصيف
رجل كان عام 1996
يحبك "


الليبراليون الجدد في مصر .. دراسة جديدة ل هاني نسيره
 

المدى الثقافي
صدر عدد أغسطس من سلسلة كراسات استراتيجية الصادرة عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام تحت عنوان " الليبراليون الجدد في مصر : إشكاليات الخطاب والممارسة " وهو فضاء متنوع يسعي الكاتب الأستاذ هاني نسيره لرصد اتجاهاته المختلفة وضبط مفهومه عن طريق السمات المشتركة بين أصحابه والفارقة عن الآخرين ، مصريا وعربيا وعالميا ، ومحاولا اكتشاف إشكاليات الممارسة والخطاب عند كثير من ممثليه من خلال تلمس مواقفهم المتنوعة تجاه موضوعتي الإصلاح والعلاقة بين السلطة والمعارضة في مصر . وتؤكد الدراسة على أن الليبراليين الجدد في مصر ليسوا اتجاها واحدا ولا خطا واحدا في الواقع ، وتبرز الخصوصية المصرية في طرحها الليبرالي الجديد الذي يمثل الموجة الثالثة من موجات الليبرالية المصرية ، بعد أن ظهرت الموجة الأولي بها محمولة على أكتاف الإصلاحية الإسلامية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين . تحاول الدراسة الإجابة على عديد من الأسئلة المتزنة وغير السجالية في فهم هذا الاتجاه من قبيل :
من هم الليبراليون الجدد في مصر ؟ وماذا يميزهم عن سائر القوى الديمقراطية بها ؟ وماذا يميزهم كذلك عن تيار الليبراليين العرب الجدد الذي ظهر في المنطقة العربية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ؟ وما هي مواقفهم تجاه الإصلاح والصراع العربي الإسرائيلي والعلاقة بالعالم بعموم ؟ وبماذا تتميز موجاتهم الثلاث " مرحلة التأسيس -
مرحلة الهامش في العهد الثوري - مرحلة العودة منذ بداية التسعينيات " عن بعضهم البعض ؟ وماهي أهم إشكالات الخطاب والممارسة عندهم .. هذه الأسئلة هي ما تسعي هذه الدراسة الجديدة لكشفه والإجابة عنه من خلال قسميها النظري " محاولة للضبط المفاهيمي : والتطبيقي : قراءة في خطاب الليبراليين والجدل الفكري لهم ومعهم ، بغية اكتشاف التطورات والتحولات في التيارات المختلفة في الراهنية الماثلة ؟ بعيدا عن المنطق السجالي والاتهامي السائد عربيا.


مجالس بغداد الأدبية في حوار مع زمنها الراحل .. محمد جواد الغبّان : أربعينيات القرن المنصرم أنتجت أفضل تقاليد الثقافة العراقية
 

حوار: فاطمة المحسن

محمد جواد الغبّان الأديب العراقي الذي عاش أزمنة ثقافية مختلفة، التقيناه في الأردن في فعالية ثقافية سياسية،فكانت قصيدته الكلاسيكية التي أهداها الى العراق محض مشاعر تعود الى أيام رحلت عن بغداد، حيث كانت حاضرة تزهو بأحلامها.
هذا الشيخ الذي عاش الأطوار المتغيرة للثقافة العراقية،صاحَبَ الكثير من الأدباء، وعبر مجلسه الأسبوعي الذي كان يعقد في بيته مساء الأحد، كانت له مساجلات وحوارات وآراء عن الشعراء والنقاد والمختصين بعلم اللغة والاجتماع.
لعل استذكارنا معه تلك الأوقات، محاولة لتلمس ملامح بغداد التي ذهب بها الزمن بعيدا، هجرات وتمزقات وإحترابات مقيمة. الغبان عبر انطباعاته عن ناس الثقافة، يسلط الضوء على جانب مهم من جوانب الحياة الشخصية للمثقف، وهي على قدر من الأهمية في عالمنا المعاصر، حيث ينهمك الكتاب في إعادة سيرة الثقافة دون اقنعتها.
رن هاتفه ونحن نجلس في صالة الفندق، وكانت ابنته تخبره ألاّ يعود الى بغداد، فالموت في الشوارع، وهي تخاف عليه. خيم الحزن على وجهه، وطلب منها ان تتحين فرصة أخرى كي تكلمه : مالذي تبقى من العمر كي أغادر بغداد؟ كان يردد مع نفسه.ولكن ابتسامة لاحت على محياه وهو يسترسل في ذكرياته.

الغبّان له مؤلفات في اللغة والتاريخ الأدبي ودواوين شعر ومعارضات واخوانيات، ولم يكف عن الإنشغال بالنشر حتى وهو شيخ جاوز الثمانين، فكتابه عن المتنبي صدر منذ وقت قريب، وهذه السنة أصدرت له وزارة الثقافة كتابا عنوانه (المعارك الأدبية حول تحرير المرأة).
المجالس الأدبية التي كان يحضرها او يعقدها في بيته،شكلت جزءا مهما من ثقافتة، وهي تعتمد حافظة شفاهية يتميز بها أدباء فترته، فهو متكلم على نحو يوحي بأهمية الاسترسال والتكرار، تزاحم رأسه الأفكار، ويملك الكثير من المعلومات حول الشخصيات الثقافية، ويطرح آراءه عنها على قدر من الموضوعية، ولكنه بقي منحازا الى الزمن الثقافي الأول، زمن الأربعينيات الذي لايريد مغادرته.
.كان لنا مع الغبّان حوار حول ناس الثقافة العراقية، ومع انه متقطع ومبتسر،غير انه يساعد على معرفة جانب مشوق من حياة بغداد التي طويت صفحتها اليوم.
*
انت عايشت الأطوار المختلفة من عمر الثقافة العراقية الحديثة، فما هي ملامح التشابه والإختلاف بينها، من حيث طبيعة المثقفين وإهتماماتهم، والتركيبة الثقافية ونوع توجهاتها؟.
- أفضل فترة مرت بها الثقافة العراقية هي أربعينيات القرن المنصرم، عشت ذلك الطور الذي ازدهرت فيه الحياة الأدبية ازدهارا رائعا، واستمر هذا التطور الى الخمسينيات حيث بدأت إنحدارها التدريجي في الستينيات. وإن سألتني عن الأسباب فسأقول، أن الاربعينيات زمن صدور الصحف والمجلات الأدبية، وتفاعل الثقافة العراقية مع العالم العربي عبر التأثير فيه وليس فقط التأثر به. كان الكتاب العراقيون يساهمون في الصحافة العربية وصوتهم مسموعا، ولم تكن مجلة عربية تحجب عن القارئ العراقي، وهذا خلاف ماحصل نهاية الخمسينيات أي في عهد الثورة،حيث منعت الكثير من المجلات العربية من الدخول الى العراق. في الأربعينيات كانت هناك صحافة عراقية راقية تهتم بالأدب والعلوم والحياة الإجتماعية، وهي منوعة الإتجاهات ولا تخضع الى الرقابة الصارمة التي خضعت اليها الصحافة في عهد المد الشعبي. مدينة مثل النجف، كانت تصدر فيها أكثر من أثنتي عشرة مجلة أدبية وثقافية، فكيف ببغداد. كان المثقفون يقرأون كل الآراء سواء في نظريات الأدب والفكر او المجالات الإبداعية من شعر وقصة. والى منتصف الخمسينيات، كانت الثقافة لاتخشى تعدد الإعتقادات وتخالفها، فالمثقف ينظر بإحترام الى أي إجتهاد حتى الذي يناقض رأيه، وهذه الاراء تشكل المادة التي ترفد الصحف والمجلات والمجالس الأدبية بالمواد المنوعة. ثم دخلت الثقافة العراقية معارك السياسة بعد هذا التاريخ، فإنشغل المثقفون بالشعارات والهتافات، وكانت تلك الفترة إيذانا بالخراب الذي شهدناه ونشهده.
*
الطور الخمسيني أنتج وبلور مشروع قصيدة الشعر الحر والقصة الجديدة، وجعل الكتّاب العراقيين يشاركون على نحو فاعل في الثقافة العربية، فلماذا لاتتوقف عنده؟
- التطور الذي حصل في الثقافة العراقية خلال الخمسينيات كان نتاج الفترة التي سبقته، ولا جديد بدأ إلاّ في الأربعينيات. في نهاية الأربعينيات بدأ مشروع قصيدة الشعر الحر وظهرت نازك والسياب، كذلك كتاب القصة الجديدة.
*
لندخل في موضوعنا الآخر: أنت صاحب مجلس أدبي ببغداد وكان جلاّسه الكثير من المثقفين، ماذا يضيف المجلس الى الكاتب او الأديب، وهل له قدرة على خلق تيارات أدبية او فكرية؟
-لايضيف المجلس الى الأدباء ميزات خارج مواهبهم، ولكنه ينمّي هذه المواهب ويزيد من قدرة الكاتب على معرفة قيمة نتاجاته،فإصداراته عرضة للنقاش والتشجيع. كما أن المجالس لاتخلق تيارات أدبية أو فكرية، ولكن نقاشاتها تكون صدى لتلك التيارات، وحسب تجربتي كان مجلسي والمجالس التي أحضرها وهي كثيرة ببغداد، تحفل بحوارات منوعة حول التيارات الأدبية والفكرية في العراق والبلدان العربية وكل أديب يدلي بدلوه . اتذكر مجلس الأب انستاس ماري الكرملي، كانت تحضره نخبة من المثقفين الكبار، وكان الكرملي في الغالب يدير النقاش وخاصة في قضايا اللغة العربية، فهو ضليع بها.
*
كيف تصف شخصية الكرملي، وهل كنتم تدركون انه صاحب مشروع ثقافي كبير؟
- الأب انستاس الكرملي كان وديعا ولطيفا ومجاملا، ويُخجل المقابل بمجاملته. وعندما يبدي آراءه في موضوع اللغة يكون مصمما كل التصميم ومقتنعا على نحو لايمكن رده. الكل كان يعتبر قوله هو الفاصل، كان حجة ومرجعا.
*
منْ من الكتّاب كان يحضر مجلسك الأدبي؟
- على جواد الطاهر،إبراهيم الوائلي،مهدي المخزومي محمد مهدي الجواهري علي الوردي،الشيخ جلال الحنفي، عبد الحميد الرشودي،ابراهيم الوائلي، محمد صادق القاموسي، وحسين محفوظ وغيرهم الكثير.
*
لماذا يقتصر المجلس على الكبار في السن والمشهورين، ويخلو من وجود النساء؟
- يحضر الأدباء الشباب ولكن مشاركتهم في النقاش نادرة، وهم يتوجهون بالاسئلة فقط. مجلسنا شاركت فيه بعض النساء ولكن على نحو محدود.وكانت بناتي يحضرن في وجودهن.

*
بعض المجالس الأدبية في بلاد الشام ومصر كانت تديرها وتدعو اليها النساء، ولكننا لانجد أديبة عراقية تعقد مجلسا.
 كان لشرقية الراوي مجلسها الخاص، كما كانت لميعة عباس عمارة تدعو الأدباء الى بيتها كل اسبوع للتداول في الشأن الثقافي.ومجلسي حضرته الكثير من النساء وخاصة في السبعينيات،كل الأديبات من الاردن وتونس والمغرب ومصر اللواتي قدمن الى العراق في الثمانينيات حضرن مجلسي.
*
ونازك الملائكة؟
ج  كانت شخصية تفضّل العزلة، ولا تحب حضور المجالس الأدبية،وعند إصدارها ديوانها الاول زارت بيت أهلها ثلة من أدباء النجف وقرأ بعضهم قصائد مديح وتحيات، ولكنها إستمعت الى تلك القصائد من وراء الستار.
*
هذه القصة التي تتكرر في الكتابات عنها، تخالف قصصا أخرى، منها كونها امرأة سافرة، وغير أديب تحدث عن لقاءات جرت معها بحضور الأهل أو دونهم، وكانت طالبة في جامعة مختلطة، وتدرس العود على يد أستاذ، ولها محاضرات حول حرية المرأة ومشاركتها في الحياة، فكيف يستوى هذا مع قصة الإستماع من وراء الستار؟
-لا أعرف السر وراء تلك الحادثة، ولكنها كانت خجولة، وشديدة التهذيب. ربطتني بها رفقة أدبية خلال مؤتمر الأدباء الأول الذي عقد في الخمسينيات، حيث كانت ضمن الهيئة الادارية حين زرنا الكويت.
*
ماهي انطباعاتك عنها؟.
- هادئة ومؤدبة ومثقفة جيدة، ولكنها متعصبة الى معتقداتها العروبية ولاتطيق من يخالفها الرأي.
*
لنعد الى رجال مجلسك :ما الذي بقي في ذاكرتك عن علي الوردي؟
- علي الوردي كان من الوجوه اللامعة بين الحضور، يود أن تدور كل الأحاديث عن موضوعه، أي علم الاجتماع،وهو لايحبذ حديث الأدب، وكنت ألمح بعض انزعاج وضيق على ملامحه عند قراءة الشعر. يستطيع الإسترسال الى فترة طويلة في الحديث عن نظريات علم الاجتماع الحديثة، ولكنه لايصمد أمام آراء المعترضين على أفكاره، فهو يغادر حلبة النقاش ويصمت حالما يشعر ان كلامه عرضة للنقد فهو لايحب السجال. كان عارفا بمادته على نحو جيد، تكاد مصادره تكون جلها غربية، ولكنه كان يبحث عن الرواية الشاذة او التي لايتفق معها الناس ويتبناها ليخرج بآراء تبرهن على صحة معتقداته، وهذا ماكنا نجادله فيه.
*
كيف كان الشيخ جلال الحنفي؟
- الشيخ جلال الحنفي مختص باللغة العربية والعروض والفقه والغناء والمقام العراقي منه على وجه التحديد، فهو موسوعي المعرفة، حتى في علم الإملاء له اجتهاداته، ولكنه متعصب للكوفيين في هذا الباب. ومع كونه شخصية جميلة غير انه شديد الإنحياز لرأيه، فإن أعتقد بصحة قضية يظل يدافع عنها بالحجة المقبولة او خلافها، ولكنه ظريف الى أبعد حدود الظرف، يأتي بالنكات العجيبة الغريبة التي تضحك الثكالى، كما أنه سريع البديهة في النظم، تأتيه القوافي دون صعوبة.
والى ان مات الشيخ ،كان يكتب دون تنقيط، ولديّ رسائل منه لم يضع فيها أية نقطة على كلمة. كان الشيخ شخصية بسيطة لاتحمل تعقيدات او تحاملات إجتماعية أو إستعراضات دينية أو صرامة وضيق أفق. ومع انه كان إمام جامع الخلفاء في شارع الرشيد الى أن توفاه الله وعمره سبعون عاما، ولكنه يحلق لحيته، ويعشق الأدب والفنون والغناء، وكم سعدنا بسماع صوته وهو يقرأ المقام العراقي الذي توّلع به.
*
هل كانت لديكم خلافات حول المذاهب؟
- لم نكن نعترف بهذا الأمر في جلساتنا، وإن تعرضنا لإختلاف المذاهب، فعلى نحو موضوعي لايخص الانتماء الشخصي. الشيخ جلال الحنفي على سبيل المثال، كانت له صلات وثيقة بعلماء النجف ورجال دينها.
*
كيف كان علي جواد الطاهر؟
- كان دبلوماسيا ولا يحب قول رأيه المباشر، ولكنه يفصل بين المتخاصمين ولا يهوى المماحكات.
*
وحسين محفوظ؟
- يشعر بظلم الدوائر العلمية والأدبية وعدم قدرتها على تشخيص مكانته العلمية، وحتى المجمع العلمي بعد سقوط النظام لم يضعه في مكانه المناسب ولم يحظ بالتكريم الذي يستحقه.
*
ماهو الفرق بين مجالسكم والمقاهي الأدبية، ولماذا لم تعوض المقاهي عن لقاء البيوت؟
- المقاهي الأدبية مكان يحضره عوام الناس، إضافة الى الأدباء، وهذا يجعل للخصوصية بعض اختراقات، في حين المجالس تقتصر على المعارف والأصدقاء وجلستها أكثر حميمية ولا يمكن مقاطعتها باصوات العامة والمتدخلين بأمور لاتعنيهم.
*
ماذا تبقى اليوم من مجلسك؟
- منذ الخمسينيات بقي مجلسي معقودا إلا بعض فترات إضطرارية، ولكني أغلقته منتصف التسعينيات بعد أن شعرت بدخول المتنصتين من رجال الامن، وحاولت إعادته قبل سنتين، ولكن الظروف الأمنية الآن لاتساعدنا على الاجتماع. هو معلق بمصير العراق، مثلما حال الأدب والأدباء.
تعب الغبّان من الحديث،وتذّكر موعده مع الطبيب. وقبل أن يعدني بلقاء آخر وحديث عن كتّاب اخرين، دعاني الى بيته ببغداد، فتخيلت نفسي أجلس في مجلس من مجالسه الأدبية، أو أطلع على مكتبته العامرة. تذكرت الأسماء التي كتبها جليل العطية على ورقة وسلمها لي قبل أن يباغته المرض، وبينها بعض جلاّس في ملتقى الغبّان.وكنت حينها أمنّي النفس بلقاء بغداد وأهل ثقافتها قبل رحيل زمنها الجميل. ولكن خاطرا خطف أمام عيني وانا أسأل الغبّان عن الطريق الى بيته : هل تسمح الحرب بالعبور الى تلك الضفاف البعيدة قبل أن يدركني الوقت؟


مصابيح أورشليم أضخم رواية عربية عن إدوارد سعيد
 

د.حسين كناني
صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر رواية لافتة في موضوعها ومضمونها، وكاتبها هو الروائي العراقي علي بدر الذي كتب فيما مضى رواية لافتة في موضوعها ومضمونها أيضا هي بابا سارتر، أما الرواية الجديدة لعلي بدر فهي "مصابيح أورشليم/ رواية عن إدوارد سعيد"، حيث بطلها المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، وتدور أحداثها في القدس، أثناء زيارته لها في التسعينيات، وهذه الرواية الكبيرة نسبيا (350) صفحة، بانورامية في أحداثها ومسيرتها، تغطي حقبة كبيرة من تاريخ فلسطين والعالم العربي والعالم، ومكتوبة بصورة ملحمية ودرامية وبإيقاع شفاف للغاية، وربما هي أكثر رواية تتناول موضوعة الصراع العربي الإسرائيلي بموضوعية وحيادية تامة.
تبدأ الرواية بتقرير أولي، وهو تقرير مهم للغاية، حيث يكشف فيه الكاتب عن انشقاق النخبة المثقفة العراقية وصراعها مع بعضها قبيل الغزو الأميركي للعراق، ويتناول فيه أيضا بالوقائع أثر إدوارد سعيد على هذه النخبة في التسعينيات، ثم انشقاقها فيما بعد على خلفية سجال إدوارد سعيد مع الكاتب العراقي كنعان مكية الإستاذ في جامعة براندايز والمؤيد للغزو، حيث ينقسم المثقفون الشباب إلى قسمين، الأول يؤيد إدوارد سعيد ويعادي الغزو الأميركي للعراق، والآخر يؤيد كنعان مكية ويطالب باحتلال العراق.
الشخصية الأولى يمثلها علاء خليل المؤيد لكنعان مكية، وهو معجب بالغرب وبالثقافة الغربية وبمشروع الديمقراطية ويريد من أميركا التدخل في العراق وتغيير نظام الحكم، والآخر أيمن مقدس، مولود في بغداد ولكنه من أصل فلسطيني، حيث يدرس في جامعة كولومبيا بإشراف إدوارد سعيد، وهو بعيد نوعا ما عن مشاكل وهموم الشباب العراقي، حيث لم يخدم العسكرية وهو ليس منخرطا في مشاكلهم الاجتماعية والسياسية، فيحدث بينهما جدال وسجال وتصادم واتهامات متبادلة، فيشعر أيمن مقدسي بأنه غريب ومنفي وللتخلص من منفاه يبدأ بكتابة رواية عن إدوارد سعيد، أو كتابة ملاحظات، ويجمع وثائق مهمة، غير أنه يتركها دون أن يكملها. أما الراوي وهو الكاتب والصحفي المحايد وصديق علاء خليل وأيمن مقدسي معا هو الذي يقوم بكتابة الرواية، ويضع هذه الوثائق جميعها في نهاية الرواية تحت عنوان: تخطيطات وأفكار ويوميات انسكلوبيدية للكتابة.
والمطلع على الشؤون العراقية يدرك أهمية هذا التقرير الذي يأخذ من الرواية 77 صفحة، حيث يكشف علي بدر بإمكانياته المعروفة أساس الصراع وجذوره، ويقدم لنا معلومات غنية بحيادية تامة، دون أن يفسد جو الرواية، إذ لا يتخلى عن مهنته كروائي بالرغم من أن المفكر السياسي والمثقف الذكي تحت ملابسه.
أما الجزء الثاني من الرواية فهو يخص إدوارد سعيد، وهو يسير في شوارع القدس، يقوده إثنان، هما يائيل وإيستر، وهذان الشخصان هما بطلان في روايات إسرائيلية، حيث يلعب علي بدر لعبة سردية مدهشة حقا، يأخذ الشخصيات الروائية الإسرائيلية، وكلهم أبطال في روايات الكتاب الإسرائيليين: عاموس عوز، ديفيد غروسمان، إبراهيم بن يشواع، وزولية شيليف، ويجعلهم يروون حياتهم من جديد، حيث يقلب علي بدر الأحداث السردية لهذه الروايات ويجعلها مسرودة بطريقة جديدة.
أما لغة الرواية الشعرية، فيأخذها الكاتب عن طريق تفكيك بنية الشعر الإسرائيلي وهي قصائد مناحيم بياليك وألترمان ويهودا عميخاي وغيرهم، وبالفعل كانت طريقته جديدة في الكتابة، حيث يتوصل إلى مزج بين اللغة العبرية والعربية ليظهر واقعة الموت والدمار والخراب في التاريخ المتداخل للشعبين اليهودي والعربي.
أما ثيمة الرواية الأساسية فهي الاغتراب، حيث يشعر إدوارد سعيد وهو يسير في شوارع القدس باغترابه عن مدينته الأصلية التي عرفها وهو طفل، هناك حين كان يلعب على البسكلته في الحي العربي الذي أصبح مستوطنة عبرية، وبالمناسبة فإن الكاتب يكشف عن إلمام كبير في جمع معلوماته عن القدس الحالية، شوارعها، محلاتها، متاجرها مستشفياتها، مكتباتها، باراتها، ولكن هذه المدينة أصبحت إسرائيلية، فقد غيرت الكولنيالية معالمها بالقوة، وأصبحت غريبة عن ساكنها المحلي، وفي هذه الفصلة نصل إلى مراحل متداخلة شيقة بين طفولة إدوارد سعيد وبين وصول العصابات الصهيونية وهم يحملون بنادقهم وزواداتهم إلى فلسطين أيام الانتداب البريطاني، ويقدم الكاتب معلومات ثرية ووقائع جديدة عن فترة الانتداب وبدء رحيل العرب واستيطان اليهود في المدينة.
أما الثيمة الثانية فهي التاريخ، فيصور الكاتب عملية فبركة التاريخ واختراعه وسرده، وهو يعتقد مثل هومي بابا أن الأمة هي سرد، ومن خلال رؤية إدوارد سعيد يصل إلى تفكيك الرواية التاريخية، ويقدم سردية جديدة تناقض السردية الأولى وتهدمها، وبالتالي يبدأ القارئ ينتقل من مرحلة تاريخية إلى أخرى في السياق السردي للقدس تحت الفتح العربي، ثم الصليبي، ثم العثماني، ثم البريطاني، ثم اليهودي، أما الطريقة السردية فهي في جعل المدينة مثل الطرس، والطرس هو عبارة عن ورق جلدي قديم تتم الكتابة فوقه دون أن تنمحي، وهو يأخذه من مفهوم التناص لجيرار جينيت الناقد الفرنسي الشهير، وهكذا تصبح القدس تناصا، أو طرسا، حيث هي كتابات فوق كتابات، كتابة عربية وعبرية ورومانية وانكليزية وهكذا...أو كما يصفها في الصفحة 63:
"كل شيء قديم يتراءى خلف الشيء الجديد ويقضي عليه، لا شيء يمحى ويزول: المدينة مثل الطرس...كتابات تنكتب فوق كتابات، صور ترتسم فوق صور، رموز جديدة فوق رموز قديمة، قبور فوق قبور، لا شيء يمحى إنما يصبح فوقه وعليه، كتابات ترتسم فوق كتابات، كل كتابة تبدأ بالامحاء ترتسم على هذا الطرس كتابة أخرى...
صاح: أورشليم هي الطرس...
-فكرة جميلة...قلت له.
-التاريخ سرد متقطع، وهو مختل وغير متسق، وهكذا سأرويه..."
في الواقع نحن نقرأ رواية عن حياة إدوارد سعيد، عن مسيرته، والأشعار التي كان يحفظها وهو طفل، عن صوره في شبابه وكتاباته، ثم يقوم الكاتب بدمجها في حياة مدينة القدس، ويستخدم في هذه الدورة المسيرية (يسير إدوارد سعيد على أقدامه في شوارع القدس) الكتابات تاريخية، والخرائط والنقود والوثائق والمذكرات.
أما الهدف الإشكالي في رؤية الكاتب فهو أن القدس "مدينة لكل المنفيين، لكل اللاجئين، هي المكان الأعظم الذي ينسى فيه المنفي منفاه، هي مكانه بعد أن غادره كل مكان، هي شفاء لكل عذابه وموطنه من كل طرد". أما السؤال الذي نطرحه عليه:
هل يتساوى اليهودي والعربي في منفاه؟ هذا السؤال الذي نطرحه على الكاتب علي بدر والذي نرى أنه أخفق في حله في هذه الرواية الإشكالية والتي ستثير جدلا كبيرا حتما بين المثقفين العرب. فالمشكلة أن الكاتب العربي وهو يتطلع إلى العالمية يأخذ بوجهة نظر عالمية أو أوربية وينسى حقائقنا نحن على الأرض.
الجزء الثالث من الرواية، كما أسلفنا تحت عنوان " تخطيطات وأفكار ويوميات انسكلوبيدية للكتابة"، وهذا الجزء بغاية الأهمية، فبالرغم من أن لعبة الرواية تقوم على أساس أنها وثائق ويوميات تركها لنا أيمن مقدسي بعد اختفائه المفاجئ في بغداد عقب الاحتلال إلا أنها تنطوي على معلومات ووثائق مهمة لا نعرف من أين حصل عليها الكاتب: وثائق عن مسلمين، ومسيحيين، ويهود، ومجموعة كبيرة من الكاتلوغات السياحية، ومخططات المدينة، وأشياء لا نعرف مدى صحتها عن الدعايات الإسرائيلية والإعلانات وخطوط الباصات، والقصص، وأسماء السكان والشوارع والمقابر والصور والصحف..
هذه الرواية تدل على أن الرواية العربية تخطو إلى العالمية بخطوات واثقة.


التفصيل يخلق شخصية في السينما
 

أ.د. عقيل مهدي يوسف

ان كانت الفظائع مختلفة، كذلك هي (الافلام) تقدم موضوعات زاخرة بالتحريض، واعادة التفكير بالطبيعة الاخلاقية والايديولوجية للواقع المعيش (هناك مواضيع اكثر تحريضا والسينما توازي اختراقات استخدام "اللغة والعري" شاهدوا "القيامة الان"، "اناس عراة"، "نورماراي" و"كل ذلك الجاز" في هذه الافلام، نرى وننظر بعين الاعتبار الى ما يلي: مثيرات الحرب من خلال اعادة خلق الحرب الفيتنامية: الام التي اقشعر بدنها من القمع بحيث لم تعد تستطيع ان تعبر عن الحب لولدها، فتاة طيبة وقد تحولت الى زعيمة عمالية تخاطر بمهنتها وحياتها، ومصمم رقصات نيويوركي يجهد نفسه الى حد الموت المبكر قبل الاوان).
الموت يتربص بنا، زرافات ووحدانا
كما يقال وباتت السينما سلاح عبقري، نطير به الى افاق وسماوات لم تكتشف من قبل وان كان عصرنا، يكثف امراض البشرية، ويشدها في رزمة قاتلة مرعبة، وكأن صندوق (بندورا) الحاوي على الشرور بات لعبة ساذجة تجاه افانين العذاب والتدمير الذي ابتكرناه.
(( قدمت لنا "السينما" العنف في شكل املس بارع، والوحشية مغلفة بورق السيلوفان (..) رأينا قنابل تنفجر في طائرات مخطوفة، وشهدنا في (افلام الكوارث) زلازل وفيضانات وتهدم عمارات شامخة وغرق سفن، وهجوم نحل قاتل وتجميد الاعضاء في بنك، وغزاة لانظمة جسم الانسان فينمون فيه وينبثقون عنه، وحاربنا مهاجمين على متن سفن فضائية وصولا الى البحث الانفعالي عن "الهوية. في فيلم" امرأة غير متزوجة "يجسد" مايكل مورفي "شخصية رجل مقعد يسعى الى الحب من خلال التلاعب بالاخرين، اما في فيلم "كرايمر ضد كرايمر" فتجبر الظروف (داستن هوفمان) على اكتشاف امر مبهج حول مدى قدرته على الرعاية الابوية.. هنا نجد (الطلاق) تجسيدا لازمة شخصية ولتغيير ما) الفردي والجماعي، الخاص والعام، العابر والنموذجي، هي بعض من الاشكاليات "النظرية" التي بحثت فيها نظريات الفيلم الكبرى وليس للفيلم الغرائبي امتياز على ما يسمى بالفلم "الواقعي" إلا بنسبة ما يحتويه كل منهمامن لغة سينمائية، ابداعية. لان الواقعية، وفيها الواقعية الاشتراكية، قدمت معالجات مذهلة وارتقت باللغة البصرية للسينما العالمية. ولا يمكن ان تتحقق "الواقعية" في الفن
حسب بودوفكين - إلا اذا كانت الصورة اعادة تجسيد لواقع موضوعي مصور باقصى الدقة، واقصى الوضوح واقصى العمق، واقصى التعقيد).
اذا كان الامر كذلك، فان هذا يعني ان الارضية المشتركة ما بين الانواع والاجناس السينمائية، هي واحدة ، لان في توصيف (الصورة) على انها (اعادة تجسيد للواقع) انما يعني، انها قائمة على (تجربة خيالية) مغايرة للمألوف المنطقي الرتيب، للوصول الى اقصى دقة ووضوح وتعقيد في الصورة القلمية.
قال (لورنس اوليفيه): انه بمجرد ان يجد الافق المناسب او الحاجبين للشخصية التي يلعبها، يستطيع باقي جسده وذهنه ان يندمج في تلك الصورة الجديدة.
وهذا ما يتوافق مع قناعة (انغمار برغمان) بان الابداع في السينما يبدأ من الوجه الانساني، فانه يستخدم دائما الكاميرا ليعطي الشخصية ومتطلبات الكاميرا، اي فن كشف ما سماه شكسبير "بناء الذهن عن طريق الوجه".
وتلعب (تعبيرات الوجه) دوراً
حيوياً في المسرح، لكنها في السينما، تعتبر الحامل التعبيري الرئيس للصورة السينمائية، لما تحتويه من أمكانات تعبيرية فذة ومعان مستترة، او مباشرة، ومرونة عالية على تركيب انسقة من البوح الابداعي الذي نطل من خلالها على عالم الشخصية السري.


(فيكو) وأصول الشعر

آلان بون
ترجمة جودت جالي

يحمل عمل (فيكو) Vico الأكثر أهمية، المطبوع بنسخته النهائية عام 1744 وهو العام نفسه الذي توفي فيه، عنوانا يبين بدقة مقاصد مؤلفه (مبادئ علم جديد متعلق بالطبيعة المشتركة للأمم) والغاية من هذا العمل تأسيس علم العالم (بفتح اللام)، بالمعنى الأكثر قوة لمصطلح علم، له ميزة اليقين المساوية، لابل والمتفوقة على علم الطبيعة المادية الذي أنصرف أليه حتى ذلك الحين العلماء والفلاسفة أنصرافا يكاد يكون كليا. كان يقينه متفوقا في نطاق أن لاأحد، حسب رأي فيكو، يعرف شيئا في حقيقته ألا حيث يوجد المعيار الذي خلق له بحيث أن الله وحده الذي خلق العالم الطبيعي، يمكنه معرفته، وعلى هذا القياس وبمنطوق الصيغة المشهورة فأن ((هذا العالم المدني قد خلقه الناس بكل تأكيد وبالتالي يمكننا، لأننا خالقوه، أن نجد مبادئه في داخل نفسنا البشرية)).
درس فيكو هذا العالم البشري ضمن حقائقه المادية تأريخيا ألا وهي الأمم التي كان عليه أن يميز المشترك بينها، (طبيعتها المشتركة). أن الأمة
Nation والطبيعة Nature هاتان الكلمتان تحيلاننا الى الفعل (يلد) Naitre . الأمم مثل الناس الذين يكونونها، تولد، وتتطور، وتموت. تمنح لها طبيعتها مع ولادتها، وتتكشف هذه الطبيعة بالأبانة عبر الزمن، وهو مالم يدركه حتى ذلك الوقت الفلاسفة الذين أرادوا رؤية الأنسان بحد ذاته، الأنسان الأبدي، نتاج التطور، يعني الأنسان الغربي، الحديث، الرشيد، العالم، المتمدن. لم يكن الهدف بالنسبة الى فيكو نكران هذا الأنسان، بل كان هدفه هو أن يفهم ماالذي ومن سبقه ؟
بربرية الحس
هكذا نقع على الأسباب التي من أجلها ساق فيكو في كتابه جوهري أبحاثه في مايدعوه العالم الأنساني (الوليد) وأيضا العالم الأنساني (الطفل). لم يدفعه فضول آثاري بسيط، لكن الدافع بالنسبة أليه كان فهم (أصول) الأمم وهذه الأصول لانعرف عنها شيئا، أنها مطمورة في ظلمات كثيفة، ولكي يبدد هذه الظلمات قدر لتبديدها أن يستخدم أداتين، الأولى فلسفية والثانية فقهية لغوية. الأولى كما رأينا هي تحليل عقلنا الأنساني، والثانية هي مايدعوها (شظايا) العصور القديمة تحت شكل التقاليد الموغلة في القدم، الأساطير، والخرافات التي حافظت عليها بعض الأمم، وبخاصة، الكنز الذي لاينفد للميثولوجيا الأغريقية التي ليست في الحقيقة سوى فكر ديني وثني. لقد سمح لفيكو الجمع بين الفلسفة وفقه اللغة، وهو الهدف الذي زعم تحقيقه في علمه، أن يصعد بثقة الى المنابع.
النفس البشرية تتكون من ثلاث ملكات، ملكة الحس، وملكة الذاكرة والتخيل وأخيرا ملكة التفكير. هذه الملكات تتطور على التوالي في الفرد فتضعف الملكتان الأوليان، دون أن تختفيا، بمقدار ماتترسخ الثالثة وهذا يعني أن ((المخيلة تكون أكثر قوة بمقدار مايكون التفكير المنطقي أكثر ضعفا))، وبشكل خاص فأن ((المخيلة عند الأطفال نشطة للغاية)). أن عمل فيكو كله منذ كتاباته الأولى هو دفاع عن المخيلة التي أنتقدها (ديكارت) دون هوادة ناسبا أليها كل الأخطاء. والحالة هذه فأن مايحصل عند الأطفال يحصل عند الأمم. يتوافق تطور الفرد مع تطور الأنسان. أن الأطفال وكذلك المتوحشين الذين يحدثنا عنهم الرحالة والمبشرون يساعدوننا في فهم ماكان عليه البشر الأوائل ((المهاجرون داخل الجسد)) حيث الحس كله والشغف كله والمخيلة القوية كلها مجردة من اللغة والعقل، يساعدوننا كذلك في فهم كيف أن هذه الكائنات المسفلة الى حالة شبه حيوانية أصبحت خالصة في أنسانيتها، كانوا بشرا صافين لأنهم كانوا شعراء.
الحكمة الشعرية
نلاحظ فورا أن كلمة ((شاعر)) ليست تعريفا لأنسان يمارس جنسا أدبيا محددا، يمارس ((فنا)) له قواعده وتأريخه. يزول كل لبس أذا ماتعلق حديثنا بدلا من ((شاعر)) و ((شعر)) بالصفة ((شعري)) التي أستخدمها فيكو أستخداما بالغ السعة ضمن سياقات تضم كل مرجع جمالي لفن الكلام والكتابة. لقد عرفت طبيعة البشر الأوائل بأعتبارها ((شعرية)) كليا، وكل مايخصها هو ((شعري)). هكذا نجد الكتاب الثاني من ((العلم الجديد)) الذي يحتل لوحده نصف العمل والمعنون (الحكمة الشعرية) ينقسم الى ((الميتافيزيقي الشعري)) و ((المنطق الشعري)) و ((الخلق الشعري)) بضم الخاء واللام، و ((الأقتصادي الشعري)) و ((السياسي الشعري)) و((التأريخ الشعري)) و ((المادي الشعري)) و ((الكوزموغرافي الشعري)) و ((الفلكي الشعري)) و((الوقائعي الشعري)) و ((الجغرافي الشعري)).
نرى أن مفردة ((شعري)) هنا هي المعادل لكل مايعلن عن وجود البشر الأوائل في العالم وعن الطريقة التي يفهمونه ويعيشونه بها. يكتب فيكو ((البشر يحسون أولا دون أن يلاحظوا، ثم يلاحظون بنفس مستثارة قلقة، وأخيرا يتأملون ببصيرة خالصة)). هذه المسلمة تنطبق على الأمم كما تنطبق على الأفراد، وقد كرس دون شك الجزء الأكثر أصالة من عمله لدراسة هذه النفس القلقة المستثارة بمخيلة غاية في النشاط يصفها بالشعرية.
عندما يريد أن يفسر لماذا كان فهم البشر الأوائل للعالم شعريا بشكل مطلق يلجأ الى نموذج الأطفال ((أن العمل الأكثر سموا للشعر هو منح الشعور والعاطفة للأشياء المجردة من الأحساس ومن ميزات الأطفال أن يتناولوا بأيديهم أشياء لاحياة فيها ويكلموها في لعبهم كما لو كانت أشخاصا ينبضون بالحياة)). ويضيف ((هذه الهبة (البديهية) الفقهية الفلسفية تثبت لنا أن بشر العالم الطفل كانوا بطبعهم شعراء سامين)). هذا الأسقاط للذات على العالم الخارجي يتأتى ((بفعل الطبيعة المبهمة للعقل البشري، حين يسقط في مهاوي الجهل، يجعل الأنسان من نفسه معيارا للكون)). أذن ((أنطلاقا من نفسه يصنع عالما قائما بحد ذاته)). الصيغة مدهشة ويذكرنا فيكو أن
Poetes في الأغريقية جاءت من فعل Poiein الذي يعني يصنع ويخلق. يخلق الأنسان البدائي عالما يكون عالما خاصا به، عالمه هو دون غيره.
أن مأثرة فيكو العظمى هي أنه فهم أن الميثولوجيا الأغريقية التي هي ثيولوجيا وثنية كانت في الحقيقة لغة، لغة شعرية كون بها الذين يسميهم فيكو ((مؤسسي الأمم)) تجربتهم للعالم، وبها أعطوا لهذه التجربة معناها، ونظموها بالأفلات من مد الأحساس الذي لاينقطع، ومنحوا أنفسهم وسائل التواصل حتى قبل أن ينجزوا الكلام البين.أذا كانوا يستحقون أسم ((الشعراء الثيولوجيين)) فلأنهم درسوا كلام الآلهة ليفهموه، وسأطلق على هذا الكلام وصف ((بلاغة الآلهة)). أن الآلهة والأبطال في الميثولوجيا هم من سماهم فيكو ((خواص شعرية)) وأيضا ((كونيات خرافية)) بمعنى أن المخيلة خلقتهم. أن البشر الأوائل الذين لم يكونوا قادرين على التفكير المجرد المعنوي ((جعلوا لمعظم الماهيات الحية صور آلهة وأبطال يرجعون أليهم كل صنف أو كل قضية)) 34 . يقول فيكو أيضا أنهم صور بقدر ماهم ماديون جسمانيون كل على حدة يرجعون أليهم كل مايتخيلونه ويرونه وحتى كل مايفعلونه، وبهذا فقد كانت لهؤلاء الأبطال والآلهة وظيفة معممة (بكسر الميم) تسمح بالسيطرة على تنوع المحسوس، باجتباء حالات الدوام، تسمح بأقامة روابط تجاور وتشابه، وباختصار، روابط تفكير وفعل. هكذا يعني جوبيتر
Jupiter كل مايتعلق بالدين تحت أشكاله البدائية (الكهانة، وأستشارة العرافين، والأضاحي) وجونون Junon تعني كل مايتعلق بالزواج والعائلة، وهرقل البطل يعني الكفاح ضد الطبيعة الخارجية وأستصلاح الغابة البدائية العظمى وكذلك كفاح الأنسان ضد طبيعته الداخلية التي تنطوي على صفات بهيمية.
هذه ((الخواص الشعرية)) كانت في الوقت نفسه ((أساطير صغيرة)) تبلور حكايات حقيقية وليست ألعاب خيال مجانية. أنها حقيقية لأنها، بالنسبة الى من يعرف قراءتها، تكشف ليس فقط عن ماكان البشر الأوائل عليه بل وأيضا عن ماكانوا يفعلونه، ويرتدونه من أزياء، وعن أسلوب حياتهم، وباختصار تكشف عن مؤسساتهم الأجتماعية والسياسية.
ويظهر الفكر الفلسفي الى أن تدرك الأمم ((أنسانيتها)) الكاملة، وبكلمة أقل قوة، تدرك ماندعوه ((حضارة))، فنعبر من عصر ((الآلهة)) الى عصر ((الأبطال)) وأخيرا الى عصر ((الناس)). أذن يمكننا القول أن التأريخ البشري ولد من الشعر.
هوميروس
أنفصلنا عن الشعر المؤسس للعالم الأنساني. بقي لنا أن نتبع الشعر الى اللحظة التي أصبح فيها ((فنا)) بين فنون أخرى. نحن نعرف أنه أصلا لغة، منذ البداية في عصر ((الآلهة))، يعني منذ مرحلة العوائل المبعثرة، لغة خرساء لأن قاموسها هو الآلهة التي لاحصر لها والتي تسكن الأرض. يتواصل البشر بالأشارات أو بأشياء مادية ذات دلالة، هذه اللغة يسميها فيكو كلاما ((واقعيا)) منشأ بأشياء، هي نوع من الكتابة الحسية والمادية. كان يمكن لفيكو أن يقول، فيلقى قوله أهتمام الكثير من الفلاسفة وعلماء الألسنيات، أن الكتابة سبقت الكلام.
تبعت هذه اللغة الخرساء لغة عصر الأبطال وذلك عندما نظمت المجتمعات الأولى سياسيا تحت قيادة زعماء أنزلوا أنفسهم منزلة الأبطال، أي المتحدرين من أصلاب الآلهة. هذه اللغة بقيت خرساء تعبر عن نفسها في الأعم الأغلب بالعلامات والرموز والشعارات الغنية بالأستعارات والصور والمحاكاة والتشبيهات التي كونت فيما بعد كل مصادر التعبير الشعري عند ظهور اللغة البينة. أن اللغة البينة، في الحقيقة، أنحدرت من أغاني وأناشيد بشرنا الأوائل ومن المحاكاة الصوتية لأشياء الطبيعة خالقة أول مرة لغة على شكل شعر موزون بحيث يمكن القول أن البشر تكلموا شعرا قبل أن يتكلموا نثرا.
يسمي فيكو اللغة الثالثة، التي تنتمي الى الأزمنة الأنسانية والى الحواضر الديمقراطية، لغة ((رسائلية))، لغة تناسب أناسا متباعدين يتبادلون فيها ((شرح ضرورات الحياة اليومية)). أنها لغة النثر والكتابة، وهي لغة الفلسفة أيضا.
ضمن هذا المخطط المتكلف نوعا ما والذي يعمد فيكو نفسه الى أيضاح فروقه الدقيقة يظهر الشعر بقدر ماهو فن بظهور هوميروس أول الشعراء وأعظمهم على الأطلاق بكل ماتحمله كلمة ((شاعر)) من معان. نعرف أن فيكو أهتم بهوميروس الى درجة أنه كرس للحديث عنه كامل الكتاب الثالث من علمه الجديد تحت عنوان ((عن أكتشاف هوميروس الحقيقي)).
أذا كان هوميروس بالنسبة اليه أعظم الشعراء طرا فلأن هوميروس حفظ في شعره كل ماخلق طاقة وقوة الشعري البدائي الذي خلق به شعراء الأزمنة الخرافية الثيولوجيون عالمهم، ولأنه هو الذي عرف كيف يترجم بالكلمات العمل المجازي السامي للذين خلقوا الآلهة وأرسوا أساس الأمم. أذن فهوميروس فيكو هو النقيض المقابل لهوميروس الشاعر الحكيم، نموذج كل الكلاسيكيات، كما بدا في القرن السابع عشر، وبالمنظور نفسه فأن أخيل عند ((هوميروس الحقيقي)) ليس رجلا مهذبا من رجالات بلاط لويس الرابع عشر بل هو بربري فظ جلف، ليس سوى ((خاصية شعرية)) لمحاربي العصر البطولي. وخلص فيكو الى التساؤل فيما أذا كان هوميروس قد ?وجد فعلا في زمنه بوصفه فردا تأريخيا وليس ((خاصية شعرية)) أيضا عرف الشعب الأغريقي نفسه فيها وأكتشف طبيعته الشعرية التي مكنته من خلق آلهته.
تطرح نفسها هنا مسألة شائكة. ضمن منطق هذا المخطط الذي يسميه فيكو ((التأريخ المثالي الأبدي)) والذي أتبعته الأمم كلها فأن الشعر القرين الطبيعي لأناس ((العالم الطفل))، العالم الذي ما زال بربريا، يبدو أنه لم يعد له وجود ممكن في الأزمنة الأنسانية المتمدنة تماما، وقد أصبحت الفلسفة بديلا عنه بالمعنى الهيجلي لمصطلح البديل.
دانتي
فأين، في هذا كله، موضع دانتي الذي يعرفه فيكو بوصفه ((هوميروس توسكانيا)) والذي يعود للحديث عنه مرارا باعتباره شاعرا ساميا أيضا ؟ يقول فيكو أذا كان دانتي ساميا فلأنه، على وجه الدقة، عاش في عصر نظير لعصر هوميروس ((البطولي)). برأي فيكو، وهذه من آرائه الأكثر شهرة، بعد أنهيار الأمبراطورية الرومانية فأن العالم الغربي المعتبر أمة واحدة عاد للسقوط في البربرية وكان عليه أن يقطع مجددا من البداية الطريق الذي لابد للأمم من سلوكه.. أنها نظرية
Ricorso الشهيرة. أن مانسميه العصر الوسيط هو أذن بالنسبة الى فيكو عصر ((البربرية العائدة))، عصر الآلهة والأبطال، والفرق الوحيد هو أن الأله المسيحي حل محل الآلهة الوثنيين، لقد عاش دانتي برأيه في كون شبيه بكون أبطال هوميروس، ونطلع منه على وصف غير معقول لمنطقة توسكانيا في القرن الثالث عشر، ونفهم من وصفه أن دانتي ولد وسط بربرية شنيعة في زمن عاد الناس فيه الى اللغة الخرساء، لغة الأمم الوثنية الأولى، حين كانت تعبر عن نفسها بالأشارات والأشياء المادية قبل أن توجد اللغات البينات. هذه المطابقة للصراع بين آل غويلف وآل غيبلن مع حرب طروادة غاية في الفنطازية ولكن لها دلالة دقيقة فيما يخص فن دانتي. أن قوة شعره التي يسميها فيكو ((عبقريته الغضوب))، ((السيول الكبرى لقصائده)) لم تكن منحدرة من أي موروث، لاتنتسب الى أي فن معلوم، وقد كان دانتي شاعرا بطبعه كما كانت الأمم في أصولها عندما كان الشغف والمخيلة تغليان فيها. في عصر فيكو حين كانت ذائقة (أركاديا) الكلاسيكية هي المهيمنة فأن تمجيد سمو بربرية دانتي وعدم الأكتفاء بجعله رمزا قوميا عظيما كان له جانب ثوري. أن دانتي بالنسبة أليه شاعر بكل مافي الكلمة من معنى فقد كان على دانتي وهو يخلق قصيدته أن يخلق في الوقت نفسه اللغة الأيطالية وكذلك الأمة الأيطالية.
بربرية التفكرReflexion
هل يجب علينا أذن أن نرجع الى الأزمنة البربرية لكي يعود الشعر العظيم الى الظهور ؟ يلخص فيكو في واحدة من صيغه المدهشة التي يحتكر سرها مايسميه ((النظام الذي تتبعه الأشياء البشرية)) بقوله :
((كانت في البدء الغابات ثم ظهرت الأكواخ وبعدها القرى ثم الحواضر وأخيرا الأكاديميات)) 239 . هل يجب العودة الى الغابات والأكواخ لنجد الشريان الشعري الذي نضب عند الأكاديميين ؟ لم يكن فيكو بعيدا عن هذا التصور، فقد شرح وجهة نظره في رسالة مثيرة للأهتمام موجهة في عام 1725 الى شاعر شاب من أصدقائه هو جيراردو ديغلي آنجيولي. يكتب له قائلا لقد أتيت في زمن ((تسود فيه حكمة تجمد كل عطاء في الشعر الجيد الذي لايقدر أن يعبر عن نفسه ألا بالمجازات والذي يتخيل الأشياء والأخلاق والأنفعالات بقوة ويتحسسها بحيوية)) ولكنه يضيف ((لابأس عليك فأسلوبك أصبح أفضل منذ مغادرتك فلورنسا منذ شهرين (كان الشاب قد ذهب لقضاء بعض الوقت في أرض عائلته) ((الغابات والغياض التي لاتبعث الطمأنينة في القلوب ولا تهذب الأخلاق عادة مسؤولة عن تقدمك المحسوس بقدر ماهو مفاجئ)) ثم ((أنت تحب دانتي أكثر من حبك للشعراء الآخرين، أنت تحب هذا الشاعر العظيم الذي يبدو فظا جلفا وفكاهتك الكئيبة تتصل بفكاهته دون شك. لقد ولدت لتفكر كشاعر)) (2).
غير أن الأمر لايتعلق عندنا بالسخرية من الرابطة المقامة بهذه الصورة بين الشعر العظيم والذهاب الى الغابات. ليس فيكو نصيرا للبدائية كما يؤكد البعض وهو صادق في مدحه حين يمدح الأزمنة ((الأنسانية))، المستنيرة، المتحضرة، الفلسفية التي يعيش فيها(يطالب فيكو عن جدارة بلقب فيلسوف) لكنه يظل مبهورا بالخاصية الفجرية، الخلاقة، المؤسسة ((للحكمة الشعرية)) التي كرس لها الجزء الأعظم والأقوى من عمله، وأذا كان عليه أن يختار مابين مايسميه ((بربرية الحس)) للشعراء الثيولوجيين الأوائل ومايسميه بتعبير رهيب ((بربرية التفكر)) حيث العالم لم يعد ينكتب ألا في نثر مثبط الهمة، وحيث ((العقل مكتمل التطور)) يمحو الحس الأنساني المشترك ويترك كلا من الناس فيما يسميه ((عزلة المشاعر والأرادات)) فأنه كان سيختار الأول دون شك.
ولكن ربما كان فيكو قد كذب عفوا هذه التشاؤمية في عمله بالذات. يثبت (العلم الجديد) أن الفلسفة لم تسبب أختفاء الشعر بل على العكس أستندت اليه الى درجة أنها تتطابق معه. ذكر فيكو في مكان ما أن القانون الروماني للوائح الأثنتي عشرة كان
Serioso poema قصيدة جادة. ألا يمكننا القول أيضا أن La scienza nuova العلم الجديد هو Serioso poema قصيدة جادة ؟ أسلوبه، وقاموسه يحير ان الأيطاليين أنفسهم، ولسبب أقوى، يحير ان المترجم الذي يتصدى لترجمتها. ولكن هذه الغرابة لاتدلل على أنحراف تعسفي ومجاني عن الأستعمال الدارج للغة بل على أرادة سبر للكلمات الى حد العثور في غياهبها على أثر الأصول المندرس. أليس في ذلك يكمن عمل الشعر الأكثر سموا ؟.
===
==========================
الهوامش :
(1)الأرقام هي أرقام مقاطع (العلم الجديد) الذي ترجمه وقدم له آلان بون (دار فايار عام 2001).
(2)
غيامباتيستا فيكو (حياة غيامباتيستا فيكو بقلمه. الرسائل. منهج دراسات زمننا) التقديم والترجمة والملاحظات بقلم آلان بون . دار غراسيه عام 1981. ص 160-167.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة