تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

خانقين بين زمنين .. خرجت من ركام الدكتاتورية
 

خانقين/ محمد شفيق

وارتدت حلة جديدة زاهية!
حينما كنت اخطو في سوق خانقين، تلك المدينة التي وأدت احلامها الدكتاتورية، وبرغم صغر شارع السوق، كنت اتخيل نفسي، اخطو في سوق بمدينة كبيرة، مدينة اجتازت حدودها الحضارية، ووصلت الى ما هي عليه مدينة مكتظة بالساكنين، مكتظة بالمارة، مكتظة بأحلامٍ جديدة، مكتظة بنساء جميلات، مكتظة بهواء جديد، هواء يحمل نسمات الحرية والتطلع الى أمام!

سابقاً لم تكن هذه المدينة تكتظ، الا بدعوة (المواليد) للخدمة العسكرية، فكنت ترى الشباب والكهول، يبحثون عن من ينقذهم من الإرسال الى مكان بعيد، لخدمة الاحتياط او الخدمة الالزامية (الأزلية) او خدمة الشهرين التي ابتكرت في السنوات الخمس التي سبقت سقوط الدكتاتورية فكانوا يذرعون شارع السوق (سكارى وما هم بسكارى) كما في الاية الكريمة لا يعرفون ماذا يفعلون، او الى اين ذاهبون!
أما اليوم فان الدوران في هذه المدينة، هي رحلة البحث عن مدينتين بذات الاسم، مدينة طمرها الدكتاتور بعنجهيته ومدينة اخرى خرجت من تحت الركام، وارتدت حلة البهاء والجمال.
في نظرة بسيطة لهيكل المدينة، تجد مقرات لأحزاب متعددة، احزاب كردية، احزاب وتجمعات تركمانية، مساجد وحسينيات كما تجد كرداً، وعرباً، وتركماناً، ومسيحيين وعرفت ذلك من خلال الكنيسة القديمة في منطقة (بالة جو) والتي بدئ بترميمها حديثاً، ووضع الاساس لكنيسة اخرى في قرية (توله فروش) اذ هنالك خليط متجانس يعيشون في هذه المدينة التي تغفو على السلام وتصحو على خرير نهر الوند.
البناء مستمر، وبعد عام 2003 بدأت حملة اعمار لم تشهدها المدينة، 90% من سكانها الذين غادروها سابقاً، عادوا اليها، بعد ان حصلوا على قطع اراضٍ بالمجان، وهم الآن يبنون بيوتهم فيها، وهنالك من اشترى قطعة ارض في مكان يناسبه، وبدأ بتشييد دار عليها.
كاك جعفر ابو وريا عاد الى المدينة من جديد، وفتح محلاً للكماليات فيها، ويعتقد بأن مدينته هي افضل مدينة في العالم، لأنها مدينة آمنة وفيها كل شيء، ويقصد بكل شيء، أي الحاجات الضرورية وغير الضرورية.
يقول ابو وريا: أنا سعيد بعودتي وسعيد لأن حكومة كردستان هي التي تتولى ادارة المدينة، وعملي فيها ممتاز، واعمل انا واولادي في بيع الكماليات، فكنا سابقاً في كلار اما الان فنحن في مدينتنا.
في وسط المدينة تم بناء فندق من الدرجة الاولى، سمي بفندق "كه لات" نسبة الى اهم جبل في المدينة، بإمكانه ان يستقبل زواره، وتحت الفندق محال انيقة لبيع الكماليات، وقد بنيت وفق احدث الطرز الحديثة وفي مقابل هذه البناية الفندق والمحال، هنالك مساحة من الارض بدأ اصحابها بالعمل فيها، يبدو انها شيء مهم، وتعذر معرفة نوعية ذلك البناء لعدم وجود من يجيب على السؤال!
جاسم محمد شاواز، التقيته في منطقة (امام عباس) وهو يقود مجموعة عمال لعمل سياج لقطعة ارض اشتراها مؤخراً قال: اشتريت هذه القطعة، بخمسة عشر مليون دينار وتقدر مساحتها ب600م2، واحاول تقسيمها الى ثلاث قطع، واحدة لي، والاخرى لشقيقي الاصغر مني، والثالثة لاصغرنا، وسأبدأ بالبناء خلال الايام القادمة.
في جولة بين العمال والخلفات، اتضح ان معظم العمال هم من سكان محافظة ديالى وبالتحديد من العرب، وعند سؤال احدهم عن طبيعة عمله قال: انا عامل بناء بأجر قدره خمسة عشر الف دينار يوميا، وهو مبلغ جيد بالنسبة لي. وعن المعاملة مع اخوانه الكرد يقول: لا اشعر بالفارق ابدا فالتعامل طبيعي اتعامل معهم، ويتعاملون معي، مثلما مع اصدقائي ولا اعتقد ان هنالك فرقا بيني وبين أي عامل من سكان المدينة.
بعد انتهاء عملهم يتجمعون امام باب فندق (ئه لون) وهو فندق بسيط يذكر بفنادق علاوي الحلة او الباب الشرقي يقضي معظم ليله فيه، ليبدأ في اليوم التالي رحلة العمل من جديد.
هذه هي الصورة الثانية لمدينة عانت الامرين في الفترة السابقة، فضلا عن هذا هنالك كلية تابعة لجامعة السليمانية في المدينة ويتم الان بناء جامعة خاصة بالمدينة، وقد شاهدنا البناء وقد اكتمل نصفه او اكثر من نصفه. اما في مجال الكومبيوتر، فان هذه الاجهزة متوزعة في كل الدوائر، ولا سيما مقرات الاحزاب، وهنالك دورات للتعلم لكل من يريد ذلك، واهتمام من الناس وحرص على التعلم.
في المساء وعندما حل الظلام اخذني احد الاصدقاء الى الكورنيش، وهي صفة جديدة تطلق على جوانب نهر الوند، لان هذا الكورنيش بني حديثا ويمتد لمسافة طويلة، وشاهدنا باعة الكباب والتكة واللبلبي والباقلاء يتواجدون هناك ويعملون بجد، والناس ولا سيما العوائل تتوزع هناك، وكأنها متأقلمة مع هذا الوضع منذ زمن طويل وليس منذ ثلاث سنوات.
عائلة السيد رسول ابو ديار كانت هنالك فسألنا السيد رسول عن رأيه بوضع المدينة الجديد فأجاب: المدينة كما ترى تختلف بالكامل عن المدينة في الوضع السابق، يكفينا الشعور بالامان وعدم وجود الرفاق والزيتوني وجهاز المخابرات.
صاحب استوديو للتصوير، طلبنا أنا وصديقي منه صورا حديثة للمدينة فاعتذر وتكلم عن كل ما هو جديد في المدينة وطلب الكتابة عن نهر الوند.. قلت له: كتب الكثير عن نهر الوند، الان يهمني ان اكتب عن وضع الانسان الجديد هنا، فوافقني القول.
نعم ان الانسان الجديد/القديم، في هذه المدينة، يشعر وكأنه ولد من جديد، تقرأ في عيونه وتقاطيع وجهه علامات الفرح والمحبة والالفة، لا يعرف الخوف، ولا يحاول اخفاء نفسه من السلطات لانها قد توصله الى مكان لا يرى فيه الشمس، وقد يختفي وللأبد. ينطلق هذا الانسان سواء اكان من سكان المدينة الاصليين، ام من الذين غادروها وعادوا اليها، انطلاقة جديدة باتجاه افق جديد، افق فيه الحرية والكرامة بعيدا عن الخوف من كل شيء، من دائرة التجنيد سيئة الصيت، من دائرة الاستخبارات من كل ما له علاقة بالوضع القديم.
جمال جعفر مدرس وشاعر يقول: اتمنى ان ارى مدن العراق كافة، بهذا الشكل، يسودها الامان والاطمئنان وفي وضعنا الجديد لا نملك سوى التفكير بالمستقبل، لقد عاشت الحروب فينا، واخذت الكثير من اعمارنا، والان حان الوقت لاخذ قسط من الراحة، ومن ثم العمل باتجاه حياة جديدة، واضاف: هل تصدق ان معظم البيوت في المدينة فيها جهاز للكومبيوتر وجهاز ستلايت؟
احد ضباط الشرطة في المدينة وبرتبة (.........) اعتذر من ذكر اسمه، قال جوابا لسؤال مني حول الوضع الامني: سل أي مواطن، هل هنالك فرق بينه وبين مواطن آخر؟ من كثرة ما نشعر بالامان ينتابني انا وزملائي شعور بأننا فائضون عن الحاجة!
الذي تحدث به الضابط لمسناه، خلال وجودنا في المدينة ليومين، كان بودي ان اجلب هذا الامان واوزعه على مناطق بغداد واسير في شوارعها غير خائف من طلقة طائشة او عصابة او عبوة ناسفة او سيارة مفخخة.
في طريق العودة من خانقين الى بغداد، كانت المسافة ما بين المدينتين، يتسيدها رجال الشرطة والحرس الوطني، يسألون بأدب ويحاولون اشعار المارة بالامان، قلت لصاحبي: حينما اسمع وارى هؤلاء اشعر ان العراق بخير، وان الحياة الطبيعية تعود اليه قريبا.. قال: انا كذلك هذا شعوري.
لقد قطعنا مسافة من مفرق خانقين/جلولاء باتجاه طريق امام ويس، فكانت القرى على جانبي الطريق، قرى عراقية لم تتخل عن هويتها.
هنالك من يزرع، هنالك من يرعى الغنم، ونساء تحمل العلف للحيوانات او الماء من مناطق قريبة اخرى كنت بحاجة الى اغفاءة حلم عراقي، ارى فيه بلدي مثلما هو. ولكن سارت السيارة بنا انا وصديقي الذي يعشق السرعة وقرب منصورية الجبل، تذكرت معسكر المنصورية والصباحات التي كنت اذرو فيها النوم لاصل هنا وانا ابحث عن الف عذر ليسامحني العريف خضير عن تأخري عن التعداد الصباحي ليوم امس، ربما بكيت ربما سرحت لا أدري.
سيطرة عسكرية واخرى واخرى وكلمات محبة، وشعور بالامان تقرأه في الوجوه اولا ومن ثم في السلوك، وصلنا بغداد، كانت لدي رغبة في العودة ثانية ولكن سرعان ما تذكرت التزاماتي، فعدلت عن رغبتي التي ما زالت متأججة في داخلي.


انسان المستقبل

محمد درويش علي

وسط كل ما يجري، في هذه الظروف المعروفة تفاصيلها، ثمة من يبني ويعوّل على بنائه، ويديم فقرات المستقبل عنده، وكأنه، يمسك بمفاتيح لا يستدل عليها سواه، وهذا لا يعرف غير المستقبل، ولا يعرف غير الطريق اليه، وكأنه خلق هكذا على وفق برنامج تفاصيله مخزونة في ذاكرته. انه انسان المستقبل، الذي يستوحي من الخراب، البناء بكل ما يعنيه! الذاكرة تحتفظ بتفاصيل كثيرة من الزمن السابق، قرية كردية في اقاصي الجبال تهد بالكامل، بعد حين تمر بها، لا تجد غير اطلال القرية تلك، وعلى مسافة غير بعيدة منها، قرية اخرى بنيت بجهود ساكني القرية السابقة. قرية تحمل كل ملامح القرية السابقة، الناس هم الناس، فيهم روح التواصل واستئناف الحياة من جديد، رغما على الظرف الصعب، والقوانين القسرية، ما تحتفظ بها الذاكرة عن كردستان، هي التفاصيل ذاتها في الجنوب، وسط الفقر والموت والتهميش والاقصاء.
فالجنوبي يحتفظ بأرضه وسومريته وعنفوان استمراريته.
يومياً نرى استئنافا جديدا، استئنافا قائما على الديمومة والبقاء. والا بماذا نفسر من له نزاع شخصي مع آخر، والحق معه، يتنازل عن حقه ويدعو الطرف الاخر للمصالحة، لكي يخفف من حدة الوضع العام المتوتر!
او كيف ننظر الى ذلك الرجل الذي هد جدار بيته، نتيجة اعمال العنف ويجمع اولاده، ويبدأ باعادة البناء، وينتهي كل ذلك خلال وقت قصير؟
نعم ان الاستئناف واعادة الحياة والنظر الى المستقبل بعين مفتوحة هي السبيل الوحيد للخلاص من الادران التي تعلقت بكل شيء فينا، فالاستسلام هو استسلام وخنوع وقبول بكل ما يسحب الى القاع، والبقاء فيه.
ان الناس هم الذين يفرضون قوانينهم وشروطهم على الظروف، وليس العكس، وكل عملية تفاعل، وانغمار مع ما يأتي هو رهان ناجح لكسب المستقبل، وليس المجهول.
واثبتت الوقائع والاحداث التي مرت بنا، طوال التأريخ، ان بامكاننا ان نفعل ما نريد بالاتجاه الايجابي، ان نمد الجسور، ان نعبّد الطرقات، ان نطرد الظلام، ان نضحك من الاحزان، ان نمسد على الالام، ان نعفو وقت القوة، ان نتحمل وقت الضعف، ان نستدل على كل ما هو صحيح، ان ندفع بالخراب بعيدا، ان نقرّب الامل، او نعيشه ان لا نركض وراء السراب والوهم والخيال ونبتعد عن الواقع، ان نحافظ على كينونتنا، ان نشرق قبل الشمس، ان نتلمس الطريق وقت الغسق.
ان الذي حصل لنا، هو زائل، لا يمكث طويلا، ولا يعمر بيننا، الباقون نحن باحلامنا الوردية التي تطارد الكوابيس المؤقتة، وباصرارنا وحبنا بعضنا.
نعم نمضي بخطوات حثيثة، وننظر الى الخلف بغضب وندوس على كل التركات التي اثقلتنا واستنزفت سنوات من اعمارنا!.


خانقين اتعبها العسكر وآذتها سياسات التهجير

خانقين/صافي الياسري

اليوم تصحو خانقين من اغفاءتها الطويلة لترميم ما هدمته قسوة العقود الثلاثة التي حكم فيها جلاد العراق، وتشرع في حياكة ما تم اتلافه من نسيجها التاريخي بفعل الحروب العبثية وفرق الظلم والاستبداد العنصرية.

خانقين ذات الجسد الساحر العريق والابتسامات التي لا تنطفئ برغم كل معاناتها، خلعت عنها لون (الخاكي) بعد سنوات عديدة من العسكرة الاجبارية وخلعت عنها هموم واحزان القمع والبطش الذي عانته بعد ثورة اذار الشعبية المجيدة، وها هي تخطو الى الامام، من دون ان تنسى مفردات التاريخ السلطوي الاسود في تعامله معها.
وخانقين واحدة من المراكز الفرعية لطريق الحرير المعروف تاريخيا، وقد امتهن اهلها التجارة ونقل البضائع وتسهيل مرور القوافل التجارية وتقديم الخدمات لها وللمسافرين بين العراق وايران وبخاصة زوار العتبات المقدسة وقد لعبت دورا نشطا بهذا الشأن بعد سقوط النظام السابق كما ان سكانها يمارسون الزراعة وبخاصة زراعة اشجار الفواكه التي يلائمها مناخ المنطقة وبعض الصناعات الحرفية كحياكة البسط والانسجة اليدوية الصوفية والزوالي.
عراقة مدينة خانقين يمكن الاستدلال عليها من عشرات الابنية والبيوت الموغلة في القدم، مثل ذلك الجسر العباسي الطراز الذي يقع على نهرها ويستخدم حتى اليوم لعبور المشاة بين الضفتين، ونهر المدينة في الحقيقة جدول ينبع من الجبال الشرقية القريبة ليقسم المدينة الى قسمين اكبرهما هو القسم الشرقي الذي يعيش فيه اغلب السكان ويقع فيه سوق خانقين المتعرج الذي يعود تاريخه الى اكثر من مئة عام، والواقع ان مدينة خانقين لم تشهد أي تطور عمراني منذ عشرات السنين واحدث بناياتها يعود الى عام 1979 وذلك بسبب سياسة الاهمال والافقار التي مارسها ضدها النظام المباد، اما لماذا هذا الاهمال؟ فالتبرير الرسمي الذي كانت تورده السلطة للمدينة التي اشتهر اهلها بمودتهم وتعاطفهم وتعايشهم معا عربا وأكرادا وتركماناً بانسجام ووئام، هو ان المدينة ساحة اساسية من ساحات الحرب ضد ايران 1980-1988 حيث راحت القنابل تتساقط عليها وعلى جارتيها منذلي وجلولاء، وحينما اشتدت الحرب واقتربت من حدود خانقين تزايد نزوح السكان عنها الى مدن مثل شهربان وامام ويس وبعقوبة وصولا الى بغداد.
يقول الشيخ عبد الله انور قائممقام خانقين بهذا الصدد:
-لم يكن نزوح اهالي خانقين بسبب الحرب فقط فمع بداية الثمانينيات اجبرت السلطة اعدادا كبيرة من الاهالي على مغادرة المدينة بذريعة انهم من التبعية الايرانية ومنهم الكرد الفيليون الذين عانوا الوان الاضطهاد وقد انخفض عدد سكان المدينة في منتصف الثمانينيات الى بضعة آلاف فقط حيث استمرت عمليات الترحيل على امتداد السنوات اللاحقة، اما الان فقد عاد اليها ابناؤها وسكانها وارتفع عدد سكانها الى 400 الف نسمة بين كرد وعرب وتركمان ويضيف الشيخ عبد الله قائلا: ان عذابات هذه المدينة لم تقتصر على فترة الحروب، بل ان الطابع العسكري لم يغادر المدينة الا بعد سقوط النظام فقد تواجدت وحدات عسكرية في المحيط الاقليمي للمدينة لكن الفرقة 34 هي من اكثر الوحدات العسكرية تواجدا وكان قائدها يعد عمليا حاكما لخانقين كما ان شوارع خانقين واسواقها كانت تعج بجنود هذه الفرقة الذين يضايقون السكان ويضيفون لونا (خاكيا) غير محبب على فضاءات المدينة.
احسان خورشيد حمه سور يتحدث عن معاناة سكان خانقين فيقول: لقد خضعت المدينة لاحكام تعسفية حاول النظام السابق من خلالها تغيير هوية المدينة والتأثير على بنيتها الاجتماعية، وعلى سبيل المثال لم يكن مسموحا لاي كردي ان يشتري بيتا في خانقين فبيع أي بيت او شراؤه في خانقين كان يجب ان يقترن بموافقة اعضاء حزب البعث والمسؤولين الامنيين في المدينة، حتى ان اسعار المنازل تردت واصبحت تقل قيمتها باكثر من 90% من قيمتها المحقيقية، لذلك لجأ الاكراد الى شراء البيوت بعقد ابتدائي ولا يسجلونها في السجل العقاري خوفا من انتقام السلطة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لم يكن من حق الموظفين من اهالي خانقين الانتقال الى مؤسسات الدولة في المدينة، انا مثلا رفضت كل طلبات نقلي من الخالص الى خانقين على امتداد خمسة عشر عاما لانني كردي ولا امثل او اتعاطف مع توجهات السلطة.
ويروي لنا نوزاد احمد برهم/20 سنة جانبا من رحلة القمع التي تعرضت لها عائلته طوال ست سنوات فيقول: بتاريخ 17/5/1997 طوقت دارنا دورية تضم رجال الامن والبعثيين في المنطقة وابلغونا ان علينا ان نهيئ انفسنا للرحيل من خانقين خلال 48 ساعة فقط ومن دون ان نعرف أين سنتجه ولا ما هي التهمة الموجهة الينا ونحن عائلة تتكون من ثمانية افراد الاب والام وستة اطفال، فاستجبنا مكرهين للامر الواقع، وفي اليوم التالي جاءت شاحنة عسكرية من نوع ايفا لتقلنا واليسير من في اغراضنا، وقبل ان نمضي في رحلتنا نحو المجهول، قدم لنا احد البعثيين ورقة هي عبارة عن عقد بيع الدار الذي نسكنه الى شخص مجهول وطبعا بسعر لا يساوي ربع قيمة الدار الحقيقية ولم يكن أمام والدي الذي كان يعمل يومها موظفا في بريد خانقين غير التوقيع على الورقة فهو يعرف جيدا ما الذي يمكن ان يجره علينا من غضب ومعاناة اذا ما رفض التوقيع، وهو على بينة مما يتعرض له من يرفض تنفيذ اوامر الترحيل من ممارسات قمعية وبطش قاس، ويكمل نوزاد: اخذتنا الشاحنات العسكرية مع مئة عائلة اخرى الى مدينة النجف بينما اتجهت شاحنات اخرى بمئة عائلة اخرى الى الرمادي. وفي النجف اضطررنا الى تأجير بيت متواضع في اطراف المدينة والعمل بشتى الاعمال طوال ست سنوات ومع ذلك لم تكف الاجهزة الامنية عن مطاردتنا وحين كنا نسألهم عن سبب استمرار هذا الاضطهاد ونحن اناس مسالمون ولا ننتمي الى اية جهة حزبية يقولون لنا ان لكم اقارب من المعارضة العراقية في الخارج.
ويؤكد سكان خانقين ان السلطة عاقبتهم كثيرا بسياط الكهرباء والماء والخدمات الصحية، عقابا جماعيا، فطوال اكثر من اثنتي عشرة سنة عاش سكان المدينة حالة ظلام اجباري ليلا ولم يسمح لهم بشراء وتشغيل المولدات الكهربائية.
ويؤكد الشيخ جميل بابا حميد هذه الحقيقة ويضيف:
-اهالي خانقين كانوا على الدوام عرضة لابتزاز الوحدات العسكرية القريبة، فكل الامكانات كانت تسخر لخدمة تلك الوحدات حتى ان استخدام المولد الكهربائي كان من الممكن ان يسترعي انتباه احد قادة تلك الوحدات فيأمر قواته بمصادرته، اما الماء والكهرباء والخدمات فقد كانت شبه متوقفة، فالمدينة عانت الاهمال المتعمد طوال عقود حكم البعث، فلم تنفق الدولة الاموال اللازمة لبناء شبكة ماء او مجار نحن بأمس الحاجة اليها.
وتضيف السيدة ام شيرين: موظفة اتصالات في خانقين قائلة:
-عانت خانقين الكثير في المرحلة السابقة وهذا لا يعني اننا حققنا الان كل ما نتمنى لكنني اعتقد ان مدينة خانقين تسير اليوم بالاتجاه الصحيح فالخدمات بدأت تعود تدريجيا والاعمار وان كان بطيئا الا انه يمضي بوتيرة متصاعدة، وربما على عكس الكثير من المدن العراقية تعيش خانقين اليوم في جو آمن.
محمد عبد الله سليمان احد مواطني المدينة، تحدث عن الوضع الحالي لخانقين ايضا فقال: الحالة الامنية في خانقين مستقرة جدا والخدمات تسد الحاجة وهنا لا توجد حوادث سرقة او سلب مثل المدن الاخرى وبخاصة بعد تأهيل شرطة المدينة ونحن بمنجىً من النشاطات الارهابية والاحتراب الطائفي والعرقي والمحال التجارية هنا تقتح حتى ساعة متأخرة ليلا.
واخيرا ودعنا خانقين بعد ان تنفسنا في ربوعها الامن والامان وشاهدنا سعيها الحثيث للاعمار والتقدم الى الامام.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة