اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

 لسان بلا قلب

(1-2)

ميثم الجنابي

المتمرسون بالعلم والسياسة المغامرة

عندما سئلوا الجنيد البغدادي يوما:

-يا أبا القاسم يكون لسان بلا قلب؟

-كثير!

-فيكون قلب بلا لسان؟

-نعم قد يكون! ولكن لسان بلا قلب بلاء، وقلب بلا لسان نعمة!

وهي فكرة يمكن تطبيقها على حقيقة اللسان الناطق لمختلف تشكيلات وهيئات من دعتهم الثقافة الاسلامية بعلماء السوء. وهو الأمر الذي يجعل من حالهم الفعلي بوصفهم "لسان بلا قلب"، صوتا ناطقا بنفسية المؤامرة والمغامرة الملازمة للعبة "السياسة"، التي تميز العراق في ظروف الانتقال من الحالة التوتاليتارية والدكتاتورية إلى حال الدولة الشرعية والديمقراطية. وهي حالة ليست غريبة على "علماء المسلمين" منذ أن تحولوا إلى "فرقة" متميزة في خدمة السلطان، والتي أطلقت عليها الثقافة الإسلامية تسمية "علماء السوء".

وإذا كان من السهل اعتبار "علماء السوء" أنصاف علماء أو كاملي السوء، فإنها تبقى مجرد تقييمات سرعان ما تفقد جزميتها في حال وضعها أمام المقارنة الحية بين العلم والعمل والفضيلة والرذيلة في ثقافات الأمم وتاريخها. وذلك لان "علماء السوء"، شأن كل وحدة متناقضة في تقييمها تستند إلى تراث متعدد الجوانب. وفي حالة الإسلام، فإن فضيلة العلم كانت منذ بداية الأمر وثيقة الارتباط بمنحاه الأخلاقي. إذ ليس العلم في حقيقته الإسلامية سوى علم الدين، أي فقهه. وقد افترض ذلك في أجنته غزل خيوط الوحدة الخفية بين العلم والعمل. حقيقة إن هذه الوحدة لم تكن ملزمة للجميع، أو بصورة أدق إنه ما كان بإمكانها أن تبتدع نفس العناصر الموحدة عند جميع "علماء المسلمين". ولعل تجربة حجة الإسلام الغزالي أحد أهم واعمق النماذج بهذا الصدد. وليس مصادفة أن تكون تجربته في انتقاد "علماء السوء" في تاريخ الإسلام إحدى أهم التجارب المعرفية والأخلاقية الراقية، التي لم تفقد قيمتها مع مرور الزمن.

طبعا إن تجربة الغزالي كانت وثيقة الارتباط، من حيث نقدها لشخصية "علماء السوء المسلمين"،  بمقدمات معرفية وأخلاقية وبأسباب اجتماعية وسياسية. وهي مقدمات رفعها التصوف إلى مصاف الحقيقة المجردة، الا انها بقت ضمن المسار الواقعي لتجارب الإسلام الثقافي والسياسي، أي أن انتقاده استند إلى ما جمّعته "ثقافة الإخلاص". لكن الغزالي استمد مادته من حيث مضمونها وغاياتها العملية المباشرة من واقع الحياة الإسلامية آنذاك، التي كانت تشير في مجملها إلى معالم الانهيار السياسي والروحي للخلافة. ووجه انتقاده اللاذع إلى هذا الواقع من خلال نقد من دعاهم "بالمترسمين بالعلم"، أي أولئك، الذين استحوذ "على أكثرهم الشيطان وأغواهم الطغيان وأصبح كل واحد يعاجل حظه مشغوفاً. فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً حتى ظل علم الدين منهم مندرساً. ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام عند تهاوش الطغام، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام، أو سجع مزخرف". وهو موقف لم يكن معزولا عن تجربة الإمام الغزالي نفسه بدهاليز "العلم السيء"، الذي أعطى له إمكانية تحديد هوية الوجود الشخصي في حدّه وحقيقته. كما عمّق في الوقت نفسه حساسية الرؤية الانتقادية، التي لم تعد مجرد رد فعل أو مجرد تأمل عقلي بارد، بقدر ما كانت نتاجا لما يمكن دعوته بوهج التقييم الذوقي، الذي يرى كمال العالم في وجوده بما في ذلك نواقصه. لكن إذا كانت النواقص فنوناً وأصنافاً، فإن كسادها في العلم هو تعجرف علمائه، أي كل ما يعطي لجهلهم قوة الهجوم ولرذيلتهم طعم الانتقام. وليس مصادفة أن يقول في إحدى عباراته الحادة بهذا الصدد "كيف "تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم، وعبادتهم خدمة أغنيائهم، وذكرهم وساوسهم، وفكرهم استنباط الحيل لما تقتضيه حشمتهم. فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر من نور الإيمان؟! بإلهام إلهي ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها؟ أم بكمال علمي وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران؟" وسوف يدفع هذا الانتقاد إلى إحدى درجاته القصوى عندما شدد في كتاب "الإملاء" على أنه "لا برّ يجمعهم بل اجتمعوا على الكفر. وأن قلوبهم تصفو على الخديعة والمكر. فهم "الجهال في علمهم، البخلاء من الله بأنفسهم. لا يفلحون ولا ينجح تابعهم. لذلك لا تظهر عليهم مواريث الصدق، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية، ولا تخفق لديهم أعلام المعرفة، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية، لأنهم لم ينالوا أحوال النقباء ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء وكرامة الأوتاد وفوائد الأقطاب".

وهي فكرة استقاها من رؤيته الواقعية والأخلاقية تجاه من هو حوله، بعد أن قاسها بمقاييس بديله الإصلاحي الشامل في "إحياء علوم الدين". إذ لم يجد في اغلب من هو حوله من علماء عصره سوى "أهل سخافة ودعوى، وحماقة واجتراء، وعجب بغير فضيلة ورياء، يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا". وربط هذه النتائج المزرية لحالة "علماء المسلمين" المعاصرين له بالجهل بالنفس. فهو المبدأ الضروري والروحي للذات المفكرة. وذلك لأنه لا يمكن بلوغ حقيقة السعادة والحقيقة حسب نظره، خارج وعي الذات أو بمعزل عنها. فهي مقدمة إدراك حقيقة الحق. وآنذاك فقط سيكون بإمكانه معرفة علة أهل الباطل ودواء أهل الضعف وأهل القوة معاً. وإن غياب هذه المعرفة هو السر القائم وراء ما دعاه الغزالي باحتجاب "علماء السوء" بالجهل وسخافاته، والإصرار وتهاونه، ومحبة الدنيا وتطويل الغفلة، وإظهار الدعوى وكبرها ورياءها، أي كل ما يشير إلى حالة الزيف الديني الأخلاقي، التي أفرد لها مقاطع واسعة في كتاباته من أجل إماطة اللثام عنها في ظاهر "علماء السوء" وباطنهم.

ولم يقف في انتقاداته الشاملة للزيف بشكل عام وزيف "علماء السوء" بشكل خاص، أي أولئك الذين همهم خدمة السلطان (السلطة) والمناصب، بل وتعداه إلى كافة ممثلي النخب المفكرة، بما في ذلك متصوفة زمانه. إنه أراد الكشف عن أن الوحدة الداخلية بين اطروحات ومبادئ الذات المفكرة وبين ممارساتها العملية هي معيار الحقيقة الأخلاقية. من هنا كان انتقاده لسلوك "علماء السوء" في مختلف الميادين والمستويات مرتبط بنظراته عن طبيعة العلاقة القائمة والواجبة بين العالم والعلم في تأثيرهما الفردي والاجتماعي، العلمي والأخلاقي. فالعالم إما مالك وإما هالك! ومن هنا لا يمكن تذليل التناقض بين الواقع والمثال، والعلم والعمل، إلا من خلال تثوير عالم الروح الأخلاقي وتنويره. بعبارة أخرى إن الغزالي يدرك إمكانية استعمال العلم كوسيلة للعلو الاجتماعي والسياسي في نظر العوام بما في ذلك من جانب العلماء الصالحين، الا أن العلم يتحول في هذه الحالة إلى ما يمكن مقارنته بالخبث الخفي المبطن. وعندما يطالب العلماء بضرورة العزلة وطلب الخمول ودفع الفتاوى فإنه لم يقصد بذلك سوى جبرهم على "امتحان النفس" من أجل امتلاك عنانها. فالحقيقة في نهاية المطاف هي الحق. والحق هو الحقيقة. وهي الفكرة التي وضعها في صلب انتقاده لكل فرق الإسلام، أو ما اسماه بأصناف المغرورين منهم.

وهو انتقاد استند إلى تدقيق ومحاسبة تاريخية وروحية وفكرية كبرى للإمام الغزالي رسم الكثير من ملامحها في أغلب كتبه المتأخرة، وبالأخص في "المنقذ من الضلال"، عندما صورها على مثال تجربته الخاصة بهذا الصدد. إذ نعثر فيه على تصوير دقيق لمعاناته النفسية والروحية والفكرية، المترتبة على أزمته الفكرية والأخلاقية. حيث كتب بهذا الصدد يقول: "كنت أجاهد نفسي أن أدرّس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إليّ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة. حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب. فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة. وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب. ومنه سرى إلى المزاج. فلا سبيل إليه بالعلاج. إلا بأن يتروّح السر عن الهمّ الملّم".

لقد أراد الغزالي القول، بان "عالم الدين" الحقيقي هو من تتكامل فيه وحدة العلم والعمل، أي الحق والحقيقة. فهو الأسلوب الوحيد للتحرر مما دعته المتصوفة برقّ الاغيار، أي التحرر من العبودية لكل ما هو غير الحق. حينذاك فقط يمكن للعلاج أن يأخذ طريقه إلى روحه وجسده. وهو علاج نابع من الذات أولا وقبل كل شئ. بينما لا نرى عند "علماء المسلمين" المعاصرين عقلة في ألسنتهم ولا حزنا في قلوبهم ولا انقطاع شهية في أكلهم وشرابهم! بل على العكس من ذلك، نرى انسياغ الثريد وهضم اللقمة وعدّ الدينار والدرهم (أو بصورة أدق الدولار) على افضل حال. وهو الأمر الذي يشير إلى انهم لم يرتقوا إلى إدراك الحقيقة القائلة، بان الحق هو الحقيقة، والحقيقة هي الحق. أي انهم لم يرتقوا إلى مقام التوبة التي تفترض التحرر كليا من رق الاغيار بالارتقاء إلى مصاف الإخلاص الشامل، أي إلى مصاف الدفاع عن الحق. فالجوهري في الإسلام هو الحق، أي كل ما يفترض وجود النسبة الواقعية والعقلانية للعدل والاعتدال في المواقف تجاه الإشكاليات الفعلية التي تواجهها الأمة. بينما لم يكن "تاريخ" اغلب هيئات "علماء المسلمين" سوى زمن جاهلي في حقيقته! فقد كان الهمّ الشاغل لمكوناتها خدمة السلطان، أي التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. والقضية هنا ليست فقط في أننا لا نعثر بينهم على شهداء على امتداد زمن السلطة البائدة، بل وعلى اعتداد فاضح في "قيادة" المظاهرات للدفاع عن نظام الطاغية، بما في ذلك في حمل السلاح والتلويح به أمام عدسات الكاميرات ووسائل الصحافة والإعلام! وهو الأمر الذي يشير إلى طبيعة وحجم الارتباط المادي والمعنوي بينها وبين التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. بل يمكننا القول، بأنه ارتباط شبه عضوي مبني على الجهوية والطائفية، التي تتغطى الآن بألواح متكسرة مما يسمى بالصراع ضد الاحتلال! وهي كلمة حق يراد بها باطل. فالهم الحقيقي لها ليس سوى "استعادة" الهيبة المزيفة ومصادر الثروة المنهوبة والقرب المتملق من السلطة، التي تعرضت إلى تدمير شبه شامل بعد سقوط التوتاليتارية والدكتاتورية. وليس مصادفة أن نرى هذه الاستماتة العنيدة في "إثبات النفس" على كل مائدة يمكن أن تعطي "أكلها"، سواء كان بأداء "عمل الوسيط" بين مجرم وضحية، و"مقاوم" و"محتل" وسجين وسجان، وخاطف يبحث عن "فتوى" ومستعد للإفتاء وما شابه ذلك. وهو سلوك يدلل على أن هذه الهيئات مازالت تدور في نفس الفلك العام لتقاليد "علماء السوء" العراقية القديمة التي صورها وأدانها الإمام الغزالي قبل حوالي تسعمائة سنة!! فهل هناك من ضرورة للانتظار قرن من الزمن من اجل أن "يظهر لهذه الأمة من يجدد لها هذا الدين"؟ أي هل هناك من ضرورة للانتظار مائة سنة أخرى من اجل أن تكتمل ألفية تامة لكي تتضح معالم الانحراف الشامل عن الحق والحقيقة فيما تمثله مختلف هيئات "علماء المسلمين"؟ أي هل هناك من ضرورة لبراهين وأدلة جديدة لكي يصبح من الضروري بالنسبة لمختلف هيئات "علماء المسلمين" أن تدرك بأنها "هيئات" علماء السوء من اجل إعادة النظر بحقيقة علمها وعملها بما يخدم فكرة الشرعية كما هي في الدولة والمجتمع العراقيين؟!


الامامة والحكومة: ملاحظات على كتاب (الاسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق

عبد الهادي فنجان الساعدي

في خطوة رائعة جداً واصيلة، قامت مؤسسة المدى باصدار كتاب شهري، في خطوة منها لاشاعة مجانية الثقافة ولجعل الكتاب في متناول الجميع. وقد كان الاختيار موفقاً وحيوياً ويمتاز بالجرأة لان الكتاب المطروح (الاسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق كان قد اثار ضجة في الاوساط الدينية التقليدية. فهو اذن كتاب غير تقليدي، ولغرض تفعيل هذه الخطوة قررنا ابداء بعض الملاحظات التي وجدنا ان التعليق عليها والاجابة عما طرح في الكتاب من طروحات اصبح امراً ضرورياً، راجين ان يتسع صدر القائمين على المؤسسة ورجال الثقافة الافذاذ لمثل هذه الطروحات التي تمثل وجهات نظرنا حول بعض ما موجود في هذا الكتاب القيم.

جاء في الباب الثاني (حكم الخلافة، ص19، السطرين 10-11) ما يأتي "فإذا تواطأت الامة على العدل، وتنفيذ احكام الله تعالى، لم يحتج إلى امام ولا يجب نصبه" وهذ هو رأي بعض الخوارج!

وتعليقنا على هذه الفقرة هو انه لم يحدث على مدى التاريخ ان تواطأت الامة على العدل وتنفيذ احكام الله تعالى دون امام وهذا افتراض طوباوي.

والدليل الآخر مستقى من نفس الكتاب (ص21) حيث يقول عن الاستدلال في نصب الامام بالاحاديث الصحيحة السطر الأخير "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، وفي رواية أخرى "من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية" وهذا الحديث منقول عن عبد الله بن عمر.

الملاحظة الثانية كانت حول ما جاء في الاسطر (8-9-10، ص20) "لم نجد فيما مر بنا من مباحث العلماء الذين زعموا ان اقامة الامام فرض، من حاول ان يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله الكريم".

ونحن نستند الى أن آية الولاية نزلت في مسألة الامامة والاسناد هو ما اخرجه أبو اسحاق الثعلبي(1) في تفسيره الكبير بالاسناد إلى ابي ذر الغفاري حيث قال: سمعت رسول الله (ص) بهاتين وإلا صمتا ورأايته بهاتين وإلا عميتا يقول "علي قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله". اما اني صليت مع رسول الله (ص) ذات يوم فسأل سائل في المسجد فلم يعطه احد شيئاً. وكان علي راكعاً فأومأ بخنصره إليه وكان يتختم بخاتم بها، فاقبل السائل حتى اخذ الخاتم من خنصره فتضرع النبي (ص) إلى الله عزوجل "اللهم ان اخي موسى سألك فقال "رب اشرح لي صدري ويسر لي امري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من اهلي هارون اخي اشدد به ازري واشركه في امري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً انك كنت بنا بصيراً" فاوحيت إليه "قد أوتيت سؤلك يا موسى" "اللهم اني عبدك ونبيك فاشرح لي صدري ويسر لي امري واجعل وزيراً من اهلي اشدد به ظهري" قال أبو ذر فوالله ما استتم رسول الله (ص) الكلمة حتى هبط الأمين جبريل بهذه الآية "انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون"(2).

وقد جاء في الاسطر (20،19،18،17 ص21) ما ينفي وجود نص في السنة على امامة المسلمين حيث يقول "بل السنة كالقرآن أيضاً قد تركتها ولم تتعرض لها، يدلك على هذا ان العلماء لم يستطيعوا ان يستدلوا في هذا الباب بشيء من الحديث ولو وجدوا لهم في الحديث دليلاً لقدموه في الاستدلال على الاجماع ولما قال صاحب المواقف ان هذا الاجماع ما لم ينقل له سند".

تراجع في هذا الباب خطبة الوداع وفيها الجواب الشافي ومن يدعي بان السنة خلت من امر الخلافة هو جاهل في التاريخ الإسلامي.

اما ما يسند كلامنا من آثار رسول الله(ص) فهو الحديث النبوي الشريف "ان هذا اخي ووصي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له واطيعوا"(3).

إضافة إلى ذلك الحادثة التالية التي نقلت عن طريق الكثير من الاسانيد المهمة التي سندرجها في الهامش. حيث وصل خبر ولاية علي بن ابي طالب في غدير خم وتنصيبه خليفة على المسلمين وقول رسول الله(ص) لهم: "فليبلغ الشاهد الغائب". وصل الخبر إلى الحارث بن النعمان الفهري ولم يعجبه ذلك فاقبل على رسول الله(ص) واناخ راحلته امام المسجد ودخل على النبي(ص) فقال: يا محمد انك امرتنا ان نشهد ان لا اله إلا الله وانك رسول الله فقبلنا منك ذلك، وامرتنا ان نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة ونصوم رمضان ونحج البيت فقبلنا منك ذلك، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي بن عمك وفضلته على الناس وقلت "من كنت مولاه فعلي مولاه" فهذا شيء منك أم من الله؟..".

فقال رسول الله(ص) وقد احمرت عيناه "والله الذي لا إله إلا هو  انه من الله وليس مني" قالها ثلاثا.

فقام الحارث وهو يقول "اللهم ان كان ما يقول محمد حقاً فارسل علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب إليم "قال فو الله ما بلغ ناقته حتى رماه الله من السماء بحجر وقع على هامته فخرج من دبره ومات فانزل الله سبحانه وتعالى "سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع"(4).

وقد جاء في السطرين 5-6 من ص26 ما يلي: "من الملاحظ البين في تاريخ الحركة العلمية عن المسلمين ان حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الأخرى أسوأ حظاً).

ونقول ان السبب في ذلك كان لاعتبار المسلمين ان السياسة تفسد دين الإنسان وقد جاء في المأثور عن الإمام علي(ع) انه قال "السياسة فساد".

كما جاء في احدى رسائله الموجهة إلى معاوية بن ابي سفيان ما نصه (انك لداهية واني لأدهى منك ولكني لا افسق ولا افجر".

كما جاء في السطر (22 ص26) ما يلي "فان معارضتهم للخلافة نشأت إذ نشأت الخلافة نفسها".

ونقول ان النشأة الخطأ تولد معارضة "كبيرة"(5) ولكن النشأة الصحيحة تولد معارضة "قوية"(6).

وقد جاء في السطرين 20/ 21 من ص29 ما يلي "قال امير المؤمنين هذا "وأشار إلى معاوية" فان هلك فهذا "وأشار إلى يزيد" فمن أبى فهذا "وأشار إلى سيفه" وفي المقابل نجد الموقف الإنساني والاصيل الآخر الذي يبين دقة الاحكام وصواب القرارات من خلال الردود الايجابية الصحيحة حيث يظهر ذلك عندما يأتي احد أبناء الصحابة ويقول للامام علي(ع) بعد ان بايعه الناس "انا لا ابايعك" فرد عليه الامام(ع) وانا في حل من بيعتك "فترى الفارق الكبير بين الكفتين).. حيث الخلافة التي قامت بإرادة الناس واتبعت التشريع الإسلامي الصحيح وبين الخلافة التي قامت على المكر والخديعة والتهديد بحد السيف.

والملاحظة الأخرى التي تثير الانتباه جاءت في السطرين (20،19 ص30 والتي جاء فيها "اثرا من آثار حب الخلافة والغيرة عليها ومن وراء الحب والغيرة قوة قاهرة وكذلك القول في دولة بني عثمان".

ويظهر هنا في هذا الباب تأثر الكتاب الشديد بما يطرحه السير ارنولد حول الخلافة.

اما ما جاء في الاسطر (15،14،13،12،11،10) ص48 من الاستشهادات بالآيات الكريمة من كتاب الله فهو غاية في الدقة والاتقان حيث يدحض كل افتراءات الإرهابيين والسلفيين الذين يستغلون الدين ستاراً لهم في قطع رقاب الناس وتكفير المسلمين الذين لا ينهجون منهجهم وهدر دماء المخالفين لهم.

اما تعليقنا على الاسطر (21، 22، 23 من ص63) فهو باختصار ان الحكم ما هو إلا وسيلة لسياسة الناس وقيادتهم ولكن الاختلاف في نوع هذه الوسيلة ومدى شرعيتها.

كما جاء في السطر 26 من نفس الصفحة ما يلي "فلعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان".

نقول ان هذا الوصف لا ينطبق على الجهاد من حيث القدسية والاهداف الربانية الشريفة ولهذا السبب فقد شرع العلماء المسلمون أربعة عشر شرطاً للجهاد وبهذا تنتفي صفة الشر من اجل الخير عن فريضة الجهاد.

وقد جاء في السطرين 1ـ2 ص73 "وقد لحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الاعلى من غير ان يسمي احدا يخلفه من بعده ولا ان يشير إلى من يقوم في امته مقامه".

كما جاء في الاسطر 13ـ14ـ15 ما يلي: "واعلم ان الشيعة جميعاً متفقون على ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عين علياً رضي الله تعالى عنه للخلافة على المسلمين من بعده ولا نريد ان نقف بك عند مناقشة ذلك فان حظه من النظر العلمي قليل لا ينبغي ان يلتفت إليه".

ونقول اولاً ان الرسول (ص) قال في المأثور من الحديث "لا تصلوا علينا الصلاة البتراء" والعلمية التي ينتهجها الكاتب تحتم عليه اتباع قول الرسول(ص): اما الملاحظة الثانية فهي ان هذا النفي في الفقرة الاولى والثانية انما يدل على طائفية محضة مؤسفة بعد ان اقر بانه يتبع الأسلوب العلمي في تحليلاته ولو كان المجال يتسع لمناقشة هذه الفقرة فقط لجئنا بمئات المصادر التي تثبت بالدليل القاطع ان مخالفة هذا الأمر هو المنعطف الذي ولد الفتنة كما يقول عميد الأدب العربي د.طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى(7).

 

الهوامش

(1) أبو اسحاق احمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي المتوفى سنة 537.

ذكره ابن خلكان وقال "كان اوحد زمانه في علم التفسير صحيح النقل موثوق به".

(2) الجمع من الصحاح الستة. صحيح النسائي. مسند احمد. ابن حجر العسقلاني في صواعقه المحرقة وكذلك رواها ابن ابي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة ولا خلاف عليها عند الشيعة كما رويت في العديد من كتبهم من امثال:

1ـ بحار الانوار للمجلسي

2ـ اثبات الهداة للحر العاملي.

3ـ تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي.

4ـ تفسير الكاشف ـ محمد جواد مغنية.

5ـ الغدير للعلامة الزيني.

وغيرهم كثير كما روى نزولها في علي بن ابي طالب من علماء اهل السنة والجماعة جمع غفير منهم من علماء التفسير.

1ـ تفسير الكشاف للزمخشري ج1، ص649.

2ـ تفسير الطبري ج6 ص288.

3ـ زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ج2 ص283.

4ـ تفسير القرطبي ج6 ص219.

5ـ تفسير الفخر الرازي ج2 ص26.

6ـ تفسير ابن كثير ج2 ص71.

7ـ تفسير التسفي ج1 ص289.

8ـ شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج1 ص161.

9ـ الدرر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ج2 ص293.

10ـ أسباب النزول للامام الواحدي ص 148.

(3) 1ـ تاريخ الطبري ج1 ص319.

2ـ تاريخ ابن الاثير ج2 ص62.

(4) 1ـ شواهد التنزيل للحسكاني ج2 ص286.

2ـ تفسير الثلعبي في سورة سأل سائل بعذاب واقع.

3ـ تفسير الثعلبي ج18 ص278.

4ـ تفسير المنار رشيد رضا ج2 ص464.

5 ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 328.

6ـ الحاكم فيما استدركه على الصحيح ج2 ص501,

7ـ السيرة الحلبية ج3 ص275.

8ـ تذكرة الخواص لابن الجوزي ص 37,

(5) كبيرة = شعبية واسعة: الهاشميون /الانصار/ الصحابة واتباع هؤلاء.

(6) قوية = عناصر لا شعبية ولكن من موقع التأثير السياسي والاقتصادي من امثال الجماعة التي قادت حرب الجمل.

(7) سبق ان اشرنا في الهامش إلى المصادر التي تفي هذا الموضوع حقه بطريقة توثيقية علمية.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة