الصفحة النفسية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

رؤية في وظيفة المكان .. سايكولوجيــــا الحــــواجــــز والأســــلاك الشـــــــائـــــكة في مــديــنـــة بغــــداد
 

لؤي خزعل جبر
بدأتْ في الشوارع الرئيسة في مواضع متفرقة محدودة، ثم أخذت بالاتساع، فامتدت إلى الشوارع الفرعية، حتى أصبحت تغطي غالبية منافذ ومسارات المساحات الكبيرة والصغيرة في انتشار طوفاني يمكن لأي فرد تلمسه، إلى الحد الذي أصبحت فيه (صيغة تعريفية) لمدينة بغداد، تلك هي (ظاهرة الحواجز والأسلاك الشائكة).

تمثل هذه الظاهرة هماً يومياً يعيشه الإنسان العراقي يضاف إلى أكداس من الهموم التي تجثم على صدر واقعه المأساوي، وتثير في نفسه عدة تساؤلات عن مبررات وجودها وأهدافها ومدى فاعليتها وما تضفيه من طابع على البيئة التي يعيش فيها، إذ أن ظاهرة بهذا الحجم لابد أن تؤسس لتصورات ذات ابعاد متعددة على مستويات عدة ذات طابع سلبي، أول آثارها تشويه البيئة وأحاسيس الإنسان.
وانطلاقاً من واقع الإحساس بعمق الظاهرة، نعكف في هذه الدراسة على تشخيص بعض ابعادها على نحو الإجمال، وانعكاساتها على البنية المعرفية والانفعالية الجمعية، من خلال طرح عدة مقاربات سايكولوجية قد تسهم في اغناء الوعي بهذه القضية.
مقاربة سايكو- بيئية- جمالية
تؤثر (البيئة) التي يعيش فيها الإنسان على مختلف ابعاد حياته ولاسيما النفسية منها، وهذا ما أكدته العديد من الدراسات في ميدان علم النفس البيئي. وعلى هذا الصعيد يمكن أن نرصد جانبين في ظاهرة الحواجز والأسلاك الشائكة: الاول (جمالي) والثاني(اجتماعي).
فكل إنسان يحب بيئته ويشعر بالارتياح فيها عندما تتوافر على النظافة والترتيب والتنظيم والجمال، والعكس صحيح. ومن الواضح أن بيئة تغطيها الحواجز والاسلاك الشائكة تفقد كل معنى للجمال خصوصاً إذا لاحظنا أن وضع هذه الحواجز لايستند إلى تخطيط واع لتحقيق أهداف ملموسة، بل هي موضوعة بشكل عشوائي (اكداس من الكتل الكونكريتية أو السكراب أو الاحجار)، والتي تجذب بمرور الزمن أكواماً من الاوراق والاتربة ما يعطي لمدينة بغداد (العاصمة!!!) طابع البيئة اللاعقلانية، والعشوائية، والقذرة!
كما يكرس شيوع هذه الظاهرة الازدحام بوصفه مرضاً مزمناُ في شوارع هذه المدينة، وهو ظاهرة ذات نتاجات متعددة على المستوى السايكولوجي، منها أنه يؤدي إلى تضييق(المسافة الشخصية) بين الافراد ما يسهم في تهديد احساسهم بالهوية، كما أنه يعزز نزعة (التغالب) بين الافراد، ويهيئ الاجواء المناسبة لهيمنة العقل الجمعي الذي يمكن أن يؤدي إلى تصرفات غير مسؤولة في حالة تعرض الجميع إلى استثارة معينة.
وبهذا نجد أن هذه الظاهرة تسلط
على المستوى البيئي ضغطاً نفسياً مضاعفاً على الانسان العراقي كل يوم.
مقاربة سايكو- معرفية اجتماعية
لايمكن للانسان أن يتحرك في الواقع دون أن يكون لديه جملة من (التوقعات) المتعلقة بنتاجات تحركاته في المستقبل، وذلك بناءً على مقارنات واستدلالات مرتكزة على الوضع الماضي. فالتوقعات تستند إلى ثبات الواقع وعقلانيته، فالطالب مثلاً يتوقع النجاح إذا ما بذل جهداُ في الدراسة، وتوقعه هذا مبني على خبراته السابقة وملاحظة الآخرين، وإذا لم يتحقق هذا التوقع فأنه سيصاب بالاحباط والتشوش.
والواقع العراقي بتخبطه وهيجانه الجنوني يعمل على تفتيت (خارطة التوقعات) للافراد وترسيخ (خارطة لا توقعاتية) أو (خارطة فوضى)، إذ اصبح الفرد العراقي لا يستطيع أن يمارس التوقع على أي صعيد.
وتمثل ظاهرة الحواجز والاسلاك الشائكة جزءاً من هذا الواقع، إذ تسهم بشكل فاعل في تأصيل الفوضى. فالناس لايعرفون ما إذا كان الشارع (س) الذي مروا به منذ لحظات سيكون مفتوحاً بعد لحظات أم أنه سيكون موطناً للحواجز التي تسده كلياً أو جزئياً. كما إن الازدحام الناتج عن تراكم الحواجز يجعل الافراد لايستطيعون تنظيم مواعيد العمل والارتباطات الاجتماعية، إذ قد يصل الفرد إلى المكان الذي يقصده بـنصف ساعة أو بسبع ساعات أو لايصل نهائياً، ما يسبب إرباكاً هائلاً في آلية تنظيم الوقت لدى الأفراد. وبدل أن يكون ثمة ثبات في حركة وارتباط الافراد يوجد قانون الفوضى واللا توقع، وهو قانون يعمم ليشمل كل ابعاد حياة الافراد. فماذا تتصور أن يكون واقع ومستقبل مجتمع يسير على وفق قانون الفوضى؟
مقاربة سايكو- رمزية
يمثل (الرمز) مكوناً اساسياً من مكونات الفعل والتفاعل الاجتماعي، من خلال استدماجه السايكولوجي القائم على المقاربة بين واقع وآخر لاستشراف العناصر المشتركة بينهما، ثم بناء أواصر على هذه العناصر تجعل التأثير متبادلاً والنتائج موحدة بين الواقعين.
ويمكن أن نقارب رمزياً بين ظاهرة الحواجز والاسلاك الشائكة وبين (السجن) بوصفه موضوعة بشرية ومادية متميزة أسست لتمارس ضغطاً عقابياً على أفراد معينين من خلال إحاطتهم بحواجز تحد من حركتهم لإشعارهم بالعزلة والقهر، وهذا هو عين ما تمارسه الحواجز في حياة الانسان العراقي. إلا أن الثانية تتميز بانها تتعامل مع (شعب) وليس مع(افراد)، إذ نجد (شعباً مسجوناً)، والمفارقة أن هذا الشعب عاش سجيناً على المستويين الفكري والسياسي لعقود طويلة إن لم نقل قروناً، لكنه انتقل الآن إلى المستوى المادي من السجن متمثلاً بالحواجز والاسلاك الشائكة لتكتمل بذلك دورة سجنه.
والافراد المسجونون نمطان: الاول مسجون مذنب، والثاني مسجون بريء، ويشكل واقع السجن ضغطاً على كلا الفردين، إلا أنه محدود على الاول ومطلق على الثاني، لوضوح أن الاول يدرك استحقاقه للعقاب، كما أن شخصيته عادة ما تكون باردة الاحساس، بينما يدرك الثاني لاعدالة الواقع، وتكون شخصيته حساسة إزاء العزل، وهو ما يجعله عرضة لكم ٍ هائل من الضغط الذي يصعب تحمله. والنمط الثاني هو الملاحظ في الشعب المسجون في بغداد، إذ أنه جمهور وضع في هذا الموقف دون أن يكون قد ارتكب جرماً. وبهذا تكون بغداد في خضم هذه الفوضى السياسية، قد غدت رمزاً لمساحة مكانية
حضرية شاسعة يُسجن فيها الإنسان!
***
يتضح من هذه المقاربات الطابعُ السلبي لهذه الظاهرة وكونها مشوهة للبيئة والانسان، وهذا يصل بنا إلى صياغة ثلاث توصيات موجهة إلى المسؤولين:
* العمل على الحد من انتشار هذه الظاهرة، والتقليل منها، وصولاً إلى جعلها أقل مقدار ممكن، وإزالة الآثار الثانوية والمتخلفة عن الحواجز المزالة، وايجاد خطط امنية بديلة أكثر فاعلية.
*العمل على تطوير البيئة وتجميلها، فهذه القضية ليست قضية ذوقية وشخصية بل ذات مساس مباشر بالكيان النفسي والاجتماعي للإفراد وبالتالي بالبناء السياسي والاقتصادي للمجتمع.
*ينبغي على أصحاب القرارات التي تمس قطاعات واسعة من الجمهور أن يمتلكوا وعياً سايكو- سوسيولوجياً رصيناً يمكنهم من صياغة مواقف لا تؤدي إلى نتائج هي عكس ما صيغت لأجله؛ أو بتعبير آخر لكي يصوغوا مواقف تؤدي إلى البناء وليس إلى التدمير!


ظـــاهرة (الحــب) .. هل جذورها في المخ والجينات والإفرازات الكيميائية؟!
 

ماجدة تامر
لعهود طويلة، ظلت كلمة الحب مقتصرة على فئة معينة من الناس، كالأدباء والفنانين وما شابه. إلا أن النظرة إلى الحب بدأت تتغير يوماً بعد يوم وتؤخذ على محمل الجد من قبل علماء الكيمياء والأحياء الذين كانوا ينظرون بتعال إلى فكرة الحب ويعدونها مجرد تحليقات في الفضاء أو شطحات في الخيال. فقد أصبحوا اليوم أكثر اهتماماً وجدية في التعامل مع هذه الظاهرة المعقدة، بتوكيدهم على أن الحب ظاهرة كيميائية تنشأ في داخلنا، فنحن نحب لأن أجسامنا تفرز مواد كيميائية تدفعنا تجاه شخص معين دون سواه. وهكذا فالحب ليس خيالاً أو تحليقاً في الفضاء، بقدر ما هو غريزة أساسية هامة لدينا، وحقيقة بيولوجية يمكن دراستها بصورة علمية. فلأسباب عديدة سواء بفعل الجينات أو التبدلات الكيميائية في أجسامنا، يحصل لدينا الانجذاب أو النفور تجاه الطرف الآخر. فإذا حصل انجذاب تجاه شخص ما، يفرز الدماغ مواد كيميائية معينة تجعلنا نشعر بالسعادة أو الارتياح لذلك الشخص، مثل الدوبامين والنوربينيفرين. وبعد مرور فترة من الزمن، يظل الدماغ ينتج كميات كبيرة من الاندروفين وهي مادة تشبه المورفين، وهي المسؤولة عن الإحساس بالأمان والطمأنينة والهدوء، وذلك كلما كان الارتباط بالحبيب قوياً. ولكن يتناقص إنتاج هذه المواد نتيجة لضعف الارتباط بالمحبوب لسبب أو لآخر، فيشعر الشخص المهجور عندها بعدم الارتياح وعدم الأمان وحتى الاضطراب. وللحب أعراض شائعة ومعروفة للجميع تتسم بالاضطراب في الأفكار والسلوك والإحساس بأن ذلك الحبيب هو محور حياتنا كلها وأننا لا نستطيع العيش بدونه مطلقاً، وهذا ما يسبب لنا العذاب والقبول بفكرة الاستعباد خوفاً من أن نفقد ذلك الشخص فتصاب حياتنا بالشلل. وهنا يؤكد علماء النفس بأن لكل منا خريطة حب في اللاشعور لدينا، تجعلنا نحب هذا أو نكره ذاك. وعندما يقول لك المحبون أنهم يشعرون وهم في حالات الحب بأنهم تائهون تدور بهم الأرض، فلا تسخر منهم، لأنهم يكونون كذلك بالفعل. يكونون حينئذ مغمورين بفيض من الإفرازات الكيميائية التي ينتجها الدماغ والتي تسري عبر الأعصاب وتجري في الدم. وعندما يهجرنا الحبيب نشعر بالخوف والاضطراب والضياع، وذلك ببساطة لأن دماغنا يتوقف عن إنتاج هذه المواد التي اعتدنا عليها. وهكذا يتحول الحب إلى ما يشبه الإدمان.ويستمر العلماء ومنذ فترة ليست قصيرة، بمحاولة دراسة الحب دراسة كيميائية لمحاولة فهم أصول هذه العاطفة وجذورها في المخ والجينات، ومحاولة فهم ذلك الشعور الذي يدفعنا لأن نحب إنساناً دون سواه. إن هناك في الواقع أسباباً عديدة لهذا الاندفاع نحو مثل هذه الدراسة، منها ازدياد الأمراض النفسية والجسدية للأشخاص العاطفيين بشكل خاص، وزيادة عدد الإناث العالمات، إذ لوحظ أن النساء أكثر اهتماماً بموضوع الحب من الرجال. وبهذا الصدد تقول إحدى العالمات من فرنسا وهي "كاترين دوسانت": ((لقد قالوا في الستينات أن الاقتراب من موضوع الحب هذا، كفيل بإفقاد أي عالم مهنته كعالم وبالتالي تحويله إلى وظيفة أخرى)).
إذن الحب حقيقة علمية وليس تصوراُ ذهنياً أو مجرد فكرة في الخيال، بل يمكن إخضاعه لعلم البيولوجيا. واستناداً إلى ذلك يحق للبعض أن يقول: ((أنا أحب إذن أنا موجود))، على غرار ما ذكره الفيلسوف الفرنسي"رينيه ديكارت": ((أنا أفكر إذا أنا موجود)).
لقد صدر مؤخراً كتاب بعنوان (تشريح الحب) للعالمة الأمريكية "هيلين فيشر" أحدث ضجة كبيرة في الأوساط العلمية وكذلك بين القراء العاديين. تؤكد "هيلين" في كتابها أنها كانت دائماً تؤمن بأن الحب هو عاطفة أساسية وغريزة أولية لدينا، مثلها مثل غريزة الخوف والغضب والفرح. ولا تدري لماذا كانت هذه الحقيقة غائبة عن علماء الأجناس، ربما كانوا مشغولين بأشياء أخرى. ومن بين هذه الأشياء أنهم كانوا يربطون بين الحب والزواج، علماً أن هناك حضارات كثيرة قد فصلت بينهما، معتبرين أن الزواج عبارة عن مصالح متبادلة بين الأفراد، أما الحب فهو شعور من الصعب فهمه أو تحديده بسهولة.


الصــوم وتــأثيراته في الصحــة النفسـيــة
 

عبر التاريخ الموغل في القدم، شكـّل (الصوم) فعّالية انسانية أساسية، تنوعت منطلقاتها واشكالها وغاياتها، الا ان جوهرها ظل ثابتاً عبر الزمن، متمثلاً بالانقطاع عن ممارسات معينة (تناول الطعام، أو اطعمة محددة، أوالشراب، أوممارسة الجنس...) بهدف ترصين الذات الانسانية، وانتشالها من واقعها السكوني اليومي ووضعها في خضم تجربة روحية متعددة الابعاد.
وفي هذه المقالة نود تناول"البعد النفسي" في هذه القضية على نحو الاجمال، دون الخوض في تفصيلاتها التي يختص بها الخطاب الديني، ولكن لما كان الصوم ذا ارتباط جوهري بهذا الخطاب، كونه يمارس في الغالب بوصفه عبادة، فينبغي التعرف إجمالاً على فلسفته في هذا الاطار.
مورست هذه الفعالية في الحضارات القديمة (المصرية، واليونانية، والرومانية) في اوقات الشدة وأزمنة الحروب والمرض وذكرى بعض الاحداث. فكان المصريون القدماء يصومون فترات تتراوح بين(6) أيام إلى (7) أسابيع، وكان اليونانيون يصومون قبل الحروب دائماً، في حين كان الرومانيون يصومون قبل الاعياد الكبيرة لديهم مثل (ذيمترا) و(ذيوس).
ومع بروز الديانات الكبرى (اليهودية، والمسيحية، والاسلام) أعطي للصوم دور مميز، اذ اصبح إلى جانب الصلاة عمقَ الطرح العبادي الذي حاولت هذه الديانات ترسيخه.
وكان الصوم الاول في هذا المجال هو صوم نبي الله موسى(ع)اربعين ليلة. ومن ثم دأب اليهود على ممارسة هذه العبادة بالامساك عن الطعام والشراب والجنس من الشروق إلى الغروب، ومن ثم تناول اطعمة من دون دسم، وقد حددوا يوم الخميس لممارستها، وأضاف الفريسيون يوم الاثنين احياء لذكرى صعود موسى إلى الجبل.
وعندما جاءت المسيحية، شدد نبي الله عيسى(ع) على التجرّد والترفع وتجنب الاخطار التي كانت تترافق مع الصوم، مثل خطر التمسك بالشكليات و الكبرياء، فكان يدعو إلى الصوم بكتمان وتواضع. وقد صام اربعين يوماً كما فعل موسى(ع). وقد حُدد الصوم في المسيحية في القرن الاول والثاني الميلاديين بيومي الجمعة والسبت، وفي القرن الثالث حُدد باسبوع معين يتم فيه الانقطاع عن تناول اللحم حتى الغروب، وفي القرن الرابع حُدد بأربعين يوماً اقتداءا بأربعينية موسى وعيسى وسمي بالصوم الكبير، وقد اعلنته الكنيسة اليونانية صوماً رسمياً في القرن الثامن.
وجاء الاسلام ليثبته فريضة واضحة المعالم على نحو تفصيلي، اذ ورد في (القرآن الكريم): ((يا ايها الذين آمنوا كـُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون))،وحُدد بشهر رمضان، اذ يمتنع الفرد عن عدة أمور ابرزها تناول الطعام والشراب وممارسة الجنس من الفجر إلى الغروب.
ولبيان الامتداد الرسالي لهذه العبادة قال نبي الله محمد(ص):((اذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم وارحموا صغاركم، وصلوا ارحامكم، واحفظوا السنتكم...وتحننوا على ايتام الناس..)).
البعد النفسي للصوم
يمكن ان نشخص جملة عناصر يتوافر عليها الصوم على الصعيد السايكولوجي، وهي:
* قوّة الارادة: لكي يستطيع الانسان مواجهة الحياة بتعقيداتها وتغيراتها، لا بد من امتلاكه قدرة التحكم بنزعاته، وايمانه بهذه القدرة، وهو ما يحققه الصوم،اذ يمتنع عما يرمز إلى كل رغبة، وهو الطعام والشراب و الجنس، وهي خبرة تستدمج في شخصيته وتعمم على كل مجالات حياته، ما يعطيه احساساً بلذة التحكم بذاته والاحداث من حوله، وهو ما يصيـّره فاعلاًً على الصعيد الشخصي والاجتماعي، ما يعطيه(الصحة النفسية)و(التوافق الاجتماعي).
*التعاطف: يعني التعاطف في الادبيات النفسية احساس الفرد واستبطانه لمشاعر الآخرين واوضاعهم القائمة. وقد مر بنا التوكيد الديني على محاولة استشعار آلام الآخرين، ولا سيما المسحوقين منهم، وهو ما يجعل الفرد على اتصال نفسي بالإنسان الآخر، الامر الذي يؤدي إلى بناء الحب والتفاعل والرقة في شخصيته إزاء الآخرين، وامكانية تحويلها إلى فعل بنـّاء على صعيد الواقع اليومي، وهو ما يكفل ايجاد التضامن الاجتماعي ورفض القهر الواقع من الجهات المختلفة على الانسان.
*الاحساس بالحياة: تشير جملة من الادبيات النفسية إلى ان الألم والمعاناة يوصلان الفرد إلى امتلاك رؤية حيوية للحياة بامتداداتها الانسانية العميقة، أو بتعبيرآخر تعطي للحياة (معنى)، وهذا المعنى هو جوهر الوجود البشري.
*الوعي الانساني: يمارس الصائم في ظل هذه الاجواء "التأمل" في الوجود البشري وحقيقة الحياة، اذ أن أجواء الصيام ذات طابع روحي يحث على التفكير التأملي بوصفه خاصية أساسية لبناء الانسان السليم، اذ انها تفتح آفاقه العقلية والوجدانية، وتمتد بها إلى مديات بعيدة من التحليقات الذهنية المرنة الناقدة.
لكن توافر هذه العناصر يظل مشروطاً بالتعامل الواعي مع الصوم، من خلال الدخول في هذه التجربة مع استيعاب متطلباتها وابعادها، وإلا فإن الفرد لن يكون له من صومه سوى (الجوع والعطش).


المهارات الاقناعية .. فـــن التــأثير في اتجـاهــات الجمهــور
 

د. احمد لطيف جاسم
يجد الفرد نفسه في أحيان كثيرة خاضعاً لعملية الإقناع والترغيب التي تنشر ظلالها الوسائل الاتصالية، ولولا حالة الإقناع لما كان هناك فعل ورد فعل معرفي وثقافي وحضاري، يأخذ دائرته الكاملة من خلال العملية الاتصالية التي يكون أطرافها المرسل والرسالة والوسيط (القناة) والمستقبل، مؤطرة بالتغذية الراجعة (أي إعادة تزويد المتلقي بنتائج سلوكه). إن القائم بالعملية الاتصالية يسعى دائماً إلى إقامة نسق أو بناء معرفي يستند إلى أسلوب اتصالي إقناعي يربط بين الإنسان والواقع.
لذا يمكن تعريف (الإقناع)
Persuasion بإنه فعل التأثير في العقل بواسطة الأدلة والحجج.
ويعرّف كذلك بأنه فن وطريقة حمل الآخرين على التفكير والسلوك في الاتجاه المرجو.
لقد ارتبطت دراسات الإقناع بالفلاسفة اليونانيين القدماء في القرن الرابع قبل الميلاد، إذ حدد (أرسطو) أن هناك خصائص تسهم في زيادة فاعلية الاتصال الاقناعي عندما توظف بشكل جيد، مثل الاتجاهات وأنواع وخصائص التفكير لدى الناس في مختلف الأعمار والظروف. فالإقناع لديه وسيلة للتأثير الاجتماعي، وإن أخلاقيته تعتمد على أخلاقية مستعمل تلك المهارات، فالمهارات الاقناعية كأي مهارة أخرى يمكن أن تستعمل للخير ويمكن أن تستعمل للشر.
كما كان لموضوع الاقناع أهمية كبيرة لدى العرب من خلال الفنون الأدبية وفي مقدمتها الشعر، الذي كان يمثل أداة اقناعية مهمة في تمثيله القبيلة أو في استعماله في المنافسات والمنازعات بين قبيلة وأخرى، فكان الشاعر أو الخطيب الأكثر بلاغة وبراعة هو الأكثر اقناعاً من غيره. ومع ظهور الدين الإسلامي برز مصدر إقناعي اتصالي أكثر سحراً وتأثيراً وحجة وتغلغلاً في النفوس هو القرآن الكريم، إذ أدى دور الرسالة والوسيلة في التعبير عن الأفكار وفي سبر نفوس عامة البشر وقيادتهم نحو الحق والعدل والإيمان، لما احتوته آياته من معالجات لشؤون الحياة ورسمه حياة جديدة عند العرب.
وقد احتل الإقناع في الوقت الحاضر أهمية غير عادية بعد التوظيف الناجح لوسائل الاتصال الجماهيري بوصفها أدوات اقناعية في ميدان الدعاية والحرب النفسية خلال الحرب العالمية الأولى والثانية. وتزايدت هذه الأهمية مع انتشار الحريات والآراء الديموقراطية والتطور الكبير الذي شهدته وسائل الاتصال المرئية والمسموعة والمقروءة في العالم، حتى أصبح الإقناع الهدف الرئيسي لإعلام اليوم.
وقد عمد الكثير من دول العالم نتيجة الإدراك المتزايد لأهمية الإقناع كأداة للتأثير في الآخرين إلى التوسع في قاعدتها الإعلامية بوصفها أداة دعائية وتجارية وثقافية في نشر الثقافة والتوجيه إلى السلوكيات المرغوبة اجتماعياً وصحياً، وكأسلحة إستراتيجية في الحرب النفسية، لاسيما خلال الحرب العالمية الثانية عندما استعمل الجانبان المتحاربان كلاهما الدعاية، وما تلتها من صراع الأيديولوجيات الذي دفع الكثير من الدول إلى استغلال وسائل الاتصال الجماهيري لأغراض دعائية تستهدف التأثير في الشعوب الأخرى واستمالتها من خلال إقناعها بأفكار وأيديولوجيات معينة. لذا فان الإقناع هو عملية تستلزم الانتباه والفهم والتذكر والتقويم والحكم في قبول الآراء أو رفضها، وهي جميعاً عمليات معرفية قابلة للتأثر بالمتغيرات الخارجية والداخلية.
قدم (كامبل)
Campell تحليلاً في أول نظرية عن الإقناع يناقش بها كيفية تفكير الإنسان والطريقة التي يتم بها استحثاث السلوك واستثارته، وأشار إلى ضرورة أن يقوّم الخطيب دوافع الجمهور وان يقوّم ما يمكن أن يرضي هذه الدوافع، وناقش كذلك نوعية الأدلة المقدمة في الخطاب وأشار إلى ضرورة أن تكون هذه الأدلة واقعية وحيوية وان تقدم بعد أن يحلل الخطيب أسلوب تفكير الجمهور.
إن الإقناع صيغة اتصالية تتضمن اللغة اللفظية وغير اللفظية، وتتضمن إدراك المتغيرات والحكم عليها، وهذه كلها عمليات نستدل على وجودها بشكل افتراضي. إن الاتصال الاقناعي عبارة عن منبهات نستدل على تفاعلها مع متغيرات أخرى في الشخص أو مع المتغيرات الموقفية، مؤدية إلى تأثير ايجابي أو سلبي في عملية الإقناع. والإقناع لا ينطوي على الاعتداء على خيارات الفرد في قبول أو رفض الاتصال الاقناعي ما دام قادراً على تقويم الآراء والاتجاهات والحكم عليها ويملك حرية الاختيار في الرفض أو القبول. ويستهدف الإقناع في النهاية تعديل اتجاهات أو سلوكيات المستقبل بأسلوب مقرر سلفاً، وهذا يتطلب استعمال مهارات اقناعية معينة.
أما أركان العملية الاتصالية فتتضمن:
1- المصدر: ركزت النظرية التعزيزية لهوفلاند
Hovland على أهمية خبرة المصدر، فالمصدر الذي يقوّم من قبل المستقبل على انه ذو خبرة عالية يكون تأثيره أكثر بكثير من المصدر الذي يقوّم على انه ذو خبرة واطئة. كما إن المصدر الموثوق في مصداقيته هو أكثر تأثيراً في الإقناع من المصدر غير الموثوق في مصداقيته. وعامل آخر هو إن زيادة التشابه في الآراء والاتجاهات والعقيدة والعرف والجماعة المرجعية، يؤدي دوراً ايجابياً في زيادة فاعلية الاتصال الاقناعي. ووجد أن المصدر الذي يتخذ وضعاً جسدياً منفتحاً ذا تأثير اكبر في الإقناع، إذ يقوّمه المستقبل على انه ذو ألفة وانه شخص ودود.
2- الرسالة الاقناعية: يجب أن تتميز الرسالة بقدر من التأثير في الآخرين وان ينظر إلى موضوع البساطة والتعقيد في الرسالة بأهمية كبيرة كونه عاملاً مؤثراً في استيعاب المضمون ومن ثم حدوث الإقناع. وهذا يعتمد على المستوى الثقافي للمستقبل ومستوى ذكائه، وكذلك يجب أن تكون الرسالة قادرة على إثارة الجانب الوجداني لدى المستقبل.
3- قناة الاتصال: وهذه إما أن تكون مسموعة أو مقروءة أو مرئية مسموعة. ويتحدد دور القناة في ضوء طبيعة الرسالة المقدمة.
4- المستقبل: يتضمن ذلك إلى أي مدى يمكن إقناع المستقبل، وكيف تؤثر الرسالة الاقناعية في إشباع حاجاته، والكيفية التي يعالج بها المعلومات الواردة في الرسالة، ومدى تأثره بعوامل الاتصال ومقدار المقاومة التي تنمو لديه إزاء ما يتلقاه من معلومات.
وتؤكد النظرية التعزيزية على أن هناك ثلاثة عناصر ضرورية لحدوث الإقناع، هي الانتباه والاستيعاب والقبول، إذ أن على المستقبل أن ينتبه ويصغي إلى الاتصال الاقناعي ويستوعبه ثم يقبل أو يرفض، ولا يحدث القبول ما لم ينجز الشرطان الأوليان. وترى نظرية الاستجابة المعرفية أن الإقناع يستثار من خلال الأفكار التي يولدها الشخص في أثناء القراءة أو الاستماع إلى الاتصال الاقناعي، وان هذه الأفكار يمكن أن تكون عن محتوى الاتصال أو عن جوانب أخرى مثل شخصية المصدر أو شكل الاتصال.
وفي ضوء ذلك كله، هناك برامج خاصة لتدريب الناس على استعمال المهارات الاقناعية في ميادين الحياة المختلفة، كمجال القيادة سواء السياسية أو العسكرية أو الإدارية، وفي هذا احتلت المهارات الاقناعية أهمية كبيرة في شخصية القائد الناجح، إذ وجد أن من أهم المعايير التي تميز هذا القائد هو القدرة على التأثير في الأتباع وإقناعهم بآرائه وحثهم على تبني سلوكيات معينة، فضلاً عن كونها سلاحاً لفرض السلطة ووسيلة للسيطرة الاجتماعية.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة