المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

أرخبيل الحدائق ..تجربة شعرية جديدة (1-2)
 

ياسين النصيٍّر
1

قليلة هي القصائد التي تغاير مسيرة الشعرالعامة،وقليل جدا أن تجد فيها ما يجعلها تجربة متفردة.قصائد كريم ناصر في هذا الديوان جمع مفترق، فيها من شعره القديم ما يبقيه لصيق الذهنية، وفيها من الجديد ما يؤشر إلى مسار شعري جديد. وهو ما بين الحالين تطور باتجاه البحث عن صفاء الشعر.لذا استطيع أن اتحدث عن تجربة واضحة الملامح، تجربة تعيد الشعر لمرابعة الحقيقية بعيدا عن الإيديولوجيا والعاطفة والتفاعل المباشر مع اللحظات الشعرية، تجربة ارجو ان ينتبه إليها القراء، ففيها ما يجعل شعرنا بخير. فبعد ديوانين مرا على تمارين شعرية غاية في السعة، اجده في هذا الديوان يبتدئ بتجربة الواقعية الفنية التي تبنى اسسها على تشكيل صور شعرية من تجاورالاشياء بطريقة مغايرة لتشكلها واقعيا، فيقربنا من شعر الهايكو الياباني، ذلك الشعر الذي يعتمد رصد الحياة فلا شيء خلفه أو امامه إلا الصورة التي يتشكل فيها الآن.ثمة ظاهراتية واضحة أيضاً وهي أن كل الأشياء حاضرة في الآنية، وليست لها امتدادات أو ارتباطات أو متعلقات. لعلنا ندرك أن شعرا ينهل من موضوع الواقع دون ان يحسب على اي ايديولوجيا أو عاطفة هو ما يكون أكثر قبولا في الزمن القادم بعد أن أشبعت الأيديولوجيا الشعر بمتعلقات متخلفة لا يستطيع حملها تاريخيا خلال الحروب وغيرها...كل القصائد المتعلقة بموضوع آخر غير موضوع الشعر نفسه نجدها تخبو عندما يسلط ضوء الواقع عليها، في حين أن قصائد الصورة النقية للأشياء وهي تتشكل في حركة كونية مكانية تبقى متألقة وتتجاوز الايديولوجيا أو الموضوع النفسي. أنها تصوغ رؤية أكثر دقة للواقع ولمتعلقاته الأخرى بما فيها المتعلق الاجتماعي والثقافي والفني. فقد اكمل في ديوانيه السابقين تعامله الذهني مع الاشياء والحالات والشخوص والامكنة،وكانت سياحة مبهجة في اللغة، بالرغم من بقاء الكثير من تلك التجربة عالقا في هذا الديوان.
وقبل الدخول في تفاصيل تجربته الجديدة نعرج على بعض مفردات التجربة الجديدة. فالشاعريجزئ قصائده إلى مقطعات صغيرة تحمل كل واحدة منها عنوانا فرعيا، ثم يضعها تحت عنوانات شاملة، ناقلا القصيدة من الجمل الشعرية إلى المقاطع الشعرية، ومن المقاطع الشعرية إلى القصيدة المتعددة العنوان، وفي بنية المقطع ثمة نثار للأشياء هي حواشي اللحظة المقتنصة. المقطعية سمة بنائية في هذا الديوان،فتجد القصيدة بخمس او ست مقاطع صغيرة، لكل واحدة منها عنوانها الفرعي الخاص بها وهو غالبا ما يكون كلمة أو صورة في المقطع ، وبجمع معنى المقطعات تكون المحصلة المعنى لعنوانه الكبير. هذه الطريقة تربط بين حال الشاعرالمتغيرة بفعل ما يصادفه او يفكر به، وبين تعامله من بنية أرخبيل الحدائق حيث احتواء الحدائق على مختلف الأزهار والنبات، لكنها من وجهة نظري تشتت الرؤية وتجعل الشعرية غير مستقرة، كنت أفضل أن لا يدخلنا في تفاصيل العنوان الكبير المتفرع لعنوانات صغيرة، ويكتفي باحدها. ترى أين يستقر بنا الحديث، فتقاسيم ايقاعات اللحظة المكانية مؤلفة من ثيمات تمر في حياة الشاعر وكأنها تجارب لم تكتمل بعد. الشاعرالذي ينصب شباكه لاصطياد هذه اللحظات غارق في حالات الافول الكبيرة المتعددة، ولذا تراه يكثر من التفاصيل كي لا تفوته المشاهد، فالحياة خسارات متجمعة. يحاول الشاعر أن يعيد إليها حياتها، والشعر عنده هو لملمة لأجزائها وكأي شاعر مغترب يضع في سلته كل ثماره ليعرضها، وهذه محنة أن ترى الديوان ممتلئا بثمار تجربة واسعة. لذا ساكون دقيقا في تعاملي مع هذا الديوان، لاحتوائه على اربعة مواضيع رئيسة:
1-    اعتماد بنية الحكاية في القصيدة.
2-    التعامل مع الأمكنة/ الأزمنة الآفلة.
3-    سيطرة وهيمنة الأنا/ المستمع.
4-    التشكيل الفني للواقعة.
في اعتماد بنية الحكاية ثمة عودة للأصول الشعرية، تلك التي توفر ارضية لسياق حكاية جديدة وهي تنبثق من حكاية قديمة.الحكاية هنا ليست جديدة كليا، بل هي بلاغة القصيدة المبنية على نحو الجمل الشعرية، فالنحو يقود البلاغة. ثمة سياق لغوي دقيق يقود السرد الشعري إلى بنية مركبة، وهذا السياق هو من مولدات اللحظة الزمنية التي يرى الشاعر فيها الاشياء وهي تتشكل بطريقة بصرية/ فنية، فيقف على مبعدة من اصولها، لا يبتدع حكاية جديدة ولا لينهيها، بل ليسير ضمن سياقها محدثا له مسارا فيها، ولذا فهو مطالب مرارا بأن يجدد زاوية الرؤية، وإلا لا شيء يعيد تكوين الصورة القديمة غيرأن يضيف إليها تفاصيل جديدة ومن لحمتها. ثمة حكاية تتكرر كلما مرعليها الزمن، لكنها لن تتجدد إلا بأن يدمجها بحكاية الوطن وابنائه المهاجرين، وحكاية الأمكنة التي تشكلها الأشياء في زمن الحروب،وبعفوية المطر والطيريشكل صوره المعاصرة عنها، فتراه وهو يفعل ذلك يستعير له شهريارا معاصرا ليكمل معه الحكاية. حكاية الحرب والأزمنة المغتربة، وبقايا ذكرى الوطن، والأفول. هذه الطريقة تكتسب نوعا من بنية الترابط بين الأزمنة،فنجد طريقته أما سرداً لأحداث مضت ولم تكتمل بعد فبقيت ناقصة تستجدي من يكملها، وهي طريقة لجأ إليها الكثيرون عندما نشّطوا ذاكراتهم عما حدث لهم في الوطن وفي الغربة فكانت الأنا مفردة مهيمنة، وإما ان يبتدع الشاعر مسرحا وشخصيات لتتحاور فيستدعي أحدهما الآخر ويؤلفا نص القصيدة الجديدة أوليكملا ما اهمل من الأدوار. وفي هذه المساحة القلقة بدأت تجربة كريم ناصر ترسو على الأرض حيث تعايش مع ما مرعلى الجميع، فرادتها أنها تستعير صوتا خاصا هو الشاعر/ المستمع، لتبدأ اللغة رحلة الرسوعلى ارض اكثر قلقا، ارض الغربة مشبعة بارض الوطن، وبرؤية رمزية تستدعي لسانا آخر. وثمة ملاحظة أن كل مقطع شعري ينتهي بصورة تجثو في بركة الحكمة.
نحن بانتظارك كما تلاحظ
لأن قمر السعادة مرَّ..
جميع الذين رأوه من النوافذ ذعروا،
ظنوا أن طائرا إنقض على الفرائس.
.....
..... ص 11
ووسط الحوارية الشعرية يطلب من أناه /المستمعة أن تكف، فالندب يتحول إلى سكين وحجارة، ووسط الغبش الليلي يتصورمشهدا تسقط فيه القنابل على البيوت والساحات والاطفال، فيتكسر زجاج النوافذ وتموت الاشجار وتهرب العظايا والجرذان انه قيامة الاحياء المذعورة.
تعال أنظر
كلما زاد صراخ الاطفال، انكسر زجاج نوافذنا
وغرزت الصواعق صنانيرها في ظهر الشجرة.
ياشمس الشموس متى نلحق بالفرسان؟
اللعنة إن الفردوس ليس لنا. ص 11.
وبغض النظر عن النتائج فالحكاية تكتسب مدى جديدا يمكنها من أن تستمر فما زالت الحدائق تولد امتدادا لارخبيل الموت والدمار واليأس.
لولاي لوقعتَ في الفخ المليء بالزحّافات،
إسمعْ أيها الصديق أسمع:
كلما نهشت الحية قدم الهدهد
تغلغل اليأس في نفوسنا،
ونضب الماء في الحدائق بلا توجع. ص 17
هذا هومفتتح الديوان واستهلاله، ترى كيف ستكون القصائد التي توحي القراءة لها بأنها منتظمة في سلسلة الفواجع كالمسبحة واحدة تقود لأخرى.
2
يعكس هذا الديوان دربة غير منقطعة عن البحث في يوميات منفلتة من زمنها، يكون الشاعر محورها الفاعل، يوميات طافية ومتوحدة، تجتمع فيها الاحياء والاموات في احتفالية شعرية استثنائية الكل فيها منتظرون ولا يرى حركة الانتظار إلا الشاعر وقد ملأت سماء المكان،ابتداء من قصيدة " شمس الشموس" وصولا إلى رشق الصقور بالحجارة، يعيد علينا تركيب مشاهدنا المهشمة في مرآة حكايتنا الهاربة من وجوهنا. لحظة ثم ينفجر المشهد،فتتشظى الذكريات، أما نحن فنركض دون أن نعثر على ماء الحدائق، نركض دون أن نعرف المكان،و نركض دون أن نجدد لغة للحوار توقف نزيف الدم. القصائد تتابع رحلة الركض هذه لكنها لم تلتقط غبار اقدامنا بعد، بل نبقى في الركض بينما الطريق يعّلم .
في القصيدة الثانية يبتدئ بما انتهت إليه الأولى: الحجارة المقذوفة باتجاه الصقر تتحول هنا إلى جسر للعبور،مصحوبة بالشاعر/ المستمع، هنا يسيران بطريقة المشي وجها لوجه، لا تزال الحرب قائمة والقصف مستمرا والناس في ذعر القيامة، انظر كل شيء يحال إلى رماد، الا تنظر فكل ما رويناه لم يعد متماسكا، ثمة انحدار مدمر يمر علينا. فهل نتماسك ؟ ثمة قلق نعيش فيه، فلنخرج ألسنتنا كي نشتم العالم. العالم فيما حول الشاعر/ المستمع ليس عالما حلميا ولكن من شدة كثافته يتحول إلى ركام من الكلمات والصور القديمة
هلم لئلا تُنصب المصائد حيثما يريدون.
فالحمائم نسيت فراخها على ابراج مفلوقة.
هنا أكل الكلب الفراخَ،لكنه لم يفطن للفاجعة،
....
الحكاية ذهبت أدراج الرياح. ص 15
في " القمر البري" يبتدئ بما انتهى إليه في قصيدة محنة الحمام، هذه السلسلة من المسار يربطها خيط أنا الشاعر فيعيد علينا اشرطة زمنية " منذ أعوام" متحركة الصور، وعلينا ان ندرك أننا في زمن مخرجين يحركون خيوط اللعبة في اشرطة لا نعرف كيف بدأت ولا إلى أين انتهت، إنها لعبة الزمن الدوار، الزمن الحركة.
اقفرت منذ اعوام الفيافي
منذ اعوام تداعبُ الريحُ الوردة،
مهتاجة كخفق الشراع. ص19
شعرية المحاورة الضمنية بين الشاعر/ المستمع، تدور عليهما عربات الصور المستعادة من امكنة قريبة، وأزمنة بعيدة، ومن ذاكرة، ومن قراءة، ومن لغة، ومن مفردات قاموسية غير مستعملة، فنجده يغور في البحث عن مفردة تملك الغواية للوصول إلى..... لكنه أحيانا يخسر الرهان لعدم تخلصه من الذهنية بعد. هل ثمة قلق أسلوبي نستشعره في تجربة الشاعر؟ شيء من هذا موجود، فالشاعر لا يزال يتعامل مع الأشياء المفقودة، الآفلة والمنزوية والبعيدة، وكأنها خلاصة لعالمه في الغربة،في حين أنها لا تشكل إلا قشرة اللحظات، وليس كل اللحظات. ثمة اشياء وحالات تهرب من بين أصابعه فيستجدي حضورها وينثر لها البخور، لكنها في النهاية تهرب منه.
ما لهذه الخطوات لا تصل الى اللالئ؟
لِمَ لمْ نرَ إلإ الأزقّة التي تتوارى،
وفي الكُوّةِ الا الثعابين
التي تُحدِّق الى المرتفعات؟ ص44
ثمة نشيد داخلي يلازم خطواته، نشيد هيمنة القوى العمياء المتسلطة التي اكتسحت اخضر النفوس، ثمة جفاف في الروح سببها البرابرة القادمون
اه متى تنهزم كتائب البرابرة
لاعتق نهرا قاحلا أشلاؤه كزبد التضاريس
وحدي أترأف بالكائنات
وحدي ملازم حدائق الكرم
كخيزرانة عظيمة (انجزت مهمتها)
ماذا تريد ؟ ص 45


مجلات
 

المأمون
عن دار المأمون للترجمة والنشر، صدر العدد الخامس لسنة 2006 من مجلة المأمون، التي تعنى بالسياسة والفن والعلوم متضمناً مجموعة من المواضيع التي تستحق القراءة، منها الواقع الاسلامي والتطبيق الديمقراطي ترجمة فوزية ناجي، وثروة الفقراء المخفية ترجمة عادل العامل، وليوناردو دافنشي ترجمة مها محمد، ومسرحية التراجيديا الاسبانية ترجمة امان عبد الفتلاوي، والكتابة والتطور الحضاري في العراق القديم ترجمة كاظم سعد الدين، والسوبر نوفا انفجار النجوم القاتل ترجمة الاء الخيرو فضلاً عن مواضيع اخرى.


الحقيقة
عن منتدى دار الحقيقة، صدر العدد الثامن لسنة 2006 من مجلة (الحقيقة) وهي مجلة سياسية ثقافية شهرية، ضم العدد مجموعة من الدراسات والمقالات التي تناولت تأريخ العراق المعاصر، والادب العراقي المعاصر منها الفوضى العارمة لموفق الشديدي، وملامح من ثورة العراق الجبارة، لحسين مروة والموضوع مأخوذ من جريدة السياسة لعام 1958، فضلاً عن مواضيع اخرى.


كتب
 

محمد عبده..امام الحداثة والدستور

يتناول الكتاب انكسار وفوات الفكر العربي المعاصر بشتى تياراته، بالمقارنة مع مدرسة الإمام محمد عبده أوحزب الإمام الذي ولدت من عباءته الحداثة العربية والإسلامية بشقيها الإصلاحي الإسلامي التنويري (علي عبد الرازق) من جهة ، والإصلاحي العلماني الليبرالي (طه حسين) من جهة أخرى ، بحيث تبدو مصفوفته النظرية المعبّر عنها في برنامجه السياسي الذي وضعه للحزب الوطني أكثر راهنية من كل ما أنجزه الفكر السياسي العربي لاحقاً.. وهو ما يجعل مشروعه الحداثي الدستوري مطروحاً على جدول أعمال اليوم، إذ تستعيد حركة المشروعية الدستورية الديموقراطية مبادرتها اليوم بعد أن أسقطتها الشعبويات: القومية واليسارية انقلابياً منذ منتصف القرن الماضي. هذه اليقظة الدستورية التي تفتحت قبل عقد ونصف في مواجهة فقه الكراهية الذي راح يهيمن على العقل والفؤاد العربي والإسلامي، سلطةً ومعارضة ! ان الباحث عبد الرزاق عيد يقارن الافق العقلي المفتوح للامام محمد عبده وهو رجل ازهري متنور، والأفق المنغلق للاسلام الاصولي اليوم ويجد بونا شاسعا بينهما باتجاه حقوق الانسان والايمان بالدستور والديمقراطية رغم ان الفاصل الزمني بين الاتجاهين يزيد على القرن. والغريب في هذا الكتاب ان الاسئلة الاجتماعية والفقهية والعلاقة مع الغرب، ظلت هي ذاتها التي تحكم الفكر العربي والاسلامي، وكأن تطورات العقود العديدة السابقة لم تغير أي شيء في آلية العقلية العربية منذ ذلك الحين. والكاتب عبد الرزاق عيد مؤلف الكتاب ناقد وباحث سوري، درس في كلية الآداب بجامعة حلب، ونال الدكتوراه في النقد الحديث من السوربون سنة 1983. أصدر عشرين كتاباً في النقد الأدبي والفكر السياسي منها: في سوسيولوجيا النص الروائي، طه حسين- العقل والدين(بحث في مشكلة المنهج)، أزمة التنوير، ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة، سدنة هياكل الوهم- نقد العقل الفقهي. والكتاب هذا من اصدارات معهد الدراسات الستراتيجية/ بيروت.

المستبد.. صناعة قائد، صناعة شعب

عن معهد الدراسات الاستراتيجية، صدر حديثاً كتاب للروائي والصحفي زهير الجزائري بعنوان "المستبد.. صناعة قائد، صناعة شعب" قدم له الباحث فالح عبد الجبار قائلاً: هذا كتاب خاص، بحرفية التعبير، وبمجازيته ايضاً وهو خاص لأسباب عدة فالكتاب محاولة لرؤية ما لا يرى: التنقيب في حقبة البعث التوتاليتارية وهي في عز جبروتها، وذروة هوسها بالتكتم والاسرار.
يتضمن الكتاب اربعة عشر فصلاً، خصص المؤلف كل فصل، لمناقشة كيفية تكوين الفكر الديكتاتوري، والشخصية الديكتاتورية لدى صدام حسين، خلال سنوات حكمه منذ العام 1968 وقبل ذلك التاريخ، وصولاً الى الانتفاضة التي اعقبت دخول الكويت، وما قام به الدكتاتور من مجازر وكيفية تقريب اقاربه وذويه من السلطة، ومنحهم السلطة الرئيسة والمهمة في الاجهزة الامنية، والوزارات، والدوائر الاخرى. وبرغم اهمية الكتاب في تسليط الضوء على مرحلة تاريخية مهمة، وقريبة من اعمارنا وذاكرتنا، الاّ انه احتوى على بعض الاخطاء، في التسلسل الوظيفي، لبعض المسؤولين انذاك، وذكر التواريخ، وبإعتقادنا ان هذا الكتاب مفيد للجيل الجديد، الجيل الشاب الذي لا يعرف شيئاً عن المرحلة الزمنية التي عاشها الشعب العراقي، ضمن حكم الديكتاتور وكيفية التمهيد لتسلمه السلطة.


قصة قصيرة: أمل اللقاء

د. جمانة القروي

فتح عينيه، ادارهما في ارجاء الغرفة.. احس براسه ثقيلا كأنه جبل من احجارصلبة تكسره المطارق...شعر بوهن في اطرافه، حتى انه لم يتمكن من رفع يديه ليمس بهما انفه، فقد اعاقته من الوصول إليه خراطيم المغذي الدقيقة التي كانت مثبتة في يده.. حاول تلمس فمه باليد الاخرى، ماهذه الكمامة التي تحجزه؟؟ لبث لوقت طويل.. يفكر يتذكر.. اين هو؟؟ وماهي هذه الجدران الشاحبة التي تحيط به؟؟.. حدق بانتباه إلى الصورة المعلقة على الحائط أمامه، أمرسومة بالالوان الزيتية، ام المائية؟.. وماذا تعني هذه الخطوط الزرقاء والبيضاء.. حاول جاهداً الامعان فيها!! إلا انه لم يتبين ماهيتها... اراد النهوض.. لكن قواه كانت خائرة.. بصعوبة بالغة انقلب للجهة الاخرى، كانت قطرات المطر الليلي لا تزال عالقة بزجاج النافذة..
شيء ما كان يعتريه.. هاجس غريب سكنه منذ زمن، لم يفقه مبعثه.. اعاد محاولته في شحذ ذاكرته، إلا انه لم يفلح..!!
فجأة..قفز إلى عقله ودون سابق انذار سؤال ملحاح!!.. منذ متى بدأ يعد نفسه للقاء اهله، أحبته، اصدقاء طفولته... ربما منذ اول يوم رحل فيه عنهم،أو قد يكون بعد اشهرقليلة او سنوات من رحيله.. ربما حين أخذت غربته تمتد اكثر واكثر؟؟ لم يكن يعرف، متى أستبد به الحنين اليهم ومنذ متى لازمه هذا الاحساس..؟؟ لقد ملأ الشيب فوده.. وجرفه تيار الحياة، إلى أماكن عديدة في هذا العالم الواسع، اصبح زوجاً، وأباً لثلاثة اطفال.. تغيرت العواصم التي رحل إليها والمدن التي عاش فيها... إلا انه كان يرى مدينته في كل الاماكن.. ووجوه اعزائه.. في وجوه الناس الذين التقاهم في محطات حياته.. دارت السنين عليه،وهو ما زال يلتقي مدينته، هي.. هي... لم تتغير!! يحلم في صحوه ونومه بانه سيلتقيها حتما يوما ما كما الحبيبة التي تنتظر حبيبها، في كامل بهائها وحسنها وما ان يعود اليها حتى تفتح له ذراعيها بعد طول شوق وحنين.. لاتزال الطبول تقرع في راسه...
ما ان يختلي مازن بنفسه حتى يتخيل ذلك اليوم بكل تفاصيله الدقيقة.. حين يلقى وجه امه الحزين، هل لا تزال كما تركتها ؟؟ تتشح بالسواد؟؟ فمنذ ان وعى على الدنيا وهو يراها لا تلبس غيره، اجل لم يرها يوما تلبس لوناً اخر، او تضع الزينة على وجهها، او حتى تضحك من اعماقها.. هل مازالت تذهب إلى مجالس العزاء وان لم تكن تعرف لمن تقام.!! كان يسال نفسه دائما؟؟ هل مازالت المحلة والشارع والجيران كما تركهم قبل حفنة من السنوات..؟؟ المدينة الجميلة بجسورها واسواقها وشوارعها ومقاهيها.." هل ساجد كل شيء على حاله..لا اكيد تغيرت بعض الشيء، ولكني حتما لن اتوه فيها فانا اعرف كل تفاصيلها.. وكل ثناياها، وخباياها.. ما يفصلني عنها البعد الجغرافي فقط " كثيرا ما كان يحدث نفسه.."
بصعوبة إلتفت إلى الجهة الاخرى لتقابله اللوحة من جديد... عاد إلى مخيلته ذلك اليوم العاصف من نيسان حيث المطر والرعد والاعصارعلى اشده في غربته.. وحيث الشمس اللاهبة والغليان يجتاح بلاده، وعاصمتها التي يعشقها... كان حينها يشرب قهوة الصباح في عمله وهو يتابع احداث ما يجري على شاشة التلفاز شاهد تمثال الطاغية وهو يهوي، وجموع الناس وهي تتجمع لتسحق الصنم الذي كان يجثو على صدورهم بضعة عقود.. قفز من مكانه..أخذ يصفق بكلتا يديه.. يبكي ويضحك.. يجلس، يقف وعيناه لاتفارقان الشاشة التي امامه.... ناسيا المكان والزمان.. ردد كلمات كثيرة، لم يكن هناك احد حوله ليفهم لغته، او يعلم بما يجري.. لكن فرحه الغامر جعل الجميع يقبله، و يفرح معه!! إحقا.. زال الكابوس.!! وساعود إلى بلدي.. وتنتهي عذابات غربتي... ردد بصوت مسموع.. تردد صدى صوته في أرجاء تلك الغرفة الغريبة..
اغمض مازن عينيه محاولا النوم... إلا أن الذكريات أبت ان تتركه وشأنه..!! فكم من الايام الطويلة التي عاشها على امل العودة إلى وطنه، والاستقرار هناك نهائيا..؟
عاد بافكاره إلى سبعة وعشرين عاما، حين ترك بغداد مرغما، بعد ان ساعد معظم اصدقائه في الهروب من الموت والتعذيب الذي كان بانتظارهم.. تنهد!! كيف رحل بجواز سفر مزور وباسم اخر غير اسمه، كان الخطر يترصده في كافة تحركاته، ولم ينجُ إلا حين تلقفته احضان الغربة التي لم يخطر على باله بأنها ستمتد به كل هذه السنوات...
بين الصحو والنوم..وبين الحاضر والماضي.. ومض كبرق..وجه حبيبته الاولى.. وسمع من بعيد شهقات دموعها وانينها، وكلماتها وهي تعده بالانتظار حتى لو كلفها ذلك عمرها كله!! لكنها سرعان ما نسيت وعدها، وتخلت عن كل ألتزاماتها امام اول فرصة سنحت لها..أبتسم ساخرا من غبائه: كم من السنوات اضاع وهو يعيش على رحيق ذلك الحب والامل..؟
تواردت الافكار، والاحداث في راسه، كصهيل خيل جامحة.. فعادت به إلى سنوات الطفولة حينما كان يلعب مع اقرانه في ازقة محلته التي ولد فيها... وفجأة.!! شعر بيد ناعمة تلمس جبينه، ويد اخرى رسغه، لتجس نبضه.. كانت تقف إلى جانب سريره أمراة غير واضحة الملامح، مشوشة الصورة، إلا انه رغم ذلك تبين ابتسامتها، تمتمت بكلمات لم يفهمها، وغابت كما الطيف.. أحس بخدر في جانبه الايمن، فانقلب على ظهره.. حدق ملياً في سقف الغرفة.. حتى أستبد به التعب فاطبق اجفانه،.. اضطر إلى هجر مرابع الطفولة بعد ان انتقلت عائلته إلى منطقة شبه نائية في اطراف بغداد ومنها إلى مناطق متعددة اخرى.. حرم عليه الاختلاط بالصبية.. الغموض والتكتم لف حياة عائلته..؟ لم يفهم لماذا؟ إلى ذلك اليوم الذي خرج فيه والده ولم يعد اليهم ابدا..!! حينها عرف بان والده كان سياسيا ومن اجل مبادئه ضحى بحياته...
تساءل مازن مع نفسه: اين انا الان؟ ما معنى هذا؟ وهذا الالم الذي يأبى ان يتركني وشأني؟ ولماذا انا مربوط باسلاك تحد من حركتي..؟ حاول جاهدا ان يرفع راسه عن الوسادة، لكنه كان اضعف من ان يقوم بأي حركة.. فاستسلم للذكريات التي عادت اليه كسيل جارف لتكتسح رواسب حزنه الطويل والعميق..
في خضم ذلك التيار الهادرمن الهواجس والافكار والذكريات.. جفل على صوت تردد صداه، وكانه اتٍ من بطن واد عميق،.. ياجماعة اصبحنا على مشارف بغداد...ارتبك مازن، ساوره شعور بالخوف من اللقاء.. من المجهول الذي ينتظره.. حاول لملمة شتات نفسه المبعثرة.. بين ما كان.. وما صار.. بدت انوار المدينة ومصابيحها المضيئة تزداد ضياء.. امعن النظر من خلال النافذة، بتوجس، عسى ان يجد ضالته، او يرى ما يذكره ولكن عبثا..!! لقد تغير كل شيئ، الشارع، المحلات لون الباب، حديقة الدار.. سمع بوضوح طرقات الباب، ورنين جرس البيت الذي فارقه منذ اعوام طويلة.. لاح له اصبعه وهو يضغط على قفل الجرس بالحاح... تذكرحينذاك كيف اراد أن يقفز السور.. شعر بأحضان امه الدافئة التي بللت وجهه بالدموع والقبل والعناق.. كم كان مشتاقاً لتلك العاطفة وكيف انتابته جملة من الاحاسيس المختلفة.. اخذت دموعه تسيل، مخترقة خده وصفحه وجهه، ليستقر بعض منها على وسادته والقسم الاخر في أذنه.."اين انت يا أمي،؟ ياليتك كنت الان معي لغمرتيني بفيض حنانك ولمسحتي براحتك على جبيني المتعب.." بحشرجة تمتم مع نفسه..
أعاد الكرة محاولا الحركة، لكنه لم يستطع التشنج كان يسري في دمه من قدمه حتى راسه.. لازمه ظل الذكريات ناثرا اشرعته..
ها هو الفجر يلوح في الافق وهالته الارجوانية تظهر من بعيد..أطل من شباك غرفته.. كم مرة حلم بانه يقف امام نافذة غرفته.. يتأمل المكان،.. لقد تغيرت الاشياء.. الاشجار اشتد عودها.. الفسيلة التي تركها اصبحت نخلة مرفوعة الهامة.. تذكر!! كيف انه لم يطق صبرا فخرج إلى الشارع لوحده.. بعد ساعات فقط من وصوله.. سار على غير هدى أراد اكتشاف كل شيء بنفسه.. فبعد غياب طويل عن حبيبته بغداد كانت رغبته شديدة في ان يلتقي بها اول مرة بعد فراق سنين لوحدهما.. يتنفس عبيرها، يحتمي بحضنها.. يلوذ بدفء شمسها الوهاجة.. يعانق نهرها الدافق... لكن ما شاهده على وجهها أفزعه.. فقد هرمت..وتشوهت معالمها.. ومزق جسدها بوحشية.. ووجهها المشرق اصبح كالحا هرما.... حتى دجلة بدت له تبكي.. وقف يتأملها بكل شوق ولهفة...لا.. لا.. لم تكن هي هذه ذاتها من كان يقضي الصيف في احضانها أو على ضفافها .. ومن اجلها عوقب مئات المرات..!! لم يترك مكانا في المدينة التي لم يعشق سواها إلا والتقاه.. كان يسير كما لو انه ليس في وعيه.. لكن شعورا بالحزن واليأس جعل دموعه تنهمر حسرة ولوعة..ازدادت دقات قلبه، واحس باختناق وجفاف في فمه حاول بلع ريقه اراد ان يتحرك لكنه أحس كما لو انه مسمر في سريره.. حاول ان يصرخ باعلى صوته، لكن صوته بقى مسجونا داخل حنجرته..
حمل قلبه، وقد انغرست فيه سكاكين صدئة، عائدا إلى منفاه.. لقد احرقت حبيبته.. بدت اثار الشيخوخة والقهر والحزن والحرمان واضحة عليها.. وبرغم كل الجراحات كان يأمل بانها حتما ستعود إلى شبابها وبهائها وعافيتها ولو بعد حين..
تقاذفته امواج الغربة العاتية مرة اخرى.. ورغم إلاحباط الذي اصابه إلا انه تابع حياته برتابتها المعهودة.. فكان يرى ويسمع ما يجري في بلده.. حطام ودمار، ونار مستعرة،، لكن التفاؤل ظل داخلة كوشاح عروس ابيض.. وما لبثت عيونه ان رنت إلى وطنه ولهفة اللقاء به لازمته.. كان يمني النفس بالعيش في احضانه..
بعد ثلاثة اعوام حسم امره بالعودة.. لم يذعن لتحذيرات اخوته، وامه الراقدة على فراش الموت، التي كانت تفضل الموت دون رؤيته عائداً إليها في هذا الظرف العصيب.. لكنه لم يأبه بكل ذلك وقرر المغامرة حتى وان كلفته حياته.. لم يكن يفهم ماهو ذلك الشيء الخفي الذي كان يشده، يجذبه إلى جذوره التي لم تستطع سنوات البعد ان تقتلعها.. اهو الشوق الذي لم يبارحه يوما..؟؟ اهو حب المكان الذي لم يجد مثل دفئه في اي الاماكن؟؟ إهي لهفة العودة إلى الزمان الذي كان؟ أم هي جذوره التي تمتد عميقا هناك؟؟ ربما اراد وداع امه فقد تكون المرة الاخيرة التي يراها فيها لم يستطع تفسير الدافع الحقيقي للمغامرة.. تردد مازن،... لكنه اذعن في النهاية إلى صوت قلبه الذي كان يناديه..
كان مازال يتارجح بين اغفاءته المتقطعة.. والنوم العميق..سمع دقات خفيفة على باب الحجرة.. وصوتاً يناديه باسمه.." من تكون هذه؟؟ وماذا تريد؟ " حدث نفسه، واشاح بوجهه عنها.. حينها تراءى له.. الموت.. الدمار.. الالم.. المصاعب.. الفاقة.. الفجيعة.. غدت من طبيعة الحياة في بغداد.. ازدات شحوبا.. وغدت حطام مدينة.. ليس فيها سوى الحواجز الامنية .. والاوساخ.. اكوام الحجارة.. الازبال.. ابنية باكملها محروقة.. ومهدمة ومهملة.. حتى وجوه أهلها أصبحت كالحة عيونهم خائفة.. قلوبهم مكسورة .. كل شئ يلفه الغموض والتوجس.. لقد انطفأ القها، وذوى بهاؤها.. للمرة الثانية التقى بدجلة ذلك النهر الذي لا يضاهيه اي نهر في العالم بجماله.. ولكن هيهات ان يجد ما احب.. الوحشة والحزن يلف ضفافه.. سار على اطلال ما كان و احساس غريب استولى عليه.. و خناجر القهر والالم تنغرس في قلبه، بدون رحمة.. انهمرت دموعه الساخنة كما المطر على الارض القاحلة علها تهدئ من البركان الثائر في نفسه..ادرك حينها ان من الصعب العودة والاستقرار بين اهله...
عاش اياماً كئيبة حزينة.. كان مرهقا بالفعل وعاجزاً عن التفكير او التركيز إلا بما اصاب وطنه.. هجر كل شيء..اهمل عمله، واسرته... كره كل ما حوله.. وانزوى في وحدته... لقد رافقت لحظات اليأس هذه وضوحا في الرؤية.. هاهي الحقيقة امام عينيك!!
صوت رقيق متسائل، جذبه، إلى الواقع.."كيف تشعر؟ انت احسن اليس كذلك؟"كان الصوت مثل نغمة موسيقية شجية.. استوضح مبعثه.. جلست صاحبته على حافة السرير.. وابتسامة هادئة تطفح على وجه ملائكي القسمات.."
بجهد تساءل مازن.." أين انا؟ ولماذا انا هنا "؟
"مجرد للعلاج.. والراحة.. "!!

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة