اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

حتى لا يخرب الدفاع الاعمى عن سياسات بوش وروح الليبرالية

د. ثائر كريم

يلوث روح الليبرالية ويخربها كل من يدعي تبنيها ويدافع بنفس الوقت عن سياسات جورج بوش الابن ورؤيته للمنطقة والعالم. اجد هذا التلويث بارزاً في مقالات اللبراليين الجدد، مثل د. شاكر النابلسي.

فكيف تتواءم الليبرالية (العلمانية في صلبها) مع منطق سياسي يستند في جوهره وتطبيقاته (كما يعلن جورج بوش الابن ويبين بلا مواربة) على تصورات اصولية دينية بحتة؟ تصورات مسيحية بأفكار يهودية سلفية. هنا تكمن واحدة من المثالب الكبرى لهذه الادارة الامريكية: تطرح رؤيتها للعالم والمنطقة وسياساتها لمواجهة الاصولية والارهاب والعنف انطلاقاً من اصولية تتبنى العنف وسيلة حاسمة للتغيير.

بعد 11 ايلول بدأ بوش مسيرته " الاخلاقية" بالإفصاح عن شعار استعلائي معاد لروح الديمقراطية مفاده من ليس معنا هو ضدنا وراحت هذه الادارة الامريكية تطالب الجميع بالمساعدة غير المشروطة في حربها ضد الارهاب. وعلى الكل ان يصطف مع الادارة ومنهجها لكيفية محاربة الارهاب. وهو منهج عادة ما يبدأ بالوعيد والتهديد وينتهي بالحرب. هي رؤية لا ترى غالباً الا الحرب اسلوباً على الارهاب. الحرب والعنف هما الوسيلة وخصوصاً ضد العرب والمسلمين جرياً على زعم همجي، مغلوط بجوهره ان العرب والمسلمين لا يعرفون الا لغة العنف.

أية مجموعة بشرية تقبل في صلب اخلاقها ان يتعامل الاخرون معها بهكذا منطق؟ وهل يمكن للعنف حقاً ان ينهي ارهاباً تمتد جذوره عميقاً في اللاعدل والفقر والتهميش والحاجة؟ وهل تتواءم اللبرالية مع المراقبة الدقيقة التي تقوم بها المؤسسات الامنية الامريكية لانواع الكتب (غير المستحسنة) التي يقرؤها الناس؟ وما يستعيرون من كتب من المكتبات؟ وهل تتواءم مع اقامة معسكرات اعتقال ضخمة لا يعرف من ينقل اليها كيف ومتى وبأية طريقة سيحاكم؟

في الوقت الذي تغدق فيه الادارة الامريكية مئات الملايين بل مئات المليارات من الدولارات على هذه الحروب يبقى الانسان فقيراً. الانسان العربي والمسلم وحتى الامريكي نفسه ففي زمن بوش زاد الاغنياء من غناهم وانحدر الفقراء في هاوية اعمق من الفقر والحاجة. ويعيش ملايين الامريكيين بعيداً عن متطلبات الحياة الكريمة وصارت الولايات المتحدة  الان ابعد عن ان تكون مثلاً عالياً يتطلع اليه الناس الحالمون ببناء مجتمعات انسانية والعاملون على تحقيق ذلك. لعل البلدان الاسكندنافية كالنرويج هي اقرب ما يكون من هذا المثال مرات كثيرة مما تفعل الولايات المتحدة.

لم يأل خيرة الكتاب والمثقفين والفنانين الأمريكيين في تبيان ان زمن النقد البناء والحوار الاجتماعي والسياسي المفصل حتى الملل المعروف في الولايات المتحدة الان مهدداً بكل معنى الكلمة فالنقد ضد الادارة وسياساتها سرعان ما يفسره المنافحون عنها الى اصطفاف مع الارهاب.

هذا النفاح هو الارهاب الفكري بذاته وهو يذكر بالدفاع الاعمى عن الاتحاد السوفياتي ( الاصطفاف مع السوفيات هو معيار الوطنية)و (من لا يقف في معسكر الاتحاد السوفياتي فهو امبريالي وليس وطنياً) الا يذكر هذا الارهاب ايضاً بالسيف الاسرائيلي القبيح (من ينتقد دولة اسرائيل وسياسااتها العنصرية ومن يعارض احتلالاتها الاستيطانية فهو معاد للسامية والدين اليهودي).

تتناقض سياسات بوش في جوهرها مع حق ابداء الرأي وتوسيع الحوار. الحق الذي لا تقم للديمقراطية قيامة بدونه. اريد من كل قلبي ان ارى ان امريكا تريد الديمقراطية للعراق ولكل المنطقة لكنني اعرف بكل جوارحي ان هذه الديمقراطية لا يخلقها الا ابناء البلد بأنفسهم وليكن بمساعدة الاخرين ومن بينهم الامريكان واهلاً وسهلاً بالجميع للمساعدة في هذا المضمار ولكن وفقاً لقواعد واصول وكيلاً بمكيال واحد، وانطلاقاً من مبادئ واضحة صريحة تشمل الجميع.

اتمنى ان تسهم الادارة الامريكية ببناء الديمقراطية في العراق لكنني ارى في الواقع شيئاً آخر ارى ان الامريكان لا يزالون يتخبطون خلصوا البلاد من ابشع استبداد عرفته في جل تاريخها لكنهم ادخلوها في فوضى طاحنة عرفوا كيف يزيلون طاغية لكنهم في عجلتهم لم يفكروا بعواقب فترة ما بعد الاستبداد ولم يكل ممثلوها في القول انهم اعرف من الآخرين بطريقة ترتيب البيت وكيفية العيش.

تريد هذه الادارة الامريكية الديمقراطية للعراق لكنها زادت من معاداة الايرانيين والسوريين والكثير من الخليجيين لنا في وقت نحن بأمس الحاجة فيه للاستقرار السياسي. تريد الادارة الامريكية الديمقراطية للعراق مدخلاً لتغيير خارطة المنطقة لمصلحة المساواة السياسية والعدل. ولكنها ذاتها لا تعدل في القضية الفلسطينية لننتقد بكل قسوة كل القادة الفلسطينيين لنزد من نقدنا مرة واخرى اليوم وغداً لنطالب بالإصلاح والتغيير. لكن القضية الفلسطينية تبقى قضية عادلة قضية شعب يعاني الملايين منه قسوة ما بعدها قسوة، من معاناة إنسانية تدمي القلب صورة معاناة ليست على البال والخاطر. فكيف تريد هذه الادراة بناء مجتمع عادل في العراق وهي لا تعدل في قضية عادلة؟

لا نريد طابوراً خامساً في بلادنا حتى وان سمى نفسه ليبرالياً، نريد، على العكس تماماً ليراليين يوجهون بشجاعة نور الحرية في زوايا منطقتنا المظلمة، ليبراليين يحبون امريكا حين تكون سياساتها عادلة وغاياتها خيرة، امريكا المحبة للعلم والبحث والتقدم ، امريكا المساهمة في تعزيز الامم المتحدة والانخراط بها سلمياً وسواسية مع الآخرين امريكا الساعية بكل جد مع المخلصين في الامم المتحدة الى اعتبار حقوق الانسان هدفاً سياسياً ثابتاً يجب على كل الدول احترامه امريكا العاملة ، سليماً، على الوصول الى عالم خال من اسلحة الدمار الشامل ، ثمة الملايين من يمثل هذه الامريكا الجميلة.  لا اعتقد ان بوش واغلب طاقمه ورؤياه وسياساته هم من يمثلون هذا الوجه الانساني لأمريكا.

لا تفعل تبريكات الليبراليين

 غير الوطنيين في اعادة انتخاب بوش ودفاعهم الاعمى عن سياسات بوش المعادية للديمقراطية الا في تشويه روح الليبرالية العلمانية. هو دفاع لا ارى أي معنى له ابداً. دفاع ياتي في وقت نحن بأمس الحاجة فيه الى توسيع الهجوم الليبرالي الوطني على اعداء الحرية وحقوق الانسان.

فيما يتعلق بي شخصياً، كنت واحداً من اوائل الكتاب الذي يدعون لمعرفة عوامل تخلفنا قبل ان نلقي اللوم على الآخرين ومن بينهم الامريكان وكنت و (لا ازال) واحداً من اشد المدافعين عن اقامة علاقة سليمة وراقية مع الولايات المتحدة و لكنني ايضاً اريد هذه العلاقة مبنية على احترام متبادل واستقلال انساني، علاقة تعترف بي انساناً مستقلاً كامل الحق في معرفة مستقبلي ما يهمني وما يضرني ليست علاقة مبنية على الاستعلاء والاكراه على قاعدة انني - اعرف بمصلحة نفسك اكثر من نفسك-.

ايها الليبراليون الجدد، نريدكم معنا ليبراليين علمانيين ووطنيين نكافح بروح العدل والمساواة ضد اعداء الحرية وحقوق الانسان اينما كانوا وليس بوقاً لاحد.


نظرية في فوز بوش بالانتخابات الرئاسية

علاء خالد غزالة

في يوم الانتخابات الامريكية، الثلاثاء 2 تشرين الثاني، نشرت في احد المواقع الالكترونية على الانترنت مقالا تنبأت به بفوز الرئيس الحالي جورج دبليو بوش في تلك الانتخابات، وبنت هذا الاستنتاج على حقيقة ظهور اسامة بن لادن في شريط مصور موجها كلمته الى الشعب الامريكي.

ولا ادعي انني الوحيد الذي تكهن بنتيجة الانتخابات استنادا الى هذا الحدث بالذات،  فقد نشرت في مواقع عديدة، وفي بعض الصحف المطبوعة، تكهنات مماثلة في النتيجة، وان كانت مختلفة في طريقة التناول. فقد عزا الكثير من الباحثين ظهور ابن لادن في هذا الوقت إلى تخطيط مسبق مع القيادة الامريكية لمساعدة الرئيس بوش على اعادة صور احداث ايلول وبطلها ابن لادن الى الواجهة. وطالما كانت رهان بوش الاول والاخير يقوم على حربه على ما يسمى بالارهاب، الذي يفترض ان يكون ابن لادن زعيمه المطلق، فان مثل هذا الشريط كفيل باحداث اكبر الاثر على الناخبين باتجاه التصويت لبوش.

والواقع انني لا املك دليلا حسيا يفند هذه النظرية. ولا اعتقد ان احدا يستطيع ذلك بأي حال. ذلك ان التآمر يقوم اساسا على تحقيق غاية ما باستخدام اساليب ووسائل قد لا تكون سليمة او حتى معقولة. فبالامكان دائما رد أية نتيجة او حدث الى تخطيط تآمري مسبق. ونادرا ما استطعت ان اثبت لمن يجادل باستخدام مثل هذه النظريات ان نظرية المؤامرة ليست صالحة دائما لتفسير المعطيات والحوادث. الا انني اتفق انها، على تعقيدها في بعض الاحيان، تساعد معتنقها على الوصول الى راحة نفسية من جهة معرفة الاسباب في الاقل.

ولكنني لا اجد مبررا كافيا للاعتماد على نظرية المؤامرة في تفسير الاحداث التي يمكن تفسيرها بشكل اكثر سلاسة بالطرق الطبيعية. واشير هنا الى نظرية علمية تقول ان أي تفسير (علمي) لحدث ما يجب ان يكون (سهلا)، واذا كانت هناك نظريتان لتفسير حدث واحد، فالاصح منهما هي (الاسهل)، أي التي تعتمد طرقا بسيطة وغير معقدة في التفسير. فاذا قلت لصاحبي الذي ينتظرني في الطابق الارضي من بناية ما انني (سأنزل) اليه، فربما سينتظرني عند السلم، رغم ان هناك وسائل اخرى (للنزول)، منها التدلي بالحبال مثلا.

وبالعودة الى موضوعة فوز بوش بناء على شريط ابن لادن، فان التفسير البسيط الذي اعتمدته ان ابن لادن رغب فعلا في ازاحة بوش عن السلطة، وان الرسالة وصلت الى الناخب الامريكي على هذا النحو، وبالتالي دفعت بعض المترددين الى التصويت لصالح بوش، واستدللت بتغير اسلوب اسامة بن لادن في الخطاب الحماسي الثوري. ولو كان بوش هو من طلب من ابن لادن فعل ذلك، لطلب منه ان يظهر كما عهده الشعب الامريكي، مهددا متوعدا مزمجرا، لا هادئا ساكنا بل وديعا ايضا.

كما ان مروجي نظرية المؤامرة لا يقولون لنا لماذا يعرفون هم تلك (الحقائق) التي يدعون معرفتها على وجه اليقين، ولا يعرف غيرهم بها، خصوصا أولئك الذين تمسهم بشكل مباشر (الأميركيين في هذه الحال)، اذ لماذا لا يتهم احد الرئيس الامريكي انه يقيم علاقات مع الارهابيين وانه يستخدمهم في حملته الانتخابية؟ اليس اثبات مثل هذا الاتهام كفيلاً بإسقاط ترشيحه؟ بلى، لو استطاع معارضو الرئيس الامريكي، او مؤيدو خصومه اثبات هذه النظرية، ولو من جهة كونها نظرية صالحة للبحث، لما ترددوا في ذلك ابدا.

ان الفشل في تفسير الاحداث على المدى القريب، واساليب الدعاية الموروثة عن الحرب الباردة، والتعتيم وعدم الشفافية الذي تتميز به الانظمة العربية، واستخدام كل وسيلة ممكنة لابعاد تفكير المواطن العربي عن واقعه غير السار، هي باعتقادي مسببات رئيسة لاعتناق نظرية ترجح عملاً تآمرياً، بدل استكناه الحدث وتحليله منطقيا للوصول الى مسببات حقيقية للاحداث. وطالما وجد من يؤمن بتلك النظريات فلن يكون ممكنا البحث في الواقع العربي بشكل عام.. فالنتيجة التي يصل اليها اولئك (المحللون) هي ان هذا شيء مخطط له، وان ما سيأتي بعده مخطط له ايضا، وهكذا دواليك.. ولسنا الا أحجارا في رقعة الشطرنج الكبيرة التي يلعب بها الكبار.

 فهل هناك واقع اكثر بؤسا من تصور حال الشعوب لا حول لها ولا قوة؟ ومن يستفيد من غسل الادمغة هذا؟  

 

 


خيبتنا بالانتخابات الامريكية

د. شاكر النابلسي

-1-

لا يوجد لوبي عربي فعال ومؤثر وضاغط في أمريكا. الموجود الآن في أمريكا تجمعات عربية لا رابط بينها، ولا قوة لها. والمرشح الأمريكي لا يهتم كثيراً بالأصوات العربية في امريكا لا احتقاراً لهذه الأصوات ولكن لأن الماكينة الانتخابية الأمريكية الهائلة والدقيقة لا تُدخل العرب الأمريكيين (حوالي 6 ملايين) في حساباتها، وذلك للاعتبارات التالية:

1-  العرب الأمريكيون يكرهون العمل السياسي عامة، ويبتعدون عنه. وما زالوا يرددون ما سمعوه من الآباء والأجداد في أوطانهم الأصلية من أن (السياسة نجاسة) وأن (السياسة وجع رأس) وانها (شباك الريح الذي على المرء أن يسدّه ويستريح). لذا نرى أن العرب في أمريكا من أقل الفئات عملاً ونشاطاً سياسياً. ومن هنا، فإن العرب الأمريكيين لا يشاركون حتى في الانتخابات البلدية على مستوى الولاية التي يقطنون فيها.

2-  العرب الأمريكيون قادمون من بلدان لم تمارس الانتخابات الديمقراطية. لذا، فهؤلاء لا تربية ديمقراطية سياسية لديهم. وهو منصرفون عن الانتخابات وعن اللعبة الديمقراطية لاعتقادهم  - كما كانت في بلادهم الأصلية - لعب بلعب وكذب بكذب وتزوير بتزوير. والعرب الأمريكيون في نشاطهم السياسي – إن وُجد – في أمريكا يطبّقون نفس المناهج السياسية العربية السائدة في الأحزاب العربية المتهافتة، والتي أثبتت فشلها في تحقيق أي مطلب شعبي طوال خمسين عاماً من رحيل الاستعمار، وبدء مرحلة الاستقلال.

3-  اللوبي العربي – إن وُجد – من أكثر اللوبيات العربية تدنياً في المستوى الثقافي والوعي السياسي. فهو لا يحتفظ بأي ارشيف أو معلومات أو دراسات عن الانتخابات الأمريكية، ولا عن المرشحين للرئاسة. وعلاقاته مع الماكينة الانتخابية الأمريكية علاقة تكاد تكون واهية جداً ، أو مفقودة في معظم الأحيان، فيما لو علمنا أن أكثر من خمسين بالمائة من العرب الأمريكيين هم من العاملين في أعمال بسيطة ومتدنية الأجر كمحطات الوقود والمطاعم والفنادق والمتاجر وغيرها.

4- اللوبي العربي، لوبي فقير جداً قياساً للوبي الصهيوني الغني جداً ، والذي يعتبر من أكثر اللوبيات الأمريكية غنى وتأثيراً في الانتخابات الأمريكية. وليس للوبي العربي أية مساهمات مالية تذكر في الحملة الانتخابية الحالية، أو في الحملات السابقة، اللهم ما عدا ما يأتي من الأنظمة العربية المؤيدة لهذا المرشح أو ذاك. وهذا عسير الوصول في معظم الأحيان لدقة تتبع مصادر التمويل للانتخابات الأمريكية، ومنع أية تبرعات تأتي من الخارج، وخلوها من أية مخالفة قانونية ما أمكن ذلك.

5- واللوبي العربي بوضعه التعيس والضعيف الحالي وبوضع العالم العربي التعيس والمشتت يريد من المرشحين للانتخابات الرئاسية الأمريكية أن يفعلوا المعجزات في الشرق الأوسط لشعوب شرق أوسطية لا تؤمن إلا بالمعجزات. وقد لا يكون بمقدور السياسيين الأمريكيين أن يقوموا بمعجزة إلا عن طريق قيام انقلاب عسكري أمريكي داخل أمريكا يقفز فيه الجنرالات إلى الحكم، ويحكمون اللوبي الصهيوني المسيطر بالحديد والنار، عائدين بعجلة التاريخ إلى عهد هتلر والرايخ الثالث، وربما كما قال بابكر مكي المحلل السياسي في 1986 سوف تستمر الإدارات الأمريكية في عدائها للعرب إلى أن تحكمها الديكتاتورية العسكرية. وهذا الانتظار لمعجزة أسطورية كهذه معناه أن يضمر العرب غضبهم على واشنطن وغبنهم من واشنطن حتى يوم القيامة، فيدخل الأمريكيون النار وندخل نحن الجنة. وقبل أن يحين موعد القيامة فإن العرب مطالبون بمحاسبة النفس على ما فعلت من عجب عُجاب يبدأ برفض ما يُقدم لهم من عروض سياسية منذ نصف قرن، وتفويت فرص سياسية ثمينة كان آخرها ما عُرض على عرفات في كامب ديفيد 1999، وينتهي بمطالبة أمريكا بأن تعطيهم ما لا يملكون، وما لا يستطيعون تحقيقه لأنفسهم بأنفسهم.

6-  اهتمام المرشح الرئاسي الأمريكي باللوبي العربي – إن وُجد – وزيارة مواقع القرار العربي – إن وُجدت – كالجمعيات والنقابات والمدارس والمراكز الدينية وغير ذلك، يعني حرمان المرشح الرئاسي من صوت اليهود المؤثر والقوي، وكذلك حرمان المرشح من أموال اللوبي الصهيوني الكريم مع المرشح الكريم مع مصالح هذا اللوبي. والمرشح الرئاسي لا يريد أن يفقد أصوات هذا اللوبي لا سيما أن اللوبي الصهيوني تقليدياً يصوّت دائماً للديمقراطيين لأسباب مختلفة منها أن هاري ترومان الرئيس الديمقراطي (1945-1953) كان هو الذي اعترف بدولة اسرائيل بعد اعلانها بدقائق في 1948 ، ودعمها دعماً كبيراً.

-2-

من جهل معظم العرب وخاصة العرب الأمريكيين بآليات الإدارات الأمريكية وعدم قراءتهم المتمعنة للتاريخ الأمريكي يظنون بأن ذهاب رئيس وتولي رئيس جديد سوف يُشكِّل فارقاً كبيراً في السياسة الأمريكية الخارجية. ربما يكون هذا في دولة "الزعماء الضرورة"، وفي دولة القادة المُلهَمين، آباء الشعوب وملهميهم. ولكن لا أثر كبيراً للرئيس في دولة المؤسسات الديمقراطية التي تحكمها هذه المؤسسات، ولا يحكمها الأفراد. فأمريكا كباقي دول العالم الديمقراطية تسير فيها الدولة، وكأنها طائرة بلا طيار. وعندما اختفى بعض الرؤساء الأمريكيين فجأة عن طريق الاغتيال كأبراهام لينكولن في عام 1856 وكجون كيندي في  عام 1963، لم يتغير شيء في السياسة الخارجية الأمريكية، ولم تهتز امريكا سياسياً كما اهتزت وتغيرت السياسة العربية الداخلية والخارجية مثلاً عندما غاب زعيم كعبد الناصر عن مصر، وحافظ الأسد عن سوريا. والسياسة الأمريكية نحو مشاكل الشرق الأوسط وخاصة ما يتعلق بفلسطين والعراق، والموقف من دول الخليج التي يعوّل العرب المصممون على انتخاب جون كيري على تغييرها وتعديلها ليست مرتبطة بشخصية الرئيس وطريقة تفكيره بقدر ما هي مرتبطة باستراتيجية أمريكية، تنظر أولاً أين مصلحتها في الشرق الأوسط وتتبع هذه المصلحة بغض النظر عن مصالح الآخرين. وهذا ما لم يفهمه العرب وما لم يجتهدوا فيه لكي تلتقي مصالحهم مع المصالح الأمريكية ولكي تتحقق مصالحهم، وهو ما قامت به اسرائيل بذكاء كبير، وحصافة سياسية.

-3-

لماذا كان على العرب الأمريكيين وغير الأمريكيين تأييد الرئيس بوش وليس كيري في هذه الانتخابات؟

إن العقل السياسي السليم يقول لنا:

1- أن التاريخ الأمريكي يخبرنا بأن عدد الرؤساء الأمريكيين (1789-2000) بلغ 42 رئيساً، وأن الذين أُعيد انتخابهم من الرؤساء الأمريكيين كان 24 رئيساً منهم 13 رئيساً جمهورياً و 4 رؤساء ديمقراطيين فقط، والبقية كانوا فيدراليين كجورج واشنطن (1789-1797) وجون آدمـز (1797-1801) وجمهـوريين ديمقراطيين كتومـاس جيفرسـون (1801-1809) وجيمس ماديسـون (1809-1817) وجيمس مونرو (1817-1825). ومن هنا نرى أن حظ الجمهوريين في ولاية ثانية كان أكبر بكثير من حظ الديمقراطيين في تاريخ الانتخابات الأمريكية.

2- إن الرئيس الأمريكي في ولايته الأولى لا يفعل الشيء الكثير خاصة بالنسبة للسياسة الخارجية البالغة التعقيد والكثيرة المشاكل. وقد لاحظنا أن الرؤساء الذين أُعيد انتخابهم هم الذين كانوا فاعلين وفعّالين في السياسة الأمريكية الخارجيـة كأيزنهاور (1953-1961)  ونيكسون (1969-1974) وكلينتون (1992-2000). ففي الولاية الأولى يقضي الرئيس السنة الأولى للتعرف على المفاتيح والطرق والأفكار والرجال من صانعي القرار الدولي. وفي السنة الثانية والثالثة يصرف جُلَّ اهتمامه إلى الشؤون الداخلية والقليل القليل إلى الشؤون الخارجية. وفي السنة الرابعة يُركّز الرئيس كل جهوده على الانتخابات للفوز بولاية ثانية. وفي الولاية الثانية، يلتفت إلى الشؤون الخارجية والقضايا المعلقة ويكون أكثر عدلاً وانصافاً وهدوءاً مما كان عليه في الولاية الأولى، حيث لا يخشى من تأثير اللوبيات عليه.

3- أن الرئيس جورج بوش أعطى للعرب من الفرص والمبادرات والأفعال السياسية ما لم يعطه أي رئيس امريكي سابق. فهو الذي أعلن تعهداً بقيام دولة فلسطينية في عام 2005 وكان على العرب الأمريكيين أن يعيدوا انتخابه لكي يحقق ما وعد به، شرط أن يكون السياسيون العرب على مستوى المسؤولية لمثل هذا الوعد. وهو الذي حرر افغانستان من حكم القرون الوسطى المتخلفة، وأقام نظاماً سياسياً فيها،كانت أبرز مظاهره الانتخابات الأفغانية الحرة لأول مرة في أكتوبر 2004. وهو الذي يجهز العراق الآن لانتخابات حرة في مطلع 2005 . وهو الذي يحارب الارهاب حرباً لا هوادة فيها في الشرق الأوسط دفاعاً عن مصالح أمريكا، وعن مصالح دول الخليج كذلك. وهو الذي سيحاول في ولايته الثانية نزع أسلحة الدمار الشامل من إيران وكوريا الشمالية كما فعل في العراق وليبيا. وهذه كلها انجازات في الشرق الأوسط لم يفعل مثيلاً لها أي رئيس أمريكي سابق.

ولو كان العرب الأمريكيون منصفين وعقلاء لا يتبعون الغوغاء الأمريكية التي تكره بوش لشخصه، لكونه من أبناء الدماء الزرق، وابن عائلة غنية ارستقراطية، وابن رئيس جمهورية سابق، وشقيق حاكم ولاية كبيرة كفلوريدا، وخطيب عيي لا يُجيد الكلام، ومحافظ في الدين والأخلاق والسلوك... لو كان العرب الأمريكيون منصفين لانتخبوا بوش لا كيرى، لأن التاريخ الأمريكي يقول أن الديمقراطيين منذ عهد ايزنهاور إلى الآن، لم يقدموا للعرب ربع ما قدمه الرؤساء الجمهوريون، وعلى رأسهم جورج بوش الأب والأبن، رغم أنني لست جمهورياً ولا ديمقراطياً .

 

 

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة