الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 

 

حقائق مخفية عن علاقة البعث بجهات استخبارية أجنبية

الجزء الثاني

 

من هو  علي عبد السلام

 

زهير كاظم عبود

علي عبد السلام (الملقب ابو ربيع)  اللغز المحير الآخر بعد ايليا زغيب   في حزب البعث العراقي، وكان  الرجل معروفاً  في منطقة (منصورية الجبل التابعة الى قضـــاء  جلولاء الواقعة في منطقة الشمال الشرقي من بغداد بالقرب من الحدود الإيرانية   بامتهانه التهريب في المنطقة  بكل انواعه  الى إيران، ولم يعرف عنه نشاط سياسي أو انتماء الى حزب عراقي في منطقته،  غير انه معروف بعداءه الشديد   وغير المبرر للحزب الشيوعي العراقي، وهذا الرجل كان المحرك الفعلي لمجموعة حزب البعث في المنطقة  دون ان يستلم مركزاً قيادياً في التنظيم بل ودون ان يثبت انه ارتبط بالتنظيم الحزبي البعثي  يوما ما، ويمكن أن نطلق عليه صفة الصديق والمساند للحزب غير أن الحقيقة غير ذلك، وكان للرجل دور معروف ومميز في حركة  العقيد عبد الوهاب  الشواف في مدينة الموصل برغم  كونه من  غير ابناء الموصل ومن غير العسكريين ودون أن يرتبط بأية علاقة صداقة بالشواف أو ضباطه من قادة الحركة،  غير انه كان  يعرفهم جميعاً معرفة دقيقة وتفصيلية،  وكان المسؤول عن استلام أجهزة الاذاعة التي سلمتها المخابرات البريطانية صحبة مهندس بريطاني للعمل في بث الأناشيد والبيانات الخاصة بحركة الشواف باعتبارها مرسلة من الجمهورية العربية المتحدة عبر أقليم  سوريا. وكان قد قدم الى الموصل قبل الحركة بشهر واحد حيث أقام في الدار الخاصة بمعاون مدير أمن الموصل في حينه، و بقي في الموصل بعد فشل الحركة بفترة مختفياً في بيوتات عدد من  اهالي الموصل المتعاطفين مع حركة الشواف،  وأشرف على عمليات التصفية الجسدية لعدد من المواطنين في المدينة ثم غادر الموصل باتجاه الحدود السورية بالتعاون وتسهيل من شيوخ العشائر المتعاطفين مع حركة الشواف والمعارضين للحكم الوطني في العراق،  حيث تم استقباله عند الحدود القريبة من مدينة البعاج (احد أقضية الموصل القريبة من الحدود العراقية ـ السورية)  التي سلكها في الهروب الى سورية،  وعند لجوئه في سورية عمد مكتب المخابرات الخارجي الى اعتماد تقاريره واعتباره مصدراً معلوماتيا مهما ووثيقاً،  وكانت تزكيته كافية لقبول لجوء المواطن  العراقي في سورية، وكان على علاقة وطيدة بالسيد فيصل حبيب الخيزران وعلي صالح السعدي وعلى اتصال مستمر لم ينقطع بأحمد حسن البكر وبطاهر يحيى التكريتي بالأضافة الى علاقاته بأكثر  قادة الفرق والوزراء في عهد عبد السلام محمد عارف  بما فيهم رئيس الجمهورية،  وكان يرتبط بعلاقة خاصة بصدام التكريتي  في سورية حين كان لاجئا ثم تطورت العلاقة بينه   وبين طارق عزيز وامتدت الى صدام حين سافر  لاجئا الى  مصر وبقيت هذه العلاقة مستمرة  حتى نهايته المأساوية غير المأسوف عليها وكانت علاقاته الواسعة غير المحدودة تشير الى مكانته  وقدرته على الحركة وجمع المعلومات والربط والتأثير، وبالإضافة الى كل هذا يتميز بشخصية اجتماعية وهو بالإضافة الى ذلك  كريم ومضياف وله  العديد من الصفات الشخصية الايجابية، و ورد اسمه كثيراً خلال محاكمات المتهمين بحركة الشواف في محكمة الشعب (المحكمة العسكرية العليا الخاصة في وزارة الدفاع التي يترأسها العقيد فاضل عباس المهداوي )، ويبدو ان له  دورا بارزاً ومهما في الحركة، وبعد نجاح انقلاب شباط 63 عاد الى العراق حيث منحه احمد حسن البكر رئيس الوزراء  وبموافقة عبد السلام عارف رئيس الجمهورية والمجلس الوطني لقيادة الثورة  والقيادة القطرية لحزب البعث العراقي رتبة ( رائد – رئيس ) في الجيش العراقي دون ان يكون علي عبد السلام قد ادى الخدمة الالزامية المقررة على كل مواطن عراقي، ودون ان يعرف عنه انه يحمل شهادة الدراسة الابتدائية، وقد شوهد في بغداد وهو يرتدي الزي العسكري ويحمل رتبة رائد في الجيش العراقي، وبعد نجاح  حركة عبد السلام عارف في تشرين الثاني 1963 ضد البعثيين واقصاء العديد من الضباط  لم يجر اقصاء  علي عبد السلام من رتبته ولا من مكانته اذ بقي يتمتع بكل الحقوق التي تم منحه اياها، و شوهد وهو يعلق رتبة عقيد فوق كتفيه حينذاك ويراجع رئاسة الجمهورية لاستلام راتبه الشهري،  وبقي يتوسط للبعثيين لدى دوائر الأمن والاستخبارات العسكرية  للتخفيف عنهم اثناء التحقيق واخلاء سبيل من يستطيع ذلك، وتمكن من اعادة العديد من  ضباط الجيش العراقي  من البعثيين الى الخدمة بعد انقلاب تشرين 63. كان يمتلك شقة صغيرة في مدينة البصرة خلف ملهى الوطني الواقع في شارع الوطني  يرتادها حين يزور مدينة البصرة وتبقى فارغة دون شاغل في فترة غيابه، وتم تكليف مدير شرطة البصرة بالمحافظة عليها  بإيعاز من قبل الداخلية والشرطة العامة في بغداد، ولعل الشقة المذكورة كانت  وكرا من أوكار الاجتماعات التجسسية أو المكان الذي يلتقي به القنصل أو المسؤول الأمني في القنصلية البريطانية في مدينة البصرة، وقد كان علي عبد السلام الى جانب احمد حسن البكر وزمرته اليمينية عند حدوث الانشقاق البعثي الشهير في المؤتمر السادس حين تم طرد عفلق والبكر ومجموعته.

كان لعلي عبد السلام دور مهم في محاربة وملاحقة البعثيين من الجناح اليساري التابع لقيادة سورية  المناويء للبكر وصدام، وكان له الدور المهم في السيطرة على المطبعة الحزبية والدلالة على الوكر الذي كان يضم أجهزة الطباعة ومستلزماتها في دار بمنطقة الكسرة في الاعظمية ببغداد، وفي موقف تم رفض وساطة علي عبد السلام في قضية خاصة كلفه بها صدام والبكر لم يتم تنفيذها من قبل مدير الأمن العام السيد انور ثامر ولم يشأ السيد طاهر يحيى أن يتدخل بها مما حدا بالسيد علي عبد السلام الى نزع ملابسه العسكرية ورتبته ووضعها في كيس ارسله الى عبد السلام عارف والتحق بمجموعة صدام التي تخصصت في عمليات التصدي والاغتيال للمناوئين من حزب البعث والأحزاب الأخرى، وبعد نجاح انقلاب 17 تموز 68 كان علي عبد السلام يرتدي بزة عسكرية دون رتبة وكان ضمن مجموعة جهاز حنين وتحت مسؤوليته كل من سعدون شاكر وحسن المطيري، وأرتكب الرجل خلال عمليات مواجهة جرائم في تصفية بعض الشيوعيين من كلا الجناحين (اللجنة المركزية والقيادة المركزية)، وبقي حتى تم اعتقاله بموقف منفرد بأمر من صدام شخصياً وبقي فترة ليست بالقصيرة تعرض خلالها الى تعذيب واهانات حيث حل ضيفاً في قصر النهاية، ومن الطريف أن يقوم كل من سعدون شاكر وحسن المطيري بالأشراف على تعذيبة والتحقيق معه تحت أشراف صدام حسين شخصياً وهم جميعاً رفاقه في منظمة حنين وفي عمليات الاغتيالات والتصفية،  وقد كتب  على ملفه ملاحظــة مهمة تفيد  أن تقرير مصيره مرهون بأمر النائب (صدام  التكريتي)، وبناء على توسط حماد شهاب وكان حينها وزيراً للدفاع  والذي كانت له صله وثيقة وغامضة  بعلي عبد السلام وبناء على الحاح احمد حسن البكر تم اخلاء سبيله بشروط قاسية وتعهد بأن لا يثرثر ولا يتحدث عما يعرفه من أسرار وكذلك يمتنع من أن  يقابل السياسيين ولا يتحدث عن ظروف اعتقاله ومن قام بالتحقيق معه وماذا يراد منه ؟  بعد أن كانت السلطات قد قلعت له جميع أسنانه ومارست التعذيب البشع على جسمه كما تم احضاره ليشاهد بشكل حي  عملية قطع جسد سياسي يساري  بالمنشار الكهربائي،   لغرض بث الخوف والروعة في نفسه، الا  أن علي عبد السلام لم يستطع الالتزام بكل هذا الأمر بعد خروجه من المعتقل  حيث أن أزلام السلطة وعيونها التي انتشرت تراقب وتحصي  أنفاس علي عبد السلام بدقة كانت له بالمرصاد. يشير السيد حازم جواد في مذكراته المنشورة في جريدة الحياة (الحلقة الأخيرة) بصدد علي عبد السلام ما يلي :

علي عبد السلام، من منطقة منصورية الجبل شمال شرقي بعقوبة، وهي منطقة تعج بمعسكرات الجيش، وهو يعمل اما مزارعاً او راعي اغنام ومهرباً، وله علاقات وطيدة مع ضباط الجيش العراقي ويعرف كثيرين منهم. فجأة برز اسمه في حركة عبد الوهاب الشواف، وفي محاكمات المهداوي التي تلت الاعتقالات، وجاء لاجئاً هارباً الى سورية. تعرفت اليه هناك، فهو كان مع الشواف ومن قادة الحركة وساهم في تهريب بعض الاسلحة وايضاً اجهزة الارسال التي زودت الجمهورية المتحدة العقيد الشواف بها، وعندما جاء الى سورية جاء كزعيم سياسي.

جلست معه للتعارف فرأيته اكبر من حجمه بكثير، فمن هو وما هي كفاءته؟ لم نسمع بإسمه من قبل. ابتعدت عنه، وظل هو في سورية ويعتمد عليه "المكتب الثاني" الى ان عاد مع ثورة 14 رمضان، واذا بـ"ابو ربيع" يعرف رئيس اركان الجيش طاهر يحيى واحمد حسن البكر، وطبعاً في هذه الاثناء وبصفته لاجئاً في الجمهورية العربية المتحدة تعرف الى صدام وعلي السعدي وفيصل حبيب الخيزران وجميع البعثيين، وهو اجتماعي ويتنقل من بيت الى بيت، فصار شخصية معروفة. وفي 18 تشرين الثاني 1963 يقال انه كان يرتدي بزة رائد، ومع طاهر يحيى وايضاً مع مجموعة صدام حسين التي واجهت الحرس القومي عندما قرر عبد السلام عارف مواجهتهم.

علي عبد السلام كان مشتركاً متطوعاً. وبعدما استقر الوضع لعارف لم يقبل "ابو ربيع" الذي يرتدي بزة رائد طرده، وطلب منه نزع البزة والرحيل وإلا سجنه. فنقم علي عبد السلام على الرئيس عبد السلام عارف، لكنه ابقى على علاقته بطاهر يحيى الذي عيّنه عبد السلام عارف رئيساً للوزراء، ويبدو ان صدام في تلك الفترة كوّن علاقة معه، وكلّفه نقل بعض المعلومات او غير ذلك. لكن الحادثة التي نحن بصددها نرويها نقلاً عن حاتم حمدان العزاوي الذي كان هو ايضاً أحد اعضاء زمرة تنفيذ اغتيال عبد الكريم قاسم وكان هارباً الى القاهرة. يقول انه مطلع عام 1964 "فاتحني صدام لمرافقته الى البصرة مع علي عبد السلام لأنهما يريدان مقابلة القنصل البريطاني وهو رافقهما وذهب متطوعاً. يبدو ان صدام كان يبغي طلب الحماية او وجود شهود، اذا حدث شيء. لا ادري لماذا لم يحضر العزاوي المقابلة.

بعدها انشق الحزب الى جناح يساري والى الحزب القومي الموالي للقيادة القومية، وهو الاصلي. وقسم من جماعة علي السعدي انشقوا واطلقوا على انفسهم الحزب اليساري وانضم اليهم حاتم حمدان العزاوي، وكتب تقريراً لقيادة الجناح عن تلك الحادثة. اخبر عنها قيادة تنظيم القطر، اي جناح علي السعدي، وعلم اعضاء هذا الجناح بهذه الواقعة، وسُجلت نقطة ضد صدام. عرفت هذه القصة متأخراً في عام 1968 او 1969. سمعتها من هاني الفكيكي ومن حميد خلخال الذي كان ايضاً متعاطفاً مع علي السعدي على رغم انه تركه بعدئذ وعاد الى الحزب القومي، وسمعتها ايضاً من عبد الستار الدوري، وعلمت ان الرسالة التي كتبها حمدان كانت محفوظة عند السيدة زوجة علي السعدي، ولسبب ما ولظروف الارهاب، أتلفت الرسالة مع وثائق التنظيم الاخرى، خوفاً من ان تقع في يدي صدام وجماعته، وهذه الرسالة عقوبتها الاعدام. الذي لم استطع فهمه في كل هذه القصة ان حاتم حمدان عاد الى التعاون مع صدام وعيّنه في فترة رئيس ديوان رئاسة الجمهورية.

< هل يمكن ان يكون صدام اجتمع بالقنصل البريطاني مع علي عبد السلام؟

ـ نعم، ويبدو ان علي عبد السلام هو القائد أو المدبّر. وهنا الغموض. فعلي عبد السلام (ابو ربيع) يعرف الضباط ويشترك في عملية الشواف ويذهب الى الجمهورية المتحدة ويعود. في بعض العمليات تكون الامور متشابكة. طبعاً هو لم يذهب الى الشواف بصفته عميلاً بل بصفته قومياً ضد عبد الكريم قاسم ومع عبد السلام عارف، فماذا تسمي هذا؟ على كلٍ، بعد عام 1968 وفي حملة الارهاب التي بدأت، اعتقل علي عبد السلام، وكان من جملة ضحايا قصر النهاية، ولم يعرف سبب هذا الاعتقال، وقبل عام 1968 كان علي عبد السلام لولب هذه الحركة، وكان يدعو بعض الضباط الى داره، حتى انه في يوم ما كان حماد شهاب قطب المؤامرة وآمر اللواء المدرع العاشر، في دار علي عبد السلام.)). (انتهى الاقتباس)

هذه شهادة بعثية من داخل قيادة التنظيم بعد ذلك فأن علي عبد السلام تم اعتقاله بعد نجاح انقلاب عام 68 وتم تعذيبه دون أن يكون متهما بالانتساب الى حزب معادي أو جهة سياسية، غير ان التحقيق كان يدور حول معلومات كان يمتلكها علي عبد السلام ماكان لها أن تبقى حية ويتم تداولها أو الخوض في النقاش بها، وخلال التحقيق تم اقتلاع جميع أسنان عبد السلام وبقي فترة طويلة، ثم قامت السلطات في زمن البكر باطلاق سراحه، غير انها لمست مدى خطورته في كشف بعض الارتباطات مع الدوائر الأجنبية فعمدت الى اعتقاله مرة أخرى، وحضر الى المعتقل صدام حسين بنفسه حيث اطلق رصاصتين من مسدسه  داخل فمه  ليريحه ويرتاح منه ومن ثرثرته حيث كان شاهداً على واحد من الاتصالات الممتلئة بالأسرار بين المسؤول البريطاني وبين صدام حسين  قبل استلامه السلطة.

كان لعلي عبد السلام علاقات مع قيادات البعث في العراق، كما أن الرجل حظي باحترام وتقدير البعثيين العراقيين  المتواجدين في سوريه بعد لجوئه اليها أثر فشل حركة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل، وقد تم منحه اللجوء السياسي، وسكن في منطقة ابو رمانه بدمشق وهي مكان سكن الأثرياء والنخبة من الموظفين والقياديين السوريين، وكانت شقته محل تجمع العراقيين من البعثيين.

والغريب أن المخابرات السورية كانت بالأضافة الى مراقبتها لشقة وتحركات السيد علي عبد السلام، فانها كانت تشعره بهذه المراقبة بحجة المحافظة على حياته وحمايته، وكان علي عبد السلام يعرف هذه الحقيقة التي طالما أفشاها لزواره.

والغريب أيضاً أن يحل السيد علي عبد السلام ضيفاً على معاون مدير أمن الموصل قبل قيام عبد الوهاب الشواف بحركته وعصيانه على سلطة عبد الكريم قاسم  ويسكن في بيته قبل المباشرة بالحركة، وكان يمثل حلقة الوصل بين الضباط العسكريين من البعثيين والقوميين وبين المدنيين المناوئين لسلطة عبد الكريم قاسم بالإضافة الى علاقاته بشيوخ العشائر في المنطقة مما جعله اللولب في هذه الحركة.

وبالرغم من الكتابات العديدة عن حركة الشواف وأسبابها ونتائجها الا ان قلة من الكتاب من تذكر اسم علي عبد السلام واهميته ودوره فيها.

وبقي سر علي عبد السلام من الأسرار الخفية داخل حزب البعث في العراق لم يلجها أحد ولم يتعرض لدراستها أحد، وقد نجد العذر من أن الدراسات التي قدمت من بعض الباحثين كانت أثناء حكم البعث الصدامي التي لا يمكن المجازفة بالتلميح أو  الاشارة الى علي عبد السلام


المونومانيزم: دكتاتورية الفكرة الواحدة

محمد سهيل احمد

 قد لا يبدو مصطلح المونومانيا (Monomania) مستحدثاً. هو في الواقع من مصطلحات الظل السايكولوجية ورد ذكره في معجم (علم النفس) وهو معجم إنجليزي ـ فرنسي من إعداد د. فاخر عاقل وإصدار دار العلم للملايين بيد ان تعريفه ورد مقتضباً، كما هي العادة في المعاجم والقواميس التي تضيق بألوف المصطلحات: "هو الأحادي المس" أو الشخص المضطرب العقل ذو الفكرة الثابتة وجاء في المورد قاموس الموسوعي الشهير منير بعلبكي: "أنه اعتلال عقلي مقصور على فكرة واحدة" أو "أنه المسّ الأحادي" أو "التركيز المفرط على شيء واحد أو فكرة واحدة".

 

(في كليلة ودمنة)

في باب (الناسك وابن عرس) أراد دبشليم ملك الهند من بيدبا الحكيم ان يروي له مثلاً عن المرء الذي "يعمل بغير روية ولا تثبت" فروى له حكاية خلاصتها: ان امرأة احد النساك أرادت الدخول للحمام للاغتسال فأودعت ابنهما لدى أبيه الناسك ؛ وإذا برسول من الملك يستدعيه إليه فلم يجد من يخلفه عند ابنه غير ابن عرس داجن عنده كان قد رباه صغيراً فتركه الناسك عند ابن عرس وأغلق عليهما الباب وذهب مع الرسول.فخرجت من بعض جحور البيت حية سوداء فدنت من الغلام فضربها ابن عرس ثم وثب عليها فقتلها ثم قطعها وامتلأ فمه من دمها، ثم عاد الناسك وفتح الباب فإلتقاه أبن عرس كالمبشّر له بما صنع من قتل الحية فاختلط الأمر على الناسك وحسب ان ابن عرس قد قتل ابنه فعجل بعكازه وضربه على رأسه فمات لكنه عندما دخل البيت اكتشف الحقيقة فجعل يلطم رأسه ندماً!

 

ثقب الإبرة

المونوماينزم أو النظر من ثقب أبرة او دكتاتورية الفكرة الواحدة... مسميات متعددة لمفهوم واحد : فعل يمسي فيه الخيط بين التفكير والفعل شديد الرهافة بحيث لا يكاد ان يرى. الزمن هنا نسبي رغم استخدام مفردة (لحظة) تجاوزا لعلها من الناحية الكرونولوجية (التوقيت الزمني) (لحظة) او ثانية ولكنها، في حالات، قد تستغرق ساعات أو أياماً يحيا فيها المقدم على فعل ما، لحظة عماء أو شبه عماء. ان المونومانيا أو الناظر من ثقب أبرة هو واحد ن النماذج التالية:

النموذج الأول: انسان غير سوي مصاب بهوس قد يصل إلى حد الاختلال عقلياً فيدخل تبعاً لذلك دائرة المصابين بالأمراض السايكوباتية (الأمراض النفسية ذات المنشأ العضوي).

النموذج الثاني:

انسان سوي تمر به لحظة جنونية يتلاشى فيها الخيط الرفيع الفاصل بين العقل واللاعقل. إذن في ضوء هذا المصطلح- هو انسان سوي لا يتاح له الوقت الكافي لتحليل علائقي متكامل ينتقل به من حيز اللافعل إلى حيز الفعل المناسب وبهذا تتبوأ فكرة وحيدة مكانها في رأسه مزيحة او مغيبة عنه بقية الأفكار لتستحق بالتالي (هذه الفكرة)  لقب دكتاتور.

النموذج الثالث: هو شخص سوي أيضاً غير انه لأسباب انفعالية في الأغلب لا يتقن آلية التحليل العقلي لغرض فرز وتمحيص أهدافه ليصبح وقتها ضحية اخلالات سايكولوجية في اللاوعي.

عموماً... تتحكم بالنماذج الثلاثة فكرة متسيّدة عمودها الفقري هو الطغيان يمكن ان يطلق عليها مصطلح (Mono-Thought Tyranny) طغيان الفكرة الواحدة أو دكتاتورية الفكرة الواحدة.

 

عبر التاريخ

يزخر التاريخ بإحداث صاغها قادة وزعماء وقعوا ضحية لهذه الظاهرة السايكولوجية المنشأ:

"فلنزحف إلى مؤسكو!"

هذا ما ردده نابليون بونابرت وقدماه تغوصان في جليد روسيا اللامتناهي المسافات كما لو ان يداً سرية تدفعه نحو موسكو وما وراءها فلا يغني حذر من قدر!

كيف سولت لنابليون نفسه ان يحتل سهوباً لا متناهية الأبعاد تغطيها الثلوج طيلة العام؟ كيف عميت عيناه عن هذه الحقيقة المرعبة؟! هل كان (الافتخار بالإعمال الحربية) كما صرح لدى وصوله إلى مدينة (أوجيا) هو الفكرة الطاغية التي حجبت عنه جملة من الحقائق الموضوعية كانت ستتيح له استبصار المشهد ما هو عليه؟

وتنصرم مائة وتسع وعشرون سنة ليقع هتلر في الفخ نفسه فيشرع بهجوم كاسح على الاتحاد السوفييتي بالطائرات في الحادي والعشرين من يونيو (حزيران) من عام 1941 ومن ثم تدوي في صبيحة اليوم التالي مدافعه الثقيلة على امتداد مئات من الأميال كانت تؤلف الجبهة الشرقية. هل كان هتلر حقاً صادقاً مع نفسه وهو يرسف بأغلال الجنرال (شتاء) عندما خاطب موسوليني من روسيا "انني اكتب أليك هذه الرسالة في اللحظة التي أنهيت فيها شهوراً طويلة من الدراسات العميقة ومن الانتظار المحطم الى اتخاذ أقسى قرار في حياتي!"

أهو الافتخار بالإعمال الحربية أم أنها النزعة التي تذهب إلى سيادة العنصر الجرماني (الهندو- أوربي) على سواه من السلالات والشعوب، قد جنحت بذهنه إلى تخوم اللامنطق؟!

 

(الجانب المضيء في المونوماينزم)

للمونوماينزم صفحاتها المضيئة تتجلى إبان اتخاذ المعتقدات أو المواقف ذات الطابع المصيري. هنا يلاحظ ان الفترة الزمنية التي يستبد بها رأي أو تطغى فكرة تكون طويلة زمناً عادة فلولا إصرار عبد الرحمن الداخل على الانتقام لنفسه وعلى تأسيس دولة بديل لدولة الأموية لما كانت الأندلس ولو إيمان الجزائريين بهويتهم الوطنية لما جاء الاستقلال ولولا إصرار شامبليون على فك أسرار الكتابة الهيروغليفية، لما تعمقت معرفتنا بالحضارة المصرية القديمة.

من المعلوم ان حقول علم النفس أسهمت إلى حد كبير في استبصار الكائن البشري لدواخله النفسية بالقدر الذي نتج عنه توافر نموذج الإنسان المتزن الذي يتقن اتخاذ القرارات فلا شطط ولا جنوح يقودان إلى كوارث فردية أو جماعية. ورب ضارة نافعة!.

 

(أمنيات)

شانها شان أي جهد مماثل فأن (المونوماينزم) - لكي تضحي جزء  يتجزأ من تكوين الشخصية الناضجة- تتطلب قدراً كبيراً من المران والتطويع لا يتأتيان للفرد في غضون فترات قصيرة.هذان المنجزان هما ثمرة تضافر جهود تربوية تعتمد، من بين ما تعتمد،علم النفس كواحد من الآليات التي تفرز أجيالاً لا تشكو من اعتلالات نفسية مدمرة تميل بها الأهواء يميناً وشمالاً.

ليت هذه المؤسسات تتبنى وسائل ميدانية استنتاجية لا استقرائية تبدأ بالحكاية والامثولة والنادرة والحادثة التاريخية ومن ثم تقوم بتدريب النشء على تحليلها على أسس منهجية علمية واستخلاص الدروس والعظات ومن ثم التهيؤ لمجابهة مواقف مماثلة.

انها في المقام الأول دعوة مفتوحة لصانعي القرار في عالمنا الملتهب والى من يضعون أصابعهم على الأزرار الحمراء ان لا ينسوا هتلر ونابليون ونوبل (صاحب جائزة الندم) وهيروشيما وصدام وشرنوبل وخليج الخنازير ومستنقع فيتنام والقائمة تطول.

هي دعوة إلى المؤسسات التربوية باعتماد فرملة المونومانيزم او بالاحرى (فرملة كبح المونومانيزم) ضمن البرامج المعدة للطفل كي ينشأ شخصية راجحة عقلاً وصائبة قراراً واختيارات.

من ما لم يقع ضحية قناع المونومانيزم المضلل؟!

انها دعوة مفتوحة لكل انسان عادي منا ان يتأنى عندما يواجه بموقف عصيب ولو لبضع لحظات قبل ان يتخذ قراره اما إذا وجد في الوقت فسحة فليس أفضل لصفاء الذهن من لحظات استرخاء يعقبها إذا رغب فنجان من القهوة!

أما إذا كان من عشاق القراءة فحبذا لو اطل،من حين لأخر،على حكاية الناسك وابن عرس!

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة