المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

في مهرجان القاهرة الدولي.. مسرحية (اعتذر استاذي) رسمت خريطة جديدة للمسرح العراقي تجاهلتنا وزارة الثقافة ولم تكلف نفسها الاحتفاء بنا!

بعد فوز مسرحية (اعتذر استاذي لم اكن اقصد ذلك) بجائزة افضل عرض مسرحي جماعي، في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ولما لهذا الفوز من اهمية في هذا الظرف الصعب الذي يمر فيه بلدنا، ومراهنة البعض على نضوب الموهبة الابداعية المتميزة، للفنان العراقي، ارتات المدى الثقافي تكريس هذه الصفحة لاستضافة كادر العمل الذي يعمل تحت يافطة (ورشة فضاء التمرين المستمر) التي يشرف عليها الفنان در هيثم عبد الرزاق، بدءاً بالمؤلفة السيدة عواطف نعيم ومروراً بالممثلين وانتهاء بمخرج العرض د/هيثم عبد الرزاق.

فضلاً عن استضافة الفنان محسن العزاوي الذي تم تكريمه في هذا المهرجان، تقديراً لجهودة التي استمرت اكثرم من ثلاثين عاماً، تمثلت في اخراج ستين عملاً مسرحياً منها، نشيد الارض، وباب الفتوح، وروميو وجوليت، ومواسم الجفاف، وسواها من الاعمال المسرحية المتميزة التي شكلت حضوراً واضحاً في مسيرة المسرح العراقي.

 

اكد الحضور على ان الفوز بمثل هذه الجائزة، هو فوز للمسرح العراقي بشكل عام، ولهذه المسرحية بشكل خاص، لما تشكله هذه المسرحية من امتداد مع تجارب الكبار في الاتيان بكل ماهو مغاير ومبتكر، خلال عمر المسرح العراقي.

وتعد هذه الندوة تقليداً سارت على نهجه المدى الثقافي في الاحتفاء باي نشاط ثقافي وفني، يدل على اهمية الفن والثقافة العراقيين، في المحافل العربية والدولية، خدمة للعايات التي تؤمن بها الجريدة.

 

في البدء تحدث د/هيثم عبد الرزاق مخرج مسرحية (اعتذر استاذي لم اكن اقصد ذلك!) عن اهمية هذا الفوز قائلاً: ان هذا الفوز جاء متطابقاً مع مسيرة المسرح العراقي، الذي عرف بجديته والتزامه، وتاريخه الحافل بالعطاء، لذلك كان الفوز بجائزة افضل عرض مسرحي جماعي، متناغماً مع ماقدمناه، ومع التاريخ المشرق للمسرح العراقي.

ولااخفيك بانه يجعلنا امام مسؤولية كبيرة، ليست لي انا لوحدي، وانما لفريق عمل متكامل، يتمثل بورشة (فضاء التمرين المستمر)، وهنالك عمل اخر نعدله، من تاليف د/عواطف نعيم، يتحدث عن عائلة عراقية ومعاناتها في الظروف الصعبة.

 حضور ودلالات

اما الفنانه عواطف نعيم فقد تحدتث عن اهمية هذا الفوز قائلة: جاء هذا العمل مفاجئاً للجميع، لاعتقادهم ان الخراب يسود العراق بشكل عام، والمسرح بشكل خاص، الا انه كان عملاً متميزاً، بل خطاباً فكرياً وجمالياً، ولم يكن يعتمد التصريح المباشر عن مايجري في البلد، وانما اعتمد على لغة التعبير المسرحي الراقية، التي تقول مايعلي من شان الفن، ويدل على اهمية الخطاب المسرحي العراقي في هذا الظرف، وبما ان المهرجان كان تظاهرة فنية عالمية، فان حضورنا فيه كانت له دلالات كثيرة، برهنا من خلالها على استمرارية العطاء، وعدم نضوب المواهب، الفنية الكبيرة، مما اثار الجميع وجعلهم في دهشة واستغراب، لقد تناولنا في هذا العمل، الحرب وويلاتها بلغة جمالية وفكرية، ولم نضطر الى التحدث عن جروحنا بلغة فجة، وانما من خلال اعتمادنا على اداء الممثل الرفيع ولغة الجسد من خلال الايماء، للتعبير عن كل مانحس به، لذلك توجهت الانظار الينا، واستطعنا ان نقول لهم من خلال كل هذا، اننا موجودون ولم نستسلم للظروف، وماشهدتموه برهاننا على ذلك.

بعيداً عن الانحياز

وتحدث الفنان محسن العزاوي عن فريق العمل واهميته قائلاً: هذا الفريق بدا لي من خلال التجربة، بانه فريق مستقل ومتماسك وياخذ بزمام المبادرات وقادر على ان يكون نموذجاً للاخرين، ينطلقون من خلاله، او من خلال توجهاته الى تشكيل فرق اخرى بذات المواصفات واقول كلامي هذا، وانا لست منحازاً وانما بصفتي مخرجاً مسرحياً وباعتقادي بانه يكون النواة الاولى لدى المجتهدين في المسرح، لتشكيل رؤاهم وخطابهم المسرحي القادم واستطيع ان اشبه هذا الفريق بشجرة الزيتون التي تتعب في البداية لكنها تثمر ثمراً وفيراً في النهاية وثمار هذا الفريق هو تقديم العراق بصورة غير تقليدية في مهرجان كبير، كمهرجان القاهرة الدولي، واستطاعته ان يسحب الحضور اليه، ويحظى باعجابه.

وستانسلافسكي شكل فريقاً من هذا الطراز، واميرخولد شكل فريقا من هذا الطراز، وفاختنكوف شكل فريقاً من هذا الطراز، واثمرت هذه الطرز اشاعة مناهج جديدة في المسرح، لذلك املي كبير في ان هذا الفريق يشكل العصب الرئيس للمسرح العراقي، واتمنى ان تكون في جانب هذا الفريق فرق بهذا المستوى، للتنافس بنفس السلوك والمحبة والخلق، من اجل مسرح عرافي نريده جميعنا.

رؤية مسرحية حقيقية

الفنانة المتالقة اقبال نعيم التي نجحت في اداء الكثير من الادوار المسرحية، واخرها دورها في مسرحية (اعتذر استاذي لم اكن اقصد ذلك) تحدتث هي الاخرى عن وجهة نظرها بالمهرجان والفوز اذ قالت: في هذا المهرجان بدورته السادسة عشرة كان هنالك تاسيس كبير لتجارب مسرحية عالمية، فخلال السنوات العشر الماضية ابتعد العراق عن المهرجان، بسبب الظروف المعروفة، وفي السنوات الاخيرة حاولنا المشاركة في هذا المهرجان، وكان العائق هو بقاء اعمالنا في الهامش وعدم ادخالها في صلب المنافسة، ولكن في هذا العام كان اصرارنا كبيرا على دخول المنافسة، وبالفعل تنافسنا مع ست وستين فرقة مسرحية اوربية وعربية، اختارت منها لجنة المشاركة، اربعاً وعشرين فرقة، كان العراق من ضمنها، والبقية ظلت على الهامش، ولم يكن امامنا غير منافسة هذه الفرق التي تمتلك ارثاً ثقافياً وفنياً، ولها باع طويل في المسرح، فعندما قدمت عملنا كنا ننطلق من رؤية مسرحية حقيقية غير معتمدين على المباشرة في الطرح، واللجوء الى الجمل والعبارات الرنانة التي من شانها ان تستدرج الجمهور، وانما من خلال الية اشتغال جديدة، منبعها الرؤية المسرحية القائمة على الجمالية اولا والابتكار ثانيا في استدراج الجمهور ولجان التحكيم الينا، ويكفي ان عشرة من اعضاء اللجنة لم يكونوا عرباً ولايتكلمون العربية، وانما فهموا ماقلناه من خلال الايماء والتعبير الصحيح، وكان هذا عبئاً كبيراً علينا لايصال مانريده الى المتلقي الذي هو الجمهور بان عروضنا المسرحية العراقية مازالت حية، وتقدم نفسها بصفتها مختبراً للابتكار والتجديد، مما حدا باحد اعضاء لجنة التحكيم ان يقول: بان عملكم هذا قدم لنا نظرية جديدة في الاشتغال المسرحي من خلال الممثل والديكور والاخراج.

لذلك كان فوزنا بمثابة نقطة تحول في اختراق المالوف، ولو فسح المجال امام الفنان العراقي للمشاركة في المهرجانات الخارجية لكان بامكانه تقديم ماهو جديد وحداثي ويخدم الفن العراقي.

مسرحنا بين المحلية والعالمية

وعقب د/هيثم عبد الرزاق على مداخلة الفنانة اقبال نعيم قائلاً: كلما تعمقنا في تجاربنا المحلية، يكون بامكاننا الوصول الى العالمية واذكر تجربة للفنان عزيز خيون في مهرجان القاهرة الدولي ايضا من خلال مسرحية (لو) التي اثبتت حضورها بسبب محليتها، وكذلك الاستاذ الراحل ابراهيم جلال من خلال مسرحية (البيك والسائق) التي شارك فيها في القاهرة، برغم انها معدة عن بريخت الا انها اثبتت نجاحها من خلال التركيز على محليتها، اذن يراد منا ان نعمق تجربتنا المحلية للوصول الى العالمية التي تريد.

طموح حقيقي واصرار على النجاح

وتناول الفنان سنان العزاوي اهمية المشاركة في مثل هذا المهرجان فقال: طموح كل ممثل ان يشارك في مهرجان القاهرة الدولي، ولكن هنالك قضية في عرض (اعتذر استاذي...) وهي ايمان كل من المؤلف والمخرج والممثل باهمية هذا العمل وبتوجهاته الفكرية فهناك النص والمخرج (مؤسس بنية العرض) والممثل الذي يشتغل على اليات عرض حديثة، والتواصل بين هؤلاء الثلاثة، وبسبب الايمان المسبق بقيمة واهمية العرض لنا نحس باننا نقدم عملاً متميزاً وناجحاً في هذا المهرجان، واضاف: اعزو نجاح هذا العمل الى تضافر جهود الثلاثة في الاصرار على النجاح.

والانتماء الحقيقي لهذا البلد هو الذي يقود الى النجاح حتماً.

عراقيون في لائحة التكريم

ثم توجهنا بالسؤال الى د/عواطف نعيم عن المغزى الذي يمثله لها تكريم الفنان محسن العزاوي في مهرجان القاهرة الدولي، فقالت: سررت جداً عندما ابلغتني ادارة المهرجان، بطلب هاتف الاستاذ محسن العزاوي لتكريمه في هذا المهرجان لانه مهرجان ينطوي على اهمية كبيرة، وكان اول المكرمين هو الفنان الراحل ابراهيم جلال في الدورة الثانية للمهرجان، ثم الفنان يوسف العاني وسامي عبد الحميد، واعتبرت هذا التكريم هو تكريم لنا جميعاً والتفاتة الى فننا الذي تقدمه عبر سنوات طوال من عمر المسرح والفنان العزاوي عرفته جاداً ودؤوباً منذ ان عملت معه في مسرحية (البيك والسائق) والى يومنا هذا، واعده مجتهداً ومجدداً في كل اعماله، والتكريم هذا هو تكريم لنا جميعاً.

فيما عبر الفنان محسن العزاوي عن استيائة مما لقيه في الداخل بعد فوزه: شعرت بسعادة حقيقية عندما كرمت في هذا المهرجان المسرحي المهم، ولكن عندما عدت الى البلد لم يكلف احد ما، نفسه بالاتصال بي تلفونياً لتهنئتي، بل وصلتني (تشكيكات) في اهمية التكريم والمهرجان معاً، مثلما حصل للمكرمين قبلي، وهذه حالة مرضية لدى الكثير من فنانينا، عندما ينتقصون من قيمة مايحصل عليه فنان اخر، حتى وزارة الثقافة لم تكلف نفسها باستدعاء فريق العمل لهذه المسرحية او استدعائي، مثلما يحصل مع فرق كرة القدم عندما تفوز، ونحن ايضاً فزنا، وتحملت الفرقة مشقة العودة بعد انتهاء مهرجان القاهرة للمشاركة في مهرجان اخر في عمان وسجلت حضورها وتميزها وفازت ايضاً بجائزة، الا يستحق كل هذا ان تشيد بنا المؤسسات الرسمية ويحتفى بانجازنا الذي بعد انجازاً عراقياً؟

أهمال وتهميش

واضاف د/هيثم عبد الرزاق عن موضوع الاهمال الذي جوبه به فريق العمل في الداخل قائلاً: في الوقت الذي كنا فيه نعرض عملنا ونحرض على بلدنا، وندافع عنه، هنالك مجموعة في الداخل تهمش عملنا وتشكك في حصولنا على الجائزة هذه.

نحن لم نحصل على هذه الجائزة، ولم نستطع تكمله رحلة الذهاب والاياب من بغداد الى القاهرة وبالعكس ولولا شعورنا بالانتماء الحقيقي لهذا البلد وعزمنا على تحقيق نتيجة تشرف الجميع.

وتحدث ايضاً سنان العزاوي بمرارة عن هذا الموضوع:

تحدينا مجموعة من الصعاب للذهاب الى القاهرة، ولم نكن نمتلك ثمن بطاقات السفر، لولا تدخل د/شفيق المهدي لدى الوزارة، وحصولنا على هذا الثمن، وكانت رحلتنا طويلة جداً استمرت اكثر من ثلاث وثلاثين ساعة مستمرة، ومع هذا حصلنا على الجائزة، وما ان يراك احد الزملاء حتى ينتقص من قيمة الجائزة ويواجهك بالاهمال، على ان مسرحيتنا حصلت على خمس جوائز اولاً: جائزة افضل عرض مابين هولندا والعراق ولبنان، وثانياً: افضل ممثلة وحصلت عليها اقبال نعيم، وثالثاً: افضل ممثل وحصل عليه ميمون الخالدي، ورابعاً: افضل اخراج د/هيثم عبد الرزاق، وخامساً: جائزة افضل عرض مسرحي متكامل.

وعن اهم المميزات التي ميزت مسرحية (اعتذر استاذي) لكي تحوز على الجائزة، قال الفنان محسن العزاوي: جاء فريق عمل المسرحية بعمل متأصل، ينتمي الى المحلية العراقية، بلغة شعبية كانت اقرب الى اللغة التي كان ينادي بها توفيق الحكيم. اما الاخراج فكان يتميز بتجديد الرؤية الاخراجية من خلال اعطائه الفكرة وتجريده لكل العلامات الموجودة في المسرح، وعندما قدم المخرج عمله بهذا الشكل اقترب الى حد ما، من مسرح غروتوفسكي المعروف بالمسرح الفقير، وامتزج بالانفعالات التي يتطلبها منهج ستانسلافسكي.. كل هذا الذي ذكرته منح المسرحية بعدها وجعل لجنة التحكيم تعجب بها.

واثيرت في الندوة قضية التواصل مع الاجيال، دون ان يصيب مفاصلها الوهن، وقد تحدثت د/عواطف نعيم عن هذا التواصل: ان المسرح لدى الفنان العراقي، قضية، جعلت الاخلاص للمسرح ديدن الفنانين الذين تواصلوا مع عملية الابداع، تاركين كل المغريات، ملتصقين بالهم المسرحي الحقيقي.

وللشباب كلمتهم

اما الفنانون الشباب الذين كانوا ضمن فريق العمل، فقد كان لهم رايهم ايضاً، الفنانة فرح طه، عبرت عن سرورها وسعادتها للمشاركة في هذا العمل المتميز الذي استحوذ على اهتمام الجميع في القاهرة، واكدت اصرارها على المواصلة نحو الافضل وتقديم عمل متميز اخر مستقبلاً.

اما الفنان ازل يحيى فقال: كان حلمي الوصول الى مثل هذا المهرجان وكان ذلك بفضل د/هيثم عبد الرزاق واقبال وعواطف، الذين احتضنونا واغرقونا بالرعاية واحمد الله على هذا النجاح.

فيما قال الفنان الشباب مخلد راسم: حاولنا بقدر المستطاع ان نحقق هذه الجائزة من خلال مستويات عديدة منها اطلاق اشواط المخيلة والانسلاخ عما هو تقليدي والثورة على القوانين التي تكبل الفنان، وكان ذلك بفضل كادر العمل، حاولنا رسم خريطة الابداع في المهرجان وقد تم لنا ذلك.

وكان اخر المتحدثين الشباب الفنان حسين خيون: كانت محطة القاهرة محطة مهمة بالنسبة لنا، باعتبارها مهرجاناً عالمياً تعرفنا فيه على تجارب الاخرين، وكان الفوز هو باقة ورد وضعت على راس كل من ساهم في هذا العرض.

وتوجه د/هيثم عبد الرزاق بالنيابة عن فريق العمل بالشكر والامتنان والتقدير الى السيد كامل شياع و د/شفيق المهدي وجمعية التشكليين العراقيين لجهودهم في تذليل الصعاب للوصول الى القاهرة وفي الختام قدم شكره وامتنانه لجريدة المدى لاحتضانها هذا الفوز الذي هو بمثابة فوز للمسرح العراقي.

 


قراءة في كتاب: نادرشاه

محمد سعدون السباهي

قام مؤخراً الروائي الكردي المعروف خسرو الجاف بترجمة كتاب (نادرشاه) عن اللغة الفارسية، وطبعه على نفقته الخاصة.. الكتاب رسالة دكتوراه للمؤرخ الإنكليزي (ريكهات) حصل عليها في جامعة أكسفورد البريطانية.

تأتي أهمية الكتاب من أنه يعرض، على نحو موسع وشامل، حياة وفتوحات هذا القائد الإيراني الذي خرج من صفوف الشعب ليصبح (شاهاً) على إيران وبلدان أخرى، عبر سلسلة طويلة من الغزوات والفتوحات العسكرية، دوخت المنطقة لأكثر من أربعة وعشرين عاماً متصلة، امتدت من عام 1722م وحتى عام 1747 عام مصرعة على يد قائد حرسه الشخصي المدعو محمد قلي خان، الذي لم يكتف بذبح (نادر شاه) بل أعدم أفراد أسرته كافة، بما فيها زوجاته، وبهذا أسدل الستار على حياة واحد من أكبر قادة إيران العسكريين في العصر الحديث.

في عام 1724 انخرط نادر جندياً في صفوف جيش (طهماسب ميرزا) الذي كان يحكم إيران، أو بالأصح ما تبقى من إيران، حيث معظم مدنها محتلة من قبل الأفغان والأتراك والروس، وبزمن قياسي ذاع صيته كمحارب شرس وقوي وعنيد، مما جعله ثاني قائد لطهماسب، إلى جانب قائده (فتح علي خان) الذي تخلص منه نادر ليصبح القائد الأعلى لجيوش طهماسب، وقد تكلل على يديه تحرير إيران من المحتل الأفغاني بقيادة (أشرف)، ومن ثم قام بغزو بلاد الأفغان نفسها واحتلال عاصمتها (قندهار) ثم قام بإخماد سلسلة من الفتن الداخلية، التي كانت تنشب هنا وهناك في إيران المترامية الأطراف، المكتظة بالعشائر ذات القوميات والولاءات المتناحرة، خصوصاً عشيرة (شاداو) الكردية، (والأبدال) الأفغانية، و(الفلجائيين) التركمانية، حيث مزق الجيوش العثمانية عبر سلسلة من الهزائم المنكرة التي لحقت بالأتراك على يديه وبذلك انفتحت الطرق سالكة أمامه، فتوجه نحو بغداد، عن طريق كركوك، فدحر جيوش العثمانيين الواحدة تلو الآخرى، وبلغ مدينة (المقدادية) وواصل زحفه نحو بغداد، فعبر دجلة عند منطقة تقع إلى الشمال من سامراء، ولم تمض سوى عشرة أيام منذ دخوله إلى الأراضي العراقية، حتى خندق مقابل مدينة الكاظمية، وبعد ثلاثة أيام من دحر آخر فلول العثمانيين بقيادة (أحمد باشا) وتراجع بقايا العثمانيين لتتوارى في هلع شديد خلف أسوار بغداد، ضرب عليها الحصار فهلك أكثر من ثلث سكانها من جراء الجوع والرعب والأوبئة في تلك الأيام جاء إلى نادر شاه شيخ عشيرة (بني لام) القريبة من مدينة البصرة المدعو (عبد العلي) وقدم له الولاء، وتعهد باحتلال البصرة نيابة عنه، وذلك عن طريق محاصرتها أولاً، اهتم به نادر شاه وأكرمه، غير إن أفراد عشيرة بني لام سرعان ما تفرقوا عن شيخهم الخائن رافضين أن يحاربوا أبناء وطنهم بالنيابة عن الإيراني الغازي، وبذلك ضربوا مثلاً رائعاً في الولاء للوطن وليس لأعدائه، أما الخائن (عبد العلي) ففر إلى جهة مجهولة، ومات مكفناً بعاره..

ولولا ثقة (نادر شاه) المفرطة بنفسه، واستهانته بالأتراك، لتمكن من دخول بغداد فاتحاً من دون قتال، غير إن تباطؤه جعل (الباب العالي) يحشد جيشاً قوامه ثمانون ألف مقاتل، ويرسله تحت قيادة: (توبال باشا) لا ليفك الحصار عن بغداد حسب، بل ويطرد نادر شاه والمتبقي من جيشه الممزق داخل الأراضي الإيرانية عن طريق مندلي، غير إن نادر شاه أظهر حزماً لا يلين، ومقدرة عسكرية فذة، إذ سرعان ما أعاد تجميع جيش عظيم آخر، وفي مدة قياسية لا تتجاوز الثمانين يوماً، والعودة إلى العراق من جديد، ليثأر لهزيمته، وقد تحقق له ذلك، إذ قام بإبادة الجيش التركي، وقتل قائده توبال باشا، وقطع رأسه وأرسله إلى بغداد ليكون بمثابة رسالة واضحة إلى أهلها، وبقية جنودها، فدب في صفوف الجميع الذعر، فبادر أحمد شاه لاستقباله شخصياً، وأبرم معه معاهدة صلح، ورافقه لزيارة مراقد أئمة الشيعة في الكاظمية والنجف وكربلاء، وقدم له الكثير من الهبات والعطايا، فأبقاه والياً على بغداد..

أصبح نادر شاه الحاكم الفعلي لإيران، وأمسى طهماسب ظلاً باهتاً له، ثم تخلص منه واعتلى عرش إيران رسمياً، وسك النقود باسمه وأخذ خطباء الجوامع يذكرون اسمه كقائد من على المنابر.

ثم قام بغزو الهند واحتلالها، وعاد منها وقد حمل أكثر من مئتي فيل بالكنوز النفيسة التي استولى عليها من خزائن مدينة (دلهي) الثرية. وكأي رجل غمس حياته منذ بواكير شبابه بالدماء، كان انتقامه رهيباً من خصومه، ومن قادته الذين لا يثبتون في المعارك، على حد سواء، فقد أمر بسمل عيني ولده البكر (رضا قلي ميرزا) الذي كان قد خول له مهمة قيادة قسم مهم من جيشه، وذلك على أثر محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها، إذ أفاد الفاعل، بعد تعقبه وإلقاء القبض عليه، إنه كان مدفوعاً من قبل ولده (رضا قلي) وحين تبين له، فيما بعد، عكس ذلك، وإن إخلاص ولده كان سليماً، جمع مستشاريه كافة وأمر بسمل عيونهم، بدعوى إن أياً منهم لم يطلب منه الرأفة بولده، والاستعاضة عن سمل عينيه بسجنه أو نفيه.

في السنتين الأخيرتين من حكمه 1746 - 1747 كان قد دب الوهن، جسمياً وعقلياً في نادر شاه، وهو أمر طبيعي لرجل أمضى أكثر من ربع قرن يقود جيشاً عرمرماً، في الصيف وفي الشتاء، وفي كل الفصول، لا يستقر به الحال، إذ لم تذكر كتب المؤرخين الذين كتبوا عنه، إنه استقر في مكان واحد شهرين متتاليين، كان دائم الترحال، في السهول وفي الجبال، وفي الوديان متعقباً أعداءه من إيرانيين في الداخل، وأتراك في الشمال، وأفغان في الشرق، وعرب في أقصى الجنوب، إذ وصلت سفنه الحربية إلى (عُمان) التي تبدو من خلال متن الكتاب الوحيدة التي كانت تتمتع بحضور سياسي وعسكري واضح، حيث انتهى الأمر بأسطوله البحري الصغير الذي يمثل نقطة ضعف نادر شاه العسكرية إلى الاندحار أمام العمانيين الذين أثبتوا مهارتهم وتمرسهم كمحاربين بحريين.. كل ذلك العمل الهائل المتواصل انتهى باستنزاف طاقة نادر شاه البدنية والعقلية، خصوصاً إذا ما أضفنا إليها ولعه الشديد باقتناء العشرات من جميلات النساء، وما يترتب عليه مثل هذا الولع من استنزاف هائل للطاقة البدنية والفكرية..

الكتاب يقع في مائتين وسبعين صفحة، وإن قراءته أمر ممتع وشيق ومؤثر معاً.


عصافير تايكي الزرقاء

ناجح المعموري

في فجر ما زالت صورته ذاكرة، هبط الغريب الحالم بعودة إلى دفئه، الذي هو أنا، وسط عمّان فجر 14/ 7/ 1999. ولحظة نزولي من السيارة، كان رحم عمّان يضيق على الناس فيه، وهي تدبّ فاتحة يوماً جديداً من حياتها، وذاكرتي مكتفية بالمراقبة للشامخات من المدرج الروماني، فإذا بالآلهة تايكي تفتح نوافذها، وتومئ للغريب المكتفي بأوراقه لحظة دخوله في الفجر الجديد، تومئ لي بعصافيرها التي حلمت بها ذاكرة الرجل الذي غادر أولاده واحفاده في سرديات رائحة الصيف. عصافير قطرّت عليّ ما ء فراتاً، أمسكني برائحة الشعر والأنوثة، وتايكي مكتفية بمراقبة الآتي حارسة أحلامها الساكنة في أعماق الفرات، الحامل لرقيمات الآلهة عشتار، تعويذات له، تحميه بطاقتها السحرية، ويتوسل بها ومن خلالها الآلهة تايكي.

انه فجر الأنوثة، ومروّيات الحنين للاسطورة وللابراج المطلة على القلاع والحصون، تايكي حاملة ألواحها المدوّنة للحظة وجود الغريب العاشق والمجنون من أجل ان ينقل رقيمات أنانا/عشتار إلى تايكي، رقيمات الجنس المقدس والزواج الآلهي، كي يطلع عليها العشاق. أنها لحظة لا يعرفها إلا الغريب المهاجر، الذي هو أنا/ الحامل معي أحلام أوروك وملكها المأخوذ بأ؛لام الخلود مثل الآلهة.

أنا غريب وصديق، تكفيني رفة عصافيرها وهي تومئ لي أن اخلع نعلي في وسط مقدس، ما زالت فيه وعليه بقايا غرباء وأنا واحد منهم.

تايكي الحالمة، والحارسة لمخزون ذاكرتي النازحة نحو ألفة مكان هو الحلم واليقظة تايكي متآخية مع أنانا/عشتار ومتحدة بعناصرها وإياها كانت مترقبة لي لحظة نزولي ومعاينة أحلامي البيض مرفرفة كالزعتر، وهي تحط عند المدرجات الرومانية تايكي حارسة عمون واحلامي، والمرتلة لأساطير مجنون هو أنا، لأنه ترك أولاداً وأحفاداً، وكان قبل ذلك الفجر صعباً قياده. فالظلم منفى لكن تايكي أومأت له وقادته نحو أبراجها ومباخر طقوسهاً ونيران شعائرها لحظة الدفء، معلناً رضاه لحراستها له.

كنت متوجاً بفجر عمان وبياض زحام المدرجات وايقاع الكروان المردد لحظة كنعان في الازل وحتى حاضرة عمان اليقظة، الصباحية، مراقبة عشاقها وأنا منهم يتراشقون في احلامنا بماء سبيل الحوريات. يقظة عمّان من الازل وحتى الأبد. أما آن لك ان تنامي وتحلمي بالغريب الذي هو أنا. توجتني عمان ببياض فجرها وشعرها الازرق، مهللة لمائي العذب، الفرات، وهو يحمل روائح الحرمل والقرنفل، مثل الشعر السومري/ والاكدي. اقرأ معها تقاويم المهاجرين عند محطاتها، مودعة لهم، مرحبة بعودتهم إليها.

تشاركها عناة بسراج ضوئها الملاحق للإله بعل أغنية الباعة في سوق الخضار وسط البلد، ترقص عناة وهي تقرأ رقيمات عشتار في طقس كنعان السحري، كي تدخل محيط الزواج المقدس. غاب الآلهة الشباب وراء عناة، وظل الحاضر الوحيد، هو الغريب الذي هو انا ملطخا بحب عشتار وصوت الرعاة الملاحقين لها بالنيات ونشيج الحب.

نامت احلامي فوق رخام عمان واعمدتها الذكورية، واغتسلت بهواء الانوثة المفتوحة للريح والثلج والمطر.

واستيقظت قصائدي السردية والاسطورية فوق جبل الحسين لحظة غربتي الاولى. وسكن حنيني مع لذائذ مساءات الجوقة التي غادرتها وحيدا، مثقلاً بالحزن ومكائد الأصدقاء. وفي الهاشمي الشمالي اشتعال الروح محتفية بالثلج المتساقط في نهاية آذار والسعيدة بالشعر البصري، الممسك بها غناء واستفادة من تواريخ الظلم والقهر في الشعر والذاكرة، مجدك مائل يا آذار وراكز للابد يا بعل، وانت تسوق غيوم الشعر فوق احتفالنا السري، وتنثره علينا ثلجاً وحلماً بالآتي الينا كالاسطورة، أو النداهة.

وفي "نزال" شعائر الخصب لطلع النخل الأبيض ململماً ببياض الضوء والتماع الصخور، وبسمة كالحنين، ورفقة كالاسطورة، وجميلة في بلاغة السرد.. اماكن هي ذاكرتي، وبعضاً من مدونات أيامي هنا[ك].

في عمان، تردد إمبراطورية أصدقائي ايقاعي فتلتقطه همسات الذي أحيا أحلام مدينتي البابلية باحلامه المتوجة بالرسائل ولحظات التبادل من أجل فض بكورة الغياب وسط البلد، في زمن يكون الوميض كاشفاً بياض الحب مع خجل السعف وهو يهمي عليّ وفرة البرتقال وفائض لونه السكري/ الشخصي. ظل شوقي إلى تايكي نابضاً بالخبل، مثل طيور البرق وهي ترف غيماً فوق الكروم واشجار التين، فتلحقها الانبعاث المبكر ويزودني حنيني إليها بمناعة ضد العزلة والخوف. شوقي إليها مشتعل إلى الأبد. متجدد في الغياب والحضور، لانها تدرك بان "الشوق الذي يسكن باللقاء لا يعول عليه" أيتها الآلهة المرتفعة فوق ابراج الصيانة ويا قديسة الآن، أريد قطرة ماء تُساقط عليّ من خبطة عصافيرك، لانها تكفيني.


 

مهدي عيسى الصقر في (امرأة الغائب)

تناولت رواية الكاتب العراقي مهدي عيسى الصقر الأخيرة "امرأة الغائب" جانبا من حروب العراق من خلال قصة فراق وحب وانتظار صيغت بشكل يمزج بين الطابع الملحمي وأجواء ألف ليلة وليلة.

 تتركز الرواية، الصادرة عن دار المدى حول شاب عراقي "مهندس"  جعلته الحرب يعمل في إصلاح الأجهزة التلفزيونية والراديوات وغيرها مع أن انقطاع الكهرباء  باستمرار جعل هذا العمل أقل شأنا من قبل.

يقول البطل "وجدي، هو الاسم الذي ستعرفونني به في هذه الرواية، هذا ليس اسمي المدون في  شهادة الميلاد، هو اسم اختاره لي المؤلف كيفما اتفق مثلما اختار أسماء عدد من شخوص الرواية من أجل التمويه تحاشيا للمشاكل".

علق قلب وجدي بامرأة "رجاء" فقدت زوجها في الحرب مع إيران وبقيت طوال ثلاث عشرة سنة تنتظر عودته -هي ووالدته- وربت ابنها على ألا يشك في عودة أبيه ومنعت نفسها من مجرد التفكير في أي رجل.

تصور الرواية انتظار "رجاء" عودة زوجها على رغم اعتقاد الجميع أنه قتل في الحرب. وعلى خلفية ذلك تنبثق قصتان كأنهما نسج جديد لحكاية "عوليس" أو التائه وزوجته الوفية بنيلوب التي تبقى في انتظاره عشرين سنة رافضة الإغراءات، والتهديد، والقبول بفكرة موته.

كما تتوازى قصة رجاء مع حكاية مماثلة أخرى ترويها الجدة عن غائب عاد فعلا وهي تعيد رواية ذلك في أجواء ألف ليلة وليلة وأسلوبها وتأخذ هي دور شهرزاد الراوية أو تعطيه أحيانا لرجل الحكاية الذي عاد ليروي كيف خطفته الساحرة وأخذته إلى الأسر. وكانت الجدة تقول لحفيدها إن الساحرة الشريرة خطفت والده إلى مملكتها السرية.

وفي قصة الجدة كما في الإلياذة يعود الأسير التائه إلى بيته وإلى امرأته الصابرة فلا تعرفه لضعفه وقذارته وشعره الطويل. يعود عوليس بعد عشرين عاما والأسير العراقي بعد ثلاثة عشر.

أما رجاء فتصل إلى حد التأثر بحب وجدي ولا تلبث أن ترفض ذلك لتعود فتنتظر عودة زوجها عبثا مع قوافل الأسرى العائدين من إيران ووجدي المعذب ينتظر دون رجاء.

وفي الدفعة الأخيرة للعائدين تنتظر رجاء عودة زوجها إلى ما بعد منتصف الليل. يسعى الصقر إلى جعل القارئ يشاركه كتابة نهاية الرواية فيقترح ثلاث نهايات، تاركا للقارئ حرية اختيار واحدة منها.

 


"الثورة العلمية الحديثة، وما بعدها": علي الشوك يبسط أعقد المسائل العلمية، ويقدمها في قالب أدبي مشوق

 

 

دمشق ـ ابراهيم حاج عبدي

علي الشوك هو باحث، وناقد، ومترجم عراقي معروف تتنوع اهتماماته، وتختلف لتشمل اللغة وعلومها، والأدب، والنقد الأدبي والفني، والموسيقا، والقضايا الفكرية، والمسائل العلمية البحتة، وهو يقيم في بريطانيا، وقد صدرت له عشرات الكتب في مختلف هذه المجالات المعرفية، ومنها: "جولة في أقاليم اللغة والأسطورة"، و"كيمياء الكلمات"، و" الموسيقى بين الشرق والغرب"، و"أسرار الموسيقى"، و"ملامح من التلاقح الحضاري بين الشرق والغرب"، ورواية "الأوبرا والكلب" ...وغيرها من الكتب، فضلا عن مساهماته ومتابعاته النقدية في الصحافة والدوريات العربية والعالمية المختلفة.

في كتابه الجديد "الثورة العلمية، وما بعدها" الصادر أخيرا عن دار المدى بدمشق، والذي يتصدر غلافها الأول لوحة للفنان فرنان ليجيه، يسعى علي الشوك إلى تقديم اصعب المواضيع العلمية واعقدها بصورة مبسطة للقارئ الذي يتعرف من خلال هذا الكتاب على التفاصيل والمراحل التي قادت إلى الثورة العلمية الحديثة وما أفرزته من اكتشافات وقفزات نوعية، ويرصد الباحث الخلفيات التاريخية لها، والظروف التي أحاطت باكتشاف علمي ما، أو بفرضية من الفرضيات العلمية التي قادت، في بعض الأحيان، صاحبها إلى المقصلة أو المحاكم لأنها تتعارض مع المعتقدات الدينية التي كانت سائدة، ويرى الباحث بان جذور "الثورة العلمية" ـ محور هذا الكتاب ـ تمتد إلى ماض بعيد، حينما بدأ الإنسان يطرح الأسئلة عن الكون، وتسارعت الأسئلة في العصر الحديث مع الاكتشافات الشجاعة المذهلة في مجالات متعددة، من الفيزياء النووية والكمية والفلك والميكانيك وعلوم الطاقة والكيمياء والطب...الخ.

ويشير الباحث إلى ان العصر الحديث بدأ منذ التخلي عن مركزية الأرض واثبات مركزية الشمس (الأرض تدور حول الشمس لا العكس) أي ان الثورة العلمية الحقيقية بدأت في أوربا منذ القرن السادس عشر بعد هذا الإنجاز التاريخي الكبير الذي تحقق في علم الفلك على يد كوبر نيكوس ( 1473 ـ 1543 ) وفي الحقول العلمية الأخرى، وكانت القفزات العلمية في كل وجوه التطور العلمي ترتبط بأسماء عباقرة يجيبون عن الأسئلة الصعبة ليطرحوا أسئلة جديدة، ويفرد الباحث مساحة واسعة من كتابه لهذه الأسماء التي ارتبطت باكتشافات علمية غيرت المفاهيم السابقة، واعتبرت انعطافا كبيرا في مسار العلم المتجدد باستمرار، فنقرأ عن كوبر نيكوس، وجوردانو برونو(1548 ـ 1600 )، وديكارت (1596 ـ 1660 )، وفرانسيس بيكون ( 1561 ـ 1626 )، وغاليليو غاليلي(1564 ـ 1642 )، ونيوتن( 1642 ـ 1727 ) وهذان الأخيران يعدان من كبار علماء الفيزياء إذ تمت الثورة الحقيقية في العلم على يديهما، كذلك يقف الباحث عند فكر بعض الفلاسفة الذين كانوا يؤيدون أو يعارضون تلك النظريات والفرضيات العلمية التي كانت تظهر في زمانهم مثل جون لوك، ولايبنتز، وديفيد هيوم، وبيركلي وغيرهم.

ويشرح الباحث العديد من المسائل في علم الكيمياء، موضحا كيف ان اكتشاف الأوكسجين على يد العالم جوزيف بريستلي شكل انعطافا في عالم الكيمياء، وقد اصبح لهذا الاكتشاف معنى واضح على يد الفيزيائي الفرنسي لافوازييه (1743 ـ 1794)الذي برهن على ان الماء مركب من عنصري الأوكسجين والهيدروجين، وبذلك وضع أسس القوانين الأساسية للمركبات الكيماوية، كما أعتبر جدول التصنيف الدوري للعناصر الذي وضعه العالم الروسي الشهير مندلييف سنة 1896  أحد اعظم الإنجازات في العلم على مر القرون وأكثرها أهمية، فقد كانت أهميته في القرن التاسع عشر في تحديد طبيعة وهوية العناصر في الطبيعة، وفي توجيه البحوث الكيماوية لا تقدر بثمن.

ويفرد الباحث فصلا مطولا للحديث عن الفيزياء الحديثة وذلك لأهمية هذا العلم "فالعلم كله إما فيزياء حديثة أو جمع طوابع" كما يقول عالم الفيزياء البريطاني ارنست رذرفورد الذي حاز جائزة نوبل الفيزياء سنة 1908  ،ولعل حجر الزاوية في الفيزياء ـ كما يؤكد الباحث ـ هو "ميكانيك الكم" وهو الموضوع الأساسي الذي دفع الباحث لتأليف هذا الكتاب، وذلك لرغبته في التعرف على هذا العلم الأمر الذي دفعه للاطلاع على مراجع عديدة قدمت له الكثير من المعلومات التي ارتأى أن يضمنها في كتاب مستقل، فكان هذا الكتاب الذي نعرض له.

وسعيا إلى توضيح فكرته حول "ميكانيك الكم" يعود الباحث إلى أحجية الضوء، ويشرح مساهمات ابن الهيثم، ونيوتن، وفارادي في هذا المجال، ثم ينتقل إلى عالم الذرة الذي يتعامل معه "ميكانيك الكم"، فمثلما أحدثت نظرية النسبية لآينشتاين ثورة في الفيزياء الكلاسيكية، وفي فهمنا للكون، فقد احدث "ميكانيك الكم" ثورة في عالم الفيزياء الذرية، وتعتبر نظرية "فيزياء الكم" ـ بحسب الباحث ـ اكبر لغز محير في تاريخ العلم كله، ومع ذلك تعتبر هذه النظرية من اكثر النظريات العلمية نجاحا على الصعيد التطبيقي، فقد أسهمت في إماطة اللثام عن سر بنية الذرة، وتفسير طبيعة العلاقات الكيماوية، وخلق وإبادة الجسيمات الأولية للمادة، وتنبأت بوجود المادة المضادة، والنجوم المنطفئة، وغير ذلك كثير، "بل ان التقدم التكنولوجي كله تقريبا في أيامنا هذه تحقق بفضلها، فبدون ميكانيك الكم لما كان ممكنا اختراع التلفزيون، ولا الليزر ومشتقاته، ولا الكمبيوتر، ولا الراديو، والترانزستور، والميكروسكوب الإلكتروني وغيرها من الاختراعات والتقنيات الحديثة".

ويخوض الباحث في مسائل عديدة منها الماركسية وميكانيك الكم، ويشرح بان القوة هي أي شيء يمكن ان يحرك جسما، والقوى الأربع في الطبيعة والكون هي: الجاذبية، والكهرومغناطيسية، والقوة النووية الشديدة، والقوة النووية الضعيفة، وكذلك يبين بعض جوانب "نظرية الأوتار" التي تسعى إلى الجمع بين نسبية آينشتاين، وميكانيك الكم، وثغرات هذه النظرية، ويشرح طبيعة "المادة الدكناء"، ويقف عند المدى الذي بلغه علم الفيزياء في الاتحاد السوفييتي السابق ويسلط الضوء على اشهر علماء هذا البلد، كما يلقي الضوء على أهمية اختراع المجهر والتأثير الذي أحدثه في بعض المجالات العلمية، ويتطرق إلى نظرية داروين ( 1809 ـ 1882 ) حول تطور الكائنات، ويتحدث عن عالم الجينات، ويخصص الباحث الفصل الأخير لعلم الكونيات، وعلم الفيزياء الفلكية، ويتساءل عن مدى صحة وجود كواكب أخرى، كالأرض، تصلح للحياة.

ولئن أشرنا في سياق هذا العرض إلى العناوين الرئيسة في فصول الكتاب فذلك مرده إلى صعوبة شرح أي فكرة مطروحة بشكل مختزل، ذلك ان كل موضوع من المواضيع يشغل مساحة واسعة من الكتاب بحيث لا يمكن اختصارها، بأي حال، فمواضيع الكتاب مترابطة، ويتبع الباحث فيه منهجية علمية يعود من خلالها إلى أصول وجذور أي نظرية أو اكتشاف، ويقدم نبذة عن السيرة الذاتية ـ العلمية للعلماء الذين ساهموا في اكتشافها منذ العصور القديمة إلى تاريخ ظهورها، والتعديلات التي طرأت عليها، والتحديات العلمية والمنطقية التي واجهتها ... إلى غير ذلك من المسائل، التي يشرحها الشوك بأسلوب أدبي سلس، وشيق، فيبسّط الكثير من المسائل العلمية المعقدة، ليقدم للقارئ زادا معرفيا في قالب أدبي يستهويه، وينأى به عن التذمر الذي ينتاب الكثير من الطلاب في المدارس عندما يحين موعد حصص الفيزياء، والكيمياء، والجبر، والهندسة، فالباحث هنا لا يخوض في المعادلات الرياضية، والفيزيائية، والكيميائية المعقدة، والمملة أحيانا، بل يحاول قدر الإمكان إثارة اهتمام القارئ عبر تقديم هذه المعلومات والنظريات والمعادلات في لبوس البساطة، وبمفردات قريبة إلى الذهن، دون إخلال بالمادة العلمية التي يهدف إلى إيصالها.


جينات الإبداع

 

جمعة الحلفي

كم ابتذلت عبارة موهبة، أو عبارة مبدع، لكن، مع ذلك، لا تزال هي العبارة الوحيدة التي يمكن أن نعوّل عليها في تمييز المبدع الحقيقي عن غيره من الكتاب. وعلى الرغم من افتقادنا للمقاييس الصارمة في هذا الميدان، بسبب فوضى النقد ومجانية النشر والترويج الدعائي، بيد أن المرء يمكنه، في النهاية، أن يطمئن الى حكم الزمن، إذ من شأن الزمن أن يقول كلمته الفصل في الأثر الإبداعي، سلباً أو إيجاباً، فليس من قبيل المصادفة أن يحيا، ويتعاصر معنا، قلة من المبدعين، فيما يذهب الكثيرون الى الماضي من توهم ، مثلما هو ليس من قبيل المصادفة أن يبقى إبداعهم حاضراً وفاعلاً، طوال عقود من السنين، بعد رحيلهم، في حين يكون الزمن قد جرف العشرات والمئات ممن عاصروهم، كما تجرف تيارات الماء، الزبد الطافح نحو حواف الشواطىء.

لقد كرّست معايير الإبداع الجمالية، على مر التاريخ، حقيقة أن هناك، من المبدعين، من يتحول تراب الكلمات بين أيديهم، الى سبائك من ذهب المعنى، فيما هناك من يحاول معالجة الكلمات ذاتها، فلا يسفر عنها سوى غبار الصنعة. وبين أولئك وهؤلاء فروقات لا تُرى بالعين المجردة. فصنّاع الإبداع الحقيقي يتمتعون بجينات وراثية تمتد بهم الى نسغ الأزهار ومنابع المياه العذبة، وأشجار اللوز وغابات الحكمة ومكابدات العشاق الأوائل. إنهم، باختصار، يشبهون أولئك الذين يغربلون مياه الأنهر، النازلة من جبال الألماس، بحثاً عن ذرات الذهب في ذلك الرماد الليلكـي الوّهاج، فيما تتوقف سلالة مدّعي الإبداع والطارئين عليه، عند مواهب مهرجي السيرك وُندل الاحتفالات المبتذلة ومزوري الحقائق ومتصيدي الفضائح وكتّاب الأبراج والكلمات المتقاطعة.

وكما هو حال المبدع الحقيقي، في تميزّه ورسوخ منتجه الإبداعي، كذلك هو حال الثقافة، فالثقافة الحقيقية ليست تسطير نظريات فارغة وابتداع مصطلحات غامضة، بل هي حامل الإرث الإبداعي والحضاري لأية أمة، أو جماعة بشرية.  وليست هي ثقافة التطرف والظلامية والاستبداد، والاستعلاء على الآخر، بل هي تلك التي تعيد إنتاج كل ما هو معرفي وتنويري وصادق وخلاق. ولا هي حاضنة لإنتاج الخواء والترهات، بل هي تلك التي يراهن عليها الإنسان في بحثه الدؤوب عن الإجابات وعن الحلول وعن التغيير وعن الإدهاش والإغناء، فمن دون هذه الشروط ستغدو الثقافة ضرباً من ضروب الإعماء والتخلف والإعاقة، وتلك خالدة خلود الأمل، والإنسان محكوم بالأمل دوماً، وهذه عارضة وعابرة كزبد البحر، مهما تأبدت.

 

 


فرنسا تكرم الأديب اللبناني صلاح ستيتيه

كرمت فرنسا الشاعر والدبلوماسي اللبناني صلاح ستيتيه -الذي كتب معظم أعماله بالفرنسية- بمنحه وسام الشرف بدرجة قائد.

 وأشاد وزير الداخلية الفرنسي دومينيك دوفيلبان -وهو أيضا شاعر قضى سنوات طويلة في السلك الدبلوماسي- في كلمة بهذه المناسبة بعشق اللغة لدى ستيتيه الذي وصفه بـ"السائر اليقظ بين العالم الحقيقي والخيالي".

من جانبه أعرب ستيتيه عن شكره للحصول على هذا الوسام, وهو من الدرجة الثالثة من درجات وسام الشرف الفرنسي الخمس, والتي تزامنت مع الذكرى الـ 150 لمولد الشاعر أرتور رامبو.

وقد عمل ستيتيه (75 عاما) سفيرا للبنان ولا سيما في هولندا والمغرب كما مثل بلاده في اليونسكو بباريس، وتولى منصب مدير الشؤون السياسية والأمين العام لوزارة الخارجية اللبنانية.

وإلى جانب عمله الدبلوماسي سعى في أعماله الأدبية ولا سيما الشعرية إلى التوفيق بين الرؤيتين الشرقية والغربية للعالم، حالما بحوض متوسط يكون مجالا للقاء وليس للنزاع.

وكتب ستيتيه، الذي حصل عام 1995 على الجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية عن مجمل أعماله، عشرات الدواوين الشعرية والدراسات من بينها "رامبو، النائم الثامن" ودراسة بعنوان "حاملو النار" التي تتناول الجذور الروحية للعالم العربي ومستقبله.

 

 


 

مصر وألمانيا تتلاقيان

اختتم المهرجان الألماني (مصر وألمانيا تتلاقيان) بعرض فيلم (برلين ـ سيمفونية المدينة الكبرى) بدار الأوبرا المصرية بعد عشرة أيام حافلة باحتفالية فنية شديدة التنوع تزامنت مع معرض فرانكفورت الذي ضيف العالم العربي كضيف شرف لهذه الدورة.. أقيم المهرجان للعام الثاني على التوالي تحت رعاية السفير الألماني بالقاهرة ومدير عام معهد جوته بالشرق الأوسط وشمال افريقيا.. كان المهرجان قد اشتمل في العام السابق بجوار الانشطة الثقافية على افتتاح الجامعة الألمانية بالقاهرة والبرج الألماني للصناعة والتجارة كمقر للغرفة الألمانية العربية للصناعة والتجارة بحضور المستشار الالماني (جيرهارد شرودر).

أشتمل المهرجان هذا العام على حفلات موسيقى سيمفونية بدار الأوبرا المصرية ومكتبة الاسكندرية وكذا حفل لفرقة (شالسيك براس) اشهر الفرق الألمانية بالاشتراك مع المطرب المصري (محمد منير)، وعرضت أعمال فنية لفنانين ألمان ومصريين وورش عمل حول تحريك التماثيل الصلصالية بجوار أفلام الرسوم المتحركة، هذا فضلاً عن عروض السينما الألمانية الحديثة التي تلقي إقبالاً شديداً للعام الثالث على التوالي في كل من القاهرة والإسكندرية، وقد عرضت هذا العام أربعة أفلام هامة رشحت ونالت العديد من الجوائز الألمانية والدولية ومنها: "وداعاً لينين" للمخرج (فولفجانج بيكر) ورشح هذا الفيلم لجائزتي الأوسكار وجولدن جلوبن وفيلم "سولينو" للمخرج التركي الألماني (فاتح أكين) الذي حصل فيلمه الأخيرة على جائزة الدب الذهبي هذا العام. وقدمت فرقة المسرح المتمرد عرضها المسرحي (ناتان الحكيم) لـ(ليسينج) أحد أهم رواد المسرح الألماني في عصر التنوير.

وعلى هامش الاحتفالية اقيمت سلسة محاضرات عن (الإسلام والإنترنت) و"الغرب والعالم الإسلامي" بمعهدي جوته بالقاهرة والإسكندرية حيث قدم الدكتور (يوخن هيبلر) كتابه الذي أصدره معهد العلاقات الخارجية ومثل الجانب المصري الدكتورة والمترجمة (هبة رؤوف) والدكتور (ياسين نصر). كما قدم الأديب المصري (إبراهيم فرغلي) يومياته حول مدينة شتوتجارت الألمانية في إطار مشروع التبادل الذي يقيمه المنتدى الأدبي العربي الألماني "مداد" بين كتاب عرب يزورون المدن الألمانية بين كتاب ألمان يزورون المدن العربية وتنشر يومياتهم كاملة على شبكة الإنترنت www.goethe.deLmidad  وهي شهادات حول رؤية العالم العربي وأوروبا لبعضهم البعض.

 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة