المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

ماذا فعل جورجيو - أورويل - ماركيز؟ .. "السياسة" موضوعةً في الرواية

سعد محمد رحيم
يحيل مصطلح الرواية السياسية إلى أفق المضمون أو المحمول السردي، وليس إلى قضية شكلانية، ومنذ القرن التاسع عشر جرى استخدام ثيمة المعضلات السياسية وتاريخ الوقائع السياسية في المتن الروائي، كما في روايات ستندال وتولستوي وديكنز وغيرهم، إلاّ أن التعاطي مع السياسة مسألةً أساسية هو امتياز لروائيي القرن العشرين، فمشاكل الصراعات والحروب والحرية والدكتاتورية وامتهان كرامة الإنسان، ومقارعة الاستعمار، وجدت لها في روايات القرن المذكور مساحات واسعة. وكان لروائيي آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية حصتهم المميزة في هذا الجانب. تناول الروائي الانكليزي جورج أورويل موضوعة النظام الشمولي في روايته (1984) التي تعد يوتوبيا مضادة، قاتمة تنم عن يأس مستفحل. ففي هذه الرواية يجد المرء نفسه مراقباً (بفتح القاف) في كل لحظة وحين، بوساطة كاميرات منتشرة ومنصوبة حتى في غرف النوم. وفي الطرقات والساحات يطالعه وجه الرئيس، وتحته عبارة (الأخ الأكبر يراقبك) وفي سياق سياسة الأخ الأكبر يُختزل قاموس اللغة إلى مفردات محدودة حيث تستبعد منها تلك الثنائيات المتناقضة لتتعطل عند الإنسان قدرته على التفكير.

أما في رواية (خريف البطريرك) لماركيز فنجد مناخاً مختلفاً على الرغم من أن الموضوعة هي عينها، ففي هذه الرواية يهيمن البطريرك على السلطة لعقود، وحين يموت يخشى وزراؤه وقادته الاقتراب منه إلى أن تحطم العقبان زجاجات النوافذ الخارجية للقصر الرئاسي وتهجم عليه لتأكل من لحم جثته، ولأولئك الوزراء والقادة مسوِّغهم في ذلك لأن البطريرك سبق له وأن قام من رقدة موته وأعدم وزراءه وقادته السابقين بعدما رآهم مبتهجين لمناسبة رحيله عن هذا العالم.
وإذا كانت رواية أورويل تنطوي على طابع مأساوي مقبض وسوداوي فإن رواية ماركيز هي تراجيكوميديا تصور المأساة من منظور ساخر.
* * *
أقتيد ايوهان موريتز في رواية (الساعة الخامسة والعشرون) للروائي الروماني كونستانتان جيورجيو إلى معسكرات لحفر خنادق عشية الحرب العالمية الثانية بادعاء أنه يهودي، ولم يكن كذلك (أراد ضابط المخفر في قريته إبعاده لينفرد بزوجته) وهرب من المعسكر الذي كان داخل رومانيا إلى هنغاريا فأعتقل بتهمة كونه جاسوساً رومانياً، ثم منح للألمان النازيين بادعاء أنه عامل هنغاري متطوع، فعمل هناك حتى تعرف عليه ضابط مسؤول عن الدراسات العنصرية قال عنه (عن موريتز) أنه ينتمي إلى الأسرة (الشجاعية) ذات العرق الآري النقي فجعلوه جندياً في وحدات الحراسة وتزوج من امرأة ألمانية/ وكانوا قبل ذلك قد أوهموه أن زوجته الأولى طلقته. وقبل نهاية الحرب هرّب خمسة من الأسرى الفرنسيين وهرب معهم فاستقبلهم الأميركيون بحفاوة، ثم عزلوه عن الفندق الذي أسكنوه فيه لأنه ينتمي إلى أمة معادية واعتقلوه، فمر على عدد كبير من معسكرات الاعتقال حتى قُدِّم إلى محاكمات نورمبرغ وأطلق سراحه بعد سنوات ليعود إلى زوجته الأولى (سوزانا) التي سبق لها وأن راسلته، وكانت إذ ذاك في ألمانيا الغربية وبقي معها عدة ساعات خارج البيت وحين عادا كان الجنود بانتظاره فاقتيد إلى معسكر للحجز لأنه روماني ولأن الحرب الباردة كانت قد بدأت.
في هذا المعسكر الذي كان تحت حراسة البولونيين صار يفكر بالهرب فقال له أحد معارفه من الذين التقاهم هناك؛ "إذا أخطأك البولونيون فإنك ستقتل من قبل العسس الأميركي أو الألماني قبل أن تصل إلى رومانيا.... إنك ستلاقي في طريقك جنوداً نمساويين وتشيكيين وفرنسيين وهنغاريين، فلا تصل أبداً إلى رومانيا.. سوف ينالونك في الطريق. فإذا تفاديت بنادق أمة ونجوت من جنودها قتلتك الأمة التي تليها.. إن بينك وبين بيتك وبين أسرتك يا عزيزي موريتز، تقوم أمم العالم، أمم مسلحة تريد قتلك.... إن هذا الجيش الدولي العالمي يقف حائلاً بين كل رجل وحياته الخاصة".
وفي المناخ ذاته (مناخ الحرب والهرب) نتعرف على كيفية سحق الإنسان وإذلاله من قبل السلطة الغاشمة، التي هي، هنا، سلطة ألمانيا النازية، في رواية (ليلة لشبونة) لأريك ماريا ريماك إذ يقايض بطل الرواية (شفارتس) جواز سفره وجواز سفر زوجته التي كانت قد توفيت لتوِّها مع ما يمتلك من نقود مقابل أن يسرد للراوي الأول في الرواية حكايته لأنه يريد لها أن تبقى حية في ذاكرة شخص ما، ولأنه بالمقابل غير واثق من أن ذاكرته ستبقى محافظة على قوتها.
* * *
استحوذت موضوعة السياسة على الرواية العربية، وكذلك الروايات التي توضع في خانة أدب ما بعد الكولونيالية، ذلك الأدب المكتوب من قبل كتّاب يعيشون حالة المنفى المزدوج بين لغتين وثقافتين وينتمون إلى الأمم الخارجة لتوِّها من العهد الكولونيالي في آسيا وإفريقيا، وهؤلاء، في الغالب، يكتبون بلغة الدولة المستعمِرة ويعيشون في العواصم المتروبولية، ويحاولون استعادة الذاكرة القومية أو يحيون من خلال السرد ذلك الجانب من التاريخ القومي بروحه وإشكالاته وتناقضاته وصراعاته.. هذه الكتابة التي أطلق عليها بعضهم تسمية الكتابة المهاجرة أرغمت نقاد الغرب على الاعتراف بها بعدما استطاعت أن تثبت حضورها وتبرهن على قدرة الإنسان المتحدر من الهامش المستعمَر على الإبداع والتعبير عن ماهية ثقافته الخاصة، وتنتصر لثقافة الهجنة وتقتحم وهي محملة برؤية مختلفة ثقافة المركز وتخلخل أسس إيديولوجيا المركزية الأوربية القائمة على مبدأ التراتبية والتفوق العرقي والحضاري. وإذا كانت هذه الكتابة قد فتحت أفقاً للتعريف بثقافة ونمط حياة الشعوب التي خضعت للاستعمار فإنها أغنت الكتابة الأدبية والثقافة عموماً في الغرب برؤاها وأساليبها، وأيضاً عبر حقن اللغة (الغربية) بمفردات جديدة وطرق مبتكرة في تراكيب الجمل والعبارات.
يعزز هؤلاء المصنفون كتّاباً لأدب ما بعد الكولونيالية الطابع السياسي للأدب والثقافة، لأن المضمون السياسي يفرض سطوته حتى على تلك النصوص التي أبدعوها والتي تبدو للوهلة الأولى وكأن لا شأن لها بالسياسة، فالكاتب من هذا الطراز الذي يعيش الحالة التي "أدى فيها النفي اللغوي والثقافي بالكاتب إلى انفصال عن زمانه ومكانه، لكن ذلك الانفصال لم يقض على التزامه بقيمهما الخاصة... ومن خلال اللغة العالمية التي استخدمها هؤلاء الكتّاب، فإنهم لم يخلصوا العالم من عبء الصور المشوهة التي خلفها الاستعمار حسب، بل نجحوا في تحديد موقعهم وتمجيد التجربة التي تقف وراء ذلك الموقع. لقد غيّر هؤلاء الكتّاب صورة بلادهم ليس في عيون العالم حسب، بل في عيون شعوبهم نفسها" كما يقول كاريث كريفتس في مقدمة كتابه (المنفى المزدوج: الكتابة في إفريقيا والهند الغربية بين ثقافتين). ويمكن إدراج أسماء كثيرة تحت هذه اليافطة منهم أشيبي وسونيكا وأرماه ونيبول ومايكل أونداتشي وأنيتا ديساي، وغيرهم كثير.
أما في الرواية العربية فقد غدت السياسة هي الموضوعة الأثيرة منذ عرفت الثقافة العربية هذا النوع السردي في بدايات القرن العشرين حيث كانت البلدان العربية نفسها تخوض كفاحها من أجل الاستقلال والتخلص من السيطرة الكولونيالية، في الوقت الذي كان فكر النهضة والتنوير المستند إلى قيم العقل والعلم والإنسانية يأخذ بالانتشار. ولعل جملة المشكلات التي رافقت مرحلتي الكولونيالية وما بعدها عربياً على صعد السياسة والمجتمع والاقتصاد والتي جعلت النخبة المثقفة تنساق نحو الانشغال بالسياسة هي ما فرضت على المبدع الروائي التفكير بالسياسة، فتشرب نتاجه بالبعد السياسي. وبعدما صار الأدباء من ضمن تلك النخبة المستنيرة، وأحياناً على رأسها، باتت السياسة مضموناً مكرراً للنصوص الأدبية .
تناولت الرواية العربية الموضوعة السياسية الخاصة بصراع الإنسان من أجل حريته وكرامته، ومقارعة الاستعمار الخارجي من جهة والسلطة المستبدة من جهة أخرى. ولعل روايات عبدالرحمن منيف (شرق المتوسط) و (الآن/ هنا شرق المتوسط ثانية) ومعظم روايات نجيب محفوظ، لا سيما رواية (الكرنك)، إلى جانب روايات حنا مينة وغائب طعمة فرمان وإسماعيل فهد إسماعيل وغيرهم هي محاولات جادة لتصوير محنة الإنسان العربي، في ظل الأنظمة الشمولية، أو عند مقارعة الوضع السياسي المتردي في هذا العصر. لكن الرواية العربية في معظم نماذجها المتقدمة بقيت بهذه الدرجة أو تلك ذات محمول سياسي لا يخفى، أثر على اللغة الأدبية وعلى الأساليب والأشكال التي ظهرت بها الرواية.
لا بأس في أن تصير "السياسة" هي الموضوعة الطاغية على أكثر المنشور من الروايات في المحيط الثقافي العربي، ولكن مع التأكيد على أن يجري تناول هذه الموضوعة الخطيرة بعمق ومن دون سطحية وإسفاف، وأن لا يكون على حساب الشكل الفني، لأن العمل الأدبي الرديء يسيء إلى القضية التي يتبناها ويتمحور حولها. وفي نهاية المطاف ليس هناك التزام حقيقي خارج الكتابة المبدعة، والالتزام الوحيد للكاتب كما يقول ماركيز هو أن يكتب بشكل جيد.


حيث قرأ المتنبي قصيدتَهُ..!

عبد الكريم هداد

جديلتان من النخلِ
يضفرُ فيها الفراتُ سرَهُ
المالح
وأنكيدو..
أرضعَتُه الغزلان، حينَ كان..
هي بقايا خزف نبيذ المعبد
وحكاياتُ الآلهةُ الأولى
هي أوروك وقد مرت بها لغات التكوين
وتراتيل الكهنة المختنقة بالأساطير
قبلَ أن يعبر بها الطوفان سريعاً
حيث حملها النهر على أكتافه
لتغفوَ بعمرها الآتي عند بوابةِ الرملِ
حيث قرأ المتنبي قصيدتَهُ..
لبقايا قرامطة
تفتقدهم البلادُ كثيراً..
" تركنا من وراء العيسِ نجدا
ونكبنا السماوة والعراقا "*
رأيته تلك الليلة تحت شباك قمر نخلةٍ كثة السعفِ كأنثى
رأيتهُ يتجول في سوقِها الريفي المسوّر بجدران الطين
تبضعَ تمراً وخبزاً، لم يكفيا زاد رحلته الأخيرَة..
ولعلهُ اقتنى سيفهُ الأخيرَ من حدادٍ قرب الجامع القديم
سيفاً لم يردعْ قاتلَهُ
بحثتُ عن عذبِ الماء
وقد ملَّ نهرَ " العطشان " ظمأهُ
على مشارف بحيرة " ساوة "
حيث حملتُ خطايَّ الوداع
نحو منفى أراد مني الخزف لا النبيذ
وبين حفنة تمر وشفة سيف جائر
سقط القرامطة واحداً..
واحداً
دفنتهم- كلهم - تحت رايات النسيان
وآلهة تنكرتْ طينها
لا تستجيب الدعاء
و سومر عطرٌ يحترقُ وطفولتي
هناك بين أبواب " عكد اليهود "..
يلتمع على دهانها صفيح السوق القديم
أتسلقهُ و أضواء مواكبَ عاشوراء
تأتي مجروحة البكاء
و في ذاكرتي الجسرُ الحديدي معلقاً بلونهِ الأخضر
حيث الزوارق المشبعَة بصيف رائحةِ السمك البني
وغاباتُ النخيل تغفو كبقايا ليلِ الأمسِ
وقد كان..
فيضٌ سماويٌّ يأتي
يطارد أخيلتي
بين شوارع " باتا " و"مْصيوي" و"السْتين"
وصبايا زقاق " العرايا " و"دبعن"
وأسوارُ "سجنُ الخناق" وزنزانة أعرفُها
تاريخ يمرها، وتبقى مدينة لطفولتي
نخلُ ونهرُ ومنفى..!

18-5-1996

*من شعر المتنبي.
*السماوة مدينة عراقية تحمل إسمها البادية الواقعة بين بادية الشام ونجد.
*نهر العطشان أحد فروع الفرات، حيث يلتقي شمال مدينة السماوة، بعد أن يمر بأرض مالحة تجعل الفرات مجاً.
*ساوة: بحيرة تاريخية لها أسرارها الطبيعية.
*عكد: يعني الزقاق في اللهجة العراقية. واليهود، العرايا، دبعن أسماء أزقة في مدينة السماوة.
* باتا، مصيوي، الستين: هي اسماء قديمة لشوارع وسط المدينة.


رسالة ألمانيا الثقافية: أصداء فوز باموك بجائزة آداب نوبل

سلمى حربة - كولونيا

حظي موضوع نيل أورهان باموك جائزة نوبل للآداب لعام 2006 باهتمام الصحافة الأدبية الألمانية الصادرة صباح يوم الثالث عشر من هذا الشهر، والتي كانت قد توقعت فوزه بالجائزة لأنه كان من أقوى المرشحين إليها وبعضها اقتبس فقرات من قرار لجنة التحكيم،عندما أعلن اسم أورهان باموك على الملأ.
لقد أبرزت جريدة" كولنشه روند شاو"مثلا الفقرة التي جاءت في قرار لجنة التحكيم: أن باموك اكتشف رموزا جديدة للصراع بين الحضارات، ولعب بفكرة الثنائيات المعروفة على أحسن حال، تلك المتجسدة في أجمل كتبه وهو " القلعة البيضاء " و أيضا في " الكتاب الأسود ". أما جريدة (لوبيكر ناخ ريشتن) فقد أشادت بوصف سكرتير أكاديمية نوبل هارولد أنجلان لأورهان باموك في خطابه " إن الذي فاز بالجائزة هو كاتب معروف عالميا و من النادر أن يجد المرء كاتبا يصور المدينة بالشكل الذي وصفه باموك في رواياته". و قد تصدر هذا القول عرضها للموضوع:كانت أكاديمية نوبل السويدية قد أصابت الحق حين منحت أورهان باموك جائزة نوبل للآداب، فهي من خلال هذا الاختيار برهنت على أنها تميل إلى جانب الاعتدال، في الوقت نفسه منحت الجائزة لكاتب معروف للجميع، كما أن كتبه قد طبعت في أكثر من مائة بلد، و مع أن مستواه الأدبي عال فإن القراء العاديين يتابعون أعماله دائما و من المحتمل أن تجعل الجائزة هذه حياة باموك آمنة أكثر لانتقاداته الشديدة الحكومة التركية و الجيش، أما بعد نوبل فأنه أصبح من الصعب الحكم علية بالسجن لإهانته الأمة التركية.
أما جريدة "برلينر موركن بوست " فقد ذكرت أن هدف الادب بالنسبة إلى باموك- كما جاء ذلك في حوار معه أجرته الاوبزرفر فاتور الفرنسية -ليس لتوجيه رسائل سياسية ولكنه يكتب من أجل الجمال وحده، حتى في روايته " ثلج "
كما قال لم يحاول أن ينقل رسالة سياسية بل كل ما حاول فعله هو الحديث عن روح تركيا و مشاكلها وعن العنف والغضب و الأحلام التي يتم قتلها في مكان ناء من الأناضول،لكن من دون رغبة منه في المشاركة في هذه الصراعات فالأدب أولا وأخيرا يجسد الحياة بكل ما فيها وما هذه الأشياء إلا جزء منها. و في هذا الحوار تحدث عن صراع تركيا بين حلمها الاتحاد مع الغرب و بين الحفاظ على الهوية الشرقية، بين ما هو علماني و ما هو ديني، بين الفقر و الثراء، و في هذا اللقاء باح باموك بالتأثير الكبير لرواية " الشياطين لدستويفسكي عند كتابته " ثلج "، أما حول الرأي الذي يؤكد أن الحضارتين الشرقية و الغربية من الصعب أن يتقابلا يقول باموك " أن الأديان لا تختلف عن بعضها، و لو أن راتب الموظف ثلاثون ألف يورو في السنة في تركيا بدلا من ثلاثة آلاف كما هو موجود الآن لن يكون هناك مجال للحديث عند الناس و اختلافهم مع بعضهم هنا في الدين و الثقافة و لكن مع الفقر و الجهل انطلت على الناس مثل هذه الأشياء ".
كتبت جريدة" كولنر شتات أنتسايكر ": يرى الكثير من القراء أن أورهان باموك يمثل نموذجا حيا لما يعانيه الكثير من المثقفين و الكتاب في العالم من اضطهاد و عدم إيمان من قبل حكوماتهم بحرية الرأي و الكلمة، فهو يبحث عن تكامل و سماحة الحضارات بدلا من تصادم الجهل ببعضه، و في رأيه أن الادب يصلح ما أفسدته السياسة بين الشرق و الغرب،لقد شغف باموك بالحضارة و العقل الغربيين و بناء الرواية الغربية و هو بمثابة الابن الحق لانصهار و اندماج الثقافات ببعضها و لا قيم عنده أعلى من قيم التسامح و التنوير. و قد كتبت أيضا " يحب باموك أن ينبش الماضي كثيرا في رواياته، كما في روايته " ثلج "مهما كان لونه قاتما، في وطن يعيش ظل التناقض بين الرغبة باللحاق بالحضارة الاوربية و الانضمام اليها و بين الخوف من فقدان الهوية الشرقية. لقد أنفق باموك عشر سنوات من البحث للإعداد لهذه الرواية التي تدور أحداثها في مدينة صغيرة سافر اليها و هو المقيم بألمانيا، مدينة شبه مسحورة يقترب عالمها من عالم الأساطير حيث الجليد يغطي كل شيء، في هذه القرية يتجسد عنف الصراعات السياسية و الدينية.في هذه الرواية أيضا نلاحظ أن مأساة هذه القرية لا تكمن في عدم المساواة بين البشر في كل شيء فهذا موجود في الكثير من بلدان العالم، و لا هي في الصدام بين التيار الأصولي و العلماني و لا في قضية الأصالة و المعاصرة، لكن المأساة الحقيقية هي الصدام بين حفنة من الذين يتمتعون بثروات البلاد و بين المعدمين من أبناء الشعب.
وفي صحيفة "فرانكفورتر الكماينة تسايتونغ" نقرأ:" إن باموك هو الكاتب الذي يحظى بإعجاب النخبة المتأثرة بالثقافة الاوربية و الحداثة في أنقرة و استامبول أي بإعجاب أولئك الذين ينظرون للثقافة و المبادئ الغربية في تركيا بعين التقدير.
أما صحيفة" هاندل بلات "فقد كتبت: " ثمة أبعاد سياسية لقرار الأكاديمية السويدية بمنح باموك جائزة نوبل للآداب فهو ليس مجرد روائي و حسب و إنما هو من أكبر المدافعين عن المجتمعات المنفتحة و عن حرية التعبير، و يعتبر فوزه بالجائزة بالنسبة لأنقرة سلاحا ذا حدين، فمن جهة يفوز أول كاتب تركي بهذه الجائزة، و من جهة أخرى يعتبر هو من المعارضين للحكومة التركية الحالية و للجيش فضلا عن مطالبه بالاعتراف بإبادة الأرمن و الأكراد في زمن الامبراطورية العثمانية مما سبب في ملاحقته قضائيا بتهمة إهانة الأمة التركية.كما تساءلت "ما الذي جعله يصبح هكذا أقوى المرشحين لجائزة نوبل ثم فاز بها غير اللعب على و تر السياسة "؟.
وفي صحيفة "دي تسايت "نقرأ:"ثلج "هي آخر روايات باموك، بطلها " كا "منفي عن بلاده لأسباب سياسية يعيش في فرانكفورت بألمانيا، يعود إلى استامبول بعد 12 عاما لحضور مأتم والدته بعد ذلك يرحل إلى مدينة بعيدة في الأناضول تدعى "قارس" و يدعي أنه صحافي قدم إلى القرية ليكتب عن الانتخابات المحلية و عن ظاهرة الفتيات المحجبات المنتحرات،انتحال صفة الصحافي يفسح المجال للكاتب لاستعراض الآراء و التناقضات التي نشأت في حقبة ما بعد انهيار الامبراطورية العثمانية، في ذلك كله كان متهما كونه ذا خلفية برجوازية يعيش في استامبول المنفتحة على الغرب و كان منفيا يعيش في ألمانيا و يرتدي معطفا أسود أنيقا، الأصوليون يتهمونه بالإلحاد و السلطة لا تريده أن يكتب عن المنتحرات لئلا تتعرض للإحراج، لكن بعد ذلك نعرف أن دافعه الحقيقي كان بسبب علمه بطلاق حبيبته "ايبك " التي تعرف اليها أيام ما كان يدرس في الجامعة من زوجها اليساري القديم، الاسلامي المتطرف حاليا، لقد شعر فجأة بعد الطلاق أنه يريدها له بأي ثمن، كانت تعيش وحدها في فندق القصر حيث وجد " كا " له مكانا فيه، و خارج الفندق تتدثر المدينة بالثلج و بأشباح زوالها حيث العمارة تشهد على مجد غابر للإمبراطورية العثمانية و كاتدرائية فارغة للأرمن، تقف شاهدة على الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها يوم ذاك،أما الجدران فتعلوها صور مؤسس الجمهورية أتاتورك الذي كان أول من حرم ارتداء الحجاب في المدارس، هنا في هذه القرية الفتيات اللواتي تمنعهن المدارس من الدخول لأنهن محجبات يدفعهن اليأس إلى الانتحار.
أما جريدة "نويه رور،نويه راين " فقد أشارت إلى أن الجائزة هذه سياسية بالدرجة الأولى ومن هنا فان فوزه بها لم يكن محض صدفة،فضلا عن أنه روائي يحاول أن يربط بين الشرق و الغرب في كتاباته.
أما جريدة " فرانكفورتر نويه برس " و في مقال بعنوان (ضربتان قاضيتان ضد تركيا
Doppel-schlag gegen Türkei): فقد اعتبرت أن الضربة الأولى لتركيا كانت موافقة البرلمان الفرنسي على القانون الخاص بتجريم كل من ينكر وقوع مذابح الأرمن و الذي سبق الإعلان عن الجائزة بيومين، أما الثانية فهي فوز باموك بالجائزة و هي التي أرادت من قبل ذلك محاكمته.


الادب النسوي والهيمنة الذكورية

علي ياسين - بغداد

اخذ اصطلاح (الادب النسوي) او (الكتابة النسوية) ينتشر بشكل لافت للنظر بين الاوساط الثقافية والادبية من خلال المقالات الصحفية والدراسات والبحوث الاكاديمية، بل حتى في الندوات والدرس الاكاديمي في المعاهد والجامعات وبالرغم مما اثير حوله من جدل وسجال ونقاش خلال عقود القرن المنصرم، فانه الى اليوم لم تختف ظلال تلك السجالات والنقاشات، واننا لو اعترفنا بوجود (ادب نسوي) فان هذا الاعتراف سيدعونا الى القول بوجود ادب ذكوري (لنسمه ادبا رجوليا)! فهل لهذا التقسيم مبرراته الفسيولوجية او الابداعية. لقد تعددت الرؤى ووجهات النظر في الاتفاق على تحديد لهذا المصطلح فضلا عن الانقسامات بين معترف ورافض من كلا الجنسين بوجود مثل هذا التقسيم للاداب والفنون على اساس الجنس، لا الهوية الثقافية.
فريدة النقاش: اشم رائحة اعتذار
في حواري مع الكاتبة والناشطة المصرية فريدة النقاش صيف 2003 وفي سؤال عن الموضوع ذاته اجابت: انا لا ارتاح مطلقا لتعبير او اصطلاح الادب النسوي لاني اشم منه رائحة اعتذار، كما انه يلمح الى دونية ضمنية، افضل تعبير الادب الذي تكتبه المرأة، لان المرأة العربية كما لا يخفى على احد، قد حرمت طويلا من هذه الساحة وهمشت ايضا، ولكنها حين اندفعت الى التعليم والعمل والمشاركة السياسية اخذت تبدع، ولدينا الان ادب تكتبه المرأة وهو ادب بكل المعايير، ولكن ايضا يمكن الاعتذار عنه لان المرأة جاءت متأخرة الى الساحة الادبية العربية او لان ظروفها الاجتماعية تجعلها عاجزة عن التعبير بحرية، مع ذلك فان الاديبة العربية، استطاعت ان تتقن آليات المراوغة في التعبير لتكون حريتها كاملة في التعبير نسبيا، رغم كل الضغوط التي تقع عليها، ونستطيع ان نسجل اسماء، لطفية الزيات في مصر، هدى بركات في لبنان، احلام مستغانمي في الجزائر، واريد ان اسجل هنا ان نازك الملائكة من العراق هي اول من ابدع قصيدة التفعيلة في الشعر العربي الحديث كما انها ابدعت كتابا نقديا يعد من المصادر النقدية في دراسة بنية الخطاب الشعري العربي الحديث (قضايا الشعر المعاصر) استطيع ان اقول انها رائدة في نقده.
تعبير الادب النسوي
الكلام ما زال للنقاش- يذكرني بغرفة الحريم في القاطرات والحافلات، والحرملك في البيوتات العربية خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
الناقد الدكتور حاتم الصكر: ماذا نعني بالادب النسوي؟
يقول الناقد الدكتور حاتم الصكر في كتابه الموسوم: (انفجار الصمت) الكتابة النسوية في اليمن: ينظر الدارسون الى اليوم الى النظريات النسوية في النقد والكتابة على انها جزء من الموجة المعروفة تحت مصطلح (ما بعد الحداثة) المتأثر الى حد كبير بافكار فلسفة التفكيك وتعميق مفهوم الخطاب وخصوصيته كنشاط انساني.
ولكن الاهتمام بالحركة النسائية ومظهرها الادبي يعود الى ابعد من ذلك زمنيا حيث كان كتاب سيمون دي بوفوار المترجم الى العربية بعنوان: (الجنس الاخر 1949) تنبيها الى غياب تاريخ المرأة وتجمعاتها وعلاقاتها غير المتكافئة بالرجل المهيمن، اعتقادا منه بأن النساء ادنى بالفطرة، والخطورة في ذلك هي ان الاعراف والقيم الادبية تتشكل بواسطة الرجال، وذلك لا يسمح بظهور ادب نسائي يستجيب للطبيعة النسوية كهوية جنسية تعني مفهوما ثقافيا مكتسبا (
Gender )وليس تصنيف النساء كجنس يتحدد بايولوجيا مقابل الرجل.
ويطرح الصكر في كتابه المذكور، ثلاثة مفاهيم او اراء اساسية لتحديد مصطلح (الادب النسوي) مؤكدا ان الاول هو الاكثر شيوعا منذ العقد الثامن للقرن الماضي، وهي:
1-تعريف الادب النسوي بأنه (يتضمن تلك الاعمال التي تتحدث عن المرأة وتلك التي تكتب من قبل مؤلفات).
2-يعني الادب النسوي (جميع الاعمال الادبية التي تكتبها النساء سواء أكانت مواضيعها عن المرأة ام لا).
3-الادب النسوي هو (الادب الذي يكتب عن المرأة سواء أكان المؤلف رجلا ام امرأة).
ذكورية الخطاب ومركزيته في دراسات النقاد العراقيين
يكتشف المتلقي خلال قراءته لاكثر البحوث والدراسات التي تناولت الادب العراقي الحديث شعره وسرده ان (الرجل هو صانع خطاب المركز في العادة وهو الذي يرتب هذا المركز باطرافه قربا او بعدا وانقيادا وتبعية، وذلك ما يخلق نزعة التفكير الابوي باعتبار البنية الذكرية هي المتحكمة في المجتمع الابوي ونظام القيمة السائد فيه) ان قراءة - مثلا- لكتاب "تطور الشعر العربي الحديث في العراق" للدكتور علي عباس علوان، وهو بحث أكاديمي قيم درس فيه الباحث تطور مشاكل القصيدة العراقية وما اعتراها من صعوبات في العمل الفني، لكن ليس بمعزل عن حركة الوعي والتطورات والمتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية كما يرى الباحث الذي يبدأ بحثه بدراسة (مشكلة العقم في شعر القرن التاسع عشر) في الفصل الاول من دراسته لينتهي بالفصل الثالث من الباب الثاني بدراسة (نهاية خط التطور
قصيدة الشعر الحر-) اقول قراءة متأنية لصفحات البحث ألـ(590) صفحة، للمتن والهامش او المقدمة والمصادر والمراجع سنجد خلو البحث من الاشارة الى اية شاعرة طوال السنين التي غطاها سوى ما قدم الباحث من شكر للسيدة امل الشرقي والمشرفة على البحث الدكتورة سهير القلماوي في الصفحة التاسعة، وايضا ما جاء من ذكر عرضي وسريع للشاعرة نازك الملائكة في صفحتي البحث (521و524)، اما كتاب (مستقبل الشعر وقضايا نقدية) للراحل الدكتور عناد غزوان والصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة عام 1994 فانه تعرض في الفصل السابع (الصورة في القصيدة العراقية الحديثة استقراء نقدي) الى دراسة الصورة الشعرية لدى ثمانية شعراء ينتمون الى جيل شعري واحد، هو جيل الستينيات دون ان يتعرض الى دراسة هذه الصورة لدى اية شاعرة عراقية تنتمي الى الجيل ذاته او أي جيل اخر سوى ما جاء في مقبوس من كتاب (التفسير النفسي للادب) للدكتور عز الدين اسماعيل، يعلق فيه على احدى قصائد الشاعرة نازك الملائكة في ديوانها (شظايا ورماد) عدا ذلك فان الكتاب بمقدمته ومتنه وهوامشه في فصوله السبعة خال من اية دراسة او تعليق لاية شاعرة عراقية، اما فيما يتعلق بالسردية العراقية الحديثة فالامر ليس اقل خلوا من اسماء المبدعات العراقيات في البحوث والدراسات التي اهتمت بنشأة وتطور هذا الفن، فضلا عن تسليط الضوء على الرواد في جل اعمالهم المميزة، فقراءة لجزأي البحث الاكاديمي الموسوم (الادب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية، بغداد وزارة الاعلام 1977) او بحثه (نشأة القصة وتطورها في العراق- بغداد مطبعة شفيق 1969 (وفهرست القصة العراقية للدكتور عبد الأله احمد، وكذلك كتاب (رحلة مع القصة العراقية) بغداد- دار الحرية 1980 للناقد والباحث باسم عبد الحميد حمودي او كتاب (في النقد القصصي) بغداد دار الرشيد 1980 للناقد الراحل عبد الجبار عباس، وكتاب (نزعة الحداثة في القصة العراقية- المؤسسة العربية للدراسات والنشر) للدكتور محسن جاسم الموسوي، وغيرها من المؤلفات الاخرى، سنكتشف ان تلك البحوث والدراسات والمؤلفات التي تناولت الكتابات السردية في مختلف مراحل تطورها ركزت على ابوية الفن السردي وذكوريته المطلقة منذ النشأة مطلع القرن الماضي وحتى العقد السادس منه تقريبا. واذا كان ثمة اشارة الى احدى المبدعات فهي اشارة سريعة وخجولة مثلما حصل مع رواية (نادية) لليلي عبد القادر 1975 وغيرها.
فهناك محمود احمد السيد وذو النون ايوب، وجعفر الخليلي، وعبد المجيد لطفي، وخالد الدرة، ويوسف غنيمة، وميخائيل الياس، وانور شاؤول وعبد الحق فاضل ويوسف متي وغيرهم من الرواد وصولا الى اسماء الريادة الفنية في الخمسينيات امثال عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان ونزار سليم وشاكر خصباك ومهدي عيسى الصقر، وغيرهم كثير ظلوا يملأون مساحات السردية العراقية للعقود اللاحقة.
رزاق ابراهيم حسن: لست مع الذين يضعون حواجز فاصلة
في الموضوع ذاته يقول الكاتب رزاق ابراهيم حسن:
ما دمنا نؤكد على ضرورة ان يتميز الاديب الواحد بتجربته الخاصة وخصائص ادبه، واختلافه عن الاخرين، فان الاجدر ان نعترف بالادب النسوي، ذلك ان المرأة في مجتمعنا مع التقائها مع الرجل في المعاناة وفي معايشة الظروف والمعطيات السياسية والاجتماعية والثقافية فانها تتميز بمعاناة خاصة ولها مشكلات تتميز بشيء من الاختلاف عن الرجل.
ولكنني لست مع الذين يميلون الى وضع حواجز فاصلة بين الادب النسوي والادب الذكوري، فالادب النسوي جزء من الادب الوطني والقومي وهو يعكس خصائص هذا الادب في النتاجات التي تكتبها المرأة كما انه يعامل في اطار تاريخ هذا الادب، وليس حلقة منفصلة عنه واعتقد ايضا اننا بحاجة الى تداول مصطلح الادب النسوي لكي نعزز من شعور المرأة بشخصيتها ومن دورها في الحركة الثقافية والادبية.
القاصة ايناس البدران: لا يمكن تقسيم الادب الى رجولي ونسائي
القاصة والروائية ايناس البدران لخصت وجهة نظرها حول اصطلاح الادب النسوي بالقول:
الابداع كان وما زال مبادرات لا نهائية للسمو على الواقع والارتقاء به، ومحاولات لكسر القوالب النمطية المتكلسة للتحليق في مديات الحرية التي يطلق فيها العنان للمبادئ والرؤى الانسانية السامية.
هذا الابداع هو ثمرة فكر وموهبة وخبرة وخيال حر وكل هذا لا يفرق بين ما يكتبه كاتب وما تكتبه كاتبة، نعم للمرأة عالمها الخاص واحساساتها المرهفة الرومانسية بحركية الحياة لكن هذا لا يعني انه بالامكان تقسيم الادب الى ادب رجولي وآخر نسوي وانما وفقا للمعايير الانسانية والجمالية والفنية.
ان العطاء الابداعي لا يعتمد على جنس قدر ما يعتمد على الموهبة والعمل الدؤوب على صقلها وعملية الفرز الادبي هنا تصبح كسيحة لا تستطيع الوقوف على قدميها.
الشاعرة نجاة عبد الله: هل نضع نازك الملائكة ضمن خانة الادب النسوي؟
الشاعرة نجاة عبد الله كان لها موقف اخر من الاصطلاح اختزلته قائلة:
لا يوجد ما يُسمى بالادب النسوي، ولا اعرف من هي الاطراف التي اتفقت على هذه التسمية وان كانت ابداعية فهي تفتقر الى الطوق الانساني الذي تنضوي تحته، والابداع لا يتقاطع مع الانسانية، اعني حصر المرأة في قالب والاصرار على انثوية ما تكتب، حتى لا يعلو صوتها على صوت الرجل، وان كان التصنيف من اجل الجنس لكون كل ما يصدر عنها حتى كلماتها هي نسوية، فهذا ليس واردا في اغلب الاحيان لان هناك العديد من الروايات والقصائد التي تكتب من قبل المرأة يكون صوت الحاكي هو رجل كما ورد في اعمال غادة السمان. واعمال كثيرة اخرى لاديبات كثيرات لا تحضرني اسماؤهن الان هل نطلق على هذا النوع من الادب أدباً رجولياً لان الحاكي رجل؟!
ويحدث العكس مع العديد من الاعمال التي قام بكتابتها ادباء رجال.. ويكون صوت الحاكي فيها هو امرأة كما حدث مع اغلب قصائد نزار قباني وكما حدث مع قصص عديدة لجليل القيسي و اكثر من قصة لاحمد خلف، وفي قصيدة لطالب عبد العزيز (كتفي بيضاء وامي فاطمة) واعمال اخرى عديدة هل نطلق على ما يكتبه هؤلاء الرجال أدباً نسوياً.
قرأنا لهاريت ستاو (كوخ العم توم) وقرأنا الارض الطيبة لبيرل باك) ولعدد من النساء المتميزات في الابداع الانساني ولم يتم حصرهن ضمن زاوية ضيقة بالادب النسوي وانما بقين يحلقن في الابداع الانساني المتميز اذن، علينا ان نترك للمرأة المجال (كي تكتب) الادب الابداعي الذي هو ادب نسوي وادب ذكوري معا.
فهل نستطيع ان نضع نازك الملائكة وهي المجددة في الشعر العربي المعاصـــــر ضمن خانة الادب النسوي؟


تكريم مبدع الجمال

د. جبار خماط حسن

تعودنا منه أن يكون صامتا وحكيما في أمتلاء ،عميقا في رحلته الفكرية التي تسافر في سماوات غيرمرئية، وكأنه صانع للأسرار التي نسعى الى قطفها منه من غيرتردد ،ولكن بعد طول أنتظار! ، ليس مجانيا في أبداعه، ولايهمه ان كان الاخرون قد سبقوه بالكم ا لكبيرمن الاعمال التي ما أنزل الله بها من سلطان، لأنه عارف بالقصد الذي يسعى اليه في خطابه الجمالي منذ أحزان مهرج السيرك ,ومرورا بهاملت والملك لير والعزلة في الكرستال والحلم الضوئي والخال فانيا والشقيقات الثلاث وأخيرامكبث فبل أن يغادرنا الى قطر ليقدم هناك في بيروت الخادمات، أنه المبدع الدكتور صلاح القصب في رحلة البحث الطويلة عن الفلسفي والجمالي الكامنين في ذلك المقدس الضائع فينا ، الذي تندفع المخيلة الى معرفته ، في كشف روحي يوفره طقس المسرح أوما يقوله بيتر بروك بأنه اكتشاف ا لمرئي من اللامرئي.
جالسته كثيرا وتحاورنا معا في العميق من المعارف فلم أجده أرشيفيا مملا ، ولا أسترجاعيا يعيش على أيام زمان ولت، بل تراه يعبئ مخيلتك بالأبهار والمدهش ، فتثار لديك شهية العمل والبحث عن تجربة مسرحية جديدة ،ولذلك نجد الكثير من المسرحيين الذين تدربوا على يديه في أروقة الدرس الأكاديمي، أمسوا مخرجين لهم مشروعهم المسرحي ، وهذا الأمر لا يتعلق بالعراق فقط ، فالمهرجانات العربية لها نصيب وافر من أثره الكبير كما في تونس والمغرب والأردن والقاهرة ولبنان.
مرة كنا معا في أحدى دورات مهرجان المسرح الأردني ، يجلس ومن حوله شباب مسرحي عربي من ضيوف المهرجان وكأنه كائن جمالي يتحدث ويحلل ويقترح ، وقبل زمن ليس بالقصير حدثني عن مشروعه الجديد مع ريتشارد الثالث ، وأقتراحه عن المعالجة والبيئة المسرحية التي يراها أنيقة جدا وبراقة وكأنها في قاعة فخمة، في زاوية منها ، يجلس رتشارد يعزف البيانو ، ومن حوله مجموعة من نزلاء المصح الذين يرتدون أجمل الملابس، هذاهو المفتاح الاساسي لتشكيل الفضاء البصري للعرض، ثم يغيب الكلام بيننا ، لتبدأ أشارات أصابعه ترسم على ورقة مهملة خطوطا وأشكالا غريبة ، بعدها يرجع الى تيار الحياة وعمله في قسم الفنون المسرحية .
قبل أيام في مهرجان القاهرة التجريبي ، تم تكريم المبدع صلاح القصب مع مجموعة من مبدعي المسرح في العالم ، عن مجمل تجربته المسرحية الطويلة حيث "قررت اللجنة التنفيذية في المهرجان تكريم صلاح القصب بأعتباره رائدا لحركة المسرح التجريبي في الأخراج المسرحي الامر الذي كان له أثر كبير في دفع تيار التجريبي في بلده وفي البلاد العربية ، ومهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ، يمنح هذه البراءة تسجيلا لجهوده التأسيسية في هذا المجال وتكريما لرواد التجريب في المسرح "، ويمكنني أن أقول عن تجربته المسرحية، فضلا عن ما قيل هناك في القاهرة، بأنها تأسيس ثقافة بصرية تنطلق من سمعي الكلام والألفاظ والأصوات لتعيد رسم العلاقة المفقودة ما بين الذات والاخر والفضاء بموجوداته على حد سواء ، في نسق جمالي يعطي للأشياء طاقتها التعبيرية التي تظهر في( الهنا والآن) بوصفها نسقاً تشكيلياً يوازن ما بين السمعي والبصري والحركي على حد سواء . ولأنها عروض مسرحية تهب اللذة من مشاهدة العناصر والاشياء تعيش لحظة البراءة الاولى ، لذلك يخرج الجهور من عروضه، في زمن مقطوع ، يتداول سؤالا مركزيا ، ما الذي كان من لحظات العرض السابقة ؟ هل كنا في حلم جمالي ؟ أم في كابوس متخم بالصور القاسية ، يراد منه اثارة أو الاعلان عن المكبوت في ذاكرتنا ووعينا الملتزم والمتفق عليه قبلا ؟ أن ما تشير اليه عروضه المسرحية ، رفض للسائد ودعوة واعية للمغايرة ، وخرق الكائن الى ما ينبغي أن يكون فينا ، ولأنه أكاديمي ، فعروضه ملتزمة تحترم المتلقي وتبحث عن الرائق من الخطاب التذي ترسله مجموعة العرض المسرحي .
ويبدو أن لحظات الفرح قليلة لدينا ، حتى أننا لانعطي لمشاعرنا البوح بما نريد من نشوة بالسعادة ، التي هي حق يصنعه الانسان لذاته ، في مواجهة عالم من الأزمات والانتكاسات اليومية التي نراها بيننا وكأنها قدر غاشم ، يتقن سرقة أفراحنا أوالتعبير عن معاني الأبتهاج بما يتناسب مع أثرالحدث فينا ، لذلك نجد هذا المبدع يعيش ساعات تكريمه وحيدا من دون أحتفاء أو أحتفال أو لقاء تلفزيوني يتحدث عن تجربته مباشرة، وكيفية التقاط المدهش في متون أعماله المسرحية الأبداعية ،وهو أمتياز حقيقي يتمتع به من دون غيره ، لذلك أين نحن من تكريمه الآن ؟! ،الذي هو أحتفاء بالعراق الجديد ، يقتح نوافذه بحب ، ويلملم جراحاته، ،لينهض على مشارف مستقبل بهي ، يجمع أبناءه بود وكرامة ، والدكتورصلاح القصب من أولئك القلائل الذين ينبغي الاحتفاء بهم .


خيال مبجل في شبه القارة الهندية

كريم محمد حسن

هذا الموضوع كان مشروعا لكتابة رواية مجلد ضخم يضم تاريخ شبه القارة الهندية,لكنه بدأ يتقلص إلى هذا الحد الذي بين أيديكم , ولان اللهفة في أني سأكتب شيئا كبيرا وليس غيري سيتمكن منة , وسئمت التشابه الكبير بين الآلهة المتعددة وطقوسها, وهنا الزمان والمكان هما اللذان يلعبان دوريهما في نسج التاريخ واسم المعتقد والقوى الخفية المعهودة في هذا وذاك من الآلهة ,ولاني مسافر متهور بريء مثل فاتنة مغوية في جميع الأنحاء فدائما أقع في الشرك ولا أستطيع ممارسة الحرية في الاتجاهات, فمرة أجد نفسي في اقرب مكان وأحسن كل حركة وإيماءة وقلبي يتقلب مع قلب المكان فأراه عشقا رومانتيكيا وها أنذا اجلس وسط الهواء الجبلي المحيط بالمعبد والذي سأجوبه بكل قاعاته فما أتوق الى القعود على الأغصان الساقطة تحت ظل بارد.
النسيم وعيني تتجول من واد إلى نطاق حيث تقوم الطبيعة بعملها على قلبي المضطرب.
يمكنني المرور إلى القلعة عن طريق ممرين ضيقين وسحيقين يؤديان إلى بوابة (كرين دورو)وحفرة (غوبن) العاشروضرائح القوة الخارقة لـ(غوبند) الذي هو ووفق أوامره هدأت مياه النهر السريعة انه المكان الذي سمعت به وتشوقت لرؤيته انه مكان وطئت القدم وسط الغموض والأساطير والخرافات ,هذا النسج التاريخي لهذه القلعة التي ألهمت الحياة وكل من على شاكلتي بالحباكات فتراني في بلاط الآلهة كما في الزوايا النائية,وهذا السرد الغريب من الأحداث التي لا يمكن تصديقها، هنا بالذات أستطيع أنا أشعر بالطبيعية ويمكنني أن أريح روحي المرهقة بعد أن قادني هذا التجوال الطويل إلى مسكن الآلهة الذي تبعثر على هذه المساحة والى الإله (شيفارويان) والمعلم الذي نقل رسالة (بوذا) إلى التبت وحضر خلال رحلته إلى أفغانستان التبت حتى أني سالت كاهنا كان يقف إلى شانه عن فحوى رسالة (بوذا)هل يمكنني أن أراه ..فضحك مني وقال كلمته (يمكن ذلك للمتعبدين فقط )لكنه اردف وقال (يمكن مشاهدة بوذا من بعيد )قادني إلى كوة صغيرة في مؤخرة المعبد لأرى (بوذا)جالسا على زهرة اللوتس ووسط الجزيرة العائمة وما تفرزه السماء المرحة بمزاجها المختلف بالرعد والبرق والمطر وبعد أن تهدأ لتمتلىء بنظرة أكثر جمالا من المطر أنه الضباب الذي يلتف حول متحف (بوذا) ..
وانطلقت فرحا إلى المتحف عبر الأنهر الصغيرة المتاخمة التي يطل عليها جبل صغير بلونه الأخضر الأزرق وقمتة التي تتوسط الغيوم المتأرجحة ,وتجاوزت انذهالى في هذا المكان واخذتنى عبر ممر يبدو كمتاهة محيرة مظلمة لا يخترقها إلا القليل من أشعة الشمس التي تطل على حوض للاستحمام المقدس ومياهه المعالجة.
دلفت الى المتحف ولم تفارقني كل الصور التي مرت أمامي قبل لحظات حتى وجدتني حقا انتمى إلى ذاك الزمان وقديم مثله وإذا بيد ناعمة لرجل كهل واجبه الطواف بي والآخرين يقول: تعال معي..الآن ستمر بالقرون وسأريك كل الذكريات الحافلة(بالخيال المبجل )وبدأت أمر بالزمن وادخل منه رويدا حتى أن افكارى بدات تنخفض إلى مكانة عادية وتتبدل رويدا ..رويدا بأفكار جديدة عن هذا المكان والى أن التفت ذراعاها حول عنقه ورجليه حول وسطه كما يلامس خدها المولع بالعاطفة وشفتاها مفتوحتان في نشوة ,تسعى إلى فمه البارد الذي يفتقد العواطف وكل جسدها في شكل مرفوع وهى تتوقع قمة التهيج الشهواني ولكن (بوذا) لم يحرك ساكنا أنه العالم الغريب حيث يملا فيه الماضي الفجوة التي لا يقدر المستقبل على ملئها ولأننى لم اخرج بعد من المفاتن غير المفسرة وواصلت سيري إلى قاعات وأعمدة وقفت الى اطلالة معبد متروك لتقبع فية الخفافيش ولانى سمعت بهذه الحكاية من قريب بان هذا المكان اتضح فيما بعد انه مكان للشياطين والارواح الاثمة ,وفية خفافيش كانت تبتهل الى كل الالهة الذين مروا بهذا المكان أن يجعلوا منها طيورا نهارية ,ولان ابتهالاتها راحت سدى مع الالهة المتعاقبين ..لكن كريشنا حقق هذه الأمنية وأحال كل خفافيش المعبد والمعابد المكرسة له إلى طيور نهارية تفز مع الفجر لتبحث عن عالم تملاه الشمس ,لكن الفصيلة الاخيرة من هذه السلالة والتى نراها الان قد حرمت من نعمة (كريشنا) ولانها لم تعاصره فقدت مكانتها ,والالهه الجدد لا يتمتعون بمزايا القدماء حيث بلغ التشويه والادعاء ذروته وبدأ زمن سحب البساط من تحت الالهة وقواها حيث تسمرت في مكانها، ولاشيء حولها سوى ثقافة دينية تقليدية تعتز بالتقاليد لتوفير اتباع جدد لطقوس خلت ..
ولانى ساغادر المكان فما علي الآن أن اشبع نظرى بالهرة المقدسة وهى تصلي من اجل السمكة على ضفة النهير المقدس الذي سيقودني إلى أكثر غرابة من قرد متألق أو قردة متأنقة لتفرز لي خيالا أخر لما وراء الغموض.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة