اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

 

الانتخابات بالقائمة المغلقة محاباة للأحزاب والكيانات السياسية على حساب حرية الناخب

هادي عزيز علي

نظام التصويت بالقائمة واحد من نظم التصويت المهمة التي تعطي للناخب حرية أوسع في اختيار ممثليه للمجلس النيابي إذا كان ذلك النظام يعتمد القائمة المفتوحة وليس القائمة المغلقة، عليه فان اعتماد التصويت بالقائمة بشكل عام ينسجم تماماً مع كون العراق منطقة انتخابية واحدة كون النظام المذكور يتمتع بمزايا عديدة منها: انه يوسع حرية الناخب بوضع اسم واحد فقط في البطاقة الانتخابية هذا اولاً، اما ثانياً فهذا النظام يتلاءم مع التظاهرة السياسية الواسعة بسبب سعة المنطقة الانتخابية وكثرة الناخبين، تلك الكثرة التي تفرض على المرشحين ان يختاروا برامجهم الانتخابية بعناية ودقة تنسجم وطموحات العدد الكبير من الناخبين والتي يفترض فيها ان تلبي تلك الطموحات بدلاً من الانكفاء على المشاريع المحلية بالنسبة للتصويت الفردي وثالثاً ان الانتخاب بالقائمة يفرض على المرشحين ان يطرحوا برامجهم السياسية على صعيد الوطن بدلاً من طرح المشاريع على مستوى المحلة للتصويت الفردي. ورابعاً لسعة المنطقة الانتخابية، تدفع بالأحزاب والكتل السياسية إلى اختيار مرشحيهم بعناية ملحوظة من اجل كسب ود أكبر عدد ممكن من الجسم الانتخابي حيث من المعروف ان الاحزاب تلك وعند ما تختار المرشح فانها تخضع الأمر لاعتبارات نضالية وتنظيمة وفكرية، ولا يتم الاختبار جزافاً بالتأكيد.

ان ظهور الانتخاب بالقائمة جاء نتيجة العيوب الموجهة لنظام التصويت الفردي والذي يعتمد على فرد معين يرشح عن محلة معينة وبعد فوزه فان ذلك الفرد يتحول إلى مجرد مندوب عن المحلة لدى الدوائر البلدية ودوائر الماء والكهرباء وبذلك ينحصر نشاطه في المحلية بدلاً من الأهداف الكبرى للوطن، لذا فقد قيل ان التصويت بالقائمة هو تصويت للمبادئ، هذا وهناك ميزة أخرى تنسب إلى التصويت بالقائمة وهي صفة الاستقلال التي يتمتع بها الناخب خلافاً للتقيد بناخب واحد في التصويت الفردي. 

2

التصويت بالقائمة نوعان، الأول يسمى القائمة المغلقة والثاني يسمى القائمة المفتوحة والتي اشرنا إليهما آنفاً، فالقائمة المغلقة يقصد بها: ان الحزب أو الكيان السياسي يطرح قائمته للتصويت والتي تتضمن مجموعة من الأسماء وقد تحتوي على سبعة أسماء مثلاً أو (12) اسماً وعدد الأصوات تحدده النصوص التشريعية. تلك القائمة تطرح على أساس أنها قائمة فأما ان يقبلها الناخب بهذه الصفة أو ان يتركها، أي ان الناخب لا يحق له اختيار اسم أو أسماء من تلك القائمة دون غيرها فهي مطروحة للاقتراح بصفتها وحدة متكاملة، تعبر عن وجهة نظر الحزب أو الكتلة السياسية، وفي هذا النظام نجد تقييد لحرية الناخب يجد ان ثلاثة من الأسماء هم المعبرين عن ارادته دون الاربعة الآخرين، لذا فانه ملزم ان ينتخب القائمة بكاملها، أو يرفضها بكاملها، من هنا وجدنا ان ارادة الناخب قد تم تحديدها بموجب نصوص تشريعية جاء بها قانون الانتخاب، فإذا كانت القائمة المغلقة تعبر عن ارادة الحزب (س) أو الكيان السياسي (ص) فهي ليست كذلك بالنسبة لارادة الناخب أو عموم الجسم الانتخابي، لذا يكون من الانسب ان يعرض قانون الانتخاب على المواطنين لبيان رأيهم فيه، لأن النص الخاص بقانون الانتخاب هو الذي يحدد مسارات السياسة وحركة الاحزاب المؤثرة فيها، إضافة لهذا العيب في القائمة المغلقة فان هناك عيباً آخر يوجه لها، ألا وهو كيفية توزيع الأصوات على المرشحين، ولنأخذ المثال ذاته، أي ان القائمة بسبعة أشخاص فازت بثلاثة مقاعد نيابية، فكيف يتم توزيع تلك المقاعد على المرشحين السبعة خاصة إذا اخذنا بالحسبان انهم ينتمون إلى حزب واحد أو كيان سياسي متشكل من عدة احزاب؟ وللاجابة عن هذا السؤال نجد ان بعض التشريعات قد حسمت الأمر ونصت على ان التوزيع يتم على وفق التسلسل المذكور في القائمة، أما إذا لم يتم النص على ذلك فتلك مشكلة فعلية خاصة إذا تعلق الأمر بمجموعة احزاب مكونة للكيان السياسي الذي دخل الانتخابات بهذه الصفة.

اما القائمة المفتوحة فتتم على أساس اعطاء الحرية الكاملة للناخب في اختيار أسماء المرشحين في القائمة من دون التقيد بأي واحد منهم فإذا كانت القائمة تتكون من (12) اسماً فيكون من الناخب ان يختار مثلاً الاسم الثالث والتاسع والعاشر ويذكرهم في بطاقته الانتخابية دون غيرهم، وبذلك فانه اعطي الحرية الكاملة لاختيار المرشح الذي سيمثله في المجلس النيابي خاصة اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الاختيار يتم على أساس قناعة الناخب  بشخص المرشح وبذلك يحصل المرشح على عدد الأصوات التي تؤهله للحصول على المقعد النيابي وعلى أساس الاغلبية التي حصل عليها.

 

3

أمام هذه المقدمة عن نظم التصويت بالقائمة لابد من الوقوف على الموقف التشريعي، في العراق الذي يخاطب نظم الانتخاب ونظم التصويت. فنقول اولاً ان قانون إدارة الدولة العراقية قد جاء باحكام عامة في الباب الرابع منه تحت عنوان السلطة التشريعية الانتقالية وكيفية انتخاب الجمعية الوطنية ونسبة تمثيل النساء منها والموقف من الاطياف التي تتشكل منها الامة العراقية وعدد أعضاء الجمعية الوطنية والشروط الواجب توفرها للشخص الذي يطلب الترشيح للجمعية الوطنية وعن اعمال الجمعية العرفية وواجباتها وغيرها. اما النص الثاني الذي يعالج هذا الأمر فهو الأمر المرقم 96 الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة بتاريخ 15/ حزيران/ 2004 والذي جاء على مبدأين الأول ان العراق دائرة انتخابية واحدة والثاني اعتماد نظام التمثيل النسبي في الانتخابات على وفق احكام الفقرة (3) في القسم (3) من الأمر المرقم 96 التي نصت على: (العراق دائرة انتخابية واحدة. وسيتم توزيع جميع المقاعد في المجلس الوطني على الكيانات السياسية من خلال نظام التمثيل النسبي).

اما الموضوع الآخر الجدير بالاهتمام والذي يشكل اهتمام مقالنا هذا فهو احكام الفقرة (2) من القسم (4) الذي يحمل عنوان (المرشحين للانتخابات) والذي ينص على: (يجب ترتيب أسماء المرشحين على القوائم المقدمة إلى المفوضية حسب استحقاق كل منهم وسيتم توزيع المقاعد في المجلس الوطني طبقاً لترتيب الأسماء الواردة في القائمة، ولا يجوز تغيير هذا الترتيب أو تغيير هذه القائمة بأي شكل آخر بعد تاريخ معين تحدده المفوضية).

ومن هذا النص نرى ان قانون الانتخابات رقم (96) قد اعتمد نظام القائمة المغلقة، كونه قد اشترط توزيع المقاعد في المجلس الوطني طبقاً لترتيب الأسماء الواردة في القائمة، أي ان القائمة التي تحتوي (12) اسماً على سبيل المثال وفازت بخمسة مقاعد نيابية فان الأسماء التي تبدأ من التسلسل (1) إلى التسلسل (5) هي الفائزة بتلك المقاعد وبذلك نعيد إلى الاذهان العيوب الموجهة إلى نظام التصويت بالقائمة المغلقة والتي تحابي الاحزاب والكيانات السياسية على حساب حرية الناخب الذي يجد نفسه ذا حرية مقيدة بتلك القائمة وممنوع عليه الاقتراع على أي اسم فيها فإما ان يقبلها جميعاً أو يرفضها.


جوانب لغوية في تأملات د.الطيّب البكّوش السياسية وحقوق الإنسان (2 - 3)

حكمت الحاج/ تونس

ويمضي المؤلف في تحليله اللغوي المهم هذا قائلا إن وراء الجدل المعجمي الدلالي، يكمن اختلاف في النظرة إلى العلاقات الاجتماعية قائم على رهانات اقتصادية أساسية من حيث تكريس تفوّق الرجل على المرأة في الأسرة والمجتمع. فبدون وعي بهذه الرهانات، قد لا نرى غضاضة في استعمال لفظ محل الآخر وفي قبول إحلال العدل محلّ المساواة، وقد لا ننتبه إلى الترجمات الخاطئة أو المحرفة نتيجة تلاعب بالنصوص المعرّبة كما لاحظنا في تعريب كتاب في تعليم حقوق الإنسان أصدرته اليونسكو بالفرنسية والإنكليزية وعنوانه «جميع البشر» Tous les êtres humains(1999). فالمعرب يبدو في كامل النص محرجا كلّما عثر في كلمة  égalité، ورام تعريبها، فيتصرّف بطرق مختلفة تنمّ عن تردّد وحرج واضحين: ـ فعندما شرع في تعريب مصطلحات القيم  العالمية الموضوعة بين قوسين وهي (الكرامة dignité، والحريّة liberté، والمساواة égalité، والعدل justice). لم يجد أفضل من حذف المساواة وإلغائها من النص (25/ 18). أمّا عندما ترد نفس اللفظة في سياق مطلبي (ص 35/ 23)  فإنه يحافظ عليها لأن طلب الشيء غيرُ تحقيقه، فلك أن تطالب بما شئت، لأنّ المهمّ هو أن لا يختلط المطلب بالحقّ في المساواة.

أمّا عندما يرد اللفظ في سياق متعلق بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالمرأة وحقوقها، حيث لا يمكن تجاهل اللّفظ فإنّ المعرّب يتصرّف، مبرزا اختلافه بزيادة هامش توضيحي يؤكد مثلا أنّ المرأة لا يمكن أن تتقلد منصب الإمامة، ولكن تجنبا لما قد يترسّب لدى القارئ من إحساس بالانتقاص والإقصاء يُضيف أنّ الإسلام قد كرّم المرأة وضمن حقوقها وأمر بمعاملتها بالعدل.

وهكذا يُدخل المعرب ضمنيا مقابلة بين المساواة في النص الأصلي والعدل. وهنا نتوقف مع د. الطيب البكوش قليلا عند دلالة لفظة "العدل" ومشتقاتها، حسب مقارباته اللغوية، لنرى إنّ أهم ما يتضمنه المجال الدلالي لهذا الجذر هو: تقويم الاعوجاج، والمعاملة المنصفة والحكم بدون حيف وعدم التمييز بين الأطراف. فالروابط الموجودة بين المجالين الدلاليين للمساواة والعدل هي تقريبا الروابطُ نفسُها التي بين مجالي  égalité و équité.  لكن المعالجة الدلالية التي خُصّا بها في الترجمة، بمفعول المواقف الأيديولوجية، تَنزع عنهما الترادف أو شبه الترادف الأصلي وتجعل منهما لفظين متقابلين دلاليا بحكم المرجعية الدينية والثقافية.

وبذلك يتبيّن لنا موقف المعرّب الذي يتجاذبه نصّان مرجعيان، نص اليونسكو المطلوب تعريبُه بأمانة، والنص الديني المقدّس اللاّزمني، الخاضع لشروح وتأويلات متعدّدة متعاقبة بحكم صبغته المفتوحة، ممّا ينجر عنه ثقل تأويلي قد يصل حدّ المواقف المتضاربة منه أحيانا (كما هو الشأن مثلا مع قضيّة تعدّد الزوجات).

ونحن، والكلام للدكتور الطيب البكوش، نجد اليوم قراءات أخرى تقحم حقوق الإنسان بمفهومها الحديث في منظومة المُتَصَوَّرات الدينية ذاتها. أمّا على المستوى اللساني المحض،فإنّ مقارنة لفظي المساواة والعدل تقودنا إلى تسجيل الصّفة العامّة الشموليّة التي للمساواة والصّفة الخاصة في العدل الذي يرتبط بالأوّل بعلاقة انضواء relation hyponymique لأنه يحتوي على سيْم العلاقة بين طرفين أو أكثر الموجودِ في المساواة.

فالمساواة أمام العدالة التي يشترك فيها اللفظان عندما يتعلق الأمر بعدالة بشريّة، تسمح بتعويض اللّفظ المحتوي hyperonyme (مساواة) باللّفظ المنضوي فيه hyperonyme أي عدل.

ونتعلم من د. البكوش إن علاقة الاقتضاء ذاتَ الاتجاه الواحد التي تتحكم في العملية اللسانية لا تسمح بالتعويض المعاكس ( أي تعويض العدل بالمساواة).

أمّا في السياق المعرّب الذي سبق الحديث عنه، فنحن لسنا في سياق القانون الوضعي الذي هو نتاج بشري قابل للتطوير والتغيير، وإنما نحن إزاء نصّ مرجعُه سلطة إلهية لازمانية. فالرهان إذن ليس الكائن البشري. ولذلك وكما يقول الباحث، فإنّ الفوارق الدلالية مهما كانت صغيرة، تكتسي قيمة خاصة هامة فتتحول روابط الاقتضاء إلى روابط تقابل. وبذلك يتبيّن لنا أنّ الرهان في العلاقة بين المساواة والعدل هو رهان دلالي.

وهنا يتساءل د. الطيب البكوش في كتابه هذا قائلا: هل نجد الرّهان نفسه في مفهوم حريّة المعتقد؟

وبحثا عن جواب، فلنمض مع المؤلف في إجابته المشفوعة دائما بالتحليل من وجهة نظر ألسنية، وليكن مثالنا الآن هو: "حريّة المعتقد"…

 

أنموذج آخر للتحليل..

ينصّ البند 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنّ "لكل شخص الحق في التفكير والاعتقاد واختيار الدين، وهو ما يقتضي الحقَّ في تغيير الدين والمعتقد، وحريّةَ إظهار الدين والمعتقد. وقد عُرّب هذا البند في كتاب اليونسكو (ص24) مع ملحوظة ينشأ عنها دلاليا حصر المجال حصرا يجعل حريّة المعتقد في اتجاه واحد أي هي حق في الدخول دون الخروج (وهو ما يسمّى الردّة).

كما تتضمّن الملحوظة مقارنة بين الردَّة (وهو مفهوم ديني) والخيانة العظمى (وهو مفهوم سياسي)، من حيث خطر إفشاء أسرار الأمة. وبديهي أنّ المقارنة لا تستقيم لأنّنا حسب الطيب البكوش في مجالين مختلفين تماما ولأنّ هذه الحجج تنطبق كذلك شكلا على تغيير الجنسية. ومع ذلك لم يُقارَن بها. هذا فضلا عن أنّ هذا الموقف من الردّة، لئن كان سائدا اليوم في التقاليد الدينية، فإنّ ثمّة من المسلمين الباحثين المتضلّعين من يطعن في حكم الردة السائد وهو القتل، معتبرا إيّاه مناقضا لروح الإسلام ومقاصد الشريعة، بل ونصّ القرآن نفسه الحاثّ على احترام حريّة المعتقد في عدّة آيات صريحة.

فالموقف السائد اليوم إذن في الإسلام، ودائما الكلام لمؤلف الكتاب د. الطيب البكوش، يعتبر مفهوم "حريّة المعتقد" مفهوما غربيا مرفوضا رفضا يسجّل الاختلاف باسم خصوصيات دينية وثقافية. بيد أنّ الآخر، الغربي، يعمد بدوره إلى تقطيع نفس المفهوم تقطيعا مغايرا وذلك مهما كانت منطلقاته المذهبية والعقدية.

وفي انتباهة ذكية ومهمة يكتب المؤلف: ".. فقد حدث لنا أن لاحظنا أثناء النقاش مع بعض الباحثين الغربيين المهتمين بالحركات الأصولية في الإسلام أنهم يعتبرون الحركات الأصولية أقليات دينيةً تحظى بحق الحماية مثل جميع الأقليات.  وهم لا يشعرون بالخلط الذي يقعون فيه بين المتصورات والمفاهيم، إذ أنّ الحركات الأصولية هي حركات سياسية تتخذ من الدين مرجعا أو غطاء وتجعل النصّ الديني في مقام البرنامج السياسي الصالح لجميع البشر في كل مكان وزمان.

فهذه الحركات لا ينطبق عليها مفهوم الأقليات وليست حتى فرقا تندرج ضمن الملل والنحل وإنما هي حركات سياسية تتخذ مرجعا من دينٍ مشترك بين أغلبية المواطنين الذين يُعتبرون في هذه الحالة قاعدة انتخابية محتملة بالقوة، ومن لم ينسجم يُعتبر متقاعسا عاصيا وربما خارجا عن الملة، يُحقّ عليه العقابُ الإلهي".أ.هـ. وهكذا تكون حريّة المعتقد محاصرة بين فهمين ومرجعين رغم شفافيتها الدلالية أصلا. بل إن الآخر يُفهم فهما خاطئا نتيجة تأويل أحادي المرجع. ومعنى ذلك أنّ الآخر يُنظر إليه خارج مجاله الثقافي المحدّد لهويته فتظهر ملامحُه مشوّهةً ومحلّ فهم يُجانب الصواب.

وهكذا نجد أنفسنا هنا مع مؤلفنا أمام الإشكالية اللسانية ذاتها التي رأيناها سابقا مع الثنائي مساواة/ عدل من حيث المحتوى الدلالي، ولكن بدون تقابل بين مصطلحين. ذلك أنّ المشكل المطروح هنا هو مشكل الرابط المرجعي. فتصوّر الغرب لحريّة المعتقد شبيه بما نجده في النصوص التأسيسية لحقوق الإنسان من حيث منح الإنسان الفرد المحرَّر من الضغوطات الجماعية الأولوية، بينما الأولوية في التقاليد الدينية للمجموعة وللأمة. فالرهان هنا ليس دلاليا كما في المثال السابق وإنما هو مرجعي.

ولكن كيف سيكون الأمر عندما يتعلق الأمر بمفهوم الديمقراطية؟

يكتب المؤلف عبر مفهوم الترجمة والرهان الرمزي مستعينا بمثال: ديمقراطية / شورى، إنّ النصوص المعتمدة بالنسبة إلى مفهوم الديمقراطية ليست النصوص السابقة أيّ نصوص حقوق الإنسان، وإنما هي نصوص سياسية تستبدل فيها الحركاتُ السياسية لفظة ديمقراطية بلفظة شورى التي لها بعد رمزي ذو صلة بالدين الإسلامي الذي يحثّ عليها.

وإنّ هذا الاستبدال ينم عن حرص على ملاءمة مفهوم الديمقراطية لممارسة تاريخية مع رفض للآخر وهو الغرب برفض النمط الديمقراطي الغربي الذي يعتبره بعضُهم بدعة مرفوضة.

وهكذا يمـرّ رفض الآخر وممارستِه عبرَ رفض اللفظـة الدخيلة ذاتها رغم اندماجها في  المعجم العـربي الحديث اندماجا يسعى أحيانا إلى تجـاوز المعجم إلى البنية الصرفية وآلية الاشتقاق في مثل دمقرطة démocratisation. ومع ذلك فإنّ الديمقراطية والشورى مصطلحان يشتركان في سَيْم «المشاورة» مما يجعل حزمة السّيمات تكاد تكون مشتركة رغم أنّ المجالين الدلاليين لا يتطابقان تمام التطابق، لأنّ الديمقراطية تُحيل إلى سلطة أغلبية المواطنين في مفهومها الحديث، بينما تحيل الشورى أكثر إلى سلطة معنوية منحصرة في الخاصة من القوم.

ويخلص د. البكوش قائلا انه لما كانت الدلائل اللسانية مشحونة بالرمز، فإنها تُستعمل وسيلة للإيحاء بالرموز المتحكمة في النظرة إلى الأشياء والمثيرة لعواطف الناس.

فنحن هنا إزاء نمط آخر من الروابط بين ما هو لساني وما هو رمزي حيث يعلو الجانب السيميائي على الدليل اللساني من حيث هو نظرة وتصوّر ثقافيان مشتركان.

وبذلك نرى أنّ المقابلة بين الديمقراطية والشورى تخفي في الحقيقة رهانا يطغى بعده الرمزي على بعديه اللساني والمرجعي.

وفي نهاية التحليل، وحسب ما يقوله المؤلف، فأنّنا نجد أنفسنا من خلال هذه التحاليل أمام قضايا ترجمة حقيقية ليست هيّنة لأنها تتعلق بتأويل المفاهيم والمتصورات الأساسية في مجال حقوق الإنسان. وهو أمر ينعكس بالضرورة على مفهوم حقوق الإنسان ذاته.

فلو نظرنا في هذا المفهوم من زاوية البلد الواحد أو الوطن، فإنّ حقوق الإنسان لا تُفهم فهما واحدا ولا تعني شيئا واحدا على لسان حاكم ومحكوم، أو جلاّد وضحية على سبيل المثال. فالمجال الدلالي بالنسبة إلى الأول محدود وهو بالنسبة إلى الثاني شامل لا يُجزّأ. فالأول يقتطع المعنى الذي يريد في مادة متعدّدة الدلالات باسم خصوصية ثقافية كثيرا ما تكون غامضة وكثيرا ما تستعمل تعلة لانتهاك حقوق الإنسان بينما يتعامل الثاني مع المفهوم بصفة إجمالية وبدلالة موحّدة بحكم صبغتها الكونية.

أمّا إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية أوسع، تكون عالمية، كما يريد لنا الباحث أن نفعل، فإنّ الخلاف الدلالي، يحدث مثلا بين الشمال والجنوب، أي بين الدول المصنعة ودول العالم الثالث.

فالأول يركزّ في حقوق الإنسان على الجانب المدني السياسي الذي يكتفي منه أحيانا بالشكليات (كالتعدديّة الحزبيّة والانتخابات ولو كانت صورية).

أمّا الثاني فإنه يرّكز على البعد الاقتصادي والثقافي الذي أصبح اليوم يتلخص في الحق في "التنمية". أمّا في الجانب الثقافي، فإنّ الجنوب كثيرا ما يتهم الشمال بعدم فهم مرجعيته الثقافية.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة