اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

و الآن....... ما العمل؟

جيرمي غرينستوك

ترجمة: فاروق السعد

قد يكون العنف في العراق وباءً مستوطناً، ولكنه، عن طريق فهمه و توضيح الاولويات، فان نظاما ديمقراطيا معقولا لا يزال امرا ممكنا.

لو امكن تخليص العراق بشكل ما من العنف، فان برنامج التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي المطروح من قبل التحالف خلال فترة الاحتلال سيشهد تطورا حقيقيا. ومن الواضح أن معظم العراقيين راغبون في هذا، فهو يشكل تحولا من المرحلة الصدامية؛ و يقدم املا في بلد شرق اوسطي متجه الى القرن 21 وممتلك فرصة في محاكاة مناطق اكثر ديناميكية؛ كما يمثل نتيجة قيمة للجهود المبذولة والخلافات التي خلقتها.

وعلى اية حال، في الوقت الراهن، لا يزال العنف منتشرا و واسع التدمير، ولا يمكن استبعاده وقد يكون صفة مستوطنة في بلد عانى القمع في تاريخه الحديث. فطبيعته، والدوافع التي تختفي وراءه، بحاجة الى دراسة متمعنة. والنص بحاجة الى صياغة واضحة. كما ان التشخيص للسنة القادمة ينبغي ان يأخذ بنظر الاعتبار ما يريده العراقيون انفسهم و ما هم قادرون على القيام به.

ساور الكثير منا في المجتمع الدولي الشك في غزو مارس 2003: حول التوقيت، وتأثيره على المنطقة، و حول كونه قرارا احادي الجانب من قوة عظمى و مدى شرعيته. و باعتباري ممثل بريطانيا في الامم المتحدة، ومع انه كان واضحا في تفكيري أن العراق قد خرق كثيرا مطالب الامم المتحدة والقانون الدولي، و انه كذب كثيرا حول اسلحة الدمار الشامل، حيث وضع نفسه عرضة لاستخدام القوة للتأكد من التزامه بقرارات الامم المتحدة، قررت الحكومة البريطانية المساعدة في ازاحة صدام لهذه الاسباب، وكان من واجبي التأكد من ان المهمة ناجحة. هنالك اساب قهرية للوقوف إلى جانب امريكا في هذه العملية المعقدة، ليس لان بريطانيا لديها شيئ ثمين لتقديمه (جواز سفر لاشكال المساندة الاخرى، تاريخ عسكري، خبرة ومنظور تاريخي) فحسب، بل ايضا لان الضرر الذي يلحق بالدبلوماسية العالمية سيكون مرعبا لو ذهبت امريكا لوحدها.

كان النزاع ذاته قصيرا ونفذ بكفاءة. ومع ذلك، فسرعان ما استبدلت البهجة بالقلق من التعامل مع احداث ما بعد الحرب. فلقد كان هنالك الكثير من الدلائل على وجود اخطاء في الافتراضات والتحليلات وطرق المعالجة؛ وهنالك الكثير من المراوغات حول ايجاد سيطرة فعالة. وبما اني احلت على التقاعد من الخدمة الدبلوماسية في يوليو 2003 لم يخطر ببالي التطوع للعب دور في مسرح العمليات، ولكن عندما اصبح من الواضح أن المشاكل اصبحت تختمر وطلب مني المساعدة، شعرت بان علي الا اتهرب. ذهبت الى بغداد، ممثلاً خاصاً لبريطانيا في 11 سبتمبر 2003، لمدة محددة بوضوح تمتد لستة اشهر وفي مهمة تهدف الى مساعدة الامريكان في الظروف الصعبة وفي تقديم المشورة المستقلة وقت الحاجة. وهذا ما تم.

كان هدفي الاول، كما تم الاتفاق علية مع رؤسائي في لندن، مساعدة الامريكان لتطوير العملية السياسية التي تنهي الاحتلال حالما يعتقد ان ذلك ممكنا ولترك العراق مستقرا بما يكفي للمحافظة على تجربته الخاصة في تشكيل حكومة تحظى بموافقة الناس. ما قصد من هذا كان واضحا تماما: اعادة السلطة الى ايدي العراقيين حالما يكون ذلك ممكنا؛ لاصدام او لا اتباع صدام في الحكومة؛ بدون توترات اجتماعية مستعصية على الحل؛ حد ادنى من الفساد وعدم الكفاءة؛ تثبيت حقوق الاقليات والافراد؛ و اعادة الخدمات. كانت مهمة اعادة السيادة العراقية مهمة شاقة قبل مارس 2004، هذا هو تقييمي الشخصي؛ ولكني لم استبعد الامكانية. يمتلك البلد مواطنين موهوبين ومثقفين بما يكفي لكسر قالب المنطقة في كثير من الوجوه المهمة.

كانت المبادئ التي استند اليها بول بريمر، كرئيس للادارة في العراق، متطابقة تماما مع الخطوط العامة التي وصفتها. كانت لدينا افكار واضحة عن المراحل اللاحقة. توجب تعديلها عند بروز عقبات، ولكن ذلك تم تنفيذه بمهارة؛ كما تم تعزيزها بالتحسينات العامة في البنى التحتية العراقية. و بعد بداية مهزوزة وبعض الاخطاء شبه المقرة، شعرنا بأننا نتقدم باتجاه ما.

من المهم جدا ان تفهم العملية التي وضعت الان للمراحل التالية في العراق، على نطاق واسع، لانها صيغت لاجواء العنف وليس للظروف الاخرى. ان تبني (قانون ادارة الدولة المؤقت) الذي هو دستور مؤقت- في 8 آذار وضعت الاسس الاولية لبناء الديمقراطية في العراق الجديد. ان التسوية التي تم التوصل اليها - التي تضمنت صفقة عصية مع القادة الاكراد حول الحكم الذاتي، قبلها السياسيون العرب في مجلس الحكم- قد فتحت الافاق امام التلاحم الوطني، ان وافق العراقيون على ما تعرضه هذه التسوية.

ان صمام الامان في أجندة السنتين 2004 و 2005 التي ثبتها (قانون ادارة الدولة المؤقت) هي انتخاب برلمان جديد قبل 31 كانون الثاني2005  وان انتقال السلطة الى حكومة عراقية في 30 تموز 2004 اقل اهمية من انتخابات نهاية السنة فيما يتعلق ببناء دولة جديدة. ستكون الحكومة الجديدة كاملة السيادة، بمفهوم ان اي ترتيب من جانب امريكا والمجتمع الدولي سوف يتطلب الموافقة من قبل العراقيين كشركاء على قدم المساواة. سيشرف العراقيون على الميزانية؛ سيحاكم القضاة العراقيون صدام؛ وسيقررون مستقبل الصناعة النفطية. ولكن، طبقا لقانون ادارة الدولة، ستبقى الحكومة المؤقتة في السلطة لمدة سبعة اشهر فقط، من تموز الى كانون الثاني 2005، لن تتخذ قرارات الا تلك المتعلقة بادارة البلاد والتهيئة للانتخابات.

سيكون البرلمان المنتخب الجديد كامل الصلاحيات، سينظم ويوافق على حكومة جديدة، ويقوم بدور المشرع للبلاد، وسيكون مسؤولا عن الحصول على موافقة الشعب على دستور دائم جديد بحدود تشرين الأول 2005.

البيضة و الدجاجة

ستجرى الانتخابات العامة الجديدة بحدود نهاية 2005 لتشكيل حكومة طبقا لذلك الدستور الجديد. عندها سوف يتم حل كل ما يتعلق بالشرعية، وطنيا و دوليا، وسوف يشعر العراقيون بالتغيير من الاشراف الدولي الى الاستقلال والاستقرار الدائم. و لكن هل، ستتم المحافظة على كل شئ لغاية تلك الفترة؟ لماذا تجرى عمليتان انتخابيتان خلال عام 2005 متجاوزين كتابة دستور جديد دائم؟

الجواب هو في المسالة القديمة (البيضة والدجاجة) التي اثيرت نهاية عام 2003. كان السيد بريمر محقا تماما برغبته في إجراء انتخابات عامة بعد تحديد المبادئ العامة للدولة الجديدة في الدستور الجديد. والا فان الصراع السياسي قد يتحول الى معركة شرسة بين القوى السياسية والمليشيات على سلطة لم يتم تحديدها بشكل واضح، وبدون وجود ما يكفل حماية الاقليات والافراد. وعلى اية حال صرح اية الله العظمى على السيستاني -الذي ملأ صوته فراغ غياب الرأي المستقل رغم امتناعه عن تسلم منصب- بعدم شرعية دستور يكتب من قبل لجنة غير منتخبة. تحولت عملية الترتيب الزمني الى مأزق، وانهارت خطة السيد بريمر السياسية ذات المراحل السبع التي رسمت في صيف 2003.

ومع ذلك، اصررنا - هو وانا - على ان الانتخابات العامة لا يمكن ان تجرى بحركة اصبع، وعلى أن الوقت مطلوب كي تتاح الفرصة للاحزاب الجديدة والممارسات الديمقراطية بالتطور. نحن ورؤسائنا ، خلال خريف عام 2003، ترسخت قناعاتنا بفائدة اطلاق سراح العراق والتحالف من حالة "الاحتلال" بكل ما تتضمنه الكلمة من معنى. تمنينا رؤية اجراء الانتخابات العراقية ليس بعد تحضيرات مناسبة فحسب بل في ظل سلطة عراقية كاملة الصلاحيات، تجنبنا تهمة ان الانتخابات قد حددت من قبل التحالف.

ان الاتفاق الذي تم التوصل اليه بين الادارة المؤقتة و مجلس الحكم في 15 نوفمبر حدد الملامح العامة للبرنامج الجديد إلى نهاية عام 2005. ومع ذلك، صممت الحكومة المؤقتة لتدير البلاد من اواسط 2004 الى نهاية 2005، وهي حكومة يجب ان يتم اختيارها من قبل الاحزاب المحلية والوطنية في الربيع/الصيف من عام 2004 والتي، من البداية، كانت معقدة. صرح اعضاء مجلس الحكم المقربون من السيستاني بأنه سيؤيد الخطة. وقد تبين، لاحقاً أن هذا تضليل. فسرعان ما عبر عن رفضه الشديد لاي تأجيل في اجراء الانتخابات العامة. بدا ان سلطة التحالف والصوت المستقل في العراق في حالة تناقض مرة اخرى. تطلب الامر اعادة اشراك الامم المتحدة في العملية، و بحس دبلوماسي من جانب ممثل الامين العام الاخضر الابراهيمي، للخروج من المأزق. وافق السيد السيستاني في النهاية على اجراء الانتخابات بعد مدة معقولة من التحضيرات، و لكنه اصر على ان الحكومة غير المنتخبة التي تسبق الانتخابات يجب ان لا تتمتع بصلاحيات تؤثر في مستقبل الدولة العراقية.

كان لهذه الاجراءات الملتوية تأثيرات متعددة. فقد تعلمت سلطة الائتلاف، والسيد بريمر نفسه، الكثير عن التفاعل بين القوى السياسية الصاعدة في العراق الجديد، فقد تطور تعاملها مع مجلس الحكم من حيث الدقة والتعقيد. وتحسنت قدرة مجلس الحكم على عقد المساومات السياسية بضمنها مع السيد السيستاني تدريجيا. ولكن الجدل الشعبي قد بين تعقيد العملية ككل و اضعف مصداقية سلطة الائتلاف و مجلس الحكم. كما بقيت غالبية العراقيين مشوشين حول ما يجري لهم، غير واثقين، لا بسلطة الائتلاف و لا بالمرجعيات الدينية.

تطور العنف

تزامنا مع دوامة التطورات السياسية غير الطبيعية هذه، حدثت تطورات في الوضع الامني. فخلال فصل الشتاء، التحالف طور اجهزة استخباراتية و طرقا ادق في التعامل مع الناس والخلايا التي كشفت بعد كل عملية ضد التحالف، بدا الموالون للنظام القديم بالتناقص (ربما نحن بحاجة الى تعلم هذا الدرس حول العمل في مسرح جديد، ولكنه يتطلب الوقت للعثور على طرق جيدة في التعامل مع الناس و بفائدة محلية). كان الموالون يكتشفون باعداد متزايدة، و كانوا يجدون صعوبة في الاتصال والتنسيق بعضهم مع البعض، و كانوا يواجهون صعوبة في العثور على ملاذ آمن. ومع ذلك، تطورت بالمقابل طرقهم الخاصة؛ و بدؤوا في البحث عن طرق للعمل مع التهديد الرئيسي الآخر للتحالف، وهو المجموعات الارهابية من غير العراقيين التي تسللت الى العراق بعد انتهاء المواجهة. ان لهذه المجموعات، التي يعتبرها الكثير مرتبطة بالقاعدة، دوافع سياسية وايديولوجية مختلفة نوعاً ما، ولكنها تتفق مع المتمردين الساخطين في الرغبة بجعل العراق غير الممكن الإدارة من قبل الولايات المتحدة او أية دولة اخرى، لان كليهما، العنف والفوضى يمكن تحقيقهما عن طريق القتل العشوائي والفرقة.

وعندما بدأ التحالف ذاته بشن هجمات اكثر عنفا، شرعت هذه المجموعات باستهداف الاهداف الاوهن: شركاء التحالف الصغار، المتبرعين، المقاولين والاجهزة العراقية الجديدة نفسها. و بشكل متزايد، تقع خسائر في صفوف العراقيين اكثر من الاجانب على التربة العراقية. وهذا لدى الموالين زيادة في سخط العراقيين الاعتياديين من العمليات التي يقوم بها الموالون وبشكل خاص الارهابيون من غير العراقيين. ولكنها قللت من قدرة العراقيين على تحمل القوى المحتلة، المسؤولة عن توفير الامن كما تنص عليه بوضوح القوانين الدولية وهي صحيحة كمحاججة انسانية.

وبعد مرور العملية السياسية بمراحل مختلفة، وبعد تطور الجدل بين التحالف والاصوات الدينية والسياسية خارج الادارة، بدأت رغبة السكان بصورة عامة في تحمل التكاليف بالتراجع. وهذا بالمقابل زاد من حافز المتمردين الملتزمين بتصعيد هجماتهم، و حسنت قدرتهم على اقناع اعداد من السكان العراقيين لمد يد العون للعنف. و هذه مساحة عصية على التحليل والاستيعاب، فليس لدى الموالين لصدام والارهابيين امل في دحر التحالف عسكريا،. ينبغي عليهم اما تدمير ارادته السياسية او جذب معارضة اوسع الى جانبهم من السكان العراقيين. ان امل العراقيين في الحصول على السيادة الذي انتعش في بداية تموز قد ضيق من فرص توسيع النقمة على الاحتلال، كما ان طرقهم قد قوبلت بامتعاض من جانب العراقيين العاديين، الذين قادتهم كراهيتهم الشديدة للبعثيين الى مساندة اجتثاث البعث التي اقترحها السيد بريمر اخيرا.ولكنهم يعلمون بان السخط والاحباط من جانب قسم من السكان، خصوصا في المناطق السنية وفي بعض المناطق الشيعية الفقيرة، يفتح مجالا لاثارة اضطرابات موسعة.

لقد كانت غالبية العراقيين تتطلع إلى فرصة إزالة صدام فقد اذلوا بمعاملته لهم وشعروا بان العالم الخارجي قد تخلى عنهم، وكانوا على استعداد لتحمل فترة تحول صعبة قد اصابهم الضرر بدرجة ما جراء اعمال العنف. اثبتت قدرتهم على تحمل التدخل الخارجي ، تحت هذه الظروف الاستثنائية، بأنها مرنة جدا.

ولكن هنالك حدود. يجب ان تبقى الاغلبية واثقة بان الحياة في تحسن و ان هدف الغزو الذي هو خلق عراق يحكم برضى شعبه سوف يتحقق. ان السلطة الجديدة يجب ان تتصف بالمصداقية و المقبولية، شيء مشابه لما يعرفه السيد الاخضر الابراهيمي جيدا، المشغول الان في اختيار حكومة انتقالية. ان الديمقراطية على نحو ما يرغب بها العديد من العراقيين بحاجة الى وقت كي تتجسد، طالما بدأت اسس الحياة الطبيعية بالظهور. ان العبارة التي على واجهة طاولة السيد بريمر نبيلة بما فيه الكفاية." للنجاح مئة اب" . بودي مع ذلك ان استبدلها بواحدة اكثر حدة:" الامن و فرص العمل، حماقة".

لو ان الموازنة بين التطور و الكلفة كانت ايجابية لمدة ليست بالقصيرة، فستتأثر قدرة العراقيين على التحمل. ان المقياس في هذا لكل فترة هو عدد الاشخاص الجاهزين للالتحاق ببؤر العنف، و إن بصورة مؤقتة. و هذا هو ما يفسر، لم اثارت احداث نيسان و مصادفة حدوث الاضطرابات في كل من المجتمعات السنية والشيعية(الفلوجة والنجف بالتتابع) كل هذا القلق. هل كانت استثناء، ام دليلاً على ميل نحو تدهور عصي على التغيير؟

نحتاج الى ان نكون حذرين جدا في تقييمنا. تتضمن قصة العراق اكثر من مستقبل شعب مفرد او نجاح مبادرة قوة عظمى محفوفة بالمخاطر. لا نزال نحاول استعادة آليات النظام الجيوبوليتيكي لتسهيل العمليات في اكثر الظروف صعوبة. يمثل الارهاب تهديدا عالميا، و تجليه في العراق يشكل علامة وليس سببا، على انحراف اوسع. ان معالجته في العراق لغرض احتوائه العام. ان فائدة الامم المتحدة لا تنحصر في المبادئ التي تنفذ طبقا لها اعمالها بل في كفاءة تنفيذها في اكثر التحديات تعقيدا. ان قوة الامم يجب ان تاخذ بالحسبان قوة الفوضى الطبيعية ووجوب تهيئة الوسائل المناسبة وان يتم قبولها من قبل الامم لانتاج النتيجة الجمعية الصحيحة. نحن جميعا لدينا مصلحة في ان تكون النتيجة النهائية دولة افضل للشعب العراقي اكبر مما كانت في البداية. ومع ذلك فان الحكم الحقيقي في هذا التحدي الكبير و المتوتر هم العراقيون انفسهم، فهم بحاجة الى ان يعلموا بان العراق الجديد يمكن تحقيقه بحق و بان ازاحة صدام كان عملا يستحق الاحترام، وهم وحدهم قادرون على الحكم ان كانت الكلفة يمكن تحملها. في الفلوجة و بعض المناطق الاخرى حيث يمتلك المتطرفون السنة سندا محليا، يبدو أنهم قرروا ان الكلفة لا تحتمل. و ربما اجريت نفس الحسابات من قبل عصبة شيعية صغيرة من المليشيات. قد يصعق مراقبو الشرق الاوسط المتمرسون لو ان بعض العراقيين في مناطق اخرى لم يظهروا الى أي درجة من القسوة يمكن ان يكونوا عليها.

و لكن في مناطق اخرى ليس من الواضح ان قدرة التحمل قد اخذت بالتلاشي. تحرك العراقيون المعتدلون بسرعة كبيرة للحد من الخسائر التي يسببها المتطرفون. ان النساء العراقيات، سعيدات جدا بزوال النظام القديم. فقد اظهرت الاستطلاعات التي اخذت في الاسابيع الماضية ان معظم العراقيين لا يزالون مصممين على اقامة عراق جديد. السبب المعطى هو عدم وجود بديل.

لهذا فان قرار اعادة السلطة الى ايدي العراقيين هو امر حاسم. و الا فان العاطفة الوطنية ستخرج من السيطرة. كما ان مسؤولية الحكم ينبغي ان تحل محل الحرية على التذمر. ينبغي تصفية الارهاب والعنف العشوائي من المجتمع العراقي، و من ثم سيتوجب على العراقيين ان يظهروا عزما على ازالته عن طريق مساندة قواتهم الامنية، رافضين وجود اعداء حرية العراق بينهم ومطورين ايديولوجيا البلد الموحد بدلا من بلد مجزأ. ان مسؤولية اتخاذ قرارات صعبة ينبغي ان تحفز على ظهور قيادة جديدة و توحي بروح جمعية بعيدة عن خبرة أي عراقي على قيد الحياة. و الوعي بوجود دعم دولي لهذه العملية يجب ان يكون مبعث راحة.، بدون الشكوك التي تثيرها الادارة الخارجية او اسبقية المصالح الاخرى.

الدور الخارجي

وهذا يعطي اهمية لجذب المساعدة الفعالة من قطاع اوسع من الاطراف الدولية، حالما يرى الاكثر ترددا من بينهم ان عملية انتقال السلطة تتم فعلا وحالما يتغلبون على نفورهم من اسباب الوضع الحالي. ان اساس هذا الجهد الدولي هو عزم قادة التحالف الحالي على مواصلة المشوار. يعلم العراقيون أنهم غير قادرين على تدبير مسالة امنهم و، ضمن مساحة معينة من القدرة على التحمل، لا يرغبون في مغادرة القوات الاجنبية الا ان يتمكنوا من ذلك.

و هذا يفسر حاجة القوات الامريكية و البريطانية الى ان تكون جاهزة للبقاء إلى عام 2006 في الاقل، و لماذا تكون محادثات التوصل الى استراتيجية سحب القوات المبكر سوء تقدير موقف. يمكن تخفيض الاعداد حال اثبات العراقيين بأنهم كفوؤون، ولكن ليس الى ان يتم تامين الحدود، و نزع سلاح المليشيات و تكون الاعمال الارهابية هي الاستثناء. في حالة تدخل الامم المتحدة او بدونه للعب دور كامل في اعادة بناء العراق سياسيا واجتماعيا. ويجب على كوفي عنان ان يتخذ قرارا كبيرا هنا حول قدرة الامم المتحدة على للقيام باشق المهام. ان اطار مستقبل العراق المعدني ينبغي ان يصنع من قبل قوى متطوعة لهذا العمل.

من غير المبهج ان ندرك ان مثل هذا العدد الكبير من المواضيع في مجموعة اهتماماتنا الواسعة قد تم التطرق اليها بسرعة في العراق، و ان النجاح هناك يعتمد كثيرا على ادراك و قوة طباع اناس وضعوا تحت الاختبار في ظروف جديدة تماما عليهم. و لكن ان كنا واضحين في هذه النقاط ، فان الاختيار بذاته يصبح اسهل: يجب علينا الالتزام بالعراق الى ان تنفذ المهمة.

 

 


 

قراءة في كتاب جديد الإسلام والديمقراطية: زواج غير مستحيل قراءة في كتاب (ما بعد الجهاد) لنوح فيلدمان

محمد حبيب

مع سقوط نظام صدام حسين، بدأت الولايات المتحدة حملة ترويع لفرض الديمقراطية في بلد لم تعرف طعم الحرية من قبل قط. هناك إجماع بين الخبراء على أن الديمقراطية والعالم العربي متنافران. ويحاجون في أن الإسلام ينتج موقف تسليم لا لله وحده، بل إلى الزعماء السياسيين والدينيين أيضا-، وهذا ما يورّث المسلمين، في ذلك العالم المتسم بالقسوة،  العجز عن ممارسة سياسة الانتخاب أو احترام حقوق الأقليات الدينية والثقافية الأخرى.

يقوم نوح فيلدمان الحائز على دكتوراه في الفكر الإسلامي من جامعة أكسفورد، وأستاذ القانون في جامعة نيويورك، في كتابه" بعد الجهاد" ببناء قضية آسرة ومقنعة وهي أنه يتم تقديم معلومات مضلله حول هذا الإجماع.

يرى فيلدمان أن الشرق الأوسط يظهر ميلاً هائلا إلى الإصلاح الديمقراطي، ويعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دورا بارزا في تشجيع المسلمين للضغط على حكوماتهم للتخلي عن السلطة. لكن هذا يقتضي تغييرا في سياسة الولايات المتحدة. إذ طالما فضلت الولايات المتحدة الاستقرار على الاضطراب السياسي والديني الذي يمكن أن تتسب بهما الديمقراطية؛ الأمر الذي دفعها إلى دعم حكومات أوتوقراطية في المنطقة (كالمملكة العربية السعودية). لكن فيلدمان يرى أن الإصلاحات الديمقراطية، على المدى الطويل، هي الوحيدة القادرة على تحقيق التقارب بين البلدان الإسلامية والولايات المتحدة.

يمتلك فيلدمان الآن، بخلاف معظم الأكاديميين، فرصة تطبيق نظرياته. فقد تم تعيينه مؤخرا رئيسا للفريق الدستوري مع مكتب إعادة إعمار والمساعدات الإنسانية في العراق. ومن مهمات الفريق، الإشراف وتقديم النصح في وضع دستور لنظام ديمقراطي جديد.

يقول: "إن كلفة دعم الأنظمة الأوتوقراطية باهظة جدا.  وإذا استمرت الولايات المتحدة في هذه السياسة ستضع نفسها والغرب كله معا في مواجهة مع مصالح المسلمين، الذين من غير المرجح أن ينسوا ما رأوه من خيانة أمريكا والغرب عموما

لقيم الحرية والحكم الذاتي اللذين تشدقا بهما مطولا. كما أن الأحلام المحبطة بالحكم الذاتي ستستمر، تلقائيا، بالاقتران مع أهداف أي زعيم إسلامي يرغب في مواجهة أمريكا، حتى عندما يكون ذلك الزعيم سفاحا مثل صدام حسين وأسامة بن لادن.

ينبع تفاؤل فيلدمان في إمكانية المصاهرة بين الإسلام والديمقراطية من اعتقاده أن كليهما فكر متحرك، فلسفتان سهلتا الفهم من قبل ثقافات مختلفة، وتنطويان على حقائق شاملة، وتتشابهان في بعض مكوناتهما الأساسية. فالإسلام والديمقراطية يتفقان على أن البشر جميعا متساوون وأن الجميع مسؤول تجاه المجتمع. الإسلام والديمقراطية،في جوهرهما، يعاملان الإنسان باحترام ويطالبانه بمعاملة الآخرين بالطريقة ذاتها.

غير أن فيلدمان يخفف من تفاؤله. يقول إن الطريق إلى الديمقراطية الإسلامية ستكون وعرة. ويحذر من أن آثارها قصيرة الأمد ستسبب الذعر للأمريكيين. فالديمقراطيات تحتاج إلى منظمات مدنية قوية لتستمر في الحياة، غير أن الإسلاميين، في كثير من بلدان العالم الإسلامي، هم الذين أسسوا ويديرون هذه المنظمات. وبالتالي سيسيطرون على السلطة في العديد من البلدان الإسلامية، وليس هناك أية ضمانة في أن يسعوا لإقامة علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة والغرب أو حتى أن يكونوا راغبين في صون حقوق الأقليات غير المسلمة. أي أن معظم هؤلاء الإسلاميين أنفسهم، في النظرية، معارضون أشاوس للديمقراطية لأنها المفتاح للحفاظ على السلطة وبناء الثقة في مقوماتها الأساسية.

كما يرى فيلدمان أن البلدان الإسلامية الحاضنة للحريات السياسية لن تكون أيضا من نمط الديمقراطية الغربية. ولن يجري فيها، على سبيل المثال، الفصل بين الدين والدولة حيث، بالمقارنة مع الديمقراطية التي تحصر اهتمامها بالشأن العام، يتدخل الإسلام في الشؤون الخاصة والعامة.

وقد يكون فيلدمان محقا في اعتباره، برغم المخاطر، أن التشجيع المستمر للديمقراطية في العالم الإسلامي هو، على المدى الطويل، كسب كبير للغرب. لأن جمهور الناخبين سيتخلص في آخر المطاف من أنظمة الحكم المعادية لأمريكا وإسرائيل، ويطالب بأن يهتم الساسة بالشؤون المحلية.

ويقول فيلدمان: " لأن المسلمين يؤمنون مسبقا أن الولايات المتحدة تقف، نظريا في صف الحرية والديمقراطية، سيسارعون إلى احتضان أمريكا ليس باعتبارها فكرة، بل باعتبارها حليفا.  قد يكون غضب المسلمين من نفاق الولايات المتحدة كبيرا جدا، لكن ليس عميقا. فمن الخطأ الاعتقاد بأن المسلمين العاديين، أو حتى الإسلاميين، هم معارضون حتميون أو لا يتبدلون ضد الولايات المتحدة... حقيقة الأمر هي أن العديد من المسلمين يقولون إنهم مستعدون لاعتناق الديمقراطية، باعتبارها نظاماً ارتبط بالولايات المتحدة ونجاحها، والمثال الأبرز على ذلك هو أن المعاداة لأمريكا قد تنتهي في الحال إذا ما قامت الولايات المتحدة في رفع حمايتها عن الحكام الذين لا يستجيبون إلى احتياجات واهتمامات شعوبهم."

إذا نجح فيلدمان وفريقه في مساعدة العراق خلال فترة الحكم الانتقالية من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، ستشكل هذه النتيجة الإيجابية ضغطا على القادة الليبراليين الدينيين، والأسرة المالكة في العربية السعودية، وغيرهم كي يسمحوا لمواطنيهم بتقرير مصائرهم الخاصة.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة