الحدث الاقتصادي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

شكوك حول مليارات النفط العراقي ومصداقية سلطة التحالف للتصرف بها (2-2)

د. توفيق المراياتي

كذلك فإن الافتقار إلى القياس ، يعني من الصعب للغاية فهم ادارة سلطة التحالف المؤقتة لصناعة النفط العراقية وايراداتها - حتى بالنسبة الى المحاسبين المحترفين . وتلمح محاضر اجتماعات المجلس الدولي للاستشارة والمراقبة في آذار ونيسان 2004 إلى مخاوفها القوية بشأن الاقتصار على القياس ، حيث إن من الصعب مراجعة حسابات الإيرادات النفطية حين لا يكون واضحاً كم هو مقدار النفط الذي يجب إن يسحب . وفي الاجتماع الثاني للمجلس في آيار ذكر إن المراجع الحسابي واجه بعض صعوبات مبدئية .

وفي يومي ( 24 و 25 ) آيار أبلغت سلطة التحالف المؤقتة المجلس الدولي للاستشارة والمراقبة بأنه قد تم إصدار عقدين لإقامة عدادات للقياس في أنحاء العراق ، وان هذا سيتم ما بين 12 و 18 شهراً ، ولكن المجلس قلق للغاية بشأن الخسائر المحلية التي تنشأ عن التهريب والافتقار الى القياس والى حد انه يجب المطالبة بأن يتولى خبراء نفطيون من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تقدير قيمة الايرادات المفقودة .

تمتد المشكلات المتعلقة بالشفافية الى عقود اعادة الاعمار . وتملك سلطة التحالف المؤقتة حق الوصول الى صناديق مختلفة لإعادة الاعمار بما في ذلك صندوق تنمية العراق . الا انها لم توضح أي صندوق يدفع لأية عقود . وهذا يعني إن العرقيين لا يمكنهم إن يروا بوضوح ما الذي تسدده مبالغ نفط العراق .

لقد ذكر قرار مجلس الامن الدولي ( 1483 ) الذي أعطى لسلطة التحالف المؤقتة السيطرة على إيرادات النفط العراقي ، إن هذه الإيرادات ينبغي إن تستخدم لما فيه فائدة للعراقيين . وقد نشر الكثير عن عقود كبيرة يجري منحها لمؤسسات أمريكية ضخمة، بعضها ذو روابط وثيقة مع إدارة الرئيس بوش . وستذهب مبالغ ضخمة الى الولايات المتحدة بصورة أرباح لهذه الشركات ، التي غالباً ما تتعاقد من الباطن ، أكثر من مرة قبل إن يتم العمل على الارض ، وبحدود قسم قليل من القيمة الحقيقية الاجمالية للعقد .

ومن العقود التي منحت بالفعل - وفيها الكثير الذي ذهب لشركات اجنبية - من المستحيل  ايضاً إن نرى كم من مبالغ صندوق تنمية العراق يخصص بالفعل لعمل على الأرض . يقول احد الخبراء في هذا الصدد " أنه يعرف بمشروعات لإعادة الاعمار منحت فيها المبالغ ورست العطاءات ولكن لا وجود لأي نشاط منها ، وذلك بسبب الوضع الامني المتردي في العراق " .

وثمة مؤشر يعكس قلق سلطة التحالف المؤقتة من إن مشروعات إعادة الإعمار لا تتحرك بسرعة كافية ، هو حقيقة إن برنامجاً " لتسريع " مشروعات إعادة الاعمار هو الآن محل تنفيذ : والبرنامج المسرع لمشروعات اعادة اعمار العراق . ويقوم على تنقيذ هذا البرنامج مكتب ادارة البرامج ، الذي يدفع أموال اعادة البناء الامريكية ، ويستخدم البرنامج المسرع اموالاً من صندوق تنمية العراق تصل الى (277 ) مليون دولار وكذلك الاموال الامريكية للانفاق على مشروعات في سبع مدن عراقية في محاولة لأنجاز نتائج سريعة قبل تسليم السلطة.

إن الشركات الاجنبية ينبغي إن تشارك في اعادة اعمار العراق ، فالعراق بحاجة ماسة الى الاستثمار الاجنبي وصناعته منهارة ، ولكن بول بريمر ( مدير سلطة التحالف المؤقتة سابقاً ) أعترف هو بنفسه بان الشركات الامريكية تتقاضى عشرة امثال مثيلاتها العراقية ، وهو رقم يوافق عليه مسؤولون عراقيون.

في نيسان من هذه السنة بدأت سلطة التحالف المؤقتة تحتجز عقوداً تقل قيمة كل منها عن ( 500 ) ألف دولار من صندوق تنمية العراق لتعطى الى شركات عراقية . ولأن سلطة التحالف لا تعلن قوائم بالشركات التي فازت بالعقود ، فأن من المستحيل إن نرى اذا كانت هذه السياسة تنفذ بالفعل .

ونشر موقع سلطة التحالف المؤقتة على شبكة الانترنت قائمة عقود منحت خلال الاشهر الثلاثة الاولى من عام 2004، ولكن الموقع لا يذكر من أي صندوق دفع لها ، ولا أية شركات تسلمتها ، انها مجرد قائمة بمشروعات قيمتها الاجمالية الواردة في هذه القائمة هي ( 148 ) مليون دولار . ولا توجد قائمة معادلة لفترة ايار - كانون الاول 2003 . وقيمة هذه العقود هي مجرد جزء ضئيل من المبلغ الذي يربو على ( 9 ) مليارات دولار هي التزامات تم سدادها بالفعل ، ومذكورة في بيان صندوق تنمية العراق عن الايراد والانفاق.

ويقدم مجلس مراجعة البرامج توصياته الى بول بريمر مدير سلطة التحالف السابق بالمشروعات التي ينبغي إن تحصل على تمويل ويكون لبريمر عندئذ  القرار النهائي بشأنها . وهذا المجلس يقدم توصيات بشأن الموضوعات من صناديق أخرى ، وكذلك من صندوق تنمية العراق. ومحاضر اجتماعات هذا المجلس أكثر ايضاحاً للامور من قائمة سلطة التحالف على المتعاقدين ، فهي تعدد المشروعات التي تمت الموافقة عليها كما انها - منذ بداية عام 2004- تذكر اذا كان يدفع لها من صندوق تنمية العراق او صناديق أخرى . مع ذلك فأنه لا وجود -هنا أيضاً - لأسماء شركات.

وعلى النقيض من ذلك فأن مكتب ادارة البرنامج - الذي يشرف على انفاق أموال المنحة الامريكية - يوفر قوائم اوضح عن العقود و الشركات التي منحت لها وقيمة هذه العقود .

غيران الافتقار العام الى الشفافية بشأن ما يدفع ومن أي صندوق يحيط بغموض امكان حدوث تلاعب، ففي الاشهر الاولى لسلطة التحالف المؤقتة منحت عدة عقود ضخمة - بينها عقد منح لشركة هاليبرتون ( Halliburton )  الامريكية ذات الروابط الوثيقة مع ادارة بوش - دون اجراء عطاءات علنية . وكان من المفترض إن تدفع صناديق اعادة الاعمار الامريكية قيمة عقد شركة ( هاليبرتون ) . ولكن الكونغرس الامريكي رفض إن يدفع عن العقود التي لم تخضع للعطاءات المتنافسة ، ومن ثم تلقت ( هالبيرتون ) مبالغ من صندوق تنمية العراق وكان معنى هذا إن مبالغ النفط العراقي استخدمت للتعويض عن الممارسات السيئة لسلطة التحالف في مجال المشتريات .

وتكشف محاضر اجتماعات مجلس مراجعة البرامج عن مناسبات اخرى استخدمت فيها اموال صندوق تنمية العراق نظراً لأن التمويل الامريكي اوقف او لم يكن متاحاً لسبب اخر . يوم ( 10 ) كانون الثاني 2004 قرر مجلس مراجعة البرامج منح مبلغ غير محدد للجيش العراقي ، مبلغ كان يمكن أن يؤخذ من اموال امريكية . ولكن المجلس اعرب بالاجماع عن قلقه ازاء الاستغناء المستمر لأموال صندوق تنمية العراق الشحيحة لتوفير مصادر لمتطلبات معينة بسبب تأخيرات الحصول على تمويل أمريكي اضافي .

اعتمد اجتماع مراجعة البرنامج يوم ( 15 ) آيار ما يقارب ملياري دولار من اموال نفط العراق دفعة واحدة – وهو ما يشكل زيادة ضخمة على المبلغ الذي كانت قد تمت الموافقة عليه في اجتماعات سابقة – وبالاضافة الى التمويل الامني المذكور أعلاه ، فأن المبالغ التي كانت تدفع مرة أخرى لمشروعات كان يمكن إن يدفع لها باموال امريكية لم تستنفد بعد .

- ( 315 ) مليون دولار دفعت للبنية التحتية للكهرباء ، على الرغم من مبلغ ( 5.5 ) مليار دولار من الاموال الامريكية كان قد اعتمد بالفعل للكهرباء .

- ( 460 ) مليون دولار دفعت لإعادة بناء القطاع النفطي على الرغم من أن ( 1.7 ) مليار دولار كانت قد اعتمدت بالفعل لهذا الغرض من الاموال الامريكية .

كذلك فأن اعتمادات تمت في الاجتماع ذاته لتسوية مطالب ملكية ، وتعويضات لضحايا الرئيس العراقي السابق ، واموال لتحقيق استقرار الميزانية ، على الرغم من وجود دليل على إن خططاً غير كافية وضعت لهذه المشروعات . ويزيد هذا من امكانية إن تذهب هذه المبالغ الى جيوب المرتشين . وليس واضحاً لماذا تشترك سلطة التحالف المؤقتة في هذا الاجتماع في الدقيقة الاخيرة لتبديد الايرادات النفطية للعراق . وما هو واضح - رغم هذا - هو الحكومة العراقية الجديدة ستكون مقيدة بهذه الالتزامات بمقتضى قرار مجلس الامن ( 1546 ) .

وقد نشرت جريدة المدى في عددها ( 233 ) في 21 / 10 / 2004 تقريراً عن مدى فشل قوات التحالف المؤقتة في الاشراف على الايرادات النفطية والاموال الامريكية المخصصة لإعادة الاعمار في العراق وفقاً لتقرير صادر عن مركز موارد العراق التابع لمعهد المجتمع المفتوح " ترسم تقارير مراجعة الحسابات الصادرة عن المحقق العام التابع لسلطة التحالف المؤقتة في أواخر شهر تموز من هذا العام صورة تعكس وضعاً فوضوياً واهمالاً وبذل المتعاقدين القليل من الجهد للسيطرة على التكاليف ، في حين إن سلطة التحالف التي كانت مسؤولة عن ادارة اموال اعادة اعمار العراق فشلت في الالتزام بالاجراءات المفوضة فدرالياً والخاصة بمنح العقود والاشراف عليها " .

ويشير تحليل للمعلومات الى إن من بين العقود البالغ قيمتها ( 1.5 ) مليار دولار منحت سلطة التحالف ( 74% ) من العقود الممولة باموال عراقية الى شركات امريكية . واذا ما أضفنا الشركات البريطانية، تصل النسبة الى ( 85% ) من قيمة تلك العقود . اما الشركات العراقية فلم تحصل سوى على ( 2% ) من العقود الممولة باموال عراقية . وتقول ( تساليك ) إن الشركات المفضلة لدى الحكومة مثل ( كيلوغ براون ) تستفيد على حساب الشركات العراقية التي توظف من هم بأمس الحاجة الى العمل .

يشير التقرير الى إن ( 60% ) من القيمة الاجمالية من العقود الممولة باموال عراقية ذهب الى ( هاليبرتون ) ، وهي نفس الشركة التي كان مراقبو البنتاغون قد قرروا في كانون الاول انها غالت في الاسعار المفروضة على الحكومة الامريكية بما قدروه بـ ( 61 ) مليون دولار مقابل استيراد الوقود للعراق ، واطلقت وزارة الدفاع تحقيقاً جنائياً بحق ( كيلوغ بروان ) .

وتؤكد التقارير الصادرة عن المحقق العام التابع لسلطة التحالف على نتائج التقارير السابقة . وكان تقرير صادر في تموز 2004 عن المجلس الدولي للمراقبة والمشورة ، وهي هيئة المراقبة التي انشأتها الامم المتحدة ، كما سبق ذكره ، قد وجد مشاكل عديدة في سيطرة سلطة التحالف على أصول النفط العراقي واستعمالها اثناء فترة الاحتلال ، وتتضمن هذه المشاكل غياب قياس النفط لحجم السرقة وتسجيل رديء لمبيعات النفط وغياب مراقبة انفاق الوزارات العراقية واللجوء الى اجراءات غير تنافسية لتقديم المناقصات لبعض العقود ورفض سلطات التحالف نقل بعض المعلومات المهمة للهيئة المفوضة من قبل الامم المتحدة .

ويأتي تحقيق حديث للبنتاغون نظام وضع الفواتير في شركة ( كيلوغ براون ) والذي يظهر بعض مواطن النقص المنتظمة في محاسبة الشركة واجراءات وضع الفواتير التي ادت الى تكاليف باهظة تكبدها دافعو الضرائب الامريكيين واثرت في ايرادات النفط العراقي ليقدم المزيد من الادلة على سوء الادارة .

لقد اتبعت الحكومة العراقية الانتقالية نموذج سلفها الامريكي ولم تقدم حتى الان سوى معلومات ضئيلة عن كيفية ادارتها لإيرادات النفط العراقي . في السياق نفسه اشار مسح دولي الى إن الرشاوى والفساد المتفشيين ربما يدمران جهود اعادة الاعمار بعد الحرب . وجاء في المسح ايضاً وهو قائمة تصدر سنوياً باسماء الدول الاكثر فساداً في العالم ، إن المستقبل يتوقف على الشفافية في قطاع النفط . وقال رئيس منظمة الشفافية الدولية إن تحويل الموارد الى الصفوة الفاسدة واهدارها سيقوض جهود اعمار العراق .

التوصيات

1 . ينبغي على سلطة التحالف إن تعلن فوراً المعلومات التفصيلية التي تملكها عن الاموال الداخلة الى والخارجة من صندوق تنمية العراق بما في ذلك كيف تم الوصول الى رقم ايرادات النفط ، وكذلك أي جزء من المبالغ المدفوعة ينعكس في مشروعات تمت على الارض ؟ واخيراً أي جزء من اموال صندوق تنمية العراق دفع لمؤسسات امريكية واجنبية اخرى ولأي اغراض ؟

2 . يتعين على المجلس الدولي للاستشارة والمراقبة إن يضمن ان تعلن فور اكتمالية نتائج المراجعات الحسابية الجارية في الوقت الحاضر في طريقة سلطة التحالف لمعالجة امور العراق المالية.

3 , يتعين تزويد المجلس الدولي للاستشارة والمراقبة وحلفائه العراقيين بسلطات اكبر حتى يمكنهم من إن يراقبوا بكفاية ايرادات العراق ونفقاته ، ، وحتى يضع الرأي العام اولئك الذي يتعاطونها موضع المحاسبة .

4 . ينبغي إن يزود المجلس الاعلى العراقي للمراجعات الحسابية بمصادر ومساعدات تقنية كافية ، وان يعمل جنباً الى جنب مع المجلس الدولي للاستشارة والمراقبة ، حتى اذا ما تسلم المجلس الاعلى من المجلس الدولي ( حينما يكون قد تم انتخاب حكومة عراقية في حلول عام 2005 في اقصى حد ) كان مستقلاً ومتمتعاً بالسلطة ولديه سلطة استدعاء الحكومة يحاسبها ضماناً لأنفاق شفاف .

5 . يتعين على المجلس الدولي للاستشارات والمراقبة إن يساعد التحقيقات الجارية الآن في فضيحة برامج النفط مقابل الغذاء ، لضمان إن يتم تحديد سليم لأموال النفط مقابل الغذاء العراقية بما فيها المبالغ التي حولت الى صندوق تنمية العراق .

6 . يتعين على الحكومة العراقية الجديدة وحلفائها إن يضمنوا إن تنشر علناً كل المراجعات الحسابية مستقبلاً حتى يستطيع الشعب العراقي إن يرى كيف تنفق حكومته ايراد البلد من نفطه .

7 . يتعين على الحكومة العراقية الجديدة وحلفائها إن يتبعوا " مبادئ مبادرة الشفافية للصناعات الاشتقاقية " التي تتطلب من شركة النفط والبلدان التي تتعامل معها إن تكون شفافة بشأن استخدام ايرادات النفط ، وهكذا يتعين على شركات النفط التي تعمل في العراق أن تنشر ما تدفعه للحكومة العراقية ، ويتعين على الحكومة العراقية إن تنشر ايراداتها من النفط وكيف تنفقها ويتعين عليها ايضاً إن تجعل بين اولوياتها ضمان اقامة نظام قياس ( عدادات ) باسرع ما يمكن .

8 . يتعين على الحكومة العراقية الجديدة - وحلفائها المنتخبين ديمقراطياً إن ينفذوا عمليات عطاءات شفافة للعمل الحكومي بما في ذلك اعادة الاعمار ، وينبغي إن توفر خطوطاً هادية واضحة لقطاعات الاعمال العراقية بشأن العقود التي ترسو عليهم وكيف ينبغي إن تتقدم الشركات بعطاءاتها واي شركة تفوز بالعقود عندئذ .

 


شركة حراسة أميركية تتبع خطى هاليبرتون: فواتير مزورة ومهام لم تنفذ في العراق! 

ما زال العمل في العراق يشكل بالنسبة للكثيرين فرصة لجمع الاموال باسرع الاوقات واقصر الطرق من خلال الاثراء غير المشروع، وتحقيق المكاسب المادية التي تحتاج، تحت ظل القانون الى مدة طويلة، وذلك بالرغم من المخاوف التي يتحدث عنها القادمون من العراق ووسائل الاعلام المختلفة ، ومعظمها مخاوف امنية تتعلق بالسلامة الشخصية.

ولئن كانت الغالبية من الناس تتوخى الحيطة والحذر، بل تفكر الف مرة قبل ان تقبل عرضا للعمل في العراق، فان ثمة من لديه الاستعداد لركوب المغامرة والتوجه الى هذا البلد الذي يعاني من الفلتان الامني، رغبة منه في الحصول على المنافع المادية التي يرى انها تحقق طموحاته واهدافه.

ولكن تحقيق المصالح والمنافع يتخذ نطاقا اكثر اتساعا، وطابعا اكثر جشعا عندما يتعدى النطاق الشخصي الى الشركات الكبرى التي ارسيت عليها عقود بمئات ملايين الدولارات، وعلى الاخص في مجال الانشاءات والمقاولات وعقود التوريدات، التي تنصب على توفير الخدمات الامنية، والاحتياجات التموينية والغذائية والخدمات اللوجستية للجيش الاميركي وقوات التحالف، فضلا عما تناقلته وسائل الاعلام من محاباة لبعض الشركات في عمليات توفير وتوزيع البنزين في العراق شركة هاليبرتون وتابعتها كليونغ اند براون، الامر الذي مكنها من تحقيق مكاسب مادية ضخمة.

كل على طريقته

الجميع يحاول الاثراء في العراق ولكل طريقته الخاصة، وها هي شركة اميركية لخدمات الحماية والامن تتعرض لاتهامات من قبل مدراء سابقين فيها بممارسات غير قانونية.

تناولت هذا الموضوع بالتفصيل صحيفة نيويورك تايمز الاميركية التي قالت ان مدراء سابقين في شركة كستر بتلز للحراسة الامنية، التي كانت قد فازت بعقود ضخمة في العراق، ابلغوا كبار المسؤولين فيها بان الشركة قامت بتزوير فواتير، والادعاء بالقيام بمهام لم تنفذ، وحصلت مقابل ذلك على مبالغ مالية ضخمة.

وقالت الصحيفة ان مذكرات داخلية في الشركة اعدها مديران سابقان تضمنت اتهامات بان الشركة عمدت بشكل متكرر الى اصدار فواتير وقيود لقاء خدمات لم يكن لها وجود, وباسعار مبالغ فيها الى درجة كبيرة.

وتنكر الشركة التي نمت في العراق بسرعة كبيرة وحصلت على عقود امنية بما يعادل 100 مليون دولار خلال فترة تقل عن سنة، التهم المنسوبة اليها قائلة ان المسؤولين السابقين اعاقا المحاولات المخلصة لتوثيق الاعمال المنجزة بسرعة في منطقة تعصف بها الحرب، مع قيامهما بعمليات خداع متعمد، وان الشركة قامت بكل الاعمال المتعاقد عليها بموجب الاسعار المتفق عليها.

تكلفة مبالغ فيها

وتضمنت المذكرات والدعاوى التي رفعها الموظفان السابقان في الشركة عددا من الحالات المحددة بما فيها عملية قيد على حساب سلطة التحالف المؤقتة بمبلغ 157 الف دولار تكلفة مربض لطائرات الهليكوبتر ، في حين تبلغ التكلفة الحقيقية 95 الف دولار، واعادة صبغ رافعات شوكية تخلت عنها الخطوط الجوية العراقية، ثم قامت بقيد آلاف الدولارات على سلطة التحالف بمقولة ان الرافعات كانت مؤجرة لها.

وكان احد المديرين قد طرد من منصبه في الشركة في وقت سابق، وله دور في الدعوى ، التي تتهم الشركة باختلاس عشرات الملايين من الدولارات من الحكومة الفدرالية. اما المدير الثاني الذي تم تعيينه منذ ذلك الحين في منصب رفيع في الشركة، فقد صرح مؤخرا انه تبين بعد مزيد من البحث والتحري ان اي ممارسات خاطئة نسبت الى الشركة، انما تمت على ايدي قلة من الافراد وان ليس لمالكي الشركة علاقة بها.

وفي الثلاثين من سبتمبر الماضي، قامت وزراة الدفاع الاميركية، وقد ازعجتها هذه الادعاءات، بحظر استلام شركة كستر بتلز لاية عقود دفاع جديدة، كما حبست مبالغ تصل على الاقل الى 10 ملايين دولار مستحقة للشركة، التي قامت باستنئناف هذا القرار.

عجز سلطة الاحتلال

والواقع ان التهم التي تخيم على شركة كستر بتلز، تعكس جزئيا مشكلة اعترف بوجودها واقر بها مفتشو الحكومة الاميركية، الا وهي عجز سلطة الاحتلال في العراق، وعلى الاخص في عامها الاول، عن مراقبة اداء مئات الشركات العاملة في العراق، الصغيرة منها والكبيرة، والتي تقاطرت الى بغداد سعيا وراء العقود المجزية في كل المجالات من مواد البناء الى اعمال الحراسة المسلحة.

وكانت الشركة اسست عام 2001 من قبل سكوت كستر ومايكل بتلز ، وتقول انها تستخدم في الوقت الحاضر حوالي 700 موظف.

وقال بيت بالدوين الذي كان مسؤول تسهيلات العراق في الشركة، ان ما ورد في احدى الفواتير التي حررتها الشركة بصدد مهبط الطائرات، والبالغة قيمتها 250 الف دولار يمثل بيانات زائفة ومفتعلة ومفبركة بالكامل.

وذكر انه كتب الى سكون كستر الشريك في الشركة، لافتا نظره الى الممارسات مماثلة، الا انه لم يلق اذنا صاغية. اما محامي الشركة فقال انها استحضرت محاسبين الى العراق لتدقيق الدفاتر ولكنهم لم يعثروا على أي تزوير.

وكان بيتر ميسكوفيتش، الذي شغل منصب مدير للمشروع البالغة قيمته 21 مليون دولار لضمان امن وسلامة نقل الاموال في العراق، قد اعطى ملاحظات مريرة في مذكرة كتبها في الثامن والعشرين من فبراير الماضي الى رئيسه في ذلك الوقت تشارلز باومان يقول فيها «ان مراجعة السجلات تثبت لاول وهلة ان ثمة ممارسات ينطبق عليها وصف الانشطة الاجرامية المتعمدة».

وقد امتنع ميسكوفيتش عن التعليق على هذا الامر عندما طلبت منه الصحيفة ذلك هاتفيا.

التعليق ليس كافيا

قالت قوات الدفاع الجوي الاميركية التي علقت عقد كستر بتلز، في مذكرة اعدتها ان لديها شكوكا في عمليات تزوير متكررة ، وتعتبر ما جاء في مذكرة ميسكوفيتش امرا ذا طبيعة خطيرة وقد يؤثر سلبا في مسؤولية الشركة في الوقت الحالي باعتبارها متعهدا للحكومة او متعهدا من الباطن لها.

وكانت وزارة العدل الاميركية امتنعت مطلع الشهر الجاري عن توجيه الاتهام الجنائي للشركة، ولكن ذلك لا يؤثر في استمرار الدعوى المدنية المرفوعة ضدها.

وقد اسس كستر وباتلزالشركة، وهما من قدماء العاملين في الجيش الاميركي، وبدآ تقديم خدمات امنية لمنظمات غير حكومية في افغانستان بعد سقوط كابول في اواخر عام 2001، ولكن سرعان ما انتعش نشاطهما بعد ان حطت الشركة رحالها في بغداد وحصل الرجلان على عقد بقيمة 16,5 مليون دولار من سلطة التحالف المؤقتة لتوفير الخدمات الامنية لمطار بغداد.

ومع ان العقد الاول لم يتم تجديده، الا ان الشركة اخذت تتلقى العقد تلو الاخر مباشرة من سلطة التحالف، او كمقاول من الباطن لشركات اخرى. وفي تقدمها السريع، استفزت كستر بتلز احيانا شركات الخدمات الامنية الاكثر منها خبرة في هذا المجال، واثارت حفيظتها بسبب قيامها باستقطاب الخبراء الامنيين وتعيينهم لديها لتتباهى على موقعها على الانترنت بانها تتولى قيادة صناعة الخدمات الامنية ورائدة هذه الصناعة في العراق.

وقال ميسكوفيتش في مذكرته ان من الامثلة على الفواتير المزورة التي اصدرتها الشركة، تلك التي تحدثت عن توفير الخدمات والحراسة الامنية لقافلة من السيارات التي تنقل بيوتا جاهزة من بغداد الى الموصل، حيث كانت الحاجة ماسة اليها ليقيم فيها فريق مسؤول عن تبديل الاموال العراقية. وقال انه لم يقف الامرعند عدم تقديم شركة كستربيتلز، أي خدمات امنية لهذه القافلة من الشاحنات، بل ان القافلة نفسها فقدت طيلة اسبوع كامل واضطر المسؤولون الى استخدام الخيام، فيما رصدت الشركة جائزة لمن يدلي بمعلومات تؤدي للعثور على القافلة المفقودة.

 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة