المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

متابعات: على قاعة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق .. التجربة المصرية بين المتنبي والجواهري

علي ياسين - بغداد

ضيف الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، الباحث د. ماجد الحيدر، الذي ألقى محاضرة تحت عنوان (التجربة المصرية بين المتنبي والجواهري)، حيث سلط الكاتب الضوء على تجربة قامتين شعريتين سامقتين، هما المتنبي والجواهري، في رحلتيهما إلى مصر، مستعرضاً أوجه الشبه بين مالئ الدنيا وشاغل ناسها وبين الجواهري الذي لا يقل عنه شأناً في الشاعرية المبدعة والترحالات والاغتراب، وأن اختلف عنه في الطموحات والرؤى. قدم للمحاضرة الشاعر إبراهيم الخياط، ملمحاً: هذه دراسة وثائقية، إذ سبق وأن أعد الباحث دراسة سابقة، كانت مقارنة بين المتنبي والجواهري، ثم بدأ الحيدر بالتمهيد لمحاضرته قارئاً: بين الجواهري والمتنبي أكثر من آصرة وتشابه وصلة رحم. وأحسب أن هذا الأمر واضح جلي لكل من قرأ للرجلين وعنهما، بل أكاد أجزم أن الأمر كان واضحاً في ذهن الجواهري الكبير في كل مرة يستذكر فيها جده العظيم شعراً أو مقالة أو خطبة.. أنظر لقول الجواهري وهو يستذكر جده:
ووجهه كشعاع الفجر منطلق     
وعينه كوميض الجمر تتقد
وفيه تأليفة من هيكل عجب    
فيه الحمامة جنب النسر تتحد
أنا ابن كوفتك الحمراء لي طنب    
بها وإن طاح من أركانها عمد
وانظر إليه وقد أحاطت به الذئاب المستكلبة التي أغراها الحاكمون بنهشه وشتمه ونكران جميله وهو في حصن حصين من عبقريته وشموخه وإبائه مستعيداً درس التاريخ:
تسعون كلباً عوى خلفي وفوقهم        
ضوء من القمر المنبوح مسكوب
ممن غذتهم قوافي التي رضعت    
دمي فعندهم من فيضه كوب
وقبل ألف عوى ألف فما انتقصت    
ابا محسد بالشتم الأعاريب
وهو يدرك أن الناس في زمنه وبعد رحيله لن تفوتهم أوجه الشبه الكثيرة بين هاتين القمتين الشامختين اللتين يفصل بينهما ألف من الأعوام؛ فهو يقر مثلاً في مذكراته بأنه "الأقرب إلى المتنبي، في كل خصائصه ومفارقاته ومغامراته.." وهو حين يستعرض مأساته في الغرب والشخوص أمام أعين الحاقدين والحاسدين والمتربصين" على حد قوله يؤكد ذلك بالقول "لم أجد من ينافسني على "هذه النعمة!!" وحتى المتنبي العظيم.
لقد كابد ما كابدت، وتحمل ما تحملت، وتهجر ما تهجرت، وشرد بمثل ما شردت، ولكنه مع هذا كله فقد كان يقرب يومه الأخير بنفسه وكأنه يريد أن يختزل كل مرارات الحياة التي ذقتها بعده بأكثر من أيامه بثلاثين عاماً. ومع هذا فلا أدري لماذا يذبح المتنبي رمز القومية العربية، وقبل هذا رمز البلد الأول الذي أنجبه وملأ به الدنيا وشغل به الناس؟ لماذا يذبح في وطنه وعلى مبعدة أميال من بيته (من بيتي أيضاً) وأهله في العراق؟".
ويشير الكاتب: أحسب أن الجواهري في شدة إعجابه بالمتنبي ورفعه إلى الدرجة الأكثر علواً وإشراقاً بين أساطين الشعر العربي لم يخالف الآخرين من شعراء العربية وعلمائها ونقادها في الألف سنة ونيف التي انسلخت ما بين عصرنا وعصر المتنبي.
وهو - أي الجواهري - ممن عني بالمتنبي واحتفى به منذ بواكير شبابه ويحفظ لنا ديوانه العديد من المطولات والمقطوعات التي خص بها
أو بجزء منه أبا الطيب المتنبي فمنها قصيدة "الشاعر الجبار" التي ألقيت في الاحتفال بالذكرى الألفية للمتنبي عام 1935.
ليعود بعد اثنين واربعين عاماً ويخص المتنبي بمطولته الرائعة "فتى الفتيان" والتي يستهلها بهذين البيتين الجميلين:
تحدى الموت واختزل الزمانا    
فتى لوى من الزمن العنانا
فتى خبط الدنى والناس طرا    
وآلى أن يكونهما، فكانا..
في خمسة وثمانين بيتاً كانت الجوهرة التي كللت مهرجان المتنبي الذي أقيم ببغداد عام 1977.
وحين نلتفت إلى نثره سنجد العديد من الإشارات التي تؤيد ما ذهبنا إليه في خطبه ومذكراته ومقالاته ومقابلاته الصحفية، وحسبنا من ذلك كلمته وهو رئيس لاتحاد الأدباء في العراق في افتتاح مهرجان المتنبي الذي اشرنا إليه؛ ففيها ما يدل على أن الجواهري ممن أطال النظر في حياة "هذا المعجز الجبار" وشعره وعبقريته.
ويؤكد الحيدر معروف أن الجواهري والمتنبي لم يكونا ممن أقاما بأرض ولا أظلته سماء إلا ريثما يرحل إلى أخرى اختياراً أو قسراً. فلم يكد المتنبي يبلغ مبلغ الرجال حتى غادر كوفته الحمراء وأخذ يخبط في الآفاق فلم يترك بادية أو حاضرة إلا وحط فيها رحاله القلق المستفز:
وأسري في ظلام الليل وحدي كأني منه في قمر منير
فمن بغداد إلى مدن الشام وباديتها إلى منبج إلى بادية السماوة إلى سجن أمير حمص إلى اللاذقية إلى طبرية إلى الرملة إلى حلب إلى دمشق إلى انطاكية إلى مصر إلى أرجان إلى شيراز إلى الأهواز إلى واسط إلى دير العاقول كان هذا العبقري الطامح الثائر الساخط المتوعد يتخذ الترحال مهنة وهوى ولعنة يسوقه بحثه الدائم عن المجد، عن الحلم الذي لازمه منذ الصبا..
سلام على هضبات العراق    
وشطيه والجرف والمنحنى

أما الحفيد فقد سمح له تقدم وسائل النقل بأن يوسع قليلاً خارطة ترحله بل قل تشرده الدائم! فمن النجف إلى بغداد إلى إيران إلى سوريا إلى مصر إلى لبنان إلى علي الغربي إلى المغرب إلى موسكو إلى باريس إلى لندن إلى كردستان إلى الأردن إلى السعودية إلى براغ إلى صوفيا إلى.. إلى.. كان الرجل الطويل النحيل ذو العينين القلقتين والحضور المحبب الأخاذ يصول ويجول في مشارق الأرض ومغاربها ضيفاً عزيزاً حيناً وثقيلاً حيناً، سائحاً، هارباً، لاجئاً، حاملاً قضية شعب مثخن بالجراح، وفناناً ملتزماً عنيداً:
خلفت غاشية الخنوع ورائي
    وأتيت أقبس جمرة الشهداء

ودرجت في درب على عنت السرى
    ألق بنور خطاهم وضاء

فإذا ما تراءى له يوماً أن رحلة العذاب والغربة ستحط رحالها أخيراً في الوطن المشتهى حدث نفسه بين التمني والشكاة:
أرح ركابك من اين ومن عثر
        كفاك جيلان محمولاً على خطر
كفاك موحش درب رحت تقطعه
        كأن مغبره ليل بلا سحر
لكنه يجد الإقامة على الذل نظير شيخوخة وادعة صفقة خاسرة سرعان ما ينفض يده عنها ليعود من جديد غريباً، شريداً، مسافراً أبدياً يطل من بعيد على دجلة الخير ويردد من جديد:
سلام على هضبات العراق
        وشطيه والجرف والمنحى
سلام على قمر فوقها
        عليها هفا وإليها رنا
بيد أن رحلتين من تلكم الرحلات التي خاضها الرجلان ستكون محور عنايتنا ها هنا.. وأعني رحلتيهما إلى مصر.
ففي عام 346 هجرية (957 ميلادية) دخل المتنبي مصر نافضاً يده من تجربة أمدها تسع سنوات سلخها في بلاط سيف الدولة الحمداني تفرغ فيها لمدحه في ثمانين قصيدة ومقطوعة معلناً يأسه من تحقيق حلمه / مشروعه الخطير الذي جل أن يسمى في هذا البلاط المزدحم بالأشرار والحاسدين وأنصاف الشعراء. إلى اين إذن أيها الحالم الكبير؟ كانت مصر تناديه وتلح عليه في النداء. فيتمنع مرة ومرتين ثم يشد إليها رحاله القلق. لكنه في حقيقة الأمر لم يكن معنياً بمصر لذاتها، لحضارتها أو تاريخها أو علمها أو جمالها أو أمنها. كلا، بل كان ما يعنيه فيها شيء واحد، بل قل رجل واحد: كافور الأخشيدي.
فلو لم تكن في مصر ما سرت نحوها.. بقلب المشوق المستهام المتيم
كان هو الآخر يمارس مشروعه وحلمه الذي يصارع إزاءه عقدة الأصل الوضيع وذكريات سياط النخاسين. والتقى الحلمان / المشروعان: شاعر مسكون بفلسفة القوة، يبحث عن عرش ولا بأس في أن يبدأ هذا العرش بضيعة أو ولاية يهبها خصي مملوك رفعته الأقدار، وسلطان يبحث عن شاعر يدخله سجل الخالدين ولا بأس في أن يكون شاعراً متمرداً طموحاً. و.. يطلب ثمناً باهضاً!
ويمضي الكاتب قائلاً: تستمر اللعبة أربعة أعوام يزوق المتنبي فيها المدائح تلو المدائح في أبي المسك، الملك الأستاذ، رجاء العيون، الأروع، صافي العقل، الحبيب، الأديب، المجرب، المهذب، الأغر، الأبلج، ليث العرين، المنصور، الهمام، الوفي، واهب الدولات، الأسد، الليث، الواحد، الذي في ثوبه بياض المجد رغم سواد الجلد، ذي الفم الضحاك، البحر، الكريم، الشجاع الذكي، البهي، القادر، الوفي، الفتى المارد على المراد، السيل الذي تضيق دونه الوديان.
ويقيناً أن كافور وهو يهتز طرباً كان يعلم أن المتنبي يحاول خداعه ويعلم أن المتنبي يعلم أنه يعلم ذلك. وتستمر لعبة المطاولة ويخسر الشاعر كما في كل مرة فيفر من ممدوحه / آسره ويلعن كل شيء: السلاطين، والدهر والناس والأرض ويقلب المجن فنقرأ على ظهره: ويحك يا كافور، يا عبد السوء، يا من لا في الرجال ولا النسوان معدود، أيها الخصي، الكلب، المثقوب المشفر، يا كويفير اللئيم يا من قدرك مردود بالفلسين، أيها الأوكع ذو الكعب المشقوق، الوضيع، القزم، الأحيمق، يا زق الرياح ايها الكركدن، يا إمام الآبقين، يا من أخلاقك المين والإخلاف والغدر والخسة والجبن، أيها اللئيم بل أولى اللئام بالذم، لئن مدحتك فلقد كان ذلك هجو الورى، ولئن أضحكتني فلقد كنت أرجو أن أراك فاضحكا.
لقد كان في عمر يقارب عمر المتنبي حين دخل مصر.
كان النصف الثاني من القرن العشرين يفتح أبوابه، وكان الجواهري قد سلخ نصف قرن من حياة ضاجة صاخبة متقلبة، طالب دين برماً متمرداً، ثم موظفاً مدللاً في بلاط مؤسس المملكة العراقية صباحاً، شاعراً لاهياً عابثاً في ليل بغداد في زمرة من الضاربين تقاليد مجتمعهم المتزمت عرض الحائط.. ثم معلماً يناصبه العداء مدير التربية الطائفي المتزمت حتى يلقي به "على قارعة الطريق". ثم صحفياً مشاكساً، سياسياً برلمانياً حيناً ونزيل سجون حيناً، حادياً لانتفاضات دموية يسقط فيها جعفر الجواهري، أباً لحزمة من أولاد وبنات وجدوا في اليسار العراقي الناهض حلمهم وفيلقهم الذي يحاربون في صفوفه فيسجنون ويطاردون ويتنقلون بين منازل مستأجرة وسجون ومقاه وأرصفة. كان الجواهري
مثل أي شاعر عربي ترعرع في أحضان المدرسة الكلاسيكية قد جرب كل فنون الشعر وأغراضه وأولها المديح، مديح فيصل الأول الذي وجد فيه ضالته كما وجدها المتنبي من قبل في سيف الدولة. ومثل المتنبي خاب أمله في حكام العصر ولكن وهنا جوهر الفرق لم يجد الجواهري بديله في الإغراق في الذاتية والإحساس بالعظمة والتعالي على "أهيل هذا الزمان". كلا فلقد تعلم الجواهري الدرس سريعاً ووجد طريقه بين أبناء هذا الشعب الطيب العنيد العجيب المتقلب المعجز. وأدرك بالضبط خطورة دوره في صنع تاريخ تلك المرحلة، لقد أصبح شاعر الشعب، شاعر الفقراء المذلين المهانين الثائرين:
لم تكن عينه على حاكم من حكامها
يقولون من هم أولاك الرعاع
        فافهمهم بدم من هم
وأفهمهم بدم أنهم
        عبيدك إن تدعهم يخدموا
وإنك اشرف من خيرهم
        وكعبك من خده أكرم
وكان عالماً وسعيداً بمحله من قلوب الناس، وهو المحل الذي لم يغادره حتى بعد رحيله عن عالمنا.
وحين دخل مصر لم تكن عينه على حاكم من حكامها يستنصره ويسأله المدد. نعم كان مطارداً وجريحاً وجائعاً لكنه لم يكن ليستبدل باشوات بغداد بباشوات القاهرة. لقد كانت القاهرة عنده
وعند الكثير من رجال ذلك الزمان قبلة المشرق العربي وأم الحضارة والجمال والنضال. إليها رحل الجواهري مدعواً من رجل حبيب إلى قلبه، رجل نهضة وعلم وأدب ألقى الحجر تلو الحجر في هذه البركة الراكدة: طه حسين! كان قد التقاه من قبل ونشر في مجلته الكاتب العربي وكان يسره أن يعرف عميد الأدب العربي قدره ومكانته. وهناك في القاهرة يسترد الشاعر أنفاسه ويسترخي بين أحضان النيل والتاريخ العبق:
يا مصر تنتهض الدهور وتعثر
والنيل يزخر والمسلة تزهر
وبني أبناء الشعب "الكريم الجميل الصابر الصامد المحب للحياة العميق الأحاسيس الذي يحب المرح والسهر والسمر والنكتة المازحة والجلسة الناعمة والجنس الناعم".
ما وقفنا عليه من المصادر يشير إلى أربع رحلات للجواهري إلى مصر: أولها تلك التي كانت في أوائل العام 1951 بدعوة من عميد الأدب العربي ووزير المعارف المصري آنذاك الدكتور طه حسين، وكانت العلاقة بين الرجلين قد ترسخت كما أسلفنا منذ حضورهما مؤتمر المثقفين العرب وقبل ذلك مهرجان المعري في دمشق عندما صدح الجواهري ببيته الشهير:
لثورة الفكر تاريخ يحدثنا
        بأن ألف مسيح دونها صلبا
فصاح طه حسين مستحسناً مستزيداً مهيباً بأبي فرات أن يعيد ويقول: بألف ألف مسيح دونها صلبا! ثم ليتقدم منه معانقاً ومناديا به خليفة للمتنبي العظيم.
خلال تلك الزيارة الأولى تكفل طه حسين أبناء الجواهري فرات وفلاح وأميرة وسهل أمر دراستهم وإقامتهم في مصر وأحس الجواهري أنه ربما وجد في مصر وفي شخص طه حسين ضالته وملجأه فوطد العزم على العودة إلى مصر في السنة نفسها آملاً أن يطيل إقامته فيها، فتوجه أولاً إلى دمشق بعد أن ودع والدته الوداع الأخير بقصيدته الرائعة:
تعالى المجد يا قفص العظام
وبورك في رحيلك والمقام
مما يعيدنا مرة أخرى إلى المقارنة بين هذه القصيدة ورائعة المتنبي في رثاء جدته
أمه الحقيقية التي قتلها الشوق إلى ولدها والقلق عليه:
ألا لا أرى الأحداث حمداً ولا ذما
        فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما
يتحدث الجواهري في مذكراته بشيء من التفصيل عن هذه الرحلة الثانية ومفارقتها: فما أن حط الشاعر رحاله في القاهرة حتى فوجئ بأمر استدعاء (سمه إلقاء قبض) لم ينقذه منه إلا توسط طه حسين ومساعدة ضابط وطني شاب أثنى عليه الجواهري ولم يذكره بالاسم. ثم تبين أن سبب هذا الاستدعاء عثور السلطات المصرية في أمتعة الجواهري على لوحة أهداها إياه بعض معجيبه من فناني سوريا تمثل حمامة السلام الشهيرة.
ويوضح الحيدر: لكن إحساس الشاعر بالفتور
إن لم يكن العداء الذي تتعامل به السلطات المصرية معه شرع بالتزايد حتى ضاقت به أرض الكنانة فقرر الرحيل عنها مستغلاً فرصة دعوة تلقاها لحضور مؤتمر السلام العالمي في فينا.
بيد ان الجواهري ليس ممن يترك مناسبة كهذه دون أن يثير زوبعة تليق بالمقام! ها هو يشرع بكتابة قصيدة وداع لأرض مصر يحاكي فيها دالية جده المتنبي في وداع مصر.. وهجوها:
عيد بأية حال عدت يا عيد..
فيتفتق ذهنه عن هذا المفتتح القوي المزلزل:
ما زلت يا مصر والإذلال تعويد
        يسومك الخسف كافور وإخشيد
لكنه يسرع في البيت الثاني إلى توضيح الأمر بما يشبه الاعتذار الفوري لشعب مصر:
مقالة كبرت الحب رائدها
    حب المسودين لو شاؤوا لما سيدوا!
وعند هذه اللحظة التاريخية
أعني مغادرة مصر مغضبين ثائرين هازئين بكافوري زمنيهما تكف المقارنة عن تعداد أوجه الشبه بين الرجلين وتبدأ باستعراض أوجه الاختلاف: فالمتنبي لم يعش بعد مغادرته مصر غير أربعة أعوام قضاها متنقلاً بين العراق وفارس ولم يزر مصر ثانية ولم يعش حتى يشهد إنهيار الدولة الإخشيدية على يد "جوهر الصقلي" خادم المعز الفاطمي وكاتبه سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة للهجرة بعد وفاة كافور الإخشيدي بسنة أو نحوها (وبعد وفاة المتنبي نفسه بنحو اربعة أعوام)، كما أن المتنبي لم يأت على ذكر مصر بعد رحيله عنها إلا وفي فمه مرارة وندم لا على رحيله عنها لكن على رحيله إليها مثلما لم يفوت مناسبة إلا وهجا فيها كافور الإخشيدي بأقذع الألفاظ. أما الجواهري فقد عاش بعد رحيله الغاضب ذلك أربعة عقود ونصف شهد فيها سقوط الملكية في مصر بعد أشهر قلائل من رحيله عنها وصعود نجم العسكر والتيار القومي العربي واحتدام الصراع العربي الإسرائيلي وتوالي الحروب التي انخرطت فيها مصر. وكان الجواهري في كل ذلك لا يكف عن نصرة مصر وشد أزرها ولا يذكر مصر وشعبها إلا بكل خير ومحبة، لكن العجب العجاب أن يظل الشاعر ممنوعاً من دخول مصر بقرار سري منذ عام 1952 وحتى وفاة جمال عبد الناصر أوائل السبعينيات حين زارها وألقى قصيدته الشهيرة في تأبينه، أما أسباب ذلك المنع فلم يشر إليها الجواهري في مذكراته وبقيت مادة للتكهن والتخمين!
لكن مصر احتفت بالشاعر العظيم من جديد عندما زارها في أخريات أيامه لحضور احتفالات ذكرى تأسيس الهلال فاستقبلته خير استقبال وعرضت عليه الإقامة في مصر غير أنه اعتذر مفضلاً أن يقضي أيامه الأخيرة في بيته بدمشق.
وفي ختام المحاضرة التي أثارت جدلاً وسجالاً واسعين أجاب المحاضر على مداخلات القاص شوقي كريم حسن، والكاتب جمال كريم، والدكتور خليل إبراهيم، والشاعر جاسم بديوي.


طالب يعثر على قصيدة مفقودة لـ فروست "افكار عن الحرب"

ابتسام عبد الله
عن "الغارديان
عثر طالب على قصيدة غير منشورة ومنسية للشاعر الامريكي "روبرت فروست"، والقصيدة التي تحمل عنوان "أفكار عن الحرب في البيت" تلقي الضوء على تطور شعر فروست في الحرب كتبت عام 1918، بعد وقت قصير على وفاة صديقه، ادوارد توماس في فرنسا.
الطالب ويدعى روبرت ستيلينغ "طالب دراسات عليا، في جامعة فرجينيا" كان يبحث في المراسلات الخاصة بفروست في مكتبة الجامعة عندما عثر على رسالة من احد اصدقاء الشاعر المقربين وهو فريدريك ميلشر وقد اشارت تلك الرسالة الى "قصيدة غير منشورة عن الحرب" والتي كتبها فروست على الغلاف الداخلي لكتاب يقتنيه ميلشر وكان ذلك الكتاب "شمال بوسطن" وهو أيضاً ضمن مجموعة الجامعة.
ويقول روبرت سيلينغ، انه ذهب مباشرة الى المكتبة وفي دقائق عثرت على الكتاب، وعلى القصيدة مكتوبة بخط يد فروست وتبدأ بـ"اهتياج طائر حرب".
واعلن ستيلينغ، ان القصيدة ستنشر للمرة الاولى في مجلة "فيرجينيا ريفيو" الفصلية وكان الناقد تيد غينووايز آخر من عثر على قصيدة لفروست، قبل سبعة اعوام، وتم نشرها على اساس انها آخر ابيات غير منشورة تقرأ لفروست، او التوقع وجود غيرها، وعلق غينو وايز قائلاً: كان ما قلته حقيقياً، آنذاك، قبل سبعة اعوام ولذلك فان العثور على قصيدة كاملة غير منشورة من قبل وغير معروفة هو أمر صاعق.
"افكار عن الحرب.. في البيت" تشير الى منزل في منطقة ثلجية في زمن الحرب العالمية الاولى بعض طيور القبق تتعارك خارج الباب الخلفي للمنزل "اهتياج طائر الحرب" المرأة القابعة في الدار ترتبك في اثناء خياطتها للثياب، تقوم من مكانها وتتطلع عبر النافذة، فتصمت الطيور وفي المقطع التالي يقول طير لآخر "علينا ان ننتهز فرصتنا/ ونهرب الواحد بعد الاخر/ مع ان العراك لن ينشب بعد/ اكثر من الحرب التي في فرنسا وتفكر المرأة في مخيمات الشتاء" التي وجدت حيث الجنود من اجل فرنسا" ثم نسحب واقيات النافذة، الواقيات تبدو من الخارج" سيارات هجعت منذ وقت طويل/ ميتة على درب جانبي"
روبرت فروست
ولد روبرت فروست في سان فرانسيسكو عام 1873 القي الضوء عليه للمرة الاولى كشاعر في مدينة لندن، مع صدور كتابه "ارادة صبي" عام 1913 واصبح روبرت فروست احد اعمدة الشعر الامريكي تناول في شعره قضايا اجتماعية وفلسفية نال فروست اربع جوائز بوليتزر، وتوفي عام 1963 في بوسطن.
وسيتم عرض القصيدة الجديدة في معهد هاريسون، جامعة فيرجينيا في الـ20 من الشهر الحالي.


في عدد خاص عن القاص والباحث ناجح المعموري "الأديب" تحتفي بجهوده ودراساته
 

كرست جريدة الأديب الاسبوعية التي يرأس تحريرها الناقد عباس عبد جاسم، عددها (133) الصادر يوم 13/9/2006، لدراسة أدب وحياة القاص والناقد ناجح المعموري وهو تقليد استمرت عليه الجريدة المذكورة، وخصصت أعداد سابقة لبحث ودراسة عدد من المبدعين العراقيين المتميزين.
وضم العدد دراسات متنوعة، ساهمت فيها مجموعة من النقاد والدارسين إذ تناول أ. د مجيد الماشطة كتاب الأسطورة والتوراة للكاتب ذاته، والمثقف ورهان الاختلاف في مشروع ناجح المعموري الثقافي، للدكتور عامر عبد زيد، وكتب أ. د طالب مهدي الخفاجي، عن ناجح المعموري وأعماق التوراة.
وكتبت الدكتورة رفقة محمد دودين شهادة بعنوان ناجح المعموري هذه أرضك وهذه حكاياتها. وكتب الشاعر والناقد علي حسن الفواز عن حيوية القراءة الثقافية، لأساطير الآلهة في بلاد الرافدين.
فضلاً عن دراسات أخرى، ساهم فيها، د جواد الزيدي، ود. عاصم عبد الأمير ود. فائز الشرع، وجاسم عاصي، ومحمد أحمد العلي، واختتم الدراسات رئيس التحرير في عموده الأسبوعي نقطة ابتداء إذ قال عن المعموري:
إذاً نحن بإزاء مفكر يؤسس للكشوفات مسكوت عنها أكثر من كونه باحثاً عن هذه الكشوفات من حيث الأدوات والمفاهيم والإجراءات. وبذا فإن هذا العدد الخاص عنه بمثابة اعتراف ثقافي بإنجازه الدال في خطاب ما بعد الثقافة الأبوية.


قراءات شعرية في جنوب فرنسا للشاعر هاتف جنابي
 

عبد الفتاح مكودي* - فرنسا
*عبد الفتاح مكودي- كاتب ومترجم من المغرب يقيم في فرنسا.

في الفترة ما بين 12-20 أيلول/سبتمبر حل الشاعر والكاتب العراقي هاتف جنابي ضيفا على مدينة(فيجاك) ومحيطها جنوب فرنسا، حيث أقيمت له ثلاث أمسيات شعرية في الأيام 15-17 سبتمبر، تلتها نقاشات ولقاءات مع مثقفي المنطقة، حيث كتبت عنه الصحافة المحلي، منها صحيفة La D?p?che Lot مضفية عليه لقب "شاعر القطيعة". والقراءات الشعرية في اليومين الأول والأخير كانت في أماكن خاصة ولنخبة من المدعوين، بينما أمسية يوم السبت 16 سبتمبر أقيمت في مكتبة:
De Part Et D’Autre Librairie -Caf?” " في مدينة(فيجاك" وجاءت بمثابة تتويج للأمسيتين الأولى والأخيرة حيث حضرتها نوعية معتبرة من المثقفين، ومن بينهم الفنان الفرنسي المعروف (جاك ماريشال) مصمم ومزين ديوان "الحقول المغناطيسية" للشاعر الدادائي - السوريالي الفرنسي (فيليب سوبو)، كان أندريه بريتون ذاته معجبا بهذا الرسام وصديقا له، إذ قدم أحد معارضه في باريس. وكان من ضمن الحضور كذلك راقص ومنشد الفلامنكو المعروف غيرمو(فرنسي أندلسي الأصل)، والفنان المسرحي (آلان فرو) صاحب فرقة التكعيبيين المسرحية مسرح الشارع، والرسام (آلان بريلار)، والناشر (جاك بوركو)، وبعض الشخصيات الثقافية والأكاديمية والإعلامية الفرنسية وبعضها من الأساتذة العرب الذين تجشموا عناء السفر من مناطق خارج المدينة لحضور الأمسية. كان الحضور متميزا جدا، ومكثفا بنوعيته وإصغائه. قدم الشاعر إلى الحضور محرر هذا النص ومترجم الشاعر إلى الفرنسية، مشيدا بالشاعر وبتجربته الشعرية المتميزة، وبالشعر العراقي الذي أغنى الشعر العربي بأصالته، منوّها بأهمية فتح منافذ متعددة ومتنوعة لتجسير الهوة بين الثقافات، وأعني هنا الثقافتين الفرنسية والعربية، تقوم مثل هذه اللقاءات بتسليط الضوء وعن كثب على تجارب شعرية عربية حداثوية أخرى غير معروفة كثيرا، حيث يحضر الشاعر والكاتب جسدا وروحا.
بعدها قرئت مجموعة من قصائد الشاعر باللغات الفرنسية والإنجليزية وقام الشاعر بقراءة القصائد بالعربية بطريقة وأداء جديدين ومثيرين. قرأ القصائد بالفرنسية السيد (هنري روبير-
Henri Robert) وهو مختص بقراءة النصوص المسرحية، وقامت زوجته السيدة (ميشيل روم روبير- Mich?le-Rome Robert) أستاذة الأدب الإنجليزي سابقا بقراءة بعض القصائد بالإنجليزية بترجمة الشاعر خالد مطاوع. وأعطى الأمسية مذاقا عازف الكنبري الشاب المغربي (عبد المجيد العلوي) الذي عزف مقاطع مكثفة على آلته البدوية المسماة بالكنبر. في ختام الأمسيات تقدم الضيف بالشكر الجزيل لمضيفيه ومنظمي القراءات الشعرية المذكورة والمشاركين بها. هاتف جنابي معروف لدى القراء العرب كشاعر ومترجم وناقد، لكنه غير معروف تماما لدى القارئ الفرنسي، حضوره في جنوب فرنسا وتفاعل المثقفين والصحافة المحلية مع كتاباته يعطينا انطباعا إيجابيا ويعدنا بحضور مستقبلي له.
الجدير بالذكر بأن مختارات شعرية للشاعر ستصدر بالفرنسية في باريس الربيع المقبل تحت عنوان "بابل تبحث عن بابل"، بترجمتنا وتقديمنا.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة