تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

بعضهم ترك الصيد ليهرب المشتقات النفطية صيادو الأسماك في الفاو يشكون حالهم للمدى بسبب شحة الكاز وارتفاع أسعاره 13 ألف صياد و 2000 لنج وزورق مهددة بالتوقف...! الدولفين صديقهم والقرش واللخمة عدوان لدودان

البصرة/ عبد الحسين الغراوي

ارتبطت ثروتنا السمكية البحرية بنشاط الصيادين العراقيين منذ ان فتحت مدينة الفاو قلبها للبحر وأصبحت رئة العراق البحرية على العالم.

تشكل الفاو مثلثاً بين شط العرب وخور عبد الله ويستدل من وثائق التاريخ ان الفاو ظهرت إلى الوجود قبل تأريخ 1226 هـ/ 1811م/ وقد توسعت وبدأ النشاط التجاري والاقتصادي والصيد فيها بعد اقامة الحصن العسكري العثماني عام 1886م، وفي 6 تشرين الثاني عام 1914 أنزلت بريطانيا جنودها في الفاو لمهاجمة الدولة العثمانية ومروراً بالسنوات التي اعقبت تأسيس المدينة صارت الفاو بوابة العراق البحرية المطلة على العالم وبدأت مفاصل حياتها الاقتصادية تنتعش بعد ان اتسعت، وتم بناء الدور السكنية فيها لمنتسبي شركة نفط الجنوب والموانئ، وعرفت محلياً وعربياً وعالمياً بمزارع الحناء التي أصبحت رمزاً للمدينة.. اما الصيد فقد لفت انتباه أهالي الفاو الذين انخرطوا للعمل كصيادين.

واكتفت رحلات صيدهم بمياهنا الإقليمية العراقية حصراً.. وكان لابد من انشاء جمعية تشرف على إدارة الصيادين واحتياجاتهم ومساعدتهم في شؤون الصيد بقانون ملزم فكانت جمعية النصر لصيد وتسويق الاسماك أول جمعية تأسست في الفاو عام 1975.

شحة الكاز

خلا زيارة (المدى) لمدينة الفاو التقت عضو الجمعية جايد فارس عجيل النصار الذي بدأ حديثه عن الصيد والصيادين وشحة (الكاز) والفوضى التي تعيشها الجمعية وابتعاد الصيادين عنها مما اضعف دورها مؤكداً.. ان عزوف الصيادين عن مراجعة الجمعية وحالة الارباك في قطاع صيادي الاسماك سببه انعدام الأمن والاستقرار، كما ان شحة مادة (الكاز) للصيادين خلقت لدينا مشكلة من الصعوبة حلها، فهناك (700 لنج صيد) صيد تعمل داخل مياهنا الإقليمية و(600) زورق تعمل بالبنزين أي ان هناك (1300) زورق ولينج تعمل جميعها بالصيد، بينما كانت سابقاً 650 (لنجاً) و200 طراد و300 زورق، وكان المرحوم  النوخذة (أي ربان السفينة) مصطفى حسن محمد (تولد 1924) هو أول صياد في الفاو وأول رئيس لجمعية النصر لصيد وتسويق الاسماك أما الآن فالجمعية بلا رئيس ونحن نعمل لإيجاد حل لإنهاء هذه الفوضى.

 

الوقود ثم الوقود

وعن الخدمات التي تقدم إلى الصيادين قال:

علاقتنا بالصيادين في الوقت الحاضر على مفترق طرق، ذلك انهم واصحاب (اللنجات) يطالبون بتزويدهم بالوقود، لان حصة (اللنج) 2000 لتر في الشهر أي ثلاثة براميل وبسعر مدعوم، لكن شحة الوقود بسبب الأوضاع الحالية اضطر بعض الصيادين إلى شراء الكاز باسعار قياسية إذ وصل البرميل إلى 30 ألف دينار، كما ان عدم تعاون أصحاب محطات الوقود مع الصيادين اسهم في انعاش الأزمة، وهناك ثلاثة عشر ألف صياد، من ضمنهم حملة شهادات في اختصاصات مختلفة بكالوريوس ودبلوم واعدادية، اضطرتهم ظروف الحياة إلى العمل كصيادي اسماك واعتادوا على ذلك، كما يثير عضو عضو الجمعية جايد فارس، على رحلات الصيد ومتاعب السفر البحر والتعرض إلى المخاطر والمضايقات احياناً من شرطة خفر السواحل الإيرانية والكويتية، برغم ان الصيد يتم في عمق مياهنا البحرية الإقليمية، وهذه واحدة من أهم المشكلات التي يواجهها الصيادون في البحر فضلاً عن ارتفاع اسعار (اللنجات)، حيث وصل سعر اللنج الجديد من 40 ـ 100 مليون دينار ومن المشكلات الأخرى ان الجمعية حالياً بلا عائدات وهذه الحالة تزيد الطين بلة وتربك عمل إدارة الجمعية، لذا فإننا نفكر باجراء انتخابات جديدة لاختيار جمعية جديدة، وسبق ان جربنا ثلاثة انتخابات لكنها فشلت بسب الفوضى الأمنية والحالة غير المستقرة.

 

في مرسى الزوارق

السيد جايد فارس في ختام حديثه أرشدنا إلى (المسفن) الذي تتجمع فيه جميع (اللنجات) والزوارق في مرسى الصيد الذي أنشأته الشركة العامة لموانئ العراق ليكون محطة رئيسة يلتقي عندها الصيادون ويبيعون ما اصطادوه من أنواع الأسماك.

وقبل ان أغادر الجمعية اخبرني المواطن (الفاوي) محمد يعقوب يوسف ان (لنج) الصيد المرقم (78 بصرة) العائد له (وهو لنج صيد خشبي كبير) سيطرت عليه دورية كويتية على الرغم من انه داخل مياهنا الوطنية وذلك  بتاريخ 15/ 4/ 2003 في خور عبد الله، ولم يعيدوه إليه، على الرغم من مراجعته لهم.

في (مرسى زوارق الصيد) امتد امامي البحر وانتشرت على مد البصر سفن الصيد بانواعها واحجامها، ولفت انتباهي في محطة تجارة الاسماك وجود انواع مختلفة منها تباينت اسعارها واحجامها، فيما ترتفع صيحات دلالي بيع الاسماك إلى تجار المحافظات القريبة الذين كانت سياراتهم معدة لنقلها بعد وضع عدة قوالب من الثلج لكي تبقى طازجة.

 

عذراً.. الحياة صعبة

وبعد جولة قصيرة في المحطة وجدت نفسي في
(لنج) صيد خشبي كبير وسرعان ما تجمع حولي بعض الصيادين الشباب يتقدمهم صياد كبير السن طويل القامة عرفت ان اسمه اسعد مجيد جاءتني كلماته في بادئ الأمر غير مبالية، لكنه حين علم بمهمتي الصحفية اظهر الكثير
من المساعدة قال:

عذراً.. فان الحياة أصبحت صعبة، والصيد لم يعد مثلما كان والسبب هو ارتفاع اسعار (الكاز) وجمعية النصر لصيد وتسويق الاسماك لم يعد لها وجود، والصيادون حالياً يمرون بفترة ركود. مرسى الصيد غادرته روح المنافسة في عملية بيع الاسماك البحرية.. وبالنسبة لي فانا من أهالي الفاو وامتهن الصيد منذ الصغر لاننا عائلة توارثت الصيد، ونحن نصيد حصراً في مياهنا الاقليمية المسموح بها، ومع هذا، يتعرض الصيادون العراقيون إلى مضايقات وخشونة في التعامل من دوريات خفر السواحل الإيرانية والكويتية ويضيف: الصيد في الوقت الحاضر (فوضوي) وغير منظم ويمر بوضع صعب نتيجة وجود المشاكل التي من اهمها ـ ان كل سفينة صيدلها (10) براميل كاز كل شهر لكن هذه الحصة لا نحصل عليها إلا بعد 45 يوماً مما اضطر بالصيادين أما للتوقف عن الصيد أو شراء الكاز من السوق السوداء ويعزو النوخذة اسعد مجيد السبب إلى استمرار تهريب الكاز والنفط حتى عن طريق (اللنجات) بل ان بعض الصيادين سلكوا هذا الطريق وتركوا عملية الصيد وهو الرزق الحلال محملاً جمعية الصيد تردي الوضع الذي وصل إليه الصيادون.

 

الدولفينات صديقة الصيادين

ولكي نبتعد عن هذه الأجواء الساخنة فوق سطح سفينة الصيد في عمق مياهنا الإقليمية في الفاو حيث ازدادت حرارة الشمس واخذت المياه تزيد من مدها باتجاه شط العرب والريح الخفيفة المشبعة بالرطوبة أخذت تسحب سفينة الصيد ونحن ما زلنا في حوارنا مع الصيادين، عدي عبد الخالق، عدنان ناصر، حاتم كريم، وحبيب عبد الحافظ في موضوع يخص الدولفين قائلين:

هذا الحيوان الاليف الجميل الوديع نراه في عمق البحر يقوم بحركاته الرشيقة البهلوانية وإذا اقتربنا منه واصبح لينج الصيد بمحاذاته يقوم بمداعبتنا ونحن نلقي له قطع الخبز أو بقايا الطعام فيزداد لهواً ولعباً وهو ويضرب بذيله سطح الماء ويقفز لمرات متتالية فيتطاير رذاذ الماء علينا، ونحن نقوم أيضاً بالمزاح معه ولكن دون إيذائه.

وكثير من هذه الحيوانات الاليفة التي تطلق صوتاً موسيقياً ترافقنا في رحلة صيدنا، وفي أحيان كثيرة يعلق الصغار منها بالشباك ولكننا نعيدها إلى المياه وهكذا.

كما أكد الصيادون ان علاقتهم توطدت بهذا الحيوان الجميل الذي يعشق الماء ولا يغادره اما قرش البحر فيقولون انه حيوان مقرف وشرس وقد اصطدنا قرشاً يبلغ طوله متراً واحداً ووزنه طنان ويشكل هذا الحيوان خطراً على حياة الصيادين وكذلك هنا (اللخمة) الكبيرة وهي تزن طناً واحداً وهي أيضاً تشكل خطراً إذا كانت حية. الصيادون شكوا لـ(المدى) عدم امتلاكهم اجهزة اتصال خاصة بالملاحة البحرية وقالوا ان دول الجوار غير متعاونة معهم وقبل ان تنهي (المدى) رحلة صيدها الصحفي في عمق مياهنا الإقليمية طلبنا من صاحب (اللنج) اسعد مجيد ان يحدثنا عن الاسماك واهم انواعها واسعارها فقال:

 

الزبيدي سيد المائدة البرجوازية

من أهم انواع الاسماك البحرية الزبيدي وهذا سعره مرتفع جداً ولا تأكله ألا الطبقة البرجوازية، وكذلك هناك الشانك، و(الخباط) و(لسان الثور) و(بنت النوخذة) و(المزك) و(مشط الفاوية) و(خيط) و(المزلك) و(البني) و(الطعطوع) و(الروبيان) و(الصبور) وهذا له موسم خاص يتكاثر فيه وهناك أيضاً (الثويبي) و(الهامور) و(البياح) ويذكر ان أكثر من 100 نوع من الاسماك البحرية توجد في عمق المياه الإقليمية العراقية.


موظفوها لا يعرفون متى انشئت.. ويشكون قلة رواتبهم دائرة بريد العمارة ما زالت تعيش في اجواء القرن الماضي!

ميسان/محمد الحمراني

لا يوجد موظف واحد في دائرة بريد العمارة يعرف التاريخ الحقيقي لافتتاح أول مكتب بريد في المدينة. ولكن احدهم قال بان أول مكتب هناك كان عبارة عن كشك صغير انشئ قرب نهر دجلة وكان يديره ثلاثة رجال وامرأتان وكل ثلاثة أيام (مأمور) يتوجه إلى محافظة البصرة، ليأخذ معه بريد المحافظة ليأخذ طريقه، فيما بعد إلى كافة محافظات العراق والعالم عن طريق القطارز

 

الوصول إلى البريد

في مدخل بريد العمارة طلبت من السيدة (حياة عبد جعفر) احدى موظفات الدائرة ان التقي المدير، ولكنها قالت: انه غير موجود، وحين طلبت منها ان اقابل المعاون قال: انه غير موجود أيضاً، وحين يئست قلت لها: أريد ان اتكلم معكٍ إذن! فاجابت: انا غير مرخصة بالحديث عن الدائرة. قلت في سري أنها بداية غير موفقة خصوصاً بعد ان علمت بانها مأمورة مكتب التوفير والايداع والسحب.. حين سمع السيد (ستار جابر) مسؤول المكاتب البريدية كلامنا المتشنج، طلب مني ان ادخل إلى غرفة المدير وبقيت أكثر من نصف ساعة في انتظار السيد (سعد حيدر محمود) مدير مكتب بريد العمارة وبعد ان وصل دار معه هذا الحديث.

 

الرسائل تتكلم

ابتدأ الحوار على هذا النحو:

* اين ذهبت الرسائل، التي وصلت إليكم في عهد الدكتاتور؟

ـ لقد اخلينا المكان ومن ضمنه الرسائل وبعد الحرب كنا حريصين بان نوصل الرسائل إلى اصحابها.

* ولكن ما هي الدوافع التي ادت إلى انتقالكم من بناية البريد الشهيرة والموجودة في قلب مدينة العمارة، إلى هذه البناية المنزوية؟

ـ المسؤولون في عهد النظام السابق قالوا لنا بأن هذه البناية ملائمة لنا ولم نستفسر منهم.

* كيف تنظر إلى الاعمار الذي انجز لدائرتكم؟ ومن هي الجهة التي قامت بذلك؟

ـ تم الاعمار من خلال (cpa) التي كلفت شركة (الصفوة) العراقية بانجاز الاعمار فانجزته باحسن صورة، وكذلك تم تأثيث الدائرة باثاث حديث ونحن نشكر الشركة التي قامت بالاعمار ولم تترك خلفها نواقص.

* هل بالامكان ان تتحدث لنا عن حركة الرسائل وكيف تجري؟

ـ رسائلنا تعتمد على خطين الأول معني بالمناطق الجنوبية ورسائل هذه المناطق يجلبها موفدنا إلى محافظة البصرة حيث تأتي رسائل من الديوانية والناصرية إلى البصرة ثم إلينا.

اما الخط الثاني فيذهب وفد يومي بسيارة من دائرتنا إلى مكتب بريد (الكوت) وفي هذه المنطقة تجري عملية تبادل الرسائل أيضاً.

ولكن البعض يقول بأن الرسائل تتأخر 30 يوماً كيف تبرر هذا التأخير؟

ـ نعم هذا كان يحصل في عهد النظام السابق وليس الآن، وكان سببه وجود منفذ واحد هو المملكة الأردنية وفيها يتم تأخير الرسائل اما الآن فالرسائل تصل بصورة أسرع لتعدد المنافذ.

 

جهود ورواتب

السيد (عبد الرحمن كريم) استقبلنا بحفاوة وهو يعد من أقدم موظفي الدائرة إذ تم تعيينه في عام 1976 قلت له بأن بعض الرسائل تفتح ثم تغلق بـ(تيب فلوس) فاجاب: كان ذلك في عهد النظام السابق والآن لا رقابة على الرسائل ويحتوي مكتبنا على 300 صندوق لم يقم احد بمصادرتها أو معرفة ما تحتوي من رسائل (عبد الرحمن) اخبرني بأن هناك (12) مكتباً تقع في الاقضية والنواحي عائدة لدائرة بريد العمارة، وتم تعيين مفتشين لها مهمتهم متابعة ومراقبة عمل تلك المكاتب ومحاسبة المقصرين فيها، ولكن اغلب العاملين يعانون من قلة رواتبهم فالذي خدم 25 عاماً يأخذ راتباً شهرياً قدره (250) ألف دينار، بينما التسعينيات الجديدة لا تتعدى رواتبها (120) ألف دينار اما العقود فيتقاضون (90) ألف دينار، واغلب الموظفين يقولون بأن هذه الرواتب غير كافية ويطمحون مستقبلاً  ان تكون الرواتب بمستوى الجهود وكذلك يطمحون ان يزود مكتب بريد العمارة باكثر من كمبيوتر وان تتواجد فيه خدمات البريد السريع (الإيميل) للذين لديهم حالات طارئة.

 

 


 

تحت الضوء

(ألبوم) صدام

احمد السعداوي

مع صورته الأخيرة بلحيته (الديستويفسكية!!) يكون صدام قد اقفل (ألبوم) صوره الشخصي ويكون كذلك قد منحنا التجسد الأخير لهيئته، باعتبار ولعه بالتحول والتبدل في الهيئات والاشكال والازياء المختلفة. لقد سجنته صورته الملتحية في ذاكرتنا، على الأقل، حتى موعد المحاكمات الشرعية، والتي يفترض ان تكون علنية. وقتها يمكن له ان يظهر علينا بلحية صغيرة مثلاً (سكسوكة!) أو يحلق لحيته وشاربيه، فيضيف بهذه الطريقة (الصورة الأخيرة) لألبوم صوره الشخصي.

لا احد يعرف على وجه الدقة لماذا ارتضى صدام لنفسه الظهور في المحكمة (التي قرأت عليه التهم) باللحية ذاتها، بعد ان شذبها قليلاً. لماذا يتمسك باللحية؟ هل لأنها تقربه من هيئة رجال الدين أو الاسلاميين والمتدينين! هل يريد التأثير بهذه اللحية على اذهان (بعثييه) وأولئك الذين يرون فيه (رمزاً) للنضال الديني والقومي؟ أم ان اللحية تضفي سيماء المسكنة على الوجه، فيبدو معها، مثلاً، (بريئاً) ويستدر العطف من أعين المتابعين لصورته على الشاشة؟

تبقى الأسباب الحقيقية لهذه اللحية مع صدام، اما وجهة النظر العامة، فنفضل النظر إلى لحية صدام على أنها صورة الانهيار للجبروت الدموي وايقونة ترمز إلى شيء معقد وشديد التناقض والجدة اسمه (الاحتلال/التحرير).

إنها صورة (هذه اللحية الصدامية) تستفرغ شحنة الثأر والتشفي، عند النظر إليها، من قبل ضحاياه، وتستدعي مستوى أعلى من السخرية، لم تكن تتيحه صوره السابقة ذات الطابع العنجهي والمتسلط والمتعالي بإيماءات ربوبية.

ان صورة (صدام الملتحي) هي ما نريد ان نحتفظ من كل صورة اللامتناهية التي تطفلت على حياتنا وامتزجت بها بشكل كابوسي. نريد ان نحتفظ بهذه الصورة فقط لانها ترسخ لحظتنا الراهنة التي تتفلت من أيدينا تحت وطأة الارتكاسات إلى الماضي وتحت وطاة التشكيك بقيمة اللحظة الراهنة التي نحياها، أو جدواها، أو الأمل بانها ستدفعنا إلى لحظة قادمة أهم.

أنها صورة صدام الذي نريد وليحتفظ بغاياته من اللحية لنفسه. فالامر خارج سيطرته، وهي ليست قضية شعر ينمو ويترك كذلك، أنها مرتبطة بالمناخ العام الذي (نمت) فيه، لتحمل في النهاية رائحته! وشكله، وصدام الذي نريد ان نذكر اطفالنا به (للعبرة والدرس) لا نريده ان يخرج عن هذه الصورة لانه في جوهره لم يكن شيئاً غير هذه الصورة واللحية التي أطلقها، لم تغط، بل كشفت حقيقته.

لربما نحن الآن في المنطقة الوسطى ما بين آخر ظهور لصدام الملتحي في وسائل الاعلام، والظهور القادم له، ولربما سيفاجئنا بصورة جديدة، كما قلنا سابقاً، أو يسترد صورته القديمة، وهذا امر مشكوك فيه، فعلى الأرجح هو معني ومهتم كثيراً بالتأثير الممكن (مهما بدا يائساً) لصورته، شيخاً عجوزاً ملتحياً مريضاً متعباً، على نظرة القضاة والمحامين وكل من يشاهد جلسات المحاكمة انه يظن ـ رغم كل شيء - ان هنالك املاً بالافلات من الحساب العسير الذي ينتظره، ولو كان ذلك بمساهمة بسيطة من لحية يتركها تنمو.

إزاء هذه الصورة. هناك من يتراجع لينظر إلى صور سابقة، ثم يتجمد كل شيء معها، هنالك من يفضل النظر إلى صدام ببزته العسكرية أو باليشماغ والسترة الجلدية، بسيجار كوبي أو بدونه بالبرنو أو بقبضة مشدودة ومروفوعة للأعلى امام الحشود تجسد لحظة مطلقة في سيطرتها وتمكنها. لحظة نهائية السمو، تشكك بأي شيء يمكن ان يحدث بعدها.

هناك من يفضل تمزيق الصفحات الأخيرة من (البوم صدام) لتكون الصورة الاجدى!! بان تكون صورة النهاية، هي الابتسامة العريضة والذقن المحلوق جيداً والبدلة الرسمية  الانيقة مع ربطة العنق والذراع الممدودة في الهواء وكأنها تشارف ـ وبكل يسر ـ للامساك بمقعد الرب.

لا أحد يستطيع ـ وهذا بفضل سقوط صدام ـ ان يمنعني من وضع صورة كهذه لصدام في غرف بيتي، لا احد يستطيع ايقاظي ـ ان كنت نائماً منذ 9/ 4/ 2003 وحتى الآن ـ ان رفضت التخلي عن النوم المريض هذا. ولكن القضية تبدو مختلفة حين ارفع صور (رئيسي الوحيد!!) أمام الملأ.

بعض الصحف في بغداد مثلاً لا تتورع عن صفع انظار المارة بصورة ملونة (قديمة) للقائد الضرورة!! وهي تملأ كامل الصفحة الأولى، ولا تبدو العناوين المرافقة للصورة ذات جدوى بالاحالة إلى اللحظة الراهنة، فالصورة أكثر حدة من أي شيء آخر معها.

الكثير من العراقيين يفضل ان لا ينظر إلى صورة صدام في أي وضع وفي أي شكل كان، يفضل ان يدفع نفسه نحو عملية نسيان عميقة، تربكها أية صورة مهما بدت تافهة وصغيرة الحجم لصدام، فما بالك واكشاك بيع الصحف تعرض صوراً كبيرة من فترة ما قبل 9/ 4 .لصدام (الواثق المنتصر، الهازئ) وهنا سيرى هذا المواطن المسكين ان الرسالة موجهة إليه شخصياً، وليس للأعداء الامبرياليين الصهاينة).

ان دواعي الإثارة والترويج يجب ان تكتسي بشيء من الأخلاقية في وسائل الاعلام. وإلا فان ما نراه بسيطاً وقانونياً، هو ما سيغدو في لحظة ما سبباً رئيسياً، لحالة من الاحباط نسعى جميعاً للتخلص منها.

لا تبعثروا البوم صور صدام وتغيروا التواريخ فيها، اجعلوا المنطق يتغلب عليه هذه المرة، ولتكن الصورة الأخيرة في ألبومه، هي الصورة الأخيرة دائماً.

 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة